افتح القائمة الرئيسية

نص خطاب أسامة بن لادن 4 جمادى الثاني 1427 هـ – 30 يونيو/حزيران 2006 م

الحمد لله، ثم الحمد لله، الحمد لله القائل:

{وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [آل عمران:169-170].


والصلاة والسلام على نبينا محمد، القائل:

(والذي نفس محمد بيده، لوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل).


أما بعد؛


فلقد فُجعت أمتنا الإسلامية بفارسها المقدام، أسد الجهاد، ورجل الحزم والسداد؛ أبي مصعب الزرقاوي أحمد الخلايلة، إثر مقتله بغارة أمريكية آثمة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فنرجوا الله أن يكرمه بما تمنى فيتقبله في الشهداء، ويجزل له المثوبة والعطاء، ويحسن لأهله و ذويه العزاء.


أيها المسلمون؛ إن المصاب جلل، والخطب عظيم، ونَحُثُكُم على الجميل؛ وهو الصبر، ونُرَغِبُكُم في الجزيل؛ وهو الأجر.


كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر *** فليس لعين لم يفض ماؤها عذرُ

فتىً مات بين الضرب والطعن ميتة *** تقوم مقام النصر إذ فاته النصرُ


أمتنا الإسلامية الغالية؛ لإن أحزننا فراق الأحبة، أبي مصعب وصحبه، فقد سرنا أن أنفسهم سالت في هذه الملاحم العظام وهم يذودون عن شريعة الإسلام، ولأن أُصِبنا بِفارِسٍ من أعظم فُرسانِنا و أميرٍ مِن خيرَةِ أُمَرائِنا، فقد سَرَنا أننا وجدنا فيه رمزاً وقدوةً خالدةً لأجيال أمتنا الماجدة، وسَيذكُرُه المجاهدون ويدعون له، ويثنون عليه شِعرًا ونثرًا، سِرًا وجهرًا، سَنُثني عليه بما عَلِمْنا.


فقد كان سَمِحَ المُخالطةِ ما لم يُظلَمِ *** و إن آنس الناس فزعاً كرَّ غير مُذمَمِ


مضى أبو مصعبٍ رافعَ الرأسِ، عزيزَ النفسِ، حُراً أبياً، كريماً وفياً، لم يعطي في دينه الدنية، ولم يَنَمْ على الضيم أبداً، ولم يُداهن في الحقِ أحداً، عزيزاً على الكافرين، رحيماً بالمؤمنين، مُحرضاً على القتال، و مجاهداً في سبيل الدين.


و مِن أقواله رَحمه الله: (فلا خير في عيشٍ تُنتَهَكُ فيه أعراضنا، و تُداسُ فيه كرامة أخَواتِنا، ويحكُمُنا فيه عُبّادُ الصليب).


وقوله: (نُقاتِلُ في العِراق و عُيونُنَا على بيتِ المقدس، الذي لا يُستَردُّ إلا بقُرآنٍ يهدي و سِيفٍ يَنْصُر).


وكان رحمه الله محَِلَ محبة أصدقائه، وتقدير أعدائه، فالمنصفون منهم شهدوا له ومدحوه، ولا عجب.


مضى طاهر الأثواب لم تبقى روضة *** غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبرُ

عليك سلام الله دوماً فإنني *** رأيتُ الكريمَ الحُرَ ليس له عمرُ


اقتدى أبو مصعب بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، واقتدى بمن مضى قبله بساداتنا؛ بمُصعبٍ وعمر وعلي وجعفر، رضي الله عنهم أجمعين، فخاض غِمار الحرب مُبتسماً، فرفع الله شأنه، وأعلى ذكره، وصار أُسوَةً لمن بعده.


حُب الجبان النفسَ أورده البقا *** وحُب الشُجاع الحربَ أورده الحربَ

وما الفرق ما بين الأنام وبينه *** إذا حَذِرَ المحذور واستصعب الصعبَ


مضى أبو مصعب عليه رحمة الله وقد فتح الله عليه؛ فأسَسَ قاعدة للدفاع عن الدين، ولاسترجاع فلسطين بإذن الله، وأخذ بثأرٍ للمستضعفين هناك، حيث أثخن في الأمريكيين حلفاء اليهود ودوَّخَهُم؛ فقتل رِجالهم، وصَدَّع بُنيانهم، واستنزف أموالهم، وشتت شملهم، وأذل كبريائهم، حتى تجرأ عليهم الداني والقاصي، والطائع والعاصي، فدخل التاريخ من أوسع أبوابه فَشرَّفه، وأخذ بيد العالم إلى طريق العزة فعرّفه، بإصرارٍ وحزمٍ وإباء، فخُّلِدَت سيرته مع سير أعلام النبلاء.


ولا تـبكين إلا ليـث غاب *** شجاعاً في الحروب الثائرات

دعوني في الحروب أمت عزيزاً *** فموت العز خير من حياتي


إن أبا مصعب علَّمَ البشرية دروساً عملية في كيفية انتزاع الحرية، فالحرية لا تُوهب للخانعين تحت قباب الديمقراطية، وعلَّمَ البشرية التمرد على الطغاة، في زمن إستَبدَ فيه الطاغوت الأكبر فرعون العصر، بوش وصحبه، وداسوا على جميع القيم والمواثيق، ولكم في غزو العراق وسجن غوانتنامو عِبرة، فأرهبوا الناس، واستذلوهم بالنار والحديد، وعاملوا الرؤساء معاملة العبيد.


لقد جاء فرعون العصر إلى العراق لا يبالي برفض ومظاهرات البشر، الذين قالوا له: (لا لسفك الدم الأحمر من أجل النفط الأسود)، ولكنه احتقر العالم أجمع، وتقدَمَ إلى العراق مُستكبِراً، مُتَغطرِساً بجنده وعتاده، مُتَصوراً أن أسد الشرى قد مُسِخُوا، وأن رجال الإسلام قد خَنَسوا، بعد أن قدَّمَ له حُكام العَرَب مِن مُلوكٍ ورؤساء آيات الطاعة والولاء، والمذلة والاستخذاء، وكلٌ منهم يُحسِسُ على رأسه؛ متى يكون دوره لِيوضَع في رَمسِه.


هَجَمَ العدو على العِراق فجعل يعسف بالناس عَسفاً، و ينسِفُ القرى نسفاً، وأزيز الطائرات قد ملأ الآفاق، وصمَّ الآذان، و إنفجارُ البارودِ قد نَشَرَ الحُتوف، وأزكَمَ الأُنوف، وكانت الجبالُ تهتزُ وتميد من شدة القصف، فبلغت القلوب الحناجر، ولاذ أولو البأسِ والنُهى بأحلاسِ بيوتهم، ولم يحرِّضوا بِقول، ولم تحملهم أقدامهم من شدة الهول، واشرأب الباطل، ونَقَضَ المنافقون العهود، ووقفوا في خندق النصارى واليهود، وصار المسلمون كالغنم الشاتية، في ليلة مطيرة بأرض مسبَعَة.


وفي ظل تلك الأجواء الرهيبةِ الكئيبة، التي تَرى فيها أشباه زعماء ولا زعماء، وأشباه علماء ولا علماء، وأشباه رجال ولا رجال، إلا من رحم الله، في تلك الظروف العصيبة المزلزلة ظهرَ فارس الإسلام أبو مصعب الزرقاوي.


كمَثَلِ الليث مُفتَرِشاً يديه *** جريءُ الصَدرِ رئبالاً سِبَطر


ظهر ومعه ثلة من المؤمنين، كانوا سبعة عشر رجلاً، وليسوا سبعة عشر جيشاً، فتواثقوا وتعاهدوا، وعاهدوا الله تعالى أن ينصروا دينه، أو يهلكوا دونه، رِجالٌ و الرِجالُ قليلُ.


والناس ألف منهم كواحدٍ *** و واحدٍ كالألفِ إن أمر عَنا


ومن سيقاتلون؛ مثلهم في العدد أو مثليهم؟! كلا، أو حتى عشرة أمثالهم؟! كلا، إنها أمواجٌ كأمواجِ البحرِ من العتادِ وجنود الشر، ولكن من عَظُمَ حق الله في قلبه و رُزِقَ التوحيد تَميدُ الجبال الرواسي ولا يميد، فتَرَجَّل فارِسُنا حاملاً الراية، وعزَمَ على القتالِ إلى النهاية، فإما يذوق ما ذاقَ جعفرٌ أو يذوق النصر.


فأثبَتَ في مُستنقعِ الموتِ رِجلَهُ *** وقال لها مِن تحتِ أخمصُكِ الحشرُ


فخاضوا غمار الحرب، وبدءوا الضرب، وذلك بعددٍ يسير من الكلاشنات، وعددٍ يسير من ألغام الدبابات، وعددٍ يسير من مدافع البازوكا، وكان أبو مصعب قد جاء مع بعض إخوانه في الفترة الماضية إلى الجهاد ضد الروس، فسابق إخوانه حتى سبق المتقدمين، ونطَقَ فَبزَّ الناطقين، وبمجيئه وإخوانه إلى أرض أفغانستان أخذوا تطعيم معركة ضد القوى الكبرى، وزالت من أذهانهم أسطورة الدول العظمى، ونقلوا الجُرأة الكبيرة المتوثبة، والمعنويات الهائلة، من أفغانستان إلى بغداد، وأشعلوا فتيل الجهاد، وتفجرت طاقات الشباب في كل مكان، من أعلى الفرات إلى أسفله، ولله الحمد والمنة.


هذا هو فارسنا الذي نتحدث عنه، قام بكل ذلك بعد توفيق الله له؛ بإمكانيات ذاتية بسيطة، ولم يكن وراءه حلفٌ دولي، ولا تحالفٌ إقليمي، ولا تنظيمٌ عالمي، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله واسعٌ عليم.


نَفسُ عِصامٍ سوّدت عِصاماً *** وعلمته الكرَّ والإقدامَ


نعم هذا هو فارس الإسلام الذي نتحدث عنه، والذي قام في وجه فرعون العصر، في وجه الإمبريالية الأمريكية، بعد أن فشلت المنظماتُ الدولية، والتجمعاتُ الإقليمية، بعد أن فشل العالم أجمع في إيقاف ذلك العدوان الغاشم الظَلوم.


ضروب لهام الضارب الهام في الوغى *** خفيفٌ إذا ما أثقل الفرس اللبد

بصير بأخذ الحَمدِ من كل موضعٍ *** ولو خبأته بين أنيابها الأسد


وهنا ندعو الله أن يجزي خير الجزاء فارسنا المقدام، وأن يجزي خير الجزاء كل من عزّانا وواسانا في فارسنا العظيم رحمه الله، ونخص بالذِكر أمير المؤمنين الملا محمد عمر، فنرجوا الله تعالى أن ينصره وإخوانه المجاهدين على الكافرين.


ثم إنني أقول لمن يتهم فارس أمتنا بأنه يقتل بعض فئات الشعب العراقي، أقول له؛ إذا جاءك من يدَعِي أن رجلاً فقأ عينه فتريث حتى ترى المُدَعَى عليه، فلعل المُدَعِي قد فقأ عينيه!


وهذا ما بدأ يزداد وضوحاً في الأسابيع الأخيرة، حيث تحدث النائب محمد الدائن عن حجم الظلم والتعذيب الذي يُمارس ضد المسلمين في السجون العراقية، كما تحدث كذلك من قبل قادة هيئة علماء المسلمين عن حرب إبادة يتعرض لها أبناء الإسلام في العراق.


وإن أبا مصعب، عليه رحمة الله، كانت لديه تعليمات واضحة؛ بأن يركز قتاله على الغزاة المحتلين وعلى رأسهم الأمريكيين، وأن يُحَيد كل من رَغِبَ في الحياد، وأما من أبى إلا أن يقف يقاتل في خندق الصليبيين ضد المسلمين، فليقتله كائناً من كان، بغض النظر عن مذهبه وعشيرته، فمناصرة الكفار على المسلمين ناقضٌ من نواقض الإسلام العشرة، كما هو مقررٌ عند أهل العلم.


ثم إني أقول لبوش؛ يجب عليكم تسليم جثمان البطل لأهله، ولا تُكثِروا الفرح، فالراية لم تسقط بحمد الله، وإنما انتقلت من أسدٍ إلى أسد مِن أُسدِ الإسلام، وسنواصل بإذن الله قتالكم وحلفاءكم في كل مكان، في العراق وأفغانستان، والصومال والسودان، حتى نستنزف أموالكم، ونقتل رجالكم، وترجِعوا مهزومين بإذن الله إلى بلادكم، كما هزمناكم من قبل بفضل الله في الصومال.


كما أقول لوكيلك في الأردن؛ كفاك استبداداً، فقد منعت أبا مصعب الدخول إلى موطنه حياً، فلا تَحُل بينه وبين ذلك الآن، وأولى الناس بالخروج من الأردن هو أنت؛ إلى الحجاز فتلك بلادك و بلاد آبائك قبل أن تُنَصِبَ بريطانيا جدك عبد الله الأول عميلاً لها على الأردن، وما يُخيفُكَ من الزرقاوي عليه رحمة الله بعد أن فارق الحياة، إلا لأنك تعلم أن جنازته إن تُرِكَ المسلمون وشأنهم فيها فستكون بإذن الله جنازةً كبيرة، تُظهِر مدى تعاطف المسلمين مع أبنائهم المجاهدين.


وفي الختام أقول؛ إن أبا مصعب عليه رحمة الله لا يشرف قبيلته ووطنه وأمته فحسب؛ بل يشرف البشرية جمعاء.


فقد جسَّدَ لها معاني العزة والإباء، والتضحية والفداء، وإن سيرته مادةٌ قيِّمَة لنموذجٍ مُعاصر، فإن دَرَست الدُنيا سيرته العطرة تعلَّمَ أبناؤها كيف يصنَع الإيمان بالله الرجال، ليقاوموا أهل الظلم والضلال، وحريٌ بكل مُربي وكاتبٍ وروائي أن يقتَبِسَ من سيرته ما يُحيي به الأجيال الناشئة والأجيال القادمة، كما أنه حَريٌ بكل شاعر حُر أن يقرُضَ الشِعرَ في هذا الصقر، ولو كنت من فرسان الشعر لأكثرت القوافي في رِثائه، ولنافست بذلك تماضر في رثاء صخر، ولكن لا حرج أن أستعير أبياتاً من شِعر شاعِر الدعوة الإسلامية المعاصرة؛ الشيخ يوسف أبو هلالة:


غص الثرى بدم الأضاحي وتلهَّبت سُوح الكفاح

ومن القِفار الجرد تبزغ نبعة الماء القُراح

تزهو بألوية العقيدة والبطولات الصِحاحِ

وتقول إن شحَّ العطاء فنحن للدين الأضاحي

والفوز فوز الخاضبين جسومهم بدمِ الجِراح

الرافضين بأن تباع ديارهم بيعَ السماح

والعائفين العيش عيش المستذل المستباح

بضع من اللحظات يهزم روعها هوج الرياح

يهوي بها حمدان مثل الصقر مقصوصَ الجناح

من بعد ما اقتحم الردى والقصف قد غمر النواحي

فحنوت ألثم جرحه الرعاف فانتكأت جراحي

وهمت على خدي الدموع فقلت يا روحي وراحي

هلا رحمت قلوبنا وعدلت عن هذا الرواحي

فأجابني البطل المسجى هازئً بي باقتراحي

كفكف دموعك ليس في عبراتك الحرة ارتياحي

هذا سبيل إن صدقت محبته فاحمل سلاحي


رحم الله أبا مصعب، ورحم الله كل من حمل السلاح للجهاد في سبيل الله، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين