قصة الحضارة - ول ديورانت - م 6 ك 1 ب 1

قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> الكنيسة الكاثوليكية الرومانية -> فضل المسيحية

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفصل الأوَل: فضل المسيحية 1517 - 1300

الدين آخر ما تبدأ الأذهان بفهمه. ولربما كنا في أيام شبابنا قد برمنا في تعالٍ وكبرياء بما فيه من أمور محببة وإن لم تقبلها العقول، وفي السنين التي نكون فيها أقل ثقة بما نتلقاه من تعاليمها يأخذنا العجب من بقاء هذا الدين مزهراً في عصر ينصرف الناس فيه إلى العلم وإلى شؤون الدنيا ويدهشنا بعثه من جديد بعد أن تلقى الضربات القاتلة على أيدي أبيقور أو لوكر بشيوس أو لوشيان أو ماكيافلي أو هيوم أو فولتير. ترى ما هو السر الذي من وراء هذه المرونة التي تبعث فيه الحياة من آن إلى آن؟ إن أعقل الناس ليتطلب أن تمتد حياته مائة مرة لكي يستطيع الإجابة عن هذا السؤال إجابة شافية. ولربما كان أول ما يفعل هو أن يدرك بأن ثمة ظواهر لا يحصيها عداً حتى في الأيام التي يبلغ فيها العلم ذروة مجده يخيل إليه أنها تعز على الفهم ولا يستطيع تعليلها بالعلل الطبيعية أو يقدسها أو يعرف نتائجها المحتومة. فأسرار العقل مثلاً لا تزال تخفى على قوانين علم النفس وفي علم الطبيعة نجد أن نظام الكون المدهش لعجيب الذي يجعل العلم ميسراً مستطاعاً قد يعمل هو نفسه على توكيد الإيمان الديني القائل بوجود عقل كوني مدبر لهذا العالم. وإن معارفنا لأشبه بسراب بقيعة كلما اقتربنا منه زاد بعداً عنا. وقل من الناس من إذا سُئل عن أمر قال لا أدري، فإذا واجهته ظاهرة له لا يعرف من قبل حقيقة أمرها عزاها إلى أسباب طبيعية أو خارقة للطبيعة وتصرف بما يتفق مع تعليله هذا أو ذاك، ولست تجد إلا قلة ضئيلة من العقول تستطيع أن تتريث في حكمها إذا وقفت أمام الشواهد المتناقضة، أما الكثرة الغالبة من بني الإنسان فتحس بأن لا بد لها أن تعزو ما ترى من الموجودات أو الحادثات إلى كائنات علوية لا تتقيد بالقوانين الطبيعية، ولقد كانت الأديان (الأولى) هي عبادة خوارق الطبيعة من الكائنات-باسترضائها، والتوسل إليها، أو تمجيدها. وما أكثر من يضجرون من الحياة ويألمون منها، فيطلبون العون من الكائنات الخارقة للطبيعة إذا لم يجدوا هذا العون في القوى الطبيعية، فتراهم يعتنقون وهم شاكرون مغتبطون أدياناً تبعث في حياتهم الكرامة والأمل، وتضفي على العالم نظاماً ومعنى لا وجود لهما بغير هذه الأديان، وإن من الصعب على نفوسهم أن تغض الطرف صابرة عما في الطبيعة من قسوة ووحشية تصيب الناس خبط عشواء، وما يحدث في تاريخ العالم من منازعات ومن إراقة للدماء، وما يصيبهم هم أنفسهم من محن وبلايا وحرمان إذا لم يؤمنوا بأن هذه كلها جزء من خطة إلهية مرسومة يعز عليهم فهمها وإدراك سرها. إن العالم إذا لم يكن له سبب أو مصير يعرف حقاً أشبه بسجن للعقول، فنحن نتوق إلى الاعتقاد بأن للمسرحية الكبرى منشئاً عادلاً وغاية سامية.

هذا إلى أننا نحرص على البقاء، ويصعب علينا أن نعتقد أن الطبيعة قد كدت وأجهدت نفسها حتى أوجدت الإنسان، والعقل، والحب والإخلاص لا لشيء إلا لتلقي بها ظهرياً متى نضجت وكما نماؤها. والعلم يهب الإنسان في كل يوم مزيداً من القدرة، ولكنه ينقص من شأنه على مر الأيام، فهو يرقى بآلاته وأدواته ولكنه لا يعنى بأهدافه وأغراضه، ولا يكشف له عن الأصول والقيم والأهداف النهائية، ولا يضفي على الحياة والتاريخ معنى أو قيمة لا يقضي عليها الموت أو الزمن المهلك المبيد لكل شيء. ومن أجل هذا أجل هذا يؤثر الناس العقيدة غير القائمة على العقل والبحث الصحيح على الإحجام والتوكل العقلي، ذلك أنهم يملون التفكير المحير، والحكم غير القاطع، فيرحبون بقيادة دين ذي سلطان على نفوسهم، وبأن يتطهروا من الخطايا بالاعتراف بذنوبهم، وبالإيمان بدين ثابت قديم. وهم حين يستحون من الإخفاق، ويثكلون من يحبون، وتظلم نفوسهم لما اقترفوا من ذنوب، ويرهبون الموت يحسون بأنهم إذا لقوا العون من الله تطهروا من الذنب والجريمة، وفارقهم الرعب، واطمأنوا وامتلأت قلوبهم بالأمل، وسموا إلى أسمى المنازل وكان مآلهم الخلود.

والدين في أثناء هذا يهب المجتمع والدولة هبات مستورة تسري في جميع أجزائهما، فطقوسه يهدئ النفس وتوثق الرابطة بين الأجيال، فالكنيسة الابرشية تصبح بمثابة بيت عام تؤلف من الأفراد جماعة، وترفع الكتدرائية ر أسها تعلن في فخر وازدهاء أنها من عمل البلدة موحدة، وتزدان الحياة بالفنون المقدسة وتصب الموسيقى الدينية نغماتها المهدئة في نفس الفرد والجماعة. ويعرض الدين رضاءه وتأييده السماوي للقانون الأخلاقي الذي تنفر منه فطرتنا ولكنه مع ذلك لا غنى عنه للحضارة. ويعرض على عقول البشر ربا سمعياً وبصرياً ويهددهم بالعقاب السرمدي ويعدهم بالنعيم الدائم ويصدر إليهم أوامر ليست من سلطة بشرية مزعزعة بل صادرة عن قوة إلهية لا سبيل إلى عصيانها وإذا كانت غرائزنا قد تكونت خلال ألف قرن من الزمان وكان الأمن فيها مزعزعاً مضطرباً يطارد فيها الإنسان الحيوان ويطارده، فإنها قد جعلتنا صائدين أشداء وديننا العنف وطبيعتنا تعدد الأزواج بدل أن تجعلنا مواطنين مسالمين. وإذا كان ذلك العنف القديم الذي استلزمته حياتنا الأولى يزيد على ما تحتاجه حياتنا الاجتماعية فإن غرائزنا يجب أن تُفرض عليها مئات من القيود كل يوم على علم منا أو غير علم حتى يمكن قيام المجتمع والحضارة. ولهذا استعانت الأسر والدول قبل التاريخ بأجيال طوال بقوة الدين لكي تخفف من غرائز الإنسان الهمجية ووجد الآباء في الدين عوناً لهم على كبح جماح أبنائهم المعاندين وإبعادهم عن الشطط وتعويدهم ضبط النفس، واستعان المربون بالدين فكان لهم وسيلة ذات أثر عظيم في تهذيب الشباب وتعويده النظام والرقة واتخذته الحكومات من أقدم الأزمنة عوناً لها على إقامة صرح النظام الاجتماعي وتخليصه من الأنانية المقطعة لأوصال المجتمع مما طبع عليه الناس من فوضى. ولو أن الدين لم يوجد لابتدعه كبار المشترعين أمثال حمورابي وموسى وليقورج ونزما بمبليوس. لكنهم لم يكونوا في حاجة إلى ابتداعه لأنه ينشأ من تلقاء نفسه ويتجدد للوفاء بحاجات الناس وآمالهم.

وقد ظل الدين المسيحي خلال ألف عام من عهد قسطنطين إلى عهد دانتي يهب الأفراد والدول ما ينطوي عليه من مزايا ويقدمها لهم هبة خالصة، وكان هو نفسه في هذه الأعوام ينمو ويتكون، فجعل من صورة المسيح الفضائل مجسمة يغري بها الهمجية على اصطناع الحضارة وأوجد عقيدة جعلت حياة كل إنسان جزءاً من مسرحية عالمية سامية وأن تكون متواضعة، وأنشأت علاقة قوية ذات خطة بين الإنسان وبين الإله خالقه الذي تحدث إليه في كتبه المنزلية ووضع فيها قانوناً أخلاقياً وجعل الكنيسة مستقراً لتعاليمه وممثلة لسلطانه على هذه الأرض. وأخذت هذه المسرحية الفخمة تنموا عاماً بعد عام، وأخذ القديسون والشهداء يضحون بحياتهم في سبيل عقيدتهم ويضربون بذلك الأمثال لمن يأتي بعدهم من المؤمنين ويورثونهم فضائلهم، وأنشأ الفانون مئات الصور ومئات الآلاف من التحف الفنية يفسرون بها هذه المسرحية ويظهرونها بوضوح لعقول الناس حتى الساذجة منها غير المتعلمة فأضحت مريم العذراء أم المسيح "أينع زهرة في الشعر كله". وكانت هي نموذج الرقة النسوية التي تنسج النساء على منوالها وحنان الأمومة توجه إليها أرق الترانيم وأعظمها خشوعاً وإخلاصاً، وهي التي أوحت بالصروح الفخمة والتماثيل الرائعة والصور الجميلة والشعر العذب والموسيقى الحلوة وهي التي بعثت المراكب ذات الروعة التي تقوم كل يوم حول ملايين من مذابح الكنائس ومن أجلها يقوم القداس بطقوسه الغامضة الرهيبة التي تسموا بالنفس وترفعها إلى السموات العلى. والاعتراف والتوبة يطهران نفس المذنب التائب الخاشع والصلاة تطمئنه وتقويه والعشاء الرباني تقربه من المسيح قرباناً يبعث في نفسه الرهبة والقداس الأخير يطهره ويعده لدخول الجنة وقلما أخرج دين في رسالته للإنسانية مثل هذه الروعة الفنية.

ولقد كانت الكنيسة من أجمل صورها حين حلت بعقائدها المواسية وطقوسها الساحرة ومبادئ أتباعها الخلقية النبيلة وشجاعة اساقفتها وغيرتهم واستقامتهم، وعدالة محاكم اسقفياتها وطهارتها، حين حلت بهذه كلها في المكان الذي تخلت عنه، حكومة الإمبراطورية فكانت هي الحارس الأكبر للعالم المسيحي للنظام والسلم في العصور المظلمة (حوالي 524-1079م). وأوربا مدينة ببعث الحضارة في الغرب بعد أن أغار البرابرة على إيطاليا وغالة وبريطانيا وأسبانيا إلى الكنيسة أكثر مما هي مدينة بها إلى أية هيئة أخرى مهما كان من شأنها. فقد كان رهبانها هم الذين أصلحوا الأرض البور وكانت الأديرة هي التي تقدم الطعام للفقراء والتعليم للصبيان والمأوى للمسافرين، وكانت مستشفياتها هي التي تعنى بالمرضى والمعوزين. وكانت أديرة النساء هي التي تلجأ إليها الأرامل ومن لا أزواج لهن فتوجه فيهن عواطف الأمومة إلى أغراض اجتماعية سامية ولقد ظلت الراهبات عدة قرون يتعهدن وحدهن بتربية البنات. وإذا كانت الثقافة القديمة لم يطغ عليها ويمح معالمها تيار الجهل والأمية، فما ذلك إلا لأن الرهبان قد نسخوا آلاف المخطوطات واحتفظوا بها وحافظوا على حياة اللغتين اليونانية واللاتينية اللتين كتبت بهما وإن كانوا قد تركوا كثيراً من المخطوطات الوثنية تبيد على مر الزمان فقد كانت دور الكتب الكنسية في سانت جول، وفولدا ومونتي كسينو وغيرها هي التي وجد فيها الكتاب الإنسانيون في عصر النهضة الآثار القديمة الثمينة للحضارة الرائعة التي لم تسمع قط باسم المسيح. ولقد ظلت الكنيسة ألف عام من أيام امبروز إلى ولزي تدرب في غرب أوربا المعلمين والعلماء والقضاة ورجال السياسة ووزراء الدولة، وكانت الكنيسة في العصور الوسطى هي عماد الدولة وسندها. ولما انقضى عهد العصور المظلمة-ولنفترض أن ذلك كان عند مولد ابلار-كانت الكنيسة هي التي أنشأت الجامعات وشيدت الكتدرائيات القوطية فأوجدت بذلك بيوتاً لعقول الناس وتواهم، وبفضل حمايتها ورعايتها جدد الفلاسفة المدرسون ما حاولوه قديماً من تفسير غوامض الحياة البشرية ومآل العقل الإنساني. ولقد ظل الفن الأوربي كله تقريباً طوال تسعة قرون يتلقى الإلهام والمال من الكنيسة، وحتى عندما تلون الفن باللون الوثني ظل بأبواب النهضة يناصرونه ويولونه الرعاية فكانت الموسيقى في أسمى صورها ابنة الكنيسة.

وأكثر من هذا كله أن الكنيسة في عنفوان مجدها هي التي أمدت دول أوربا بالقانون الأخلاقي العام الذي كان متبعاً فيها كلها كما أمدتها بنظام حكمها. وكما أن اللغة اللاتينية التي تعلمها الكنيسة في الكنائس كانت هي الأداة التي وجدت أساليب التعليم والأدب والعلم والفلسفة في الأمم المختلفة، وكما أن طقوس المذهب الكاثوليكي-أي العالمي-وعقيدته هي التي وهبت أوربا الوحدة الدينية قبل أن تنقسم إلى قوميات مستقلة ذات سيادة، فإن الكنيسة الرومانية التي تعزو نشأتها وزعامتها الروحية إلى الله سبحانه وتعالى قد طلبت أن تكون هي محكمة دولية تحاسب جميع الحكام والدول من الناحية الأخلاقية. وقد صاغ البابا جريجوري السابع مبدأ الجمهورية المسيحية الأوربية هذا الصياغة القانونية واعترف به الإمبراطور هنري الرابع حين خضع لجريجوري في كانوسا (سنة 1077)، وبعد قرن من ذلك الوقت أذل إمبراطور أعظم منه قوة هو فردريك بربروسيا نفسه أمام بابا أضعف من جريجوري هو إسكندر الثالث بعد عناد طويل ومقاومة لم تجده نفعاً، وفي عام 1098 رفع البابا إنوسنت الثالث سلطان البابوية ومقامها إلى درجة بدا معها أن المثل الأعلى الذي كان يطمح فيه جريجوري وهو أن تكون الكنيسة صاحبة السلطان الأعلى على الدول من الناحية الخلقية-بدا أن هذا المثل قد تحقق إلى حين. لكن هذا الحلم اللذيذ قد تحطم على صخرة الطبيعة البشرية. ذلك أن المشرفين على السلطة القضائية البابوية قد أثبتوا أنهم من طينة البشر وأنهم متحيزون جشعون بل نهمون يبتزون الأموال، وأن الملوك والشعوب كانوا أيضاً بشراً مثلهم يرفضون الخضوع لسلطة أمتهم. وبعثت الثورة فرنسا المضطردة النماء في قلوب بنيها الكبرياء والحرص على السيادة القومية، فقام فليب الرابع يتحدى سلطان البابا بوني فاس الثامن على أملاك الكنيسة وكلل هذا التحدي بالنجاح، وزج مندوبو الملك بالبابا الكبير السن في السجن في اتبان حيث قضى ثلاثة أيام لم يلبث بعدها أن وافته المنية (1303). وهنا وفي تلك الساعة بدأ الإصلاح الديني من إحدى نواحيه الأساسية-وهي خروج الحكام المدنيين على سلطان البابوات.


الفصل الثاني: الكنيسة في الحضيض 1307-1417

كانت الكنيسة في القرن الرابع عشر تعاني الذل السياسي والانهيار الخلقي. لقد بدأ أول عهدها يحدوها الإخلاص العميق والولاء الذي اتصف به بطرس وبولس ثم نمت وأصبحت نظاماً جليلاً يعمل على تهذيب الأسرة والمدرسة والمجتمع والعالم بأسره وينشر حسن النظام وكريم الأخلاق. أما الآن فقد أخذت تنحط حتى لم يعد لها هم إلا المحافظة على مصالحها المكتسبة وكل ما تعنى به هو المحافظة على بقائها وأموالها. وقد استطاع فليب الرابع أن يعمل على اختيار رجل فرنسي للبابوية، وأقنعه بأن ينقل الكرسي البابوي إلى مدينة أثنيون على نهر الرون. وظل البابوات بعدئذ ثمانية وستين عاماً بيادق وسجناء في أيدي فرنسا وسرعان ما أخذ الاحترام الذي كانوا يلقونه من تلك الأمم ينقص تدريجاً، كما أخذت مواردهم ينضب معينها. وشرع البابوات من ضيقهم يملأون خزاناتهم بالمال يحصلون عليه بفرض الضرائب التي لا عداد لها على رجال الدين وعلى الأديرة والأبرشيات. وكانوا يطلبون إلى كل رجل يعينونه في مناصب الكنيسة الإدارية نصف ما يحصل عليه من منصبه في العام الأول ثم عشر ما يحصل عليه منه في الأعوام التالية. وكان على كل كبير أساقفة أن يؤدي إلى البابا مبلغاً كبيراً من المال نظير الطيلسان وهو شريط من الصوف الأبيض يلبسه كبير الأساقفة ويعد رمزاً لسلطانه وتوكيداً له. وإذا مات كردنال أو كبير أساقفة أو أسقف أو رئيس دير عادت أملاكه إلى البابوية، وفي خلال الفترة الواقعة بين موت أحد رجال الدين وتعيين خلفه كان البابوات يستولون على إيراد منصبه، وكانوا يهتمون بإطالة هذه الفترة عامدين حتى ينالوا من المال أكثر ما يستطيعون. وكان كل حكم يصدره مكتب البابوية الإداري (الكيوريا) أو كل نفع يسديه ينتظر أن يؤدي إليه عطية قيمة اعترافاً من صاحبه بما نال من نفع، وكان الحكم في بعض الأحيان يتوقف على قيمة العطية.

على أن كثيراً من هذه الضرائب البابوية لم يكن إلا وسيلة مشروعة تحصل بها على المال، والإدارة المركزية للكنيسة التي كان لها على المجتمع الأوربي سلطان أدبي أخذ يتناقص على مدى الأيام. غير أن بعض هذا المال كان يذهب ليتخم بطون رجال الدين، بل إن منه ما كان يذهب إلى جيوب الحظايا اللاتي كانت تزدحم بهن حجرات بيوت الباباوات في افنيون. وليس أدل على ذلك من هذه الرسالة التي قدمها وليام ديوراند أسقف مند إلى مجلس فينا (1311) وقد جاء فيها:

يستطاع إصلاح الكنيسة كلها إذا ما بدأت كنيسة روما بالإقلاع عن المثل السيئة التي تضربها بنفسها لغيرها من الكنائس. وهي التي تسيء إلى سمعة الناس وتكون بمثابة الوباء الذي تسري عدواه إلى جميع الناس... ذلك أن كنيسة روما قد ساءت سمعتها في جميع الأقطار حتى أصبح الناس يعلنون في خارج روما أن جميع من تضمهم من رجال من أكبرهم مقاماً إلى أصغرهم شأناً قد امتلأت قلوبهم بالطمع والجشع...وأن رجال الدين يضربون لجميع الشعب المسيحي أسوأ المثل في النهم، وهذا واضح لا خفاء فيه معروف في جميع الأقطار لأن رجال الدين أكثر انغماساً في الترف... من لأمراء والملوك.

وقد رفع الأسقف الأسباني الفارو بلايو عقيرته بقوله: "إن الذئاب تسيطر على الكنيسة وتمتص دماء الشعب المسيحي". وقد ذكر إدورد الثالث ملك إنجلترا، وهو الخبير المتفنن في فرض الضرائب، كلمنت السادس بأن "خليفة الحواريين قد وكل بأن يقود غنم الرب إلى المرعى لا بأن يجز صوفها". وفي ألمانيا كان جباة الضرائب يُطارَدون، ويُسجَنون، وتُقطع أطرافهم، ويُخنَقون. وفي عام 1372 أقسم رجال الدين في كولون وبون، واكسانتن ومانز ألا يدفعوا مال الصدقات الذي فرضه عليهم جريجوري الحادي عشر.

على أن البابوات ظلوا رغم هذا التمرد والعصيان يؤكدون سلطانهم الاستبدادي على ملوك الأرض، وحدث حوالي عام 1324 أن كتب اجستينو ترينفو المشمول برعاية يوحنا الثاني بعد العشرين رسالة في الدفاع عن رجال الدين رداً على الهجمات التي وجهها إلى البابوية مرسليوس من أهل بدوا ووليم أوكام. ويقول أجرستينو في هذه الرسالة إن سلطان البابا من سلطان الله وهو نائبه في الأرض، وإن طاعته واجبة وإن أثم أشد الإثم، ومن حق مجلس الكنيسة العام ا، ينزله عن عرشه إذا ثبت كفره وإلحاده، فإذا لم يرتكب هذا فمهما يكن ذنبه فإن سلطانه لا يعلوا عليه إلا سلطان الله وحده وهو أعلى من سلطان جميع ملوك الأرض. ومن حقه أن يخلع الملوك والأباطرة إذا شاء وإن عارض في ذلك رعاياهم أو منتخبوهم، ومن حقه أن يلغي قرارات الحكام الدنيويين وأن لا يعبأ بدساتير الدول. وكل ما يصدره الأمراء من قرارات تظل غير ذات أثر إلا إذا وافق البابا عليها. والبابا أعلى مقاماً من الملائكة وهو خليق بأن يعظم كما تعظم العذراء ويعظم القديسون. وقد ارتضى البابا يوحنا كل هذا لأنه في رأيه النتيجة المنطقية لما يعتقده الناس كافة من أن الكنيسة قد أنشأها ابن الله، وعمل بهذا المبدأ بإصرار لا يتحول عنه أبداً.

على أن فرار البابوات من رومة وخضوعهم لفرنسا قد قوض سلطانهم وحط منزلتهم، وكأنما أراد بابوات افنيون أن يعلنوا على الملأ خضوعهم لسلطان فرنسا فاختاروا من بين 124 كردنالاً 113 فرنسياً.

واستشاطت الحكومة الإنجليزية غضباً من كثرة القروض التي منحها البابوات ملوك فرنسا أثناء حرب مائة العام، ومن أجل ذلك تغاضت عن مطاعن ويكلف على البابوية؟ ورفض المنتخبون الألمان الذين كانوا يختارون الإمبراطور أي تدخل من جانب البابوات في المستقبل في اختيار الملوك والأباطرة. وفي عام 1372 اتفق رؤساء الأديرة في كوموني وأعلنوا على الملأ أن "الكرسي الرسولي قد انحط إلى درجة من الاحتقار تجعل المذهب الكاثوليكي يبدو معرضاً لأشد الأخطار". وفي إيطاليا استولى على الولايات البابوية-لايتوم رامبريا، وولايات الحدود، ورومانيا-رؤساء جند مغامرون يظهرون الطاعة بالاسم للبابوات ولكنهم يحتفظون لأنفسهم بإيراد هذه الولايات كله. ولما بعث أريان الخامس مندوبين من قبله إلى ميلان ليعلنوا الفيسكنتي بقرار الحرمان، اضطرهما برنابو أن يأكلا هذا القرار-بما فيه من ورق وخيوط من الحرير وأختام من الرصاص(1362). وعمدت فلورنس في عام 1376 حين قام النزاع بينها وبين البابا جريجوري الحادي عشر إلى مصادرة كل ما للكنيسة من أملاك في أراضيها، وأغفلت محاكم الابروشيات وهدمت أبنية محاكم التفتيش وزجت من قاومها من القساوسة في السجن أو قتلهم شنقاً، وأهابت بإيطاليا أن تضع حداً لكل سلطان الكنيسة الزمني.

واتضح من ذلك الوقت أن بابوات افنيون أخذوا يخسرون أوربا كلها مقابل خضوعهم لفرنسا وإخلاصهم لها. فلما كان عام 1377 أعاد جريجوري الحادي عشر البابوية إلى روما.

ولما مات جريجوري في عام 1378 اختار مجمع الكرادلة وكانت أغلبيته الساحقة من الفرنسيين ولكنه كان يخشى غضبه عامة روما-0اختار بابا إيطاليا هو اربان السادس وتبين أن اربان اسم على غير مسمى ؟ فقد كان حاد الطبع عنيفاً في تصرفاته مصراً على الإصلاحات التي لا يرتضيها رجال الكنيسة، وبلغ هذا الإصرار حداً أعلن معه الكرادلة الذين عادوا إلى الاجتماع أن اختياره لكرسي البابوية لم يكن قانونياً لأنه تم تحت الضغط والإرهاب، ونادوا بربرت من أهل جنيف بابا. وتولى ربرت منصب البابوية وتسمى باسم كلمنت السابع واتخذ افينيون مقراً له ولكن اربان أصر من جهته على أنه البابا وجعل مقره مدينة روما. وكان الذي مهد السبيل إلى الانقسام البابوي (من 1378-1417) الذي بدأ على هذا النحو، والذي مهد السبيل لكثير من القوى هيأت العقول للإصلاح الديني وهو قيام الدولة القومية، فقد كان هذا الانقسام في واقع الأمر محاولة تبغي بها فرنسا أن تحتفظ بالمعونة الأدبية والمالية التي تمهدها بها البابوية في حربها ضد إنجلترا. وحذا حذو فرنسا في هذا نابلي وأسبانيا واسكتلندة. ولكن إنجلترا، وفلاندروز، وألمانيا، وبولندا، وبوهيميا، وبلاد المجر، وإيطاليا، والبرتغال اعترفت باربان، وأضحت الكنيسة المنقسمة على نفسها سلاحاً في أيدي المعسكرين المتنازعين وضحية لهما. ونادى نصف العالم المسيحي بأن النصف الآخر ملحد كافر مجدف في حق الله، محروم من حظيرة الدين. وادعى كل جانب أن المراسم الدينية التي يقوم بها القساوسة الجانب الآخر المعارض له لا نفع فيها ولا قيمة لها، وأن الأطفال الذين يعمدهم هذا الجانب أو ذاك، والتوبة التي تتم على أيديهم، والموتى الذين يفضون إليهم باعترافاتهم، كل هؤلاء يبقون مذنبين، مآلهم الجحيم-أو المطهر على أقل تقدير. وكان الإسلام الآخذ وقتئذ في الانتشار يسر من هذا الانحلال الذي يدب في جسم العالم المسيحي.

ولم يخف هذا العداء بموت اربان (1389). ذلك أن الكرادلة الأربعة عشر الذين يؤلفون معسكره اختاروا بنيفاس التاسع خلفاً له ثم اختاروا من بعده انوسنت السابع ثم جريجوري الثاني عشر، وأطالت الأمم المنقسمة انقسام البابوية. ولما توفي كامنت السابع (1394) رشح كرادلة افنيون أحد الأساقفة الأسبان لكرسي البابوية فجلس عليه باسم بندكت الثالث عشر. وعرض هذا البابا أن يستقيل من منصبه إذا حذا جريجوري حذوه، ولكن أقارب جريجوري الذين حلوا في مناصبهم الدينية، أصموا آذانهم عن هذا الطلب. وتخلى بعض كرادلة جريجوري عنه ودعوا إلى انعقاد مجلس عام من رجال الدين. وألح ملك فرنسا على بندكت أن ينسحب، ولكن بندكت أبى أن يصغي إلى إلحاحه، فما كان من فرنسا إلا أن أعلنت خروجها عن طاعته ووقفت من النزاع موقف الحياد. فلما فر بندكت إلى أسبانيا انضم كرادلته إلى زملائهم الذين تخلوا من قبل عن جريجوري، وأصدروا مجتمعين دعوة إلى مجلس يجتمع في بيزا ليختار بابا يرتضيه الجميع.

وكان الفلاسفة المتمردون قبل ذلك الوقت بقرن أو نحوه قد وضعوا الأسس النظرية "لحركة المجالس". فقد كان وليم أوكهام يعارض الفكرة القائلة أن الكنيسة هي رجال الدين، ويقول أن الكنيسة هي جماعة المؤمنين، وأن الكل هو صاحب السلطان الأعلى على كل جزء من أجزائه، وأن من حق هذا الكل أن يعهد بسلطانه إلى مجلس أعلى مؤلف من جميع أساقفة الكنيسة ورؤساء أديرتها، وأن من حق المجلس المؤلف على هذا النحو أن يختار البابا ويجزه، ويعاقبه، ويخلعه. كذلك قال مرسليوس من أهل البدو أن المجلس العام يمثل حكمة العالم المسيحي مجتمعاً فكيف يحق إذن لرجل واحد أياً كان شأنه أن يضع عقله في منزلة أعلى من عقل العالم المسيحي كله؟ وكان يرى أن هذا المجلس يجب ألا يؤلف من رجال الدين وحدهم بل يجب أن ينضم إليهم من غير رجال الدين من يختارهم الشعب. وطبق هينزيخ فن لانجنشتاين أحد رجال اللاهوت الألماني جامعة باريس، (1381) هذه الأفكار على الانقسام البابوي وقال أنه مهما يكن ما يدعيه البابوات لأنفسهم من سلطان أعلى، فقد حدثت في الموقف أزمة لا يجد المنطق وسيلة إلى الخروج منها سوى سبيل واحد. ولا يستطيع إنقاذ الكنيسة من الفوضى التي تقوض دعائمها إلا سلطة خارجة عن البابوية تفوق سلطة الكرادلة، ولا يمكن أن تكون هذه السلطة إلا سلطة مجلس عام. واجتمع مجلس بيزا في 25 مارس 1409، ودعي بندكت وجريجوري إلى المثول أمامه فلما تجاهلا هذه الدعوة أعلن خلعها واختار بابا جديداً هو إسكندر الخامس وأمره أن يدعو مجلساً آخر إلى الانعقاد قبل أن يحل شهر مايو سنة 1412 ثم أجل جلساته. وبذلك وجد ثلاثة بابوات بعد أن لم يكن منهما إلا اثنان. ولم يخفف موت الإسكندر (1410) من حدة النزاع، لأن كرادلته اختاروا خليفة له يوحنا الثالث والعشرين. ولم يكن في البابوات بعد سميه الثاني والعشرين من هو أكثر منه عناداً وصلابة رأي. وكان هذا الزعيم المغمر وهو يحكم بولونيا نائباً عن البابا باسم بلد ساري كوسا حكم زعماء العصابات المغامرين يفرض الضرائب على كل شيء في الولاية ويجيز لغيره من رجال الحكم فرضها. كان يفرضها على العاهرات والمغامرين والمرابين، ويقول أمين سره أنه أغوى مائتي عذراء، وزوجة، وأرملة وراهبة.

ولكنه كان ذا مال وكان له جيش، ولعله كان يستطيع انتزاع الولايات البابوية من يدي جريجوري فيضطره بذلك إلى النزول عن عرشهِ بعد إفلاسهِ.

وأرجأ يوحنا الثالث والعشرون دعوة المجلس الذي أمر بانعقاد مجلس بيزا أطول ما يستطيع، ولما افتتحه في مدينة كنستانس في الخامس من نوفمبر عام 1414 لم يحضره إلا عدد قليل ممن دعوا إليه من البطارقة الثلاثة، والكرادلة التسع والعشرين، ورؤساء الأساقفة الثلاث والثلاثين، والأساقفة الخمسين، وعلماء اللاهوت الثلثمائة ومندوبي الجامعات الأربعين، والأمراء الست والعشرين، والنبلاء المائة والأربعين والقساوسة الأربعة الآلاف. ولو أن هؤلاء جميعاً قد حضروا لكان هذا المجلس أكبر مجلس في تاريخ المسيحية وأهم ما عقد من مجالسها منذ مجلس نيقية (325) الذي أقر عقيدة التثليث في الدين المسيحي، وأصدر المجتمعون في السادس من أبريل عام 1415 قراراً ثورياً يدل على الزهو والكبرياء جاء فيه:

إن هذا المجمع المقدس المنعقد في كنستانس، بوصفهِ مجلساً عاماً، مجتمعاً قانونياً يرفرف عليه الروح القدس كي يحمد الله ويقضي على الانقسام القائم في الكنسية ويعمل على جمع شملها وإصلاح شأنها في رؤسائها وأعضائها..يأمر، ويعلن، ويقرر ما يأتي: أولاً. يعلن أن هذا المجمع المقدس..يمثل الكنيسة المجاهدة، ويستمد سلطانه من المسيح مباشرة، ومن ثم يجب على كل إنسان مهما كانت مرتبته ومنزلته بما في ذلك البابا نفسه أن يطيع هذا المجلس في كل ما له مساس بالدين كي يقضي على هذا الانقسام القائم وتصلح الكنيسة إصلاحاً عاماً في رأسها وأعضائها. وهو يعلن كذلك أن كل إنسان...بما في ذلك الباب أيضاً يأبى أن يطيع أوامر هذا المجلس المقدس وقوانينه وقرراته....التي تهدف إلى القضاء على الانقسام أو إلى إصلاح الكنيسة، يعرض نفسه لطائلة العقاب الذي يتناسب مع جرمه...وسيلجأ المجلس، إذا لزم الأمر إلى غير ذلك من أساليب العدالة(11).

وطالب المجلس بخلع جريجوري الثاني عشر وبندكت الثالث عشر ويوحنا الثالث والعشرين. ولم يتلق من يوحنا جواباً على طلبه فقبل ما عرض عليه من التهم الأربع والخمسين التي تتهم يوحنا هذا بأنه كافر مستند، كاذب، متجر بالمقدسات والمناصب الدينية، خائن، شهواني، لص، وامتنع المجلس عن قبول ست عشرة تهمة أخرى رآها أقسى مما يليق(12) فلما كان اليوم التاسع بعد العشرين من شهر مايو سنة 1415 قرر خلعه-أما جريجوي فكان أكثر منه مرونة ودهاء، فقد وافق على أن يعتزل منصبه لكنه اشترط لذلك أن يسمح له بأن يدعو أولاً المجلس إلى الانعقاد التالي بما له من حق في هذه الدعوة. فلما عاد المجلس إلى الانعقاد على هذا النحو قبل استقالته (4 يولية). وأراد أن يثبت تمسكه بالدين وبسلطانه الشرعي فأمر بإحراق المصلح البوهيمي جون هوس (6 يولية). وفي اليوم السادس والعشرين من هذا الشهر أعلن خلع بندكت الثالث عشر، فذهب هذا البابا المخلوع إلى بانسية حيث توفي في سن التسعين وهو لا يزال يدعى أنه هو البابا-وفي السابع عشر من نوفمبر عام 1417 اختارت لجنة الناخبين الكردنال اتوني كولنا بابا وتسمى باسم مارتن الخامس. واعترفت المسيحية كلها بهذا البابا الجديد وبذلك انتهى الصدع البابوي. غير أن انتصار المجلس في هذه الناحية قد أعجزه عن تحقيق غرضه الآخر ونعني به إصلاح الكنيسة. ذلك أن مارتن الخامس لم يكد يجلس على الكرسي البابوي حتى استحوذ من فوره على جميع ما كان للبابوية من حقوق وسلطات مختلفة، فأخذ يغري كل جماعة من المندوبين من كل دولة بغيرها من الجماعات وأقنعها بقبول أقل قدر من الإصلاح الغامض القليل الأذى وخضع المجلس له لأنه كان قد سئم ومل العمل فلما كان اليوم الثاني والعشرين من أبريل 1418 أعلن انفضاض جلساته.

الفصل الثالث : البابوية المنتصرة 1417-1513

نظم مارتن الإدارة البابوية تنظيماً يمكنها من أداء عملها خير أداء، ولكنه لم يجد سبيلاً للحصول على حاجتها من المال إلا بإتباع أساليب الحكومات الدنيوية القائمة في ذلك العهد وببيع المناصب والخدمات. وإذا كان في وسع الكنيسة أن تبقى مائة عام من غير إصلاح، وإن كان يصعب عليها أن تبقى أسبوعاً واحداً من غير مال، فقد استقر رأيه على أنها أشد حاجة إلى المال منها إلى الإصلاح. وكانت نتيجة هذا ان بعث مندوب ألماني في روما في عام 1430 أي قبل موت مارتن بعام واجحد، إلى أميره رسالة تكاد تضرب على نغمة الإصلاح الديني وتندر به قال:

إن الشره يسود دوائر الحكومة في روما، وهي تبتدع في كل يوم أساليب جديدة..لابتزاز المال من ألمانيا...وهذا هو منشأ ما نراه من الضجيج والأحقاد الكثيرة..ومن أجل هذا ستثار أسئلة كثيرة عن احوال البابوية، والافسينبذ الناس آخر الأمر طاعتها لكي ينجوا من هذا الابتزاز المرهق الذي يعمد إليه الإيطاليون، وأنا أرى أن هذا المسلك الأخير هو الذي سترتضيه معظم البلدان. وخلف مارتن على كرسي البابوية راهب فرارنشسكاني صالح تقي غير أهل لتصريف الأمور فوجد أمامه المشاكل التي تجمعت حول الكرسي الرسولي. لقد كان على البابوية أن تحكم ولايات دنيوية وأن تحكم الكنيسة الدينية، وكان على البابوات أن يكونوا رجال سياسة ملمين بشؤون الدنيا ولم يكونوا قديسين فحسب. ولسنا ننكر أن يوجينوس الرابع كان يستطيع أن يكن قديساً لو أن متاعبه لم تملأ قلبه حقداً. فقد حدث في السنة الأولى من ولايته أن عاد مجلس بازل فأكد من جديد سيادة المجلس العامة على البابوات واستحوذ على ما كان من وظائف تمارسها من عهد طويل فنقلها إليه واحد بعد واحدة. من ذلك أنه أخذ يصدر صكوك الغفران ويعين من يشغلون المناصب العامة ويطلب أن ترسل بواكير المرتبات الدينية إلى المجلس لا إلى البابا. فما كان من يوجينوس إلا أن أمر المجلس بالانفضاض، فرد عليه المجلس بأن خلعه وعين أماديوس الثامن دوق سافوي بابا معارضاً باسم فلكس الخامس (1439). وهكذا تجدد الانقسام البابوي.

وأراد شارل السابع ملك فرنسا أن يتم ما خيل إليه أنه هزيمة للبابوية فدعا إلى الانعقاد جمعية مؤلفة من الأساقفة الفرنسيين والنبلاء والمحامين أعلنت أت للمجالس العامة السلطة العليا وأصدرت قرار بورج التنظيمي (1438) الذي ينص على أن الوظائف الدينية ستشغل من ذلك الوقت بمن يختاره لها رجال الدين المحليون، على أنه يجوز للملك أن "يوصي" في ذلك بما يراه، وأن يحرم رفع الاستئناف إلى المحكمة البابوية إلا إذا استنفذت جميع الطرق القضائية في فرنسا نفسها، ولا ترسل بعدئذ بواكير مرتبات الوظائف الدينية إلى البابا. وكان معنى هذا في الواقع أن القرار التنظيمي قد أنشأ كنيسة فرنسية مستقلة وجعل ملك فرنسا رئيس هذه الكنيسة. وبعد عام من ذلك الوقت اتخذت جمعية منيز قرارات تهدف إلى إقامة كنيسة قومية في ألمانيا شبيهة بالكنيسة الفرنسية. وكانت بوهيميا قد انفصلت من قبل عن البابوية ولاح أن الكنيسة الرومانية توشك أن تنهار. وأنقذ الأتراك يوجينيوس من هذا الموقف الحرج. ذلك أنه لما قرب العثمانيون من القسطنطينية قررت الحكومة البيزنطية أن عاصمة الدولة خليقة بقداس روماني، وأن عودة المذهبين اليوناني واللاتيني إلى الاتحاد ضرورة لا بد منها للحصول على المعونة العسكرية أو المالية من أوربا الغربية. ولهذا جاء الأساقفة والنبلاء اليونان في مواكب فخمة إلى فيرارا ثم انتقلوا إلى فلورنس ليلتقوا برجال الكنيسة الرومانية الذين استدعاهم البابا لهذا الغرض (1438). وقضى الطرفان في الأخذ والرد عاماً كاملاً وصلا بعده إلى اتفاق اعترفت فيه بسلطة الرئيس الديني في روما على جميع العالم المسيحي، ولما حل اليوم السادس من شهر يوليو عام 1439 ركع جميع أعضاء المؤتمر وعلى رأسهم إمبراطور الروم نفسه أمام يوجينيوس الذي خيل إلى العالم منذ وقت قريب أته الرجل الذي نبذته المسيحية واحتقرته أشد احتقار، على أن هذا الاتفاق لم يطل عهده لأن رجال الدين اليونان وغير رجال الدين في تلك البلاد نكثوا عهدهم، لكنه مع هذا أعاد للبابوية مكانتها وساعد على القضاء على الانقسام البابوي الجديد وعلى مجلس بازل. وتلا ذلك قيام طائفة من البابوات الأقوياء خاف بعضهم بعض أغنتهم ورفعت من مقامهم النهظة الإيطالية، فرفعوا البابوية إلى درجة من الفخامة لم تشهد مثلها من قبل حتى في أيام أنوسنت الثالث ذلك البابا الفخور. ونال نقلاس الخامس إعجاب الكتاب اللإنسانيين بأن وجه إيراد الكنيسة إلى مناصرة العلم والفن، وبدأ كلكستس الثالث تلك العادة الظريفة عادة منح الوظائف الدينية للأقارب، وهي التي كانت مصدراً خصباً للفساد في الكنسية. وكافح بيوس الثاني، الذي كان مؤلفاً نابهاً وبابا عظيماً، لإصلاح الإدارة البابوية والأديرة، وألف لجنة من كبار رجال الدين المشهود لهم بالاستقامة والتقوى لدراسة معيب الكنيسة واعترف لهذه اللجنة في صراحة بأن:

أمرين هما أقرب الأمور إلى قلبهِ، حرب الترك وإصلاح البلاط الروماني، وأن إصلاح الأمور الكنسية كلها، وهو ما اعتزم المضي فيه، ليتوقف كله على إصلاح أحوال البلاط البابوي الذي أريد أن يكون مثلاً يحتذى به. وفي عزمي أن ابدأ بإصلاح أخلاق رجال الدين في هذا البلد وأن أقضي على كل ما فيهِ من بيع الوظائف الدينية وغير ذلك من المساوئ(1).

وأصدرت اللجنة توصيات تحمد عليها وصاغ بيوس هذه التوصيات في مرسوم بابوي. لكن روما لم يكن فيها إلا القليل ممن يريدون الإصلاح لأن نصف من كان فيها من الموظفين والكبراء كان يستفيد من هذا العيب أو ذاك، ولهذا أحبط الحقد وأحبطت المقاومة السلبية أعمال بيوس بينما كانت الحرب الصليبية العقيمة التي شنها على الأتراك ثمة تشغل باله وتستنفذ قواه وماله. وقد وجه قبيل آخر ولايته نداء أخيراً إلى الكرادلة قال فيه: يقول الناس أننا نسعى في حياتنا وراء اللذة ونكدس الثروة، ونتصف بالكبرياء والغطرسة، ونمتطي صهوة البغال الثمينة والجياد المطهمة..، ونربي الكلاب للصيد، وننفق المال الكثير على الكلاب والطفيليين، ولا ننفق شيئاً منه للدفاع عن الدين. وإن فيما يقولون لبعض الحق، ذلك أن كثيرين من الكرادلة وغيرهم من الموظفين في بلاطنا يعيشون هذه العيشة أو نحوها. وإذا أردتم الحق فإن ما في بلاطنا من ترف وتباه ليزيد على الحد الواجب. ومن أجل هذا ترى الناس يبغضوننا ويحقدون علينا فيمنعهم ذلك من الاستماع إلينا وإن قلنا ما هو عدل يرتضيه العقل. فماذا ترون أن نفعل في هذه الأمور التي تجللنا بالعار؟.. إن علينا أن نبحث عن الوسائل التي اتبعها أسلافنا فنالوا للكنيسة السلطة-والاحترام وعلينا بعدئذ أن نحتفظ بهذه السلطة بتلك الوسائل نفسها. وما من شك في أن الذي رفع من شأن الكنيسة الرومانية وجعل لها السيادة على العالم أجمع إنما هو الاعتداد، والعفة، والطهارة، والغيرة على الدين.. واحتقار الدنيا، والرغبة في الاستشهاد(15). وأخذت رذائل البلاط البابوي تزداد كلما قرب القرن الخامس عشر من نهايتهِ على الرغم من الجهود التي بذلها بابوات من أمثال نقولاس الخامس وبيوس الثاني وما بذله الصالحون من رجال الدين أمثال الكردنالين جوليانوسيزاريتي ونقلاس الكوزائي(16) فكان بولس الثاني يلبس تاجاً بابوياً تزيد قيمته على قيمة قصر عظيم، وجعل سكتس الرابع ابن أخيه من أصحاب الملايين، وأقحم نفسه في ميدان السياسة، وبارك المدفع الذي يحارب به وقائعه، وحصل على المال اللازم لحروبه ببيع المناصب الدينية إلى من يؤدي فيها أكبر الأثمان، واحتفل أنوسنت الثامن بزواج أبنائه في قصر الفاتيكان. وكان أسكندر السادس يرى أن بقاء رجال الدين بلا زواج خطأ يجب الإقلاع عنه كما كان يراه لوثر وكلفن، وكان له خمسة أبناء أو أكثر قبل أن يلتزم العفة وهو بابا، ولم يرَ رجال عصره فيما كان يتصف به من مرح وعدم استعفاف ما يؤخذ عليه كما قد يظن الناس، ذلك بأن الناس لم يكونوا يرون فيما يلجأ إليه رجال الدين سراً من علاقات غرامية أمراً غير مألوف، وكان كل ما تلأخذه أوربا على إسكندر السادس هو سياسته الخارجية التي لا يرعى فيها إلاً ولا ذمة وما تأخذه على سيزاري بورجيا هو قسوته في حروبه وأنه استرد للبابوية ولايتها وزاد الكرسي الرسولي قوة وأمده بالكثير من المال الذي يحتاجه. وقد اتبع آل بورجيا في هذه الخطط السياسية والمعارك الحربية جميع الخطط الحربية وأساليب الغدر وسفك الدماء التي صاغها ميكافيلي بعد قليل من ذلك الوقت في كتاب الأمير (1513) وقال أنها لا غنى عنها لتأسيس دولة قوية أو لتوحيد إيطاليا. وفاق البابا يوليوس الثاني سيزاري بورجيا فيما شنه من الحروب على البندقية النهمة الجشعة وعلى الفرنسيين الغزاة، وكان يفر كلما استطاع من سجن الفاتيكان، ويقود جيشه بنفسهِ ويحب الحياة الصعبة والحديث الخشن في المعسكرات الحربية. وهال أوربا أن ترى البابوية لا تكتفي بأن تصبح سلطة زمنية فحسب، بل أن تصبح فوق ذلك قوة عسكرية، غير أنها مع ذلك لم يسعها إلا أن تعجب بعض الإعجاب بقوة ذلك المحارب الذي أخطأت المقادير فجعلته بابا، وترامت الأنباء وراء جبال الألب عما كان يقدمه يوليوس من معونة للفن ومناصرة للممتازين من الفنانين أمثال رفائيل وميكل انجلو وكان يوليوس هو اليذ بدأ بناء كنيسة القديس بطرس الجديدة، وأول من منح صكوك الغفران للذين أسهموا في نفقات بنائها. وفي أيام ولايته قدم لوثر إلى رومة وأبصر بعينهِ المظالم. ذلك الاسم الذي أطلقه لورنزو ده ميدتيشي على عاصمة العالم المسيحي. لم يعد في أوربا حاكم يرى أن البابوية حكومة أخلاقية فوق الحكومات كلها تؤلف من الأمم كلها دولة مسيحية واحدة، وذلك لأن البابوية بعد أن صارت دولة دنيوية قد اصطبغت بالصبغة القومية. وتقطعت أوصال أوربا، كما تتطلب ذلك العقيدة الجديدة إلى أقسام صغيرة قومية لا تعترف بقانون أخلاقي منزل أو دولي وتردت في الحروب بين مختلف أقسام المسيحية ودامت خمسة قرون.

وإذا أردنا أن نصدر حكماً عادلاً على بابوات النهضة هؤلاء فإن علينا أن ننظر إليهم في ضوء الظروف المحيطة بهم في أيامهم، لقد كان في وسع شمالي أوربا أن تحس بأخطائهم لأنها كانت تمدهم بالمال ولكن الذين عرفوا ما كانت تفيض به إيطاليا بين عهدي نقولاس الخامس (1447- 1455)- ولو العاشر (1513) (1521) هم وحدهم الذين كانوا ينظرون إليها بعين التسامح ذلك أن أكثرهم قد ارتضوا عقيدة النهضة القائلة إن العالم وإن كان مسرحاً للدموع والمغويات الشيطانية يمكن أن يكون أيضاً منظراً ذا جمال وحياة قوية عارمة وسعادة سريعة الزوال عابرة وإن كان بعضهم صالحين أتقياء. ولم يكونوا يرون عيباً في أن يستمتعوا بنعيم الحياة والبابوية مجتمعين.

ولم تكن تنقصهم الفضائل. فقد بذلوا جهدهم كي يخلصوا رومة من القبح والأقذار التي تردت إليها أثناء غياب البابوات في أفينون. لقد جففوا المستنقعات (لا بأيديهم هم بل بأيدي غيرهم وهم مستريحون) ورصفوا الشوارع، وأعادوا بناء الجسور ومهدوا الطرق، وأصلحوا موارد مياه الشرب وأشأوا مكتبة الفاتيكان ومتحف الكابينول، ووسعوا المستشفيات، ووزعوا الصدقات وبنوا الكنائس أو رمموها، وجملوا المدينة بالقصور والحدائق، وأعادوا تنظيم جامعة رومة، وأعانوا الكتاب الإنسانيين على إحياء الآداب والفلسفة والفنون الوثنية القديمة وهيأوا الأعمال للمصورين والمثالين والمهندسين المعماريين الذين خلفوا ورائهم من الأعمال ما هم تراث خالد ثمين لجميع بني الإنسان. وإذا كانوا قد بددوا الملايين، فإنهم قد أنفقوا ملايين مثلها في أعمال البناء والتعمير. ولسنا ننكر أنهم انفقوا في بناء كنيسة القديس بطرس الجديدة أكثر مما كانت تطيقه موارد البلاد ولكن ما أنفقوه عليها ليس أكثر نسبياً مما أنفقه ملوك فرنسا فيما بعد على قصور فونتيه بلو وفرساي واللوار، ولعلهم كانوا يظنون وقتئذ أنهم لا يفعلون أكثر من تحويل فئات الأموال السريعة الزوال إلى مجد خالد للشعوب ولربهم. وكان معظم أولئك البابوات في حياتهم الخاصة يعيشون عيشة البساطة ومنهم مثل (الإسكندر السادس) من كان يعيش زاهداً متقشفاً ولا يظهر بمظهر الترف والفخامة إلا لأن ذلك يتطلبه ذوق الشعب وعاداته وبذلك رفعوا البابوية إلى ذروة الجلالة والسلطان بعد أن أضحت معدمة معرضة للسخرية والازدراء.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفصل الرّابع: البيئة المتغيرة

وبينما كانت الكنيسة يبدو عليها أنها آخذة في استعادة مجدها وسلطانها، كان يحدث في أوربا تغير اقتصادي وسياسي وعقلي يعمل بالتدريج على تقويض صرح المسيحية اللاتينية.

ذلك أن الدين يزدهر عادة في ظل النظام الزراعي على حين أن العلم يزدهر في ظل الاقتصاد الصناعي فكل حصاد معجزة من المعجزات في الأرض ونزوة من نزوات الجو، والفلاح الحقير الخاضع لسلطان الجو والذي ينهكه الكدح، يرى من حوله قوات خارقة للعادة في كل مكان، ويوجه الدعوات والصلوات إلى السماء ليسترضيها ويستميلها إليه، ويرتضي الخضوع لنظام ديني إقطاعي يتدرج ولاؤه فيه من السيد المالك إلى الملك إلى الله. أما الصانع في المدينة والتاجر وصاحب المصنع وذو المال فيعيشون في عالم من الأرقام يحسبون فيه العمليات والكميات والأسباب المادية والنتائج المرتقية العادية. وتهيئ الآلة ومنضدة العد والحساب عقولهم لأن يروا حكم (القانون الطبيعي) يبسط سلطانه على أرجاء آخذة في الاتساع. وكان نمو الصناعة والتجارة وتكدس الأموال أثناء القرن الخامس عشر وانتقال العمال من الر يف إلى المدن وقيام طبقة التجار واتساع دائرة الاقتصاد من البيئة الصنفية المحلية حتى أصبح اقتصادياً قومياً ثم دولياً-كل هذا كان نذير شؤم للدين الذي كان يوائم أشد المواءمة نظام الإقطاع وما يطرأ على الحقول من تقلبات تبعث في النفس الكآبة والقنوط. وأخذ رجال الأعمال يحطمون القيود التي يفرضها سادة الإقطاع، وكان لا بد للكنيسة أن ترضى بشيء من الشعوذة اللاهوتية المكشوفة إلى ما تحتمه ضرورة الأيام من فرض فوائد على القروض إذا كان لا بد لرؤوس الأموال أن تستخدم في توسيع دائرة الصناعة والمشروعات المالية، وما وافى عام 1500 حتى أصبح الناس يتجاهلون أوامر الكنيسة القاضية بتحريم "الربا". ثم حل المحامون ورجال الأعمال شيئاً فشيئاً محل رجال الدين والأعمال في إدارة أعمال الحكومة، وأخذ القانون نفسه، بعد أن ظفر باسترداد تقاليده ومكانته اللتين كانتا له في عصر الإمبراطورية الرومانية، يسبق النظم الأخرى في الانتقال من الصبغة الدينية إلى الصبغة الدنيوية ويتعدى يوماً بعد يوم عل نظم الحياة الكنسية التي كانت تخضع من قبل للقوانين الدينية وزادت سلطة المحاكم الزمنية واضمحلت سلطة محاكم الابرشيات.

وأخذت الدولة الملكية الناشئة بعد أن بلغت طور الشباب وازداد ثراؤها بفضل ما تجمع لها من المال من التجارة والصناعة، أخذت تتحرر شيئاً فشيئاً من سيطرة الكنيسة وأخذ الملوك يعارضون في وجود المندوب البابوي أو القاصد الرسولي في بلادهم ل،ه لم يكن يعترب بسلطان غير سلطان البابا وبذلك جعل كنيسة كل أمة دولة داخل دولة. من أجل ذلك ضيقت القوانين التي صدرت في إنجلترا عام 1351 و1353 أشد التضييق سلطات رجال الدين في شؤون الاقتصاد والقضاء. وفي فرنسا احتفظ الملوك بعد إلغاء قرار بورج التنظيمي من الوجهة التظرية في عام 1516 بحقه في ترشيح كبار الأساقفة ورؤساء الأديرة وكبار رهبانها(17) وأصرت دولة البندقية على أن تعين هي من يشغلون المناصب الكنسية العالية في الأقاليم التابعة لها. وغلب فرديناند وإزابيلا البابوات على أمرهم فانتزعوا منهم حق تعيين من يشغلون كثيراً من المناصب الدينية الشاغرة في أسبانيا وفي الإمبراطورية الرومانية المقدسة حيث استمسك جريجوري السابع بحق البابوات في تعيين رجال رغم معارضة هنري الرابع، سلم سكستس الرابع إلى الأباطرة بحقهم في تعيين ثلاثمائة ممن يشغلون المناصب الدينية وتعيين سبعة أساقفة وكثيراً ما كان الملوك يسيئون استخدام هذه السلطات.

فكانوا يعينون في مناصب الكنيسة من يميلون إليهم من رجال السياسة وكان هؤلاء يستحوذون على إيراد الأديرة وأملاك الكنيسة ولكنهم كانوا يتجاهلون ما عليهم من التبعات(18) وإن كثيراً من المفاسد الكنسية ليعزى أصلها إلى من كانوا يشغلون هذه المناصب الكنسية من غير رجال الدين.

وكانت البيئة العقلية في الكنيسة نفسها في هذه الأثناء آخذة في التغير تغيراً ينذرها بأشد الأخطار. نعم إنها كانت لا تزال تخرج علماء مجدين ذوي ضمائر حية، ولكن المدارس والجامعات التي أنشأتها هي من قبل كانت قد أخرجت أقلية من الرجال المتعلمين لم تكن آراؤهم مما يرضي على الدوام القديسين. فها هو ذا القديس برناردينو حوالي عام 1420:

وإن كثيراً من الناس إذا ما نظروا إلى ما يرتكبه الرهبان والإخوان والراهبات وغير هؤلاء من رجال الدين لتشمئز نفوسهم، بل إنهم كثيراً ما يتزعزع إيمانهم، فلا يؤمنون بشيء أعلى من أسقف منازلهم ولا يرون أن ما ورد في الكتب عن الدين صادق صحيح بل يعتقدون أنه من اختراع الآدميين وليس وحياً من عند الله..فهم يحتقرون القربان المقدس ولا يؤمنون بوجود الروح ولا يخشون عذاب النار ولا يرغبون في نعيم الجنة، بل إن أهم ما تتعلق به قلوبهم هو الأشياء الزائلة ويعملون على أن يكون هذا العالم الأرضي هو جنتهم(19). وأكبر الظن أن طبقة رجال الأعمال كانت أقل الطبقات صلاحاً واستمساكاً بالدين، ذلك أن الدين يضمحل على الدوام كلما زاد الثراء. فجوور (1325-1408) يقول إن تجار إنجلترا قلما يعنون بالحياة الآخرة ويقولون أن من يستطيع الحصول على نعم هذه الحياة ثم يتركه تفلت من يده فهو إنسان أبله فما من أحد يعرف أين يذهب بعد الموت أو من أي طريق نذهب(20)، يضاف إلى هذا إن إخفاق الحروب الصليبية قد خلف في النفوس دهشة أخذت تتناقص على مهل يقول أصحابها كيف سمح رب المسيحية بأن ينتصر الإسلام وكان استيلاء الأتراك على القسطنطينية مما قوى هذه الشكوك، وكانت كتابات نقولاس الكورائي 1432 ولورند سوفلا 1439 التي قالا فيها إن "هيبة قسطنطين" زيف وزور، مما حط من مكانة الكنيسة وأضعف ما تدعيه لنفسها من سلطان زمني. وفوق هذا كله فإن اكتشاف الكتب اليونانية والرومانية القديمة ونشرها كان سبباً في تقوية الشكوك لأنه كشف عن عالم من العلوم والفنون ازدهرت قبل مولد الكنيسة المسيحية وهي التي أنكرت في مجلس لا تيران الخامس 1512-1517 إن النجاة غير مستطاعة خارج حظيرتها(21) كذلك أزاح كشف أمريكا وارتياد بلاد الشرق ارتياداً آخذاً في الاتساع، أزاح هذا وذاك الستار عن مائة أمة كانت ترفض الإيمان بالمسيح أو تتجاهله وكانت لها أديان أخرى لا تقل عن المسيحية إيجابية أو تأثيراً من الناحية الخلقية وجاء الرحالة العائدون من بلاد "الكفرة" ببعض العقائد والطقوس التي أخذت تنازع العبادات والعقائد المسيحية فأخذت هذه العقائد المتنافسة تصطرع في الأسواق وفي الثغور.

ثم إن الفلسفة نفسها التي كانت في القرن السادس عشر خاضعة لسلطان الدين وخامة طيعة له همها كله أن تجد أسباباً يقبلها العقل لمبادئ الدين القويم، قد حررت نفسها في القرن الرابع عشر على أيدي وليام الأوكهامي ومرسليوس من أهل بدوا وأصبحت في القرن السادس عشر فلسفته زمنية جريئة تجهز بتشككها بقيادة بمبو منشي ومكيافلي وجوتشياردين. وقد أذاع مكيافلي قبل أن يكتب لوثر رسالته بأربع سنين نبوءة فزع منها القوم قال: "لو أن الدين المسيحي قد احتفظ به كما صدر عن مؤسسه لكانت دول العالم المسيحي أكثر اتحاداً وأعظم سعادة مما هي الآن وليس أدل على ضعفه من أقرب الناس إلى الكنيسة الرومانية التي هي صاحبة السلطة العليا في هذا الدين هم أقل الناس تديناً. وإن من ينعم النظر في المبادئ التي يقوم عليها هذا الدين ويرى ما بين هذه المبادئ وبين شعائرها الحاضرة وعباداتها من فرق كبير ليحكم من فوره بأن انهيارها أو يوم القصاص منها لآت عن قريب".

الفصل الخامِس: ما يؤخذ على الكنيسة

هل لنا أن نعيد هنا ذكرى التهم التي يوجهها الكاثوليك المخلصون إلى الكنيسة في القرنين الرابع عشر والخامس عشر؟ إن أول هذه التهم وأشدها هي أنها كانت تحب المال وأنه كان لها منه أكثر مما يليق بها إذا أرادت أنفسها الخير وقد وجه مجلس نورنبرج في عام 1522 مائة تهمة منها أنها تمتلك نصف ثروة ألمانيا(23) وقد قدر مؤرخ كاثوليكي نصيب الكنيسة بثلث أموال ألمانيا وخمس أموال فرنسا(24) ولكن مدعياً عمومياً في برلمان فرنسا قدر ثروة الكنيسة في عام 1502 بثلاثة أرباع أموال فرنسا كلها(25) على أننا ليس لدينا من الإحصائيات ما نرجع إليه في هذه التقديرات أما في إيطاليا فإن ثلث شبه الجزيرة بطبيعة الحال كان ملكاً للكنيسة ونعني به الولايات البابوية، هذا فضلاً عما كان لها من الأملاك القيمة في غير تلك الولايات . وكان لتجمع الثروة في يد الكنيسة ستة أسباب. أولها أن معظم من كانوا يوصون بأموالهم عند وفاتهم كانوا يتركون لها بعض المال وقاية لهم من نار جهنم، وإذا كانت الكنيسة هي التي تشرف على عمل الوصايا وإثباتها فإن رجالها كانوا في وضع يمكنهم من تشجيع أمثال هذه الوصايا. وثانيها أن أملاك الكنيسة كانت أكثر أماناً من كل ما عداها من انتهاب اللصوص والجنود والحكومات، ولهذا فإن بعض الناس كانوا ينزلون عن أراضيهم للكنيسة ليأمنوا عليها من ذلك النهب ثم يمتلكونها هم منها بوصفهم عمالاً للكنيسة عليها أن يؤول ما لهم من حقوق إلى الكنيسة بعد موتهم.ومنهم من كان يوصي ببعض أمواله أة بها كلها للكنيسة مشترطين أن تمدهم بما يلزمهم في حالتي المرض والشيخوخة فكانت الكنيسة بذلك تضمن لهم أماناً من الفقر في حالة العجز عن الكسب. وثالث هذه الأسباب أن الذين اشتركوا في الحروب الصليبية قد باعوا إلى الهيئات الدينية أرضهم أو رهنوها لها أو نزولا لها عنها كي يحصلوا على ما يلزمهم من المال في مغامراتهم. ورابع هذه الأسباب أن مئات الآلاف من الأفندية قد آلت إلى الكنيسة لأن طوائف الرهبان هي التي أصلحتها. وخامسها أن ما تمتلكه الكنيسة من الأرض لا يمكن أن ينتقل إلى غيرها-فلا يمكن أن يبيعه أو ينزل عنه أحد من رجالها إلا بوسائل غاية في التعقيد تجعل هذا في حكم المستحيل. وآخر هذه الأسباب أن أملاك الكنيسة كانت في العادة معفاة من الضرائب التي تفرضها الدولة على سائر الأملاك وإن كان بعض الملوك يرغمون رجال الدين على أداء بعض الإتاوات أو يجدون ذرائع قانونية لمصادرة أجزاء من ثروة الكنيسة غير مبالين بما يصبه عليهم رجال الدين من اللعنات، ولو أن أملاك الكنيسة أو الإيراد الناتج منها أو التبرعات التي لا حصر لها والتي كانت ترد إليها من المؤمنين برسالتها قد بقيت داخل حدود البلاد التي ينتمي إليها المتبرعون أو التي توجد فيها هذه الأملاك لكان تذمر الحكام في أوربا الشمالية أقل شدة مما شاهدناه، أما وإن هذه الثروة لم تبق داخل تلك الحدود فإن منظر الذهب الذي كان ينساب بآلاف الطرق من أوربا الشمالية إلى رومة كان مما يثير حنق هؤلاء الحكام.

أما الكنيسة فقد كانت تحسب أنها العامل الأكبر في المحافظة على الأخلاق، والنظام الاجتماعي، والتربية والأدب، والعلم، والفن، وكانت الدولة تعتمد عليها في القيام بهذه المهام، وكان القيام بها يتطلب نظاماً واسعاً كثير النفقة، وكان لا بد لها في الحصول على هذا المال من أن تفرض الضرائب وتجبي الرسوم، ذلك أن الكنيسة هي الأخرى لا يمكن أن تحكم بالصلوات والأدعية. وكان كثير من الأساقفة حكاماً مدنيين وكنسيين في أقاليمهم، وكانت السلطات غير الدينية هي التني تعين معظم أولئك الأساقفة تختارهم من بين أعيان البلاد الذين اعتادوا معيشة الترف والتحرر من قيود الأخلاق، فكانوا يفرضون الضرائب وينفقون مواردها كما يفعل الأمراء وكانوا أحياناً يجللون بالعار ذكرى القديسين بارتداء الدروع وقيادة الجند في الحروب. وقلما كان الكرادلة يختارون لتدينهم وتقواهم بل كانوا يختارون عادة لثروتهم أو لصلاتهم السياسية أو لكفايتهم الإدارية، ولم يكونوا يرون أنفسهم رهباناً مقيدين بأيمان أقسموها وإنما كانوا يرون أنفسهم شيوخاً ورجال سياسة في دولة غنية قوية، ولم يكونوا في كثير من الأحيان قساوسة، ولم يكونوا يسمحون لقلانسهم الحمراء أن تحول بينهم وبين الاستمتاع بمباهج الحياة(26) وقصارى القول أن الكنيسة قد أنستها حاجات السلطة وما يلزمها من المال ما كان عليه الرسل الأولون من زهد وفقر.

وإذا كان خدم الكنيسة رجال دنيا لا رجال دين فإنهم لم يكونوا في كثير من الأحيان يقلون جشعاً عن موظفي الحكومات في أيامهم. فقد كان الفساد قانون ذلك العصر وطبيعة أهله، وكانت المحاكم المدنية تشترى بالمال ولسنا نجد في انتخاب البابوات كلهم ما يضارع في الرشوة ما حدث في انتخاب شارل الخامس إمبراطوراً. وإذا ما استثنينا هذا الانتخاب وحده فإن أضخم الرشاوى في أوربا هي التي كانت تقدم إلى محاكم رومة(27). لقد كانت رسوم معقولة محددة تفرض نظير الخدمات التي تقوم بها المحكمة البابوية العليا، ولكن جشع موظفيها رفع هذه الرسوم إلى أكثر من قيمتها القانونية عشرين ضعفاً(28)، وكان من المستطاع التحلل من الأوامر الدينية كلها تقريباً وقلما كانت هناك خطيئة لا يمكن غفرانها إذا كان الثمن الذي يؤدي لذلك مغرياً. وليس أدل على ذلك من أن اينياس سلفيوس كتب قبل أن يجلس على كرسي البابوية يقول أن كل شيء في رومة يباع بالمال وأن لا شيء فيها يمكن الحصول عليه بغير المال(29) وأشد من هذا ما قاله سفنرولا بعد جيل من ذلك الوقت بشيء من المبالغة التي تصحب الغضب على الدوام، وهو وصف كنيسة رومة بأنها عاهر تبيع نفسها بالمال (30) ومثل هذا ما قاله ارزمس يعد جيل آخر وهو "إن العار الذي يجلل المحكمة البابوية العليا قد وصل إلى ذروته(31)". ثم ثم أنظر إلى ما كتبه بستور، إن لفساد المتأصل قد استحوذ على جميع موظفي الإدارة البابوية كلهم تقريباً...فالهبات التي لا يحصى عددها واغتصاب الأموال بمختلف الأساليب قد فاق كل ما يتصوره العقل يضاف إلى هذا أن الموظفين أنفسهم كانوا يزورون العقود ويتبادلونها. فلا عجب والحالة هذه إذا علت الشكوى من جميع أجزاء العلم المسيحي مما كان يرتكبه الموظفين البابويون من رشوة وفساد واغتصاب للأموال(32). ولم يكن مألوفاً أن ذوو الكفايات المعدمون في مناصب الكنسية في القرن الخامس عشر، فقد كان كل منصب تقريباً يتطلب رشوة الموظفين الأعلين فيها رشاوى تختلف بين الصغيرة لنبل منصب القساوسة، والرشاوي الضخمة التي يؤديها كثير من الكرادلة لكي يرقوا إلى هذا المنصب لما يتطلب التملق الخفي الأعلياء. وكان من الأساليب المحببة للبابوات لجميع المال بيعهم مناصب الكنيسة، وكان هذا في عرف البابوات هو تعيين أشخاص يرجى أن يسهموا بالكثير من المال فيما تحتاجه الكنيسة من نفقات بمنحهم ألقاب شرف فخرية قد تصل إلى لقب الكردنال نفسه. من ذلك إن اسكندر السادس أنشأ ثمانين منصباً جديداً وقبض 760 دوقة (19000 دولار) من كل شخص عين في منصب من هذه المناصب. وأنشأ يوليوس الثاني "مجمعاً" أو مكتباً مؤلفاً من 101 أمين أدوا له مجتمعين 24000 دوقة ثمناً لهذه المناصب، ورشح ليو العاشر 60 من الحجاب و141 من الأتباع في القصر البابوي واستحوذ منهم على 202000(33) دوقة وكان معطى هذا المال وآخذه يرون أن الأموال التي تبتاع بها هذه المناصب ليست إلا أقساطاً ثانوية في عقود تأمين، أما لوثر فلم يكن يرى فيها إلا أنها بيع من أدناه البيوع للمناصب الكنسية.

وكان صاحب المنصب في آلاف من الأحوال يعيش بعيداً عن مقر منصبه-الابرشية أو الدير أو الأسقفية-التي كان إيرادها ثمناً لكدحه أو وسيلة لترفه وكان يحدث في بعض الأحيان أن يكون شخص واحد هو القائم بالعمل في كثير من هذه المناصب. من ذلك مثلاً أن الكردنال روريجو بورجيا النشيط (الذي صار فيما بعد اسكندر السادس) قد وهب عدة مناصب مختلفة كانت تدر عليه 70000 دوقة (1.750.000 دولار) في العام وأن عدوه الألد الكردنال دلاروفيري (الذي صار فيما بعد يوليوس الثاني) قد كان في وقت واحد كبير أساقفة افنيون واسقفاً لبولونيا ولوزان وكوتانس، وقفيير، ومندي واستيا ونيليتوري ورئيساً لديري نونان تولا وجبروتا فراتا(34). كان في وسع الكنيسة بالجمع بين هذه المناصب أن تؤدي مرتبات كبار موظفيها التنفيذيين وأن تنفخ بالهبات السخية في كثير من الأحيان الشعراء والعلماء وطلاب العلم. وها هو ذا بترارك الناقد الشديد لبابوات افنيون كان يعيش من مرتبات المناصب الهينة المجزية التي منحه إياها أولئك البابوات، وها هو ذا ارازمس الذي سخر من مئات السخافات الكنسية وهجاها الهجو اللاذع كان يقبض معاشاً منتظماً من الكنيسة، وكوبر بيكاس الذي أصاب كنيسة العصور الوسطى بأعظم الأضرار قد ظل سنين طوالاً يعيش من أموال الكنيسة التي لم تكن تتطلب منه إلا القليل من الأعمال التي تحول بينه وبين أعماله العلمية(35).

ولم يكن هذا التعدد في المناصب أخطر التهم التي وجهت للكنيسة بل كان أخطر منه ما اتهم به رجال الدين من فساد في الأخلاق. وها هو ذا واحد منهم هو أسقف تورشيلو (1458) يقول: أن أخلاق رجال الدين فاسدة يشمئز منها العلمانيون(36). وأصبح المنتمون إلى طوائف الرهبان الأربع التي أسست في القرن الثالث عشر-وهي طوائف الفرانشيسكان والدمنيك ورهبان الكرمل، والاوغسطينيين أصبح المنتمون إلى هذه الطوائف كلها ما عدا الأخيرة منها مستهترين في أخلاقهم شديدي الاستخفاف بما يتطلبه مركزهم من تقى وحسن نظام. وقد تبين أن قواعد الأديرة التي وضعها منشئوها الأولون المتحمسون أشد مما تطيقه الطبيعة البشرية التي أخذت تتحرر شيئاً فشيئاً من مخاوف ما وراء الطبيعة. وإذ كان آلاف الرهبان والإخوان قد استغنوا عن العمل اليدوي بفضل ما تجمع لهم من المال الكثير، فقد أهمل هؤلاء الخدمات الدينية وخرجوا من صوامعهم يجسون خلال الديار، ويتعاطون الخمور في الحانات ويتخذون لهم عشيقات. وها هو ذا راهب من الدمنيك يدعى جون بروميارد من رهبان القرن الرابع عشر يقوله عن إخوانه الرهبان:

إن أولئك الذين من واجبهم أن يكونوا آباء للفقراء...يشتهون ألذ الطعام، ويستمتعون بنوم الضحى...ويمنون على الناس بحضورهم صلاة الصباح أو القداس...وتراهم منهمكين في الطعام والشراب إذا لم نقل في الدنس والأقذار، حتى لقد أصبحت مجامع رجال الدين مواخير للفجار ومجتمعات من مهرجين(37). وكرر أرازمس تلك التهمة نفسها بعد مائة عام من ذلك الوقت فقال: "إن كثيراً من أديرة الرجال والنساء قلما تختلف عن المواخير العامة(39)".

ولسنا ننكر أن بترارك قد رسم صورة طيبة لما كان يسود دير الكرثوذيين الذي كان أخوه يعيش فيه من حسن نظام وتقى وأن كثيراً من الأديرة في هولندا وغربي ألمانيا قد احتفظت بروح الدرس والصلاح التي تألفت على أساسها "طائفة إخوان الحياة العامة" وصدر منها كتاب التشبه بالمسيح، ولكن نيوهانز تريتميوس، ينس وايرسينهايم (حوالي 1490) قد ندد برهبان هذا الجزء من ألمانيا المحيط بنهر الراين تنديداً عنيفاً أشد العنف فقال:

إن هؤلاء الرجال لا يبالون بالأيمان الدينية التي أقسموها..فإنهم لم يعدوا قط بأن يبروا بها...فهم يقضون النهار كله في الحديث القذر ويقضون وقتهم كله في اللعب والتهام الطعام..وإذا كانوا يمتلكون ثروة خاصة طائلة..فإن كل واحد منهم يعيش في مسكن خاص به..وليس فيهم من يهاب الله قط أو يحبه. ولا يفكرون قط في الحياة الآخرة ويؤثرون شهواتهم البدنية على مطالب الروح..ويحتقرون ما أقسموا عليه من التزام الفقر ويجهلون يمين العفة وينقضون يمين الطاعة.. وإن رائحة أقذارهم لتحيط بهم من كل الجوانب(41). ولما أرسل جاي جوينو من قبل البابا لإصلاح أديرة البندكتيين في فرنسا كتب بعد عودته تقريراً يبعث الغم والاكتئاب في النفوس (1503) قال فيه إن كثيراً من الرهبان يلعبون الميسر ويكثرون من السباب، وترددون على الحانات، ويتسلحون بالسيوف، ويجمعون الأموال "ويحبون حياة السكيرين"، وهم أكثر تعلقاً بالدنيا من رجال الدنيا أنفسهم..ولو أنني أردت أن أقص كل ما وقعت عليه عيناي لملأت بذلك صحفاً طوالاً(42). وقد كانت نتيجة الفوضى المضطرة النماء في الأديرة أن أهمل الكثير أعمال الصدقات والخدمة في المستشفيات والقيام بشؤون التعليم وهي الأعمال العظيمة الخليقة بالإعجاب التي اغستحقوا من أجلها ثقة الناس وتأييدهم(43). ويقول البابا ليو العشر (1516) "لقد وصل اضطراب الأمور في أديرة فرنسا وحياة الاستهتار التي يحياها الرهبان إلى حد لم يبق لهم معه أي احترام عند الملوك أو الأمراء أو المتينين من الناس(44). وقد أجمل مؤرخ كاثوليكي وصف هذه المفاسد كلها كما رآها في عام 1490، ولعله كان مبالغاً بعض الشيء في قسوته فقال:

اقرأ ما يفيض به ذلك العهد من أدلة وشواهد-طرائف تاريخية وتعنيف ينطق به رجال الأخلاق، وهجاء يكتبه العلماء والشعراء، ومراسيم بابوية ومجامع دينية مقدسة-ماذا تجد في هذه كلها؟ إنك لتجد فيها نفس الحقائق ونفس الشكاوى..التحرر من حياة الأديرة ومن النظام والأخلاق الكريمة وما أكثر ما تجد في الأديرة من لصوص وفسقة، وإذا شئت أن تدرك ما في هذه الأديرة من فوضى فعليك أن تقرأ ما كشفت عنه البحوث القضائية من تفاصيل الحالة الداخلية للكثرة الغالبة من الأديرة الكبيرة...ولقد بلغت المساوئ المنتشرة في أديرة الكرثوذيين درجة أصبحت معها هذه الأديرة مضرب المثل في سوء السمعة في كل مكان تقريباً..أما أديرة الراهبات فقد اختفت فيها حياة الرهبنة عن آخرها...فاستحالت دور العبادة بسبب هذه المساوئ كلها بؤراً للفساد وسوء النظام(45).

أما رجال الدين غير المنتمين إلى طوائف الرهبان، فكانوا خيراً من الرهبان الإخوان، إذا تساهلنا في عادة التسري التي كانت شائعة بينهم، وكانت أكبر آثام قسيس الابرشية هي جهلة(46) ولكنه لم يكن يتقاضى إلا القليل الذي لا غناء فيه من الأجر وكان يرهق بالعمل ومن أجل هذا لم يكن يجد من الوقت أو المال ما يعينه على الدرس، وتدل التقوى الشائعة بين عامة الشعب على أنه كثيراً ما كان محبوباً مبجلاً. وكثيراً ما كان هؤلاء القساوسة يحنثون بقسمهم على أن يلتزموا العفة والطهارة. ففي نورفولك بإنجلترا مثلاً نظرت المحاكم في ثلاث وسبعين تهمة خاصة بعدم العفة في عام 1499، وكان منها خمس عشر تهمة موجهة إلى رجال الدين، وفي ريبون كانت أربع وعشرون تهمة من 126 موجهة إلى رجال الدين، وفي لامبث كانت تسع تهم من ثمان وخمسين موجهة إلى رجال الدين، ومعنى هذا أن ثلاثاً وعشرون في المائة من مجموع هذه التهم موجهة إليهم مع أن رجال الدين كلهم كانوا في أغلب الظن أقل من اثنين في المائة من مجموع السكان(47). ومن رجال الدين من كانت لهم صلات جنسية بالتائبات من النساء(48). وكان للآلاف من القساوسة خطايا، وفي ألمانيا كان لهم كلهم تقريباً(49) وفي رومة كان هذا هو الأمر المتبع المألوف، وتقدر بعض التقادير عدد العاهرات فيها بسبعة آلاف من بين السكان الذين لم يكونوا يزيدون على مائة ألف(50). وها هو ذا مؤرخ كاثوليكي يقول:

لا غرابة وتلك حال أعلى طبقات رجال الدين أن تنتشر الرذيلة وينتشر الشذوذ باختلاف أنواعه بين طوائف الرهبان المنتظمة وبين القساوسة من غير الرهبان وأن يزداد هذا الانتشار يوماً بعد يوم. قصارى القول أن الفضيلة قد فقدت معناها على وجه الأرض..ولكن من الخطأ أن نظن أن فساد رجال الدين كان أسوأ في رومة منها في غيرها من المدن، ذلك أن لدينا أدلة تثبتها الوثائق على فساد أخلاق القساوسة في كل بلد تقريباً من بلدان شبه الجزيرة الإيطالية..فلا عجب، كما يقول كاتب معاصر والحزن يملأ قلبه إذا كان نفوذ رجال الدين قد أخذ ينقص تدريجياً وإذا كان الناس لا يكادون يظهرون أي احترام مهما قل لرجال الدين في كثير من الأقطار ذلك أن الفساد قد انتشر بينهم إلى حد أصبحنا نسمع معه اقتراحات يبديها البعض بالسماح للقساوسة بالزواج(15). ويجدر بنا أن نقول إنصافاً لهؤلاء القساوسة غير المتعففين أن التسري الشائع بينهم لم يكن يعد دعارة بل إنه يكاد يكون تمرداً عاماً على قانون العزوبة التي فرضها البابا جريجوري السابع (1074) على رجال الدين وأرغمهم عليها إرغاماً. ولقد أخذ كهنة الكنيسة الرومانية يطالبون بأن يُسمح للقساوسة بالزواج شأنهم في ذلك شأن أمثالهم من كهنة الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية والروسية فقد ظلت هذه الكنيسة تسمح لقساوستها بالزواج بعد الانشقاق الذي حدث في عام 1054، إذ كان قانون الكنيسة الكاثوليكية لم يسمح لهم بهذا فقد لجأوا إلى عادة التسري. وها هو ذا هاردون أسقف انجيز يقول في تقرير له (1428) إن رجال الدين في ابرشيته لم يكونوا يرون في اتخاذ الحظايا إثماً. وأنهم لم يحاولوا قط أن يخفوا ذلك عن أعين الناس(52). وكان في بومراننا 1500 حالة من هذا النوع يعترف الأهلون بأنها لا غبار عليها، بل كانوا يشجعونها، لأنهم يرونها وقاية لبناتهم وزوجاتهم، وكان المألوف المتواضع عليه الاحتفالات العامة أن يعطى مكان الشرف للقساوسة وحظاياهم(53)، وحدث في شلزويج أن طرد أسقف من كرسيه لأنه حاول أن يحرم هذه العادة(54) (1499). ولما عقد مجلس كنتستانس اقتراح الكردنال زيلا أن تعود الكنيسة فتسمح لرجال الدين بالزواج إذا لم يكون مستطاعاً منعهم من اتخاذ الحظايا، وقال الإمبراطور سجسمند في رسالة له إلى مجلس بازل (1431) إن زواج رجال الدين سيصلح من أخلاق الناس بوجه عام(55)، ونقل المؤرخ بلاتينا أمين مكتبة الفاتيكان عن اينياس سافيوس قوله أن هناك أسباباً قوية في صالح بقاء رجال الدين عزاباً، ولكن هنا أسباباً أقوى منها في صالح زواجهم(56)، وجملة القول أن السجل الأخلاقي لرجال الدين قبل الإصلاح الديني يبدو خيراً مما هو إذا نظرنا إلى عادة اتخاذ الحظايا على أنها تمرد يغتفر لهم، على سنة مرهقة لا تطيقها الطبيعة البشرية، ولم تكن عند الحواريين الأولين، ولا تجري عليها الكنيسة الشرقية.

أما الشكوى التي أشعلت نار الإصلاح الديني في آخر الأمر فقد كانت هي بيع صكوك الغفران. وتفصيلها أن من حق رجال الدين، السلطات التي خولها المسيح فيما بعد يبدو لبطرس (إنجيل متي 16، 19) والتي انحدرت من بطرس إلى رجال الدين بمقتضى هذه السلطات أن يغفروا للتائب المعترف بذنوب خطاياه وما يترتب عليها من عقاب في نار جهنم، ولكنهم لا يعفون أولئك المذنبين من التكفير عن خطاياهم أثناء حياتهم على ظهر الأرض. على أن الذين يستطيعون أن يثقوا بأنهم يموتون بعد أن يكفروا التكفير الواجب عن ذنوبهم كلها ليسوا إلا قلة صغيرة من الناس مهما اعترفوا بذنوبهم وطهرهم هذا الاعتراف، إن الذين يستطيعون أن يثقوا بذلك هم قلة صغيرة من الناس، أما الباقون فلابد أن يكفروا عما بقي من ذنوبهم بأن يقدموا عدداً من السمين في المطهر، الذي أوجده الإله الرحيم ليكون جحيماً مؤقتاً لهؤلاء المذنبين. لكن ثمة طائفة كبيرة من الأولياء الصالحين قد كسبوا بفضل خشوعهم وتقواهم واستشهادهم في سبيل الدين من الفضائل ما نرى في أكبر الظن زيادته على ما كفروا به عن ذنوبهم. وقد خلف المسيح وراءه بموته قدراً لا يحصى من الفضائل، وهذه الفضائل كما تقول الكنيسة، يمكن أن تعد بمثابة كنز يستمد منه البابا ما يشاء ليمحو جزءاً من الآثام التي ارتكبها الناس في الدنيا. ولم يكفروا عنها كل التكفير. وكانت الكفارة التي تضعها الكنيسة تتخذ في العادة صورة تكرار بعض الأدعية أو إخراج الصدقات أو الحج إلى بعض الأضرحة المقدسة، أو الاشتراك في حرب صليبية ضد الأتراك أو غيرهم من "الكفرة". أو التبرع بالمال أو العمل لبعض المشروعات الاجتماعية كتجفيف مستنقع، أو إنشاء طريق، أو بناء قنطرة، أو مستشفى، أو كنيسة. وكان استبدال غرامة مالية (فدية) بالعقاب البدني سنة مألوفة من عهد بعيد في المحاكم المدنية، ومن ثم فإن تطبيق هذه الفكرة على صكوك الغفران لم يغضب الناس في بادئ الأمر. وكان التائب المعترف، إذا أدى هذه الفدية أي إذا خرج عن بعض المال-لنفقات الكنيسة تسلم صك غفران جزئي أو كلي، ولم يكن هذا الصك يجيز له أن يرتكب ذنوباً جديدة، بل يمكنه من أن ينجو يوماً، أو شهراً، أو عاماً من عذاب المطهر، أو أن يعفى من جميع المدة التي كان لا بد له أن يقضيها في عذاب المطهر عقاباً له على ذنوبه لولا هذا الصك، ولم يكن الصك ليفي من جريمة الإثم، أما هذه الجريمة فقد كانت تعفى حين يغفر القس ذنب التائب النادم أثناء الاعتراف قبل الموت. فصك الغفران، والحالة هذه، معناه أن تعفو الكنيسة بعض العقوبات الدنيوية (أي غير الأبدية) التي يتعرض لها صاحب الخطايا التي غفر أثمها أثناء عملية الكفارة.

وسرعان ما تبدل شأن هذه النظرية البارعة المعقدة بفضل شذاجة الناس أو شراهة الغافرين الذين عهد إليهم توزيع صكوك الغفران أو ادعوا لأنفسهم حق توزيعها. وإذ كان يُسمح لهؤلاء الموزعين أن يحتفظوا لأنفسهم بجزء مما تدره من المال، فقد أغفل بعضهم الإصرار على توبة من يبتاعون الصكوك، أو اعترافهم بذنوبهم، أو صلواتهم، وتركوا لهم جريتهم الكاملة في أن يفسروا الصكوك بأنها تعفيهم من التوبة، ومن الاعتراف، ومن الغفران على يد القساوسة، وبأنهم يستطيعون الاعتماد كل الاعتماد تقريباً على ما يقدمون من المال. وقد وصل الأمر حداً جعل تومس جسكوني مدير جامعة اكسفورد يجأر بالشكوى ويقول:

يقول المذنبون في هذه الأيام: "لست أبالي كم أرتكب من الذنوب أما الله لأن من السهل علي أن أتخلص من كل ذنوبي ومما يترتب عليها من العقاب بالمغفرة وصكوك الغفران بمنحي إياها الباب الذي ابتاعها منه مستورة نظير أربع بنسات أو ست كاني أكسبها في لعبة تنس مع من في مقدرته أن يمنح هذا الغفران". ذلك أن بائعي هذه الصكوك يطوفون بالبلاد ويفرقون خطابات بالمغفرة نظير بنسين تارة ونظير جرعة من الخمر أو الجعة تارة أخرى...بل إنهم يعطونها نظير استئجار عاهر أو نظير الحب الدنس(75) ولقد ندد البابوات-بونيفاس التاسع في عام 1392، ومارتن الخامس في عام 1420 وسكستس الرابع في عام 1478-أكثر من مرة بهذه المساوئ وهذا الخطأ في التفكير ولكن حاجتهم إلى المال كانت أشد من أن يستطيعوا معها السيطرة المجدية على هذه العادات السيئة. وكثيراً ما أصدروا القرارات لأسباب عدة يتحير الفكر فيها مع إيمان رجال العلم بهذه النظرية واتهموا الكنيسة بأنها تستغل سذاجة الناس وآمالهم استغلالاً يجللها بالعار(58) وكانت اللغة الرسمية في بعض هذه الحالات كالصكوك التي عرضها يوليوس الثاني في عام 1510 أوليو العاشر في عام (1513) تحمل من المعاني ما يمكن تفسيره تفسيراً مالياً خالصاً(59). وقد وصف أحد الرهبان الفرنسيس من ذوي المراتب العليا وهو غاضب أشد الغضب كيف كانت الصناديق توضع في كنائس ألمانيا كلها لتتلقى الأموال من الذين لم تمكنهم ظروفهم من الذهاب إلى رومة ليشهدوا الاحتفال الذي أقيم فيها عام 1450 فاستطاعوا الآن أن تغفر لهم جميع ذنوبهم بالمال يلقونه في الصناديق ثم حذر الألمان قبل أن يحذرهم لوثر بنصف قرن فقال لهم إن صكوك الغفران وغيرها من الوسائل تستنزف موارهم وتنقلها إلى رومة(60) وحتى رجال الدين أنفسهم كانوا يشكون من أن صكوك الغفران كانت تقتنص الأموال إلى خزائن البابوات وكان خليقاً بهذه الأموال أن تستخدم في الأغراض الكنسية المحلية (61) ويلخص مؤرخ كاثوليكي هذا الموضوع كله بصراحة خليقة بالإعجاب فيقول:

إن النساوئ ذات الصلة بصكوك الغفران تنشأ كلها تقريباً من سبب واحد وهو أن المؤمنين بعد أن يشهدوا مراسيم التكفير وهي الشرط المقرر المعترف به لنيل المغفرة، ويطلب إليهم أن يقدموا من المال ما يتناسب مع ثرائهم وبذلك أصبح المال الذي يؤدى للأعمال الخيرية وهو الذي يجب أن يكون من الأعمال التي لا يلزم بها إنسان، أصبح هذا المال في بعض الحالات هو الشرط الأساسي لغفران الذنوب.. وكثيراً ما أصبح المال لا العمل الصالح هو الغاية المقصودة من الغفران ولسنا ننكر أن العبارات التي صيغت فيها قرارات البابوية يخيل إلى الإنسان معها أنها لا تحيد مطلقاً عن عقائد الكنيسة وإن الاعتراف والندم والأعمال الصالحة المنصوص عليها في هذه العقائد هي الشرط الأساسي لنيل المغفرة، إلا أن الجانب المالي كان يبدو واضحاً في جميع الأحوال وكان للهبات المالية المقام الأول في هذا الأمر كله مما يسربل الكنيسة بالعار ويجعلها مضغة في الأفواه. اتخذت صكوك الغفران شيئاً فشيئاً صورة الصفقات المالية، وأدى هذا إلى كثير من النزاع بين السلطات الزمنية التي كانت تتطلب على الدوام حظها من هذه الموارد(62).

ولا يقل عن بيع صكوك الغفران دلالة على حب الكنيسة للمال قبولها أو طلبها المال أو الهبات أو الوصايا نظير تلاوة الأدعية والصلوات التي يقولون إنها تقصر المدة التي تقتضيها روح الميت في المطهر لتعاقب عن ذنوبها وكان الصالحون الأتقياء من الناس يخصصون من أموالهم جزءاً كبيراً لهذا الغرض لتنجو به روح قريب لهم أو ميت فارق الحياة الدنيا أو ليقصروا المدة هم أنفسهم في المطهر بعد موتهم أو يلغوها إلغاءً تاماً. ولهذا أخذ الفقراء يشكون من أن عجزهم عن أداء الأموال نظير الأدعية والصلوات أو لابتياع صكوك الغفران بجعل الأغنياء على الأرض لا الوادعين هم الذين يرثون ملكوت السموات، ولقد كان كوليس حصيفاً حين امتدح المال لأن "من يمتلك المال يستطيع نقل الأرواح إلى الجنة" كما قال(63).

وازدادت الشكاوى من الكنيسة فبلغت ألفاً أو تزيد فقد غضب غير رجال الدين من إعفاء الكهنوت من الخضوع لقوانين الدولة ومن معاملة المحاكم الكنيسة للمذنبين من رجال الدين باللين الذي يعرض الدولة لأشد الأخطار. وها هو ذا مجلس نورنبرج يعلن في عام 1522 أن المدعي من غير رجال الدين لا يمكن أن ينال العدالة إذا كان المدعي عليه من رجال الكنيسة وكان التقاضي أمام محكمة كنسية وقال منذراً إنه إذا لم يخضع رجال الدين للمحاكم الزمنية فسيثور الناس على الكنيسة في ألمانيا ثورة عاصفة(64)، وجدير بنا أن نقول إن هذه الثورة كانت قد قامت بالفعل قبل ذلك الوقت. وكان من الشكاوى الأخرى ابتعاد الدين عن الأخلاق الكريمة وتوكيد العقيدة والإيمان بدلاً من توكيد المسلك الطيب، (وإن كان المصلحون من هذه الناحية أشد إثماً من الكنيسة نفسها) وجعل الدين مقصوراً على المراسم والطقوس، والتعطل العديم النفع والعقم المظنون بين الرهبان، واستغلال سذاجة الشعب بعرض المخلفات الزائفة والمعجزات الكاذبة وسوء استخدام الحرمان الديني واللعنة الدينية والرقابة التي يفرضها الكهنة على المطبوعات والتجاء محكمة التفتيش إلى أشد ضروب القسوة والتجسس على الناس وسوء استخدام الأموال التي جمعت لإعداد الحملات الصليبية على الأتراك وتوجيهها إلى أغراض أخرى، ومطالبة الكهنة المنحطين إلى هذا الدرك الأسفل بأن يكون لهم وحدهم حق القيام بجميع المراسم الدينية وتقديم القرابين ما عدا عملية التعميد.

وقد تجمعت كل هذه العوامل السالفة الذكر فكانت سبباً في ابتعاد أوربا عن الكنيسة الكاثوليكية الرومانية في بداية القرن السادس. ويقول باستور في ذلك "إن احتقار غير رجال الدين وكراهيتهم للكهنة الفاسدين كان من أقوى العوامل في مروق الكثيرين من الدين(65)" وشكا أحد أساقفة لندن في عام 1515 من أن الناس يميلون إلى الإلحاد ميلاً بلغ من سوء العاقبة والانحطاط حداً جعلهم..ينددون بكل رجل من رجال الدين وإن لم يكن يقل طهراً وبراءة عن هابيل"(66) وها هو ذا ارازمس نفسه يقول إن لقب قس أو كاهن أو راهب أصبح يعد من أشد الإهانات(76) وفي مدينة فيينا أصبح منصب القس في العشرين سنة السابقة على الإصلاح لا يجد من يشغله مع أنه كان قبل ذلك الوقت خير ما يرغب فيه الأهلون(68). ولهذا كله رفع الناس عقيرتهم في جميع أنحاء العالم المسيحي اللاتيني مطالبين بإصلاح "الكنيسة إصلاحاً يشمل رأسها وأعضاءها جميعاً". وكان الإيطاليون المتحمسون الثائرون أمثال البريشيائي ويواقم الفلوري، وسفنرولا الفلورنسي قد هاجموا مساوئ الكنيسة دون أن يخرجوا على المذهب الكاثوليكي ولكن اثنين منهم مع ذلك قد حرقوا وهم على قيد الحياة، غير أن الكاثوليك الصالحين ظلوا يأملون أن يتم الإصلاح على يد أبناء الكنيسة المخلصين الموالين لها وكان الكتاب الإنسانيون أمثال أرازمس، وكوليت، ومور، وبوديه يخشون ما يحدثه الهجوم العلني على الكنيسة من اضطراب أمورها واختلال نظامها، فقد كفاها ضعفاً أن ظلت الكنيسة اليونانية بعيدة عن الكنيسة الرومانية مصممة على هذا البعد كل التصميم، وكان كل تمزق في "ثوب المسيح الذي لادرز فيه يهدد كيان العالم المسيحي نفسه بالفناء وكم من مرة حاولت الكنسية مخلصة في معظم الأحوال أن تطهر صفوفها ومحاكمها وأن تسلك في شؤونها المالية مسلكاً يتفق مع الخلق الطيب ويسمو على أخلاق غير رجال الدين في تلك الأيام. ولطالما حاولت الأديرة أن تعود إلى قواعد نسكها القديم ولكن طبيعة الإنسان كانت تنقص كل ما يوضع من الدساتير وحاولت المجالس إصلاح الكنيسة ولكن البابوات عارضوها فأخفقت في أغراضها، وحاول البابوات أنفسهم أن يقوموا بذلك الإصلاح ولكن الكرادلة ورجال الإدارة البابوية هزموا أولئك البابوات ولقد شكا ليو العاشر نفسه في عام 1516 والحسرة تملأ قلبه من إخفاق هذه المحاولات ولسنا ننكر أن بعض المستنيرين من رجال الكنيسة أمثال نقولاس الكوزائي قد حققوا بعض الإصلاحات المحلية، ولكن هذه الإصلاحات نفسها كانت قصيرة الأجل. وأثار التنديد بمعايب الكنيسة والتشنيع عليها من أعدائها ومحبيها على السواء، ثائرة المدارس واضطربت له المنابر وفاضت به كتب الأدب، وأخذ يزداد يوماً بعد يوم وعاماً بعد عام ويستقر في ذاكرة الناس ويستثير غضبهم حنى قضى على ما كان للكنيسة في قلوب الناس من احترام وما كان باقياً من تقاليد واكتسحت أوربا ثورة دينية عارمة كانت أوسع مدى وأعمل أثراً من جميع الانقلابات السياسية التي حدثت في أيامنا الحاضرة.