قصة الحضارة - ول ديورانت - م 5 ك 4 ب 15

صفحة رقم : 6964

قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة في رومة -> النهضة تستحوذ على إيطاليا -> قصبة العالم

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الباب الخامس عشر: النهضة تستحوذ على إيطاليا 1447-1492

الفصل الأول: قصبة العالم

لمّا اعتلى البابا نقولاس الخامس أقدم عرش في العالم ، لم يكن حجم روما يبلغ معشار حجم المدينة التي كانت تضمّها أسوار أورليان (270-275م)، وكانت أضيق رقعة وأقل سكاناً (80.000 نسمة)(1) من البندقية، وفلورنس، وميلان. ولم يكن لها مورد لماء الشرب ثابت يعتمد عليه بعد أن دمّر البرابرة سقاياتها الكبرى، نعم إنه قد بقى لها بعض السقايات الصغيرة، وبعض العيون، وكثير من الأحواض والآبار، ولكن كثيرين من السكان كانوا يستقون من ماء التيبر(2). وكانت كثرة السكان تعيش في السهول غير الصحية، معرضة لفيضان النهر وعدوى الملاريا تتسرب إليها من المناقع المجاورة. وكان تل الكبتولين يسمّى الآن منتي كبرينو Monte Caprino لأن المعز (Capri) كانت ترعى على سفوحه. وكان تل البلاتين ملجأً ريفياً، يكاد يخلو من السكان،وأصبحت القصور القديمة التي اشتق اسمه منها محاجر مترية. وكانت البرجو فاتيكان Borgo Vatican (مدينة الفاتيكان) ضاحية صغيرة على الضفة الأخرى من النهر مقابلة لوسط المدينة مكدّسة حول ضريح القديس بطرس المتهدّم. وكانت بعض الكنائس مثل كنيسة سانتا ماريا مجيوري (القديسة مريم الكبرى) أو سانتا تشيتشيليا جميلة من داخلها ولكنها بسيطة من خارجها؛ ولم يكن في روما كنيسة تضارع كنيسة فلورنس أو ميلان؛ أو دير يضارع التشيرتوزا دي بافيا Certosa di Pavia ، كما لم يكن فيها قاعة عامة تسمو إلى مكانة البلادسافينشيو (قصر فيتشيو) أو ، كما لم يكن فيها قاعة عامة تسمو إلى مكانة البلادسافينشيو (قصر فيتشيو) أو الكاستيلوا اسفورديسكو Casello Sforzesco أو حتى البلاتسا بيليكو (القصر العام) في سينا. وكانت شوارع المدينة كلها تقريباً أزقة موحلة أو متربة؛ وقليل منها مرصوف بالحصباء. ولا يضاء فيها أثناء الليل إلاّ عدد قليل؛ ولم تكن تكنس إلاّ في أخص المناسبات، كعيد عام أو دخول شخصية جد خطيرة دخولاً رسمياً.

وكان عماد المدينة من الناحية الاقتصادية يجيء بعضه من المراعي وإنتاج الصوف، والماشية التي ترعى في الحقول القريبة منها، ولكن الجزء الأكبر منه يجيء من إيراد الكنيسة. وكانت الزراعة قليلة أو منعدمة، والتجارة أقل من القليل، أما الصناعة والتجارة الخارجية فقد كادتا تختفيان من الوجود لافتقارهما إلى الحماية وتعرضهما لاعتداء اللصوص وقطّاع الطريق. ولم تكد توجد في المدينة طبقة وسطى ـ فلم يكن فيها إلاّ الأشراف، ورجال الدين، والعامة- وكان الأشراف يمتلكون كل ما لم يقع في حوزة الكنيسة من الأراضي إلاّ القليل الذي لا يستحق الذكر، وكانوا يستغلون الفلاحين بلا وازع من رحمة ولا ضمير خليقين بالمسيحي الصحيح. وكانوا يقضون على العصيان بقسوة، ويتقاتلون فيما بينهم على أيدي الأوشاب السفاحين الأشدّاء، الذين يحتفظون بهم ويدربونهم على الضرب والفتك لينفذوا أغراضهم. واغتصبت الأسر الكبيرة- وخاصة أسرة كولنا وأسرة أرسيني- المقابر والحمامات، ودور التمثيل، وغيرها من المنشآت القائمة في روما أو بالقرب منها، وحولتها إلى قلاع خاصة؛ وكانت قصورها الريفية مشيّدة بحيث تؤدي الأغراض الحربية، أو يبذلون جهدهم ليتولوا هم اختيار هؤلاء البابوات والسيطرة عليهم. وكثيراً ما أشاعوا الاضطراب الذي أدى إلى فرار البابوات من المدينة؛ حتى لقد كان البابا بيوس الثاني يدعو الله أن يجعل مدينة غير روما عاصمة ملكه(3). ولمّا أن حارب سكسنس الرابع واسكندر السادس أولئك الأعيان كانت حروبهما مجهوداً يغتفر لهما للتمتّع ببعض الأمن الذي لابد منه للكرسي البابوي.

وكان رجال الدين هم الذين يحكمون روما عادة، لأنهم كانت بأيديهم موارد الكنيسة على اختلاف أنواعها ينفقون منها. وكان الأهلون يعتمدون على ما ينصب في المدينة من الذهب الوارد من الأقطار المختلفة، وعلى ما يستطيع رجال الكنيسة أن يستخدموهم فيه من الأعمال بفضل هذا الذهب، وعلى الصدقات التي يستطيع البابوات أن يمدوهم بها منه. ولم يكن من شأن أهل روما أن يتحمّسوا لأي إصلاح في الكنيسة يقلّل من أنصباب هذا الذهب فيها. وإذ كانوا عاجزين عن العصيان الصريح فقد استبدلوا به الهجاء اللاذع الذي لا يضارعه في هذا هجاء آخر في أية مدينة غير روما في أوربا كلها. من ذلك أن تمثالاً في البياتسا نافونا Piazza Navona، وهو في أكبر الظن تمثال لهرقول، قد أطلق عليه اسم باسكوينو Pasquino- ولعل هذا الاسم قد أخذ من اسم خياط قريب منه- واتخذ لوحة تلصق عليها أحدث عبارات القذف والطعن، وكانت في العادة عبارة عن نكت باللغة الإيطالية أو اللاتينية، وكانت توجه في أكثر الأحيان إلى البابا الحاكم، وكان أهل روما قوماً متدينين في المناسبات الخاصة على الأقل؛ فكانوا يتزاحمون لتلقّي البركة من البابا، ويفخرون بأن يحذو حذو السفراء فيقبّلوا قدميه؛ ولكن لمّا أعجز داء الرثية البابا سكستس الرابع عن أن يظهر أمامهم في الموعد المقرر لمنح هذه البركة وجّهوا إليه أقذع ما في جعبة أهل روما من السباب. ويضاف إلى هذا أن البابوات أصبحوا، بعد أن ألغى بوجينيوسش الرابع الجمهورية في روما، حكّام المدينة الزمنيين، وبذلك كان يوجّه إليهم ما يوجّه إلى الحكومات من شتائم. وكان من سوء حظ البابوية أن يكون مقرها بين أكثر أهل إيطاليا خروجاً على القانون.

وكان البابوات يشعرون بأن لهم الحق كل الحق في أن يطالبوا لأنفسهم بقسط من السلطة الزمنية ورقعة من الأرض يمارسون فيها هذه السلطة. ذلك بأنهم وهم رؤساء منظمة دولية، لا يقبلون أن يكونوا أسرى في أيدي دولة بمفردها كما كانت حالهم في واقع الأمر في أفنيون. فإذا ما ضيق عليهم إلى هذا الحد عجزوا لا محالة عن أن يقدّموا للناس جميعاً خدماتهم نزيهة من غير تفرقة بينهم؛ وعجزوا أكثر من هذا عن أن يحققوا حلمهم العظيم وهو أن يكونوا الحكّام الروحيين لجميع الحكومات. ولقد كانت "هبة قسطنطين" المزعومة وثيقة واضحة التزوير (كما اعترف بذلك نقولاس باستئجار فلاّ "، ولكن إهداء بيبين إيطاليا الوسطى للبابوية (755)، ذلك الإهداء الذي أيده شارلمان، (773) من الحقائق التاريخية التي لا شك فيها. وكان البابوات قد سكّوا لهم عملة خاصة منذ عام 782 إن لم يكن قبل ذلك التاريخ(4)، ولم يرتّب أحد في حقهم هذا قروناً طوالا. وكان توحيد السلطات المحلية، الإقطاعية أو الحربية، يسير في الولايات البابوية سيره في غيرها من الأمم الأوربية. فإذا كان البابوات من أيام نقولاس الخامس إلى أيام كلمنت السابع قد حكموا الولايات الخاضعة لهم حكم الملوك أصحاب السلطة المطلقة، فقد كانوا يتّبعون في هذا ما جرى به العرف في زمانهم، وكان من حقهم أن يشكّوا إذا قام مصلحون مثل جيرسن Gerson مدير جامعة باريس يطالب بالدمقراطية في الكنيسة ولكنه يستنكرها في الدولة. والحق أنه لا الدولة ولا الكنيسة كانت مستعدة للدمقراطية في الوقت الذي لم تكن الطباعة قد أخذت فيه تعم وتنتشر. ذلك أن نقولاس الخامس قد ارتقى عرش البابوية قبل أن يطبع جوتنبرج الكتاب المقدس بسبع سنين،وقبل أن يصل فن الطباعة إلى روما بثلاثين سنة، وقبل أن ينشر ألدوس مانوتيوس أول كتاب من كتب الآداب القديمة. وملاك القول أن الديمقراطية ترف لا يستمتع به إلاّ إذا تثقفت العقول وساد الأمن والسلام.

وكان حكم البابوات الزمني ينبسط مباشرة على ما كان الأقدمون يسمّونه إقليم لاتيوم (وهو إقليم لادسيو في هذه الأيام)، وعلى جزء صغير من الإقليم المحصور بين تسكانيا، وأمبريا، ومملكة نابلي، والبحر الترهيني. وكانوا فضلاً عن هذا يدّعون أنهم أصحاب أمبريا نفسها وولايات الحدود، ورومانيا Romogna (وهي رومانيا Romania القديمة). ويتكون من هذه الأصقاع الأربعة منطقة عريضة تمتد في عرض إيطاليا من البحر إلى البحر، وتضم نحو ست وعشرين مدينة كان البابوات متى شاءوا يحكمونها بأيدي نائبين عنهم أو يقسمونها بين حكّام الأقاليم الأخرى. وفضلاً عن هذا وذاك كان البابوات يدّعن أن صقلية ومملكة نابلي كلها إقطاعيتان باباويتان، مستندين في ذلك إلى اتفاق عقد بين البابا إنوسنت الثالث وفردريك الثاني؛ وأصبح أداء هاتين الدولتين جعلاً إقطاعياً للبابوية من أكبر أسباب النزاع بين حاكميها والبابوات. يضاف إلى هذا كله أن الكونتة ماتلدا كانت قد أوصت للبابوات (1107) بتسكانيا كلها تقريباً، بوصفها من ممتلكاتها الإقطاعية الخاصة، بما في ذلك فلورنس، ولوكا، وبستويا، وبيزا، وسينا، وأردتسو؛ وكان البابوات يطالبون بأن تكون لهم على جميع هذه الأملاك حقوق السادة الإقطاعية، ولكنهم قلّما كانوا يستطيعون أن ينفّذوا مطلبهم هذا ويجعلوه من الحقائق الواقعة.

وكانت البابوية تعاني الأمرّين من جرّاء الفساد الداخلي، وعجزها الحربي والمالي، واشتباك الأحوال السياسية الأوربية بالإيطالية، والشئون الكنسية بالزمنية؛ وظلت وتلك حالها تكافح قروناً طوالا للمحافظة على ممتلكاتها التقليدية وتحول بينها وبين أن يمتلكها رؤساء العصابات الأفّاقون المستأجرون، وأن تعتدي عليها الدول الإيطالية الأخرى. مثال ذلك أن ميلان حاولت أكثر من مرة أن تمتلك بولونيا، وأن البندقية استولت على رافنا، وحاولت أن تضم إليها فيرارا، وأن نابلي حاولت أن تبسط سلطانها على لاتيوم. وقلّما كان البابوات يعتمدون في صد هذه الهجمات على جيشهم الصغير المؤلف من الجنود المرتزقين، بل كانوا يثيرون هذه الدول الطامعة بعضها على بعض؛ لينشئوا بذلك نوعاً من توازن القوى السياسية، ويحاولون أن يحولوا بين أية واحدة منها وبين أن يصبح لها من القوة ما يمكّنها من أن تلتهم الأملاك البابوية. ولقد كان مكيفلي وجوتشيارديني Guicciardini محقيّن حين أرجعا بعض أسباب تمزّق إيطاليا إلى هذه السياسة البابوية؛ ولقد كان البابوات على حق في الجري عليها لأنها كانت سبيلهم الوحيدة للمحافظة على استقلالهم الروحي والسياسي عن طريق سلطانهم الزمني.

وأحس البابوات بوصفهم حكّاماً سياسيين أنهم مضطرّون إلى استخدام نفس الأساليب السياسية التي يستخدمها أندادهم الحكّام الزمنيون. فكانوا يوزعون- وأحياناً يبيعون- المناصب والرتب الكهنوتية إلى ذوي النفوذ، حتى القصَّر منهم، لكي يوفوا بما عليهم من الديون السياسية، أو يحققوا أغراضاً سياسية، أو يكافئوا أو يعينوا رجالاً من الأدباء أو الفنانين. وكانوا يزوجون أقاربهم في الأسر ذات القوة السياسية. وكانوا يستخدمون الجيوش كما فعل يوليوس الثاني، أو أساليب الخداع كما استخدمها ليو العاشر(5)، للوصول إلى أغراضهم. وكانوا يغضّون النظر عن قيام درجات من البيروقراطية الخسيسة ـ كانوا يفيدون منها في بعض الأحيان- أكبر الظن أنها لم تكن أشد خسّة مما كانت تتصف به معظم حكومات تلك الأيام. ولم تكن شرائع الولايات البابوية أقل شدة من شرائع غيرها من الدول، فكان مندوبو البابوات يشنقون اللصوص ومزيّفي النقود ويرون هذا شراً مريراً لابد للحكومات أن تسلكه. وكان معظم البابوات يعيشون معيشة بسيطة إلى الحد الذي تجيزه المظاهر والحفلات الرسمية الفخمة التي تتطلبها مناصبهم في زعمهم؛ وإن أسوأ القصص التي نقرأها عنه لهي أقاصيص غير مستندة إلى أساس صادق أذاعها عنهم هجّاءون غير مسئولين مثل برني Berni، أو طلاب المناصب الذين لم ينالوا بغيتهم أمثال أرتينو Artino، أو عملاء السلطات مثل آل إنفسورا Infessura المعادين للبابوية عدا شخصياً عنيفاً أو عداء دبلوماسياً. أما الكرادلة الذين كانوا يعرفون شئون الكنيسة الدينية والسياسية، فكانوا يرون أنفسهم شيوخاً في مجلس دولة غنية، وينظّمون حياتهم على أساس هذا الوضع، وشاد الكثيرون منهم لأنفسهم قصوراً فخمة، وناصر كثيرون غيرهم الآداب والفنون، وأباح بعضهم لأنفسهم الاتصال بالمحاظي والعشيقات، ولم يتحرجوا في اتباع القانون الأخلاقي السائد في أيام الاستهتار التي يعيشون فيها.

وواجه البابوات بوصفهم قوة روحية مشكلة التوفيق بين النزعة الإنسانية الأدبية وبين المسيحية. ولقد كانت النزعة الإنسانية نصف وثنية، وكانت الكنيسة قد أخذت على عاتقها اجتثاث أصول الوثنية وتقطيع فروعها، سواء كان ذلك في عقائدها أو في فنها. وكانت قد شجعت تدمير الهياكل والتماثيل الوثنية أو أباحت هذا التدمير. مثال ذلك أن كنيسة أرفيتو الكبرى كانت قد شُيّدت توّاً بالرخام الذي أخذ بعضه من كرارا وبعضه الآخر من الآثار الرومانية القديمة؛ وأن مندوباً بابوياً باع كتل الرخام المأخوذة من الكلوسيوم لكي تحرق ويصنع منها الجير(6)؛ وأن قصر البندقية قد بدء في تشييده في عام 1461 لا قبل بتدمير المدرج الفلافي. وقد استخدم نقولاس نفسه، في حماسته المعمارية حمل ألفي عربة وخمسمائة من الرخام وصخور الترافرتين أخذها من الكلوسيوم، ومن حلبة مكسيموس وغيرهما من العمائر القديمة لكي يعيد بها بناء كنائس روما وقصورها(7). وكان انتهاج عكس هذه الخطة، والاحتفاظ بما بقى من الآثار الفنية والأدبية الرومانية واليونانية القديمة يتطلبان ثورة في التفكير الكنسي. وكانت منزلة النزعة الإنسانية في الأدب قد علت علوّاً كبيراً، وكانت الدوافع التي وراس الحركة الوثنية الجديدة قد اشتدت وقويت، والصبغة التي اصطبغ بها زعماؤها قد عظم تأثيرها، بحيث لم تر الكنيسة بدّاً من أن تجد مكاناً لهذه التطورات التي حدثت في الحياة المسيحية، وإلاّ خسرت الطبقات المثقفة في إيطاليا، ولعلها تخسر بعد ذلك هذه الطبقات في أوربا كلها. ومن أجل هذا احتضنت النزعة الإنسانية في أيام نقولاس الخامس، وانحازت بشجاعة ونبل إلى جانب الأدب الجديد والفن الجديد وتولت زعامتهما، وظلت مائة عام- تعد من أكثر الأعوام بهجة ورواء- (1447-1534) تتيح لعقل إيطاليا قدراً عظيماً من الحرية- الحرية التي لا يفيد منها العقل كما يقول فيليلفو- وللفن الإيطالي مناصرة، وفرصاً، ودوافع قائمة على التمحيص والتمييز جعلت روما مركز للنهضة، ومكّنتها من أن تستمتع بعصر من أكثر العصور لألاء في تاريخ البشرية.


الفصل الثاني: نقولاس الخامس 1447-1455

نشأ توماسو بارنتوتشيلي Fommosso Parentucelli نشأة فقيرة في سار دسانا، ولكنه استطاع بطريقة ما أن يلتحق بجامعة بولونيا، وأن يقضي فيها ست سنين. ولما نفذ ماله غادرها إلى فلورنس واشتغل مربياً خاصاً في بيتي رينلدو دجلي ألبتسي Rinaldo degli Albizzi وبلاده استرتسي Palla de Strozzi. ولمّا كثر ماله عاد إلى بولونيا وواصل الدرس وحصل وهو في سن الثانية والعشرين على درجة دكتور في اللاهوت. وعيّنه نقولو دجلي البرجاتي Niccolo degli Albergati، كبير أساقفة بولونيا مشرفاً على شئون بيت رياسة الأسقفية وأخذه إلى فلورنس ليكون في خدمة يوجنيوس الرابع حين كان هذا البابا يقضي عهد منفاه الطويل. واصبح هذا القس في السنين التي قضاها بفلورنس من أصحاب النزعة الإنسانية، دون أن يخرج بذلك على المبادئ المسيحية، وصار صديقاً حميماً لبرتي، ومارسوبيني، ومانتي، وأورسبا، وبجيو، وانضم إلى مجتمعاتهم الأدبية. وسرعان ما التهب قلب تومس ساردسانا، كما كان الإنسانيون يسمّونه، بنار تحمسهم للآداب القديمة، فكان ينفق كل دخله تقريباً في شراء الكتب، ويقترض المال لابتياع المخطوطات الغالية الثمن، وجهر بأمله في أن يمكّنه ماله يوماً ما من أن يجمع في مكتبة واحدة جميع الكتب العظيمة في العالم. وترجع نشأة مكتبة الفاتيكان إلى هذا المطمع العظيم(9). واستخدمه كوزيمو في عمل فهارس المكتبة المرقسية، وابتهج توماسو لوجوده بين مخطوطاتها؛ وقلّما كان يعرف أنه يعد نفسه لأن يكون أول بابوات النهضة.

وظل عشرين عاماً يقوم بخدمة ألبرجاتي في فلورنس وبولونيا. فلمّا مات كبير الأساقفة (1443) عيّن يوجنيوس بارنتونشيلي خلفاً له؛ ثم عيّنه البابا بعد ثلاث سنين من ذلك الوقت كردنالاً متأثراً في ذلك بعلمه، وصلاحه، ومقدرته الإدارية. وانقضى عام آخر، ومات يوجنيوس،ووجد الكرادلة أنفسهم في مأزق حرج بين أحزاب أرسيني وكولنا فرفعوا بارنتوتشيلي إلى عرش البابوية. وصاح هو في وجه فسبازياتو دا بستتشي Vespasiano da Bisticci قائلاً: "منذا الذي كان يظن أن عاملاً فقيراً يدق الجرس عند قسيس يصبح بابا، ويحدث بذلك الاضطراب في صفوف المتكبرين؟"(10) وابتهج الإنسانيون في إيطاليا بهذا الاختيار ونادى أحدهم فرانتشيسكو بربارو Franceso Barbaro بأن رؤيا أفلاطون قد تحققت: فقد أصبح الفيلسوف ملكاً. وكان لنقولا الخامس - وهذا هو الاسم الذي اختاره لنفسه - ثلاثة أهداف: أن يكون بابا صالحاً، وأن يعيد بناء روما، وأن يحيي الآداب والعلوم والفنون القديمة. وسلك في أعمال منصبه السامي مسلك التواضع والكفاية العظيمة، لا يكاد ينقطع عن مساع شئونه ساعة من ساعات النهار، واستطاع أن يحتفظ بعلاقات الود والصداقة بين كل من ألمانيا وفرنسا. وأدرك البابا المعارض فليكس الخامس أن نقولاس لن يلبث أن يكتسب ولاء العالم المسيحي كله، فتخلّى عن جميع دعاواه،و عفا عنه نقولاس فضلاً منه وكرماً؛ وانتقل المجلس الثائر الآخذ وقتئذ في الانحلال من بازل إلى لوزان ثم انفض (1449)؛ وانتهت بذلك حركة المجالس الكنسية، وانشعب الصدع الذي حدث في البابوية. غير أن المطالبة بإصلاح الكنيسة ظلت تجيء من وراء جبال الألب؛ وأحس نقولاس بأنه عاجز عن القيام بهذا الإصلاح أمام معارضة جميع ذوي المناصب الكبيرة الذين سيفقدون مناصبهم حتماً إذا ما تم هذا الإصلاح المنشود. وكان يأمل أن الكنيسة إذا ما تزعمت حركة إحياء العلوم، ستستعيد م كان لها من مكانة فقدتها في أفنيون، وفي عهد الانشقاق. ولسنا نعني أن مناصرته للعلوم كانت منبعثة عن غايات سياسية، فنحن لا يخالجنا شك في أنها كانت رغبة صادقة تكاد تكون هياماً؛ فقد قام في أيامه الأولى برحلات شاقة فوق جبال الألب بحث فيها عن المخطوطات، وكان هو الذي كشف في بازل عن مؤلفات ترتليان.

والآن وقد امتلأت خزائنه بإيرادات البابويةـ فقد شرع يبعث العمال إلى أثينة والقسطنطينية، وإلى كثير من المدن في ألمانيا وإنجلترا ليبحثوا عن المخطوطات اليونانية واللاتينية، وثنية كانت أو مسيحية؛ ويشتروها أو ينسخوها. وحشد في الفاتيكان طائفة كبيرة من النساخين والناشرين، ولم يكد يترك كاتباً إنسانياً في إيطاليا إلاّ استدعاه إلى روما. وفي ذلك يقول فسبازيانو معجباً به وإن كان في قوله كثر من المبالغة: "وأقبل العلماء من جميع أنحاء العالم على روما في أيام البابا نقولاس، بعضهم من تلقاء أنفسهم، وبعضهم إجابة لطلبه"(1).وكافأهم على أعمالهم بسخاء لا يقل عن سخاء خلفاء المسلمين الذين تهز مشاعرهم نغمات الموسيقى أو قصائد الشعراء. من ذلك أن لورندسو فلا الخاضع لسلطان البابا تلقّى 500 دوقة (12.500؟ دولار) لأنه ترجم كتاب توكيديدس إلى اللغة اللاتينية، ونال جوارينو دا فيرونا 1500 دوقة نظير ترجمة استرابون، ومنح نقولو بيترتي Niccolo Petrotti خمسمائة دوقة نظير ترجمة بوليوس، وكلّف بجيو بترجمة كتاب ديودور الصقلي؛ وأغلر ثيودورس جادسا Theodorus Gasa بالمجيء من فيرار ليخرج ترجمة لكتب أرسطو؛ ومنح فيليلفو بيتاً في روما، وضيعة في الريف،وعشر آلاف دوقة ليترجم الإلياذة والأوديسة إلى اللغة اللاتينية. وقد بلغ من ضخامة هذه المكافآت أن تردد بعض العلماء في قبولها، ولكن البابا تغلّب على التردد بأن حذّرهم بشيء من الفكاهة قائلاً" "لا ترفضوا، فقد لا تجدوا نقولاس آخر"(12) ولمّا أن أخرجه الوباء من روما إلى فيرارا، أخذ مترجميه ونسّاخيه خشية أن يهلك الوباء واحداً منهم(13). على أنه في الوقت عينه لم يهمل ما يمكن أن نسمّيه الأدب المسيحي القديم. فقد عرض خمسة آلاف دوقة على من يستطيع أن يأتيه بإنجيل متّي بلغته الأصلية؛ واستخدم جيانتسومانتي وجورج الكربزوني ليترجما كتب سيريل Cyril، وباسل، وجريجوري تريانزين وجريجوري النتشائي وغيرها من الآداب الدينية؛ وعهد إلى مانتي وطائفة من مساعديه بأن يخرجوا ترجمة جديدة للكتاب المقدس عن النسخة العبرية الأصلية واليونانية، لكن موته حال دون هذا العمل أيضاً. وتمت هذه التراجم اللاتينية في عجلة، وكانت تشوبها كثير من العيوب، ولكنها فتحت لأول مرة كتب هيرودوت، وتوكيديدس، وأكسانوفون، وبولبيوس، وديودور، وأبيان، وفيلون، ونيوفرا سطوس، لطلاب العلم الذين لا يستطيعون قراءة اللغة اليونانية. وكتب فيليلفو مشيراً إلى هذه التراجم يقول: "لم تفن اليونان، بل هاجرت إلى إيطاليا ، التي كانت في الأيام الخالية تسمى اليونان الكبرى"(14). ويقول مانتي معبّراً عن شكره واعترافه بالجميل، تعبيراً تعوزه الدقة العلمية، إن ما ترجم من الكتب في الثمان السنين التي جلس فيها نقولاس على عرش البابوية أكثر ممّا ترجم في الخمسة القرون السابقة بأجمعها(15). وكان نقولاس يحب مظهر الكتب وشكلها كما كان يحب ما تحتويه صحائفها. وكان هو نفسه خطاطاّ؛ وأمر بأن يكتب له التراجم كتبة مهرة على الرق؛ وأن تجلّد أوراقها بالقطيفة القرمزية اللون، وأن تكون لها مشابك من الفضة. ولمّا كثر عدد كتبه - حتى بلغ أخيراً 824 مخطوطاً لاتينياً و352 مخطوطاً يونانياً - وضمّت هذه الكتب إلى مجموعات البابوات السابقين نشأت مشكلة المكان الذي توضع فيه هذه المجلدات الخمسة الآلاف - أكبر مجموعة من الكتب في العالم المسيحي - بحيث يضمن انتقال هذه الذخيرة كاملة إلى الخلف، وكان تشييد دار الكتب في الفاتيكان من أصدق أماني نقولاس.

وكان بنّاءً كما كان عالماً تحريرياً، وقد صمم منذ جلس على عرش البابوية على أن يجعل روما خليقة بزعامة العالم. وكان عيد من أعيادها قد اقترب موعده إذ كان يحل في عام 1450. وكان ينتظر قدوم مائة ألف زائر إليها في هذا العيد، وينبغي ألاّ يجدوا روما خربات رثّة بالية، وتطلبت كرامة الكنيسة والبابوية أن يطالع حصن المسيحية الحصين زائريه (بمبان فخمة، تجمع بين حسن الذوق والجمال من جهة والفخامة والضخامة من جهة أخرى" بحيث "يرفع هذا من شأن كرسي الرسول بطرس". هكذا صرّح نقولاس بغرضه وهو على فراش الموت معتذراً عمّا قصّر فيه. وقد أعاد بناء أسوار المدينة وأبوابها الكبرى، ورمّم سقاية ماء فرجيني Aqua Vergine، وأمر أحد الفنانين بأن ينشئ فسقية عند مصبّها تزدان بها. وعهد إلى ليون ألبرتي بأن يخطط القصور، والميادين العامة، والشوارع الفسيحة، تقيها من الشمس والمطر البواكي المعمّدة. وأمر برصف كثير من الشوارع، وتجديد كثير من الجسور، ورمّم حصن سانت أنجيلو. وأقرض أعيان المواطنين الأموال ليساعدهم على بناء القصور التي تزدان بها روما. وجدّد برناردو رسلينو، إطاعة لأمره، كنائس سانتا ماريا مجبوري، وسان جيوفني لاترنو، وسان بولو، وسان لورندسو القائمة خارج أسوار المدينة، والكنائس الأربعين التي كان جريجوري الأول قد خططها لتكون محطات للصليب(16). ووضع تصميمات فخمة لبناء قصر جديد للفاتيكان يغطي بحدائقه جميع تل الفاتيكان، ويسع البابا وجميع موظفيه، وكرادلته، وجميع المكاتب الإدارية التابعة للحكومة البابوية. وعاش حتى أتم حجراته الخاصة (التي شغلها فيما بعد اسكندر السادس وسمّاها جناح بورجيا)، والمكتبة (وهي الآن البيناكوتيكا فاتيكانا) والحجرات التي نقشها رفائيل فيما بعد. واستدعى بينيديتو بنتفجلي من بروجيا، واندريا دل كستنانيو من فلورنس لينقشوا رسوماً جصية - لم يبق لها أثر الآن - على جدران الفاتنكان؛ وأقنع الراهب أنجيلكو - وكان وقتئذ شيخاً طاعناً في السن - بأن يعود إلى روما لينقش في معبد البابا نفسه قصص القديس اصطفانوس، والقديس لورنس، وفكر في أن يهدم باسلقا القديس بطرس المتداعية، وأن يشيّد فوق قبره أروع كنيسة في العالم، وقُدّر ليوليوس الثاني أن يشرع هو في تحقيق هذا الغرض الجليل.

وكان يأمل أن يحصل على ما يلزمه من المال لتحقيق هذه الأغراض كلها مما يرد إلى روما في ذلك العيد القريب. وأعلن نقولاس أن هذا العيد سيكون احتفالاً بعودة السلام والوحدة إلى الكنيسة؛ ووافق ذلك هوى في نفوس شعوب أوربا. وتوافد الحجاج من جميع أنحاء العالم المسيحي اللاتيني بكثرة لم يسبق لها من قبل مثيل، وشبّههم شهود عيان بأسراب من النمل، وبلغ الزحام في روما درجة اضطر معها البابا إلى أن يحدد أقصى مدة يقيمها أي زائر فيها بخمسة أيام في أول الأمر، ثم بثلاثة، ثم بيومين اثنين. وحدث في يوم من الأيام أن قتل مائتا شخص حين تدافع الناس فهووا في نهر التيبر. فما كان من نقولاس بعدئذ إلاّ أن أمر بهدم بعض البيوت ليفسح الطريق إلى كنيسة القديس بطرس. وجاء الحجاج معهم بهدايا فاقت في قيمتها ما كان يتوقعه نقولا نفسه، ووفت بنفقات مبانيه الجديد، وما خصصه من المال للعلماء والمخطوطات(17). وعانت المدن الإيطالية الأخرى نقصاً في النقود لأن الأموال "كلها تدفقت في روما" ولكن أصحاب النزل في روما، ومبدّلي النقود والصيارفة، والتجار جنوا أرباحاً طائلة، حتى استطاع نقولاس أن يودع في مصرف آل ميديتشي وحده مائة ألف فلورين (2.500.000؟ دولار)(18). واشتد تذمر البلاد الواقعة وراء جبال الألب من انصباب الذهب إلى إيطاليا.

وحتى في روما نفسها شوّه بعض التذمر هذا الرخاء الطارئ. ذلك أن حكم نقولاس لهذه المدينة كان حكماً مستنيراً عادلاً كما يراه هو، وكان قد وعد بتحقيق بعض الآمال الجمهورية، بأن رشّح أربعة من المواطنين يعيّنون هم في المستقبل جميع موظفي البلدية، ويشرفون على شئون الضرائب التي تجبى من المدينة. ولكن أعضاء مجلس الشيوخ والأعيان وهم الطبقة التي كانت تتولى حكم المدينة حين كان البابوات يقيمون في أفنيون وفي عهد الانشقاق، لم يرضوا عن الحكومة البابوية القائمة فيها، كما استاء العامة من تحويل الفاتيكان إلى قصر محصن يقوى على صد أي هجوم يماثل الهجوم الذي أدى إلى طرد يوجنيوس من روما. وكانت الأفكار الجمهورية التي ينادي بها أرنلد البيشائي، وكولا دي ريندسو Cola di Rienzo لا تزال تثير كثيراً من العقول. وحدث في السنة التي تربّع فيها نقولاس على عرش البابوية أن ألقى زعيم من أهل المدينة يدعى استفانو بركارو Stefaco Porcaro خطبة حماسية نارية يطالب فيها بإعادة الحكم الذاتي إلى المدينة؛ فما كان من نقولاس إلاّ أن نفاه من المدينة نفياً مريحاً، إذ عيّنه حاكماً لأنياني، ولكن بروكورو استطاع أن يعود إلى العاصمة، وأن ينادي بنداء الحرية أمام جمع مهتاج في حفلة مقنعة. ونفاه نقولاس مرة أخرى إلى بولونيا، ولكنه ترك له حريته الكاملة ولم يفرض عليه إلاّ أن يظهر كل يوم أمام المندوب البابوي في المدينة. بيد أن استفانو، الذي لم يكن شيء يثبّط همته أو يقعد به عن العمل، استطاع وهو في بولونيا أن يدبر مؤامرة محكمة أشرك فيها ثلاثمائة من أتباعه في روما. وكانت النية مبيتة على أن يهاجم المتآمرون قصر الفاتيكان في يوم عيد الغطاس أثناء قيام البابا والكرادلة بالقداس في كنيسة الرسول بطرس، ثم يستولوا على ما فيه من كنوز ليتمكنوا بها من إقامة جمهورية، ثم يلقوا القبض على نقولاس نفسه ويتخذوه أسيراً(19). وغادر بركارو بولونيا أسيراً (في 26 ديسمبر سنة 1452) وانضم إلى المتآمرين عشية يوم الهجوم المدبر. ولكن غيابه عن بولونيا عرف، وجاء رسول إلى الفاتيكان يحذر البابا من المؤامرة. واقتفى أثر استفانو، وعثر عليه، وزج في السجن، وضرب رأسه في اليوم التاسع من يناير في سانت أنجيلو. وعد الجمهوريون قتله اغتيالاً، وندد الكتاب الإنسانيون بالمؤامرة وعدّوها خيانة مروعة للبابا الخير الصالح.

وروع نقولاس، وتبدلت حاله لمّا تبين له أن قسماً كبيراً من أهل المدينة يرونه طاغية مهما تكن فعاله الخيّرة. وأقضّت مضجعه الظنون السيئة، وملأ الغضب صدره، وعذبه مرض الرثية، فأخذ ينحدر انحداراً سريعاً نحو الشيخوخة. ولمّا جاءته الأنباء بأن الأتراك استولوا على القسطنطينية فوق خمسين ألفاً من جثث المدافعين عنها، وأنهم اتخذوا كنيسة أياً صوفياً مسجداً (1453)، خيل إليه أن ما ناله في أثناء بابويته كان بهرجاً كاذباً وعبثاً باطلاً قصير الأجل. وأهاب بالدول الأوربية أن تضم صفوفها لتقوم بحملة صليبية تستعيد بها حصن المسيحية الشرقية الحصين، وطالب بعشر إيراد أوربا الغربية بأجمعه ليمول به هذه الحملة، وتعهّد بأداء جميع إيرادات الأملاك البابوية، والحكومة البابوية، وغيرها من الموارد الكنسية؛ ثم طال بوقف جميع الحروب المستعرة بين الأمم المسيحية، وإلا حرم القائمون بها من حظيرة الدين، لكن أوربا أصمت أذنيها عن سماع النداء. وقال الناس إن الموال التي جمعها البابوات السابقون لتمويل حروب صليبية استخدمت في أغراض أخرى. وآثرت البندقية أن تعقد مع الأتراك اتفاقاً تجارياً، وأفادت ميلان من متاعب البندقية فاستردت برستشيا، ونظرت فلورنس بعين الرضا إلى فقدان البندقية تجارتها مع الشرق(20). وأحنى نقولاس رأسه أمام الحقيقة الواقعة، وبرد دم الحياة في عروقه. وتوفى الرجل في عام 1455 في الثامنة والخمسين من عمره بعد أن أنهكته متاعب الدبلوماسية غير المجدية وجوزي على خطايا أسلافه.

لكنه أعاد السلام إلى داخل الكنيسة، وأعاد النظام والمجد إلى روما، وأنشأ أعظم مكتبة في أوربا كلها، ووفق بين الكنيسة والنهضة، ولم يدنس يده بالحرب، ولم يتحيز لذوي القربى، وبذل ك لما يستطيع من الجهد ليخرج بأوربا من النزاع المؤدي إلى الانتحار. وكان هو نفسه يحيا حياة بسيطة وسط موارد لم يسبق لها في ضخامتها مثيل، وكان محباً للكنيسة ولكتبه، ولم يسرف إلاّ في عطاياه. وقد عبّر إخباري محزون عن شعور إيطاليا حين وصف البابا العالم بأنه رجل "حكيم، عادل، خيّر، رحيم، مسالم، شفيق، محسن، متواضع...متصف بجميع الفضائل"(21). نعم إن هذا هو حكم المحبين، وقد لا يرى بركورو هذا الرأي، ولكن لا بأس من أن نسجل هذا الحكم.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفصل الثالث: كلكستس الثالث 1455-1468

وكان تفرق إيطاليا هو الذي قرر نتيجة انتخاب البابا الذي خلف نقولاس: ذلك أن الكرادلة قد عجزوا عن الاتفاق على اختيار أحد الكرادلة الإيطاليين، فعمدوا من أجل ذلك إلى اختيار كردنال أسباني هو أفنسو بورجيا Alfonso Borgia الذي تسمّى باسم كلمنت الثالث.وكان البابا الجديد قد بلغ السابعة والسبعين من العمر، وكان موته مرتقباً بعد قليل،فتتاح بذلك للكرادلة فرصة اختيار أخرى قد تكون أعود عليهم بالفائدة، وكان كلكستس متخصصاً في القانون الكنسي بارعاً في الدبلوماسية،ولذلك كان ذا عقلية قانونية، قليل العناية بالعلوم القديمة التي شغف بها نقولاس. وضعف في عهده شأن الكتّاب الإنسانيين الذين لم تكن لهم أصول ثابتة في روما إذا استثنينا منهم فلا Valla الذي ظل بعد أن صلحت حاله أميناً للبابا. وكان كلكستس رجلاً صالحاً يعطف على أقاربه، فلم تنقض على تزويجه عشرة أشهر حتى رفع إلى مقام الكردنالية اثنين من أبناء أخيه - هما لويس جوان داميلا Luis Juan da Maila، وردريجو بورجيا - ودن جيمي البرتغالي Don Jayme، وكانت سنّهم على التوالي خمسة وعشرين عاماً، وأربعة وعشرين، وثلاثة وعشرين. وكان يعيب ردريجو (الذي أصبح فيما بعد البابا أسكندر السادس) شيء آخر وهو أنه كان رجلاً صريحاً مستهتراً في أمور عشيقاته؛ لكن كلكستس مع ذلك منحه أكثر المناصب كسباً في البلاط البابوي - فجعله نائب رئيس الحكومة البابوية (1457)، ثم عيّنه في العام نفسه قائداً عاماً للقوات البابوية. وهكذا بدأت محاباة الأقارب، وهي الخطة التي اتبعها البابوات، واحداً بعد واحد فوهبوا المناصب البابوية لأبناء أخوتهم وأخواتهم وغيرهم من أقاربهم،وكانوا في كثير من الأحيان أبناء البابا نفسه، وأغضب كلكستس الإيطاليين إذ أحاط نفسه برجال اختارهم من بلده فأضحت روما الآن يحكمها القطلانيون. على أن البابا كانت تدعوه إلى ذلك أسباب معقولة: منها أنه كان أجنبياً في روما؛ وأن الأعيان والجمهوريون كانوا يحيكون المؤامرات ضده، وكان يريد أن يكون بالقرب منه رجال يعرفهم، يحمونه من الدسائس - بينما كان يوجّه اهتمامه إلى أهم ما يعنيه - ألا وهو الحرب الصليبية. هذا إلى أن البابا كان يريد أن يكون ثمة نفر من أصدقائه في مجمع الكرادلة الذي لا ينفك لجعل البابوية ملكية انتخابية ودستورية، تخضع في جميع قراراتها للكرادلة بوصفهم مجلساً للشيوخ أو مجلساً مخصوصاً، وكان البابوات يقاومون هذه الحركة، وأفلحوا في التغلب عليها، كما كان الملوك يحاربونها، وكما أفلحوا في القضاء عليها، لا فرق بين هؤلاء وأولئك. وكان النصر في كلتا الحالتين حليف الملكية المطلقة؛ ولكن لعل استبدال الاقتصاد القومي بالاقتصاد المحلي، واتساع مجال العلاقات الدولية وتعقّدها، يتطلبان، إلى وقت ما، تركيز الزعامة والسلطان. وأنهك كلكستس آخر قطرات نشاطه في محاولته غير المجدية لإثارة أوربا والأهابة بها إلى مقاومة الأتراك.ولمّا مات احتفلت روما بانتهاء حكم "البرابرة" لها. ولمّا رشّح الكردنال بكولوميني Piccolomini خلفاً له، ابتهجت روما كما لم تبتهج من قبل لاختيار أي بابا في خلال المائتي العام الأخيرة.


الفصل الرابع: بيوس الثاني 1458-1464

بدأ إنياسلفيو ده بكولوميني Enea Silvio de Piccolomini حياته في عام 1405 في بلدة كرستيانو القريبة من سينا. وكان أبواه فقيرين ولكنهما من أروما مجيدة. ودرس القانون في جامعة سينا، ولكن القانون لم يرق له، لأنه كان يميل إلى الأدب، غير أنه أكسب عقله وحدة وانتظاماً في التفكير، وأعدّه لواجبات الإدارة والسياسة. ودرس الآداب الإنسانية في فلورنس على فيليلو، وظل من ذلك الوقت ذا نزعة إنسانية، ثم عيّنه الكردنال كبرانيكا أميناً له ورافقه إلى مجلس بازل، وهناك اجتمع مع طائفة من أعداء بوجنيوس الرابع؛ وبقي بعد ذلك كثيراً من السنين يدافع عن حركة المجالس ضد سلطان البابوية، ثم اشتغل وقتاً ما أميناً لفليكس الخامس البابا المعارض. ولكنه أدرك أنه قد راهن على الجواد الخاسر، فأغرى أحد الأساقفة بأن يقدمه للإمبراطور فردريك الثالث، وما لبث أن عين في منصب في البلاط الملكي، حتى إذا كان عام 1442 رافق فردريك إلى النمسا، وظل مرتبطاً به بعض الوقت.

ولم تبد عليه في تلك السنين التي كان يتكون فيها عقله نزعة خاصة، وكل ما في الأمر أنه كان إنساناً نشيطاً يرقى إلى المناصب، غير ذي مبادئ يحرص عليها، أو هدف يبتغيه غير النجاح؛ فقد كان يتنقل من جانب إلى جانب دون أن يدب اليأس إلى قلبه، ومن امرأة إلى امرأة وهو مرح متقلب تقلباً يبدو له - كما كان يبدو لمعظم معاصريه - أنه هو التدريب الصحيح لواجبات الزوجية، وشاهد ذلك أنه كتب إلى صديق له رسالة يقصد بها التغلب على عناد فتاة تؤثر الزواج على الفجور(22). وكان له عد من الأبناء غير الشرعيين بعث بواحد منهم إلى أبيه وطلب إليه أن يربيه، واعترف له بأنه "ليس أكثر قداسة من داود، ولا حكمة من سليمان"(23)؛ وكان في وسع الشاب الخبيث أن يقتبس من الكتاب المقدس ما يؤيد أغراضه. وكتب رواية من طراز كتابات بوكاتشيو، ترجمت إلى اللغات الأوربية كلها تقريباً، وكانت مما يجابه به لمّا تولى منصبه الديني. وقد تردد طلايلا في لبس المسوح، وإن كان يعلم أن رقيه في المستقبل يتطلب أن ينخرط في سلك رجال الدين؛ وذلك لأنه كان يشك كما يشك أوغسطين في قدرته على التعفف(24).وكتب يعارض مبدأ عدم زواج رجال الدين(25).

ولكنه احتفظ وسط هذا التقلب كله بالإخلاص للأدب. ذلك أن إحساسه المرهف بالجمال،وهو ذلك الإحساس الذي أفسد أخلاقه، قد جعله يهوى الطبيعة، ويولع بالأفكار؛ وهو الذي كوّن أسلوبه الذي جعله أكثر الكتّاب إمتاعاً، وأفصح الخطباء في القرن الخامس عشر كله.وقد كتب في فروع الأدب كلها تقريباً ـ وكانت كلها إلاّ القليل باللغة اللاتينية؛ كتب في القصص، والشعر، والفكاهات الشعرية، والحوار، والمقالات، والتواريخ، والأسفار،والجغرافية؛ وكتب الشروح والتعليقات، والمذكرات، وكتب مسلاة، وكانت كلها بتحمس وظرف لا يقلاّن في ذلك عن أجمل ما في كتابات بترارك النثرية. وكان يسعه أن يكتب أية وثيقة من وثائق الدولة، ويعد أو يرتجل خطبة بمهارة تقنع قارئها أو سامعها،وتأثر بسلاستها عقل من يطّلع عليها.وكان من خصائص ذلك العصر أن إينياس سلفيوس Aeneas Sylvius بدأ من لا شيء ولكنه ارتقى إلى مقام البابوية على سن قلمه. ولسنا ننكر أن أشعاره لم يكن لها من العمق أو القدر ما يخلدها، ولكنها بلغت من الرقة حداً جعله يتلقى تاج العشر من فردريك الثالث (1442) دليلاً على اغتباطه بشعره. وكان لمقالاته سحر وخفة عوضا ما كان ينقص كاتبها من قوة العقيدة أو التمسك بالمبدأ، وكان يسعه أن ينتقل من حديث عن "شقاء حياة البلاط"(26) التي يقول فيها إن "الرذائل كلها تنصب في بلاط الملوك كما تنصب مياه الأنهار في البحار" إلى رسالة في "طبيعة الخيل والعناية بها". وكان من الخصائص الأخرى لذلك العصر أن خطابه الطويل في التربية ـ الذي كتبه إلى لادسلاس ملك بوهيميا، ولكنه كان يقصد نشره - لم يقتبس فيه إلاّ من الكتّاب الوثنيين، اللهم إلاّ عبارة واحدة اقتبسها من غيرهم، وأنه لم يضرب إلاّ أمثلة مستمدة من هؤلاء الكتّاب، وأنه نظم عقود المديح لدراسات الإنسانية، وحث الملك على أن يعد أبناءه لتحم لمشاق الحرب وتبعاتها لأن "المسائل الجدية لا تسوّيها القوانين بل قوة السلاح"(27). وتعد مذكراته التي كتبها عن أسفاره خير ما كتب من نوعها في أدب النهضة كله، ذلك أنه لم يكتف بوصف المدن والمناظر الريفية وصفاً ذا فتنة ومتعة؛ بل وصف فوق ذلك صناعات البلاد التي زارها، وغلاتها، وأحوالها السياسية، ونظمها الحكومية، وعادات أهلها وأخلاقهم، ولم يكتب أحد بعد بترارك عن الريف بمثل ما كتب هو من حب وإعزاز. وكان هو دون غيره من الإيطاليين في قرون عدة الذي أحب ألمانيا؛ وكان يجد كلمة طيبة يقولها عن الصخابين من أهل المدن الذين يملأون الهواء بأغانيهم ويملأون بالجعة بطونهم، بدل أن يغتال بعضهم بعضاً في الشوارع. وكان يصف نفسه بأنه حريص على أن يرى مختلف الأشياء(28)، وكن من أقواله المأثورة التي يكررها على الدوام "منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب مال"(29).وحول قلمه المطواع لكتابة التاريخ، فكتب عدة تراجم قصيرة للمشهورين من معاصريه؛ وكتب سيرة بترارك، وتاريخ الحرب الهوسية Hussite Wars،وموجزاً لتاريخ العالم. ثم وضع خطة لكتابة تاريخ العالم وجغرافيته أكبر من التاريخ السابق، وظل يعمل فيه وهو بابا، وأتم قسمه الخاص بآسية والذي عني كولمبس بقراءته(30). وكان وهو بابا يكتب من يوم إلى يوم مذكرات Commentaria يسجل فيها تاريخ حكمه حتى مرض مرضه الأخير. وكان وهو في هذه المرحلة من حياته "يقرأ ويملي حتى وهو راقد على فراشه حتى منتصف الليل، كما يقول معاصرة بلاتينا Platina، ولم يكن ينام أكثر من خمس ساعات أو ست"(31). وكان يعتذر لأنه يقضي وقت البابوية في الأعمال الأدبية ويقول: "إنا لم نختلس وقتاً من واجباتنا؛ بل إننا منحنا الكتابة من الوقت ما كان يجب أن نقضيه في النوم؛ وقد حرمنا شيخوختنا من الراحة حتى نورث الأجيال القديمة لما نعرف أنه خليق بأن يخلّد"(32).

وبعث الإمبراطور باينياس سلفيوس رسولاً إلى البابا في عام 1445. واعتذر الرجل الذي هاجم يوجنيوس مائة مرة اعتذاراً تأثر من فصاحته الباب الرحيم فلم يسعه إلاّ أن يعفو عنه،وأصبحت روح إينياس من ذلك اليوم ملكاً ليوجنيوس. ورسم قسيساً (1446)، ولمّا بلغ الحادية والأربعين من العمر ركن إلى العفة والطهارة، وعاش من ذلك الحين معيشة مثالية، واحتفظ بولاء فردريك للبابوية؛ واستطاع بسياسته الحصيفة، الملتوية في بعض الأحيان، أن يعيد ولاء الناخبين والأحبار الألمان إلى الكرسي الرسولي. وأيقظت زياراته لروما وسينا حبه لإيطاليا من جديد، فحل روابطه بفردريك شيئاً فشيئاً، وأحكمها ببلاط البابا (1455). لأنه كان يرغب على الدوام في أن يعود إلى معمعان السياسة وإلى موطنه الأول؛ ذلك أنه في روما سيكون في مركز الحركة كلها؛ ومن يدري لعله وهو في وسط الحادثات الصاخبة وتقلباتها يتنسَّم عرش البابوية. فلمّا كان عام 1449 عين أسقفاً لسينا، وفي عام 1456 أصبح الكردنال بكولوميني.

ولمّا حل الوقت الذي يجب أن يختار فيه خليفة لكالكستس، أراد الإيطاليون في المجمع المقدس أن يتفادوا اختيار الكردنال دستونيفيل Cardinal d' Estouteville، فأعطوا أصواتهم لبكولوميني. لأن الكرادلة الإيطاليين صمموا أن يحتفظوا بالمجمع المقدس إيطالياً صميماً؛ وكان تصميمهم هذا مبنياً على أسباب شخصية وعلى خوفهم من أن البابا الغير الإيطالي قد يعيد الانشقاق إلى العالم المسيحي بانحيازه إلى بلاده، أو بنقل كرسي البابوية من إيطاليا. ولم يجابه أحد إينياس بذنوب شبابه، ولم يتردد الكردنال ردريجو المرح في أن يدلي له بصوته في غير مواربة؛ وأحست الكثرة الغالبة أن الكردنال بكولوميني، وإن لم يرتد القلنسوة الحمراء إلاّ من عهد قريب، كان واسع التجربة، كما كان دبلوماسياً ناجحاً واسع الاطلاع على شئون ألمانيا المتعبة، وعالماً يرفع بعلمه مكانة البابوية.

وكان وقتئذ في الثالثة والخمسين من العمر، وكانت حياته الكثيرة المغامرات قد أثرت كثيراً في صحته حتى بدا وكأنه شيخ طاعن في السن. وبينما هو مسافر من هولندا إلى إسكتلندة (1435)، إذ اضطرب البحر اضطراباً بعث في نفوس المسافرين أشد الهول والانزعاج - حتى لقد استغرقت الرحلة من سلويس Sluys إلى دنبار Dunbar اثني عشر يوماً - فأقسم إذا نجا أن يسير حافي القدمين إلى أقرب ضريح للعذراء. وحدث أن كان هذا الضريح في هويت كيرك Whitekirk على بعد عشرة أميال من المكان الذي نزل فيها. وبرَّ بيمينه، ومشى المسافة كلها وهو حافي القدمين فوق الثلج والجليد، وأصيب بداء الرثية وظل يعاني منه أشد الآلام ما بقى من حياته، ولم يحل عام 1458 حتى كان مصاباً بحصاة في الكلوتين، وبسعال مزمن. وغارت عيناه، وامتقع لون وجهه، "ولم يكن في وسع الناس أحياناً" كما يقول بلاتينا "أن يقولوا إنه حي إلاّ حين يسمعون صوته"(33). وكان وهو بابا يعشي عيشة بسيطة يراعي فيها جانب الاقتصاد؛ وكانت نفقات بيته في الفاتيكان أقل ما سجله التاريخ من نفقات هذا البيت.

وكان إذا أمكنته واجبات منصبه يأوي إلى ضاحية في الريف، يعيش فيها كما يعيش القروي الشريف المتواضع لا كما يعيش البابوات"(34). وكان أحياناً يحضر مجمع الكرادلة أو يستقبل السفراء، في ظلال الأشجار أو بين غياض أشجار الزيتون، أو إلى جوار عين باردة أو ماء جار. وكان يسمي نفسه من قبيل التورية سلفارم أماتورSilvarum Amator أي محب الغابات.

وقد اشتق اسمه البابوي من عبارة فرجيل التي يكررها كثيراً وهي prius Aeneas أي إينياس التقي. وإذا جاز لنا أن نتغاضى عمّا في ترجمة هذه الصفة من خطأ قليل أجَلَّه العرف، قلنا إنه عاش عيشة ينطبق عليها هذا الوصف. فقد كان تقيّاً، أميناً في أداء واجباته، خيّراً، متسامحاً، معتدلاً، حليماً، كسب قلوب جميع الناس حتى الساخرين من أهل روما. ولمّا كبر تخلى عن شهوانية شبابه،وأصبح من الناحية الأخلاقية بابا نموذجياً. ولم يحاول قط أن يخفي ما كان له في أيامه الأولى من مغامرات في الحب، أو ما قام به من دعوة للمجالس الكنسية المعارضة للبابوية، ولكنه أصدر قراراً يستنكر فيه ما فعل (1463)؛ ويضرع فيه إلى الله وإلى الكنيسة أن يغفرا له أخطاءه وذنوبه. وخاب رجاء الكتّاب الإنسانيين الذين كانوا يتوقعون أن يبسط عليهم البابا ذو النزعة الإنسانية رعايته ويغدق عليهم عطاياه، وذلك حين وجدوا أنه لا يؤدي إليهم أجوراً عالية،وإن كان يستمتع بصحبتهم، وإن عيّن بعضهم في مناصب إدارية في حكومته البابوية؛ بل كان يحتفظ بأموال البابوية ليجهز بها حملة صليبية على الأتراك. على أنه ظل في أوقات فراغه إنساني النزعة: فقد كان يعنى اشد العناية بدراسة الآثار القديمة، ونهى عن تدمي شيء آخر منها؛ وأمن أهل أربينو Arpino لأن شيشرون ولد في تلك المدينة؛ وأمر بترجمة هوميروس ترجمة جديدة، وعين بلاتينا وبيندو في أمانته العلمية. واستقدم مينو دا فيسولي Mino da Fiesole ليقوم ببعض أعمال النحت في كنائس روما، كما استقدم فلبينو لبي Eilippino Lippi لينقشها. وأطلق العنان لخيلائه بأن شيّد من تصميم وضعه برنارو رسلينو، كنيسة كبرى وقصر بكولوميني في بلدته كرسنيانو Corsignano التي سمّاها بيندسا Pienza باسمه. وكان يفخر بكرم محتده فخر الفقراء العريقي النسب، وأفرط في ولائه لأصدقائه وأقاربه إفراطاً أضر بمصالح الكنيسة، فقد أصبحت الفاتيكان في أيامه خلية بكولومينية.

وكانت مدة بابويته تزدان بعالمين من جلة العلماء، أحدهما فلافيو بيوندو Flavio Biondo الذي كان أميناً للبابوية من أيام نقولاس الخامس، والذي كان رمزاً للنهضة المسيحية. وكان فلافيو مولعاً بالآثار القديمة، أنفق نصف حياته في كتابة تاريخها ووصف بقاياها؛ ولكنه كان طوال الوقت مسيحياً تقياً، صادق الإيمان، لا ينقطع عن أداء الشعائر الدينية. وكان بيوس يعرف له قدره ويتخذه مرشداً له وصديقاً، ويفيد من مرافقته في زيارة الآثار الرومانية. ذلك أن بيندو كان قد كتب موسوعة من ثلاثة أجزاء أسماها روما العالمة، روما الظافرة، وإيطاليا الباهرة، سجّل فيها تخطيط إيطالي القديمة، وتاريخها، وأنظمتها، وشرائعها،ودينها، وعاداتها، وفنونها. وأعظم من هذه الموسوعة على عظمتها كتابه المسمى تاريخ انحطاط الرومان وهو سبيه بكتاب "اضمحلال الدولة الرومانية وسقوطها"، وإن كان أكبر منه حجماً،وهو يصف أحوالها من 476 حتى 1250، أي في أولى الفترات العصيبة من العصور الوسطى. ولم يكن بيندو صاحب أسلوب أدبي رفيع، ولكنه كان مؤرخاً يفرق بين الغث والثمين، وكانت مؤلفاته هي التي قضت على الأقاصيص الخرافية التي كانت تحتفظ بها المدن الإيطالية وتعزو بها نشأتها إلى أصول طروادية أو غير طروادية. وكان العمل الذي أخذ على عاتقه القيام به أعظم من أن تتسع له سنو بيندو الخمس والسبعون؛ ولهذا لم يتمه حين توفى في عام 1463؛ ولكنه ضرب به المثل للمؤرخين الذين جاءوا بعده في الدراسة الواسعة النزيهة. وكان الكردينال جون بيساريون أداة حية لنقل الثقافة اليونانية التي كانت تدخل وقتئذ إلى إيطاليا. وكان مولده في طربزون، وتلقّى في القسطنطينية دراسة واسعة في العشر، والخطابة، والفلسفة اليونانية؛ وواصل دراسته على الفيلسوف الأفلاطوني الذائع الصيت جمستوس بليثو Gemistus Pletho في مسترا Mistra. ثم قدم إلى مجلس لورنس بوصفه كبيراً لأساقفة نيقية، وكان له شأن عظيم في توحيد الكنيستين اليونانية واللاتينية. ولمّا عاد إلى القسطنطينية، نبذه صغار رجال الدين والشعب هو وغيره من "الاتحاديين". وعيّنه البابا يوجنيوس كردنالاً (1439)، وانتقل بيساريون إلى إيطاليا ومعه مجموعة قيّمة من المخطوطات. فلمّا قدم إلى روما أصبح بيته ندوة للكتّاب الإنسانيين؛ وكان بجيو، وفلا، وبلاتينا، من أقرب المقربين إليه من الأصدقاء؛ وكان فلا يسميه "أعلم العلماء الهلنستيين بين اللاتين"، وأكثر العلماء اللاتينيين تهذيباً بين اليونان(35). وقد أنفق كل دخله تقريباً في شراء المخطوطات أو نسخها. وترجم هو نفسه كتاب ما بعد الطبيعة لأرسطو، ولكنه وهو من مريدي جمستوس كان يؤثر عليه أفلاطون؛ وكان يتزعم المعسكر الأفلاطوني في الجدل العنيف الذي حمى وطيسه وقتئذ بين الأفلاطونيين والأرسطوطاليين. وانتصر أفلاطون في هذه الحرب وانتهت بذلك سيطرة أرسطو الطويلة على الفلسفة الغربية. ولمّا عين البابا نقولاس الخامس بيساريون قاصداً رسولياً له في بولونيا ليحكم منها رومانيا وأقاليم التخوم، قام بيساريون بواجبات الحكم خير قيام، فلم يسع إلاّ أن يسميه "ملك السلام". وقد عهد إليه بيوس الثاني بعدة مهام دبلوماسية شاقة في ألمانيا التي أخذت مرة أخرى تغلي فيها مراجل الثورة على الكنيسة الرومانية. ولمّا قربت منيته أوصى بمكتبته إلى مدينة البندقية، حيث لا تزال تكوّن جزءاً لا تقدّر قيمته من المكتبة المرقسية Biblioteca Marciana.

وكاد ينتخب للجلوس على عرش البابوية في عام 1471، ثم مات بعد عام من ذلك الوقت، وهو موضع الإجلال والتكريم في جميع أنحاء العالم لعلمه الغزير.

وأخفقت بعثته إلى ألمانيا. ويرجع بعض السبب في إخفاقها إلى أن الجهود التي بذلها بيوس الثاني لإصلاح الكنيسة لم تفلح،ويرجع البعض الآخر إلى أن محاولة جديدة بذلت لتحصيل العشور لتمويل حملة صليبية، قد بعثت كراهية الشعوب التي وراء جبال الألب لروما. وعين بيوس في بداية ولايته لجنة من كبار الأحبار لوضع منهاج للإصلاح؛ وقبل في ذلك مشروعاً عرضه عليه نقولاس الكرسائي وأعلنه في مرسوم بابوي، ولكنه لم يجد أحداً في روما يريد الإصلاح، لأن نصف من فيها من الكبار كانوا يجنون نفعاً كبيراً من المفاسد التي طال عليها العهد؛ وتغلب الجمود والمقاومة السلبية على جهود بيوس؛ وكانت الصعاب التي واجهها في الوقت عينه في ألمانيا، بوهيميا، وفرنسا قد استنفذت قواه، كما أن الحرب الصليبية التي كان يدبر أمرها قد استنفذت جميع عواطفه الدينية، وتطلبت منه المال الكثير. ولهذا قنع بأن يلوم الكرادلة على حياتهم الشهوانية. وأن يقوم من حين إلى حين ببعض الإصلاحات المتقطعة في نظم الأديرة. وأصدر في عام 1463 آخر نداء إلى الكرادلة قال فيه:

يقول الناس إنّا نسعى وراء اللذة، وجمع الثراء، وإنّا متغطرسون، نمتطي البغال السمينة، والأمهار الجميلة، ونجر أذيال أثوابنا من خلفنا، ونطل بوجوهنا المستديرة المكتنزة من تحت القبعة الحمراء، والقلنسوة البيضاء، ونربي الكلاب للصيد، وننفق الكثير من المال على الممثلات والطفيليين والطفيليات، ونضن بالقليل على شئون الدين. وإن لهم لبعض الحق فيما يقولون: ذلك أن من بين الكرادلة وغيرهم من الموظفين في بلاطنا من يحيون هذا النوع من الحياة. وإذا شئتم الحقيقة قلت لكم إن الترف والأبهة الكاذبة قد زاد في بلاطنا على الحد؛ وهذا هو الذي جعل الناس يمقتوننا مقتاً يمنعهم من أن يستمعوا لنا، حتى حين ننطق بما هو حق ومعقول. وماذا تظنون أنا فاعلوه في هذه الحال التي تجللنا العار؟... يجب علينا أن نبحث عن الوسائل التي كسب بها أسلافنا ما كان لهم من سلطان واحترام في داخل الكنيسة... ثم علينا بعد ذلك أن نحتفظ بسلطاننا بهذه الوسائل ذاتها. إن الذي سما بالكنيسة الرومانية وجعلها سيدة العالم كله هو الاعتدال، والعفة، والطهارة، والغيرة على الدين... واحتقار الدنيا، والرغبة في الاستشهاد(46).

وقدّر على البابا أن يقاسي إخفاقاً في اتصالاته بالدول الأوربية مع أنه لاقى قبل أن يجلس على عرش البابوية نجاحاً مطرداً في مهامه الدبلوماسية. نعم إن لويس الحادي عشر قد أتاح له نصراً قصير الأجل بإلغائه قرار بورج التنظيمي، ولكن لويس عاد فألغى هذا الإلغاء في واقع الأمر لما رفض بيوس أن يساعد بين أنجو فيما كان يدبره من الخطط لاسترداد نابلي. وواصلت بوهيميا ثورتها التي ألهب لظاها جون هوس John Huss؛ ذلك أن الإصلاح الديني كان قد بدأ فيها قبل أيام لوثر Luther بقرن كامل، وكان ملكها الجديد جورج بوديبراد George Podebrad يمدّها بمعونته القديمة. وظل رجال الدين على اختلاف درجاتهم يؤيدون الأمراء الألمان في مقاومتهم لجباية العشور، وجددوا الصيحة القديمة صيحة عقد مجلس عام لإصلاح الكنيسة والإشراف على أعمال البابا. ورد بيوس على هذا بإصدار قرار اللعن الذي يندد بأي محاولة ترمي إلى عقد مجلس عام لا يوافق البابا على عقده، ويكون هو الداعي إليه، ويحرم هذه الدعوة؛ وبرر هذا القرار بقوله إنه إذا كان في مقدور المعارضين لسياسة البابوات عقد هذا المجلس في أي وقت من الأوقات، تعرضت حقوق البابا التشريعية للأخطار على الدوام، وشل النظام الكنسي من أوله إلى آخر.

ولقد أفسد هذا النزاع ما كان يبذله البابا من جهود لتوحيد أوربا ضد الأتراك، وجهر يوم تتويجه نفسه بارتياعه الشديد من تقدم المسلمين بازاء نهر الدانوب في طريقهم إلى فينا، واختراقهم بلاد البلقان إلى البوسنة. وكانت بلاد اليونان، وإبيروس، ومقدونية، والصرب، والبوسنة تتساقط كلها في أيدي المسلمين. ومنذا الذي كان يستطيع أن يقول متى يعبرون البحر الأدريادي وينقضون على إيطاليا؟ ولم يمض على تتويج بيوس شهر واحد حتى أرسل إلى جميع الأمراء المسيحيين يدعوهم للانضمام إليه في مؤتمر كبير يعقد في مانتوا ليضعوا الخطط التي تكفل حماية العالم المسيحي الشرقي من تيار العثمانيين الجارف. ووصل هو إلى مانتوا في السابع والعشرين من مايو عام 1459، يرتدي أفخم الأثواب الخاصة بمنصبه الرفيع، واخترق المدينة في محمل يحف به أعيان المدينة وموظفو الكنيسة. وألقى على الجموع المحتشدة لاستقباله خطبة من أقوى الخطب التي ألقاها في حياته وأعظمها تأثيراً. ولكن أحداً من ملوك الأقاليم الواقعة وراء جبال الألب وأمراءها لم يلب الدعوة، بل لم يرسل واحد منهم ممثلين لهم الحق في أن يزجوا بدولتهم في الحرب. ذلك أن النزعة القومية قد بلغت وقتئذ من القوة ما يجعل البابوية تتضرع بغير جدوى أمام عروش الملوك. وحث الكرادلة البابا على الرجوع إلى روما؛ ولم يكونوا فضلاً عن هذا راغبين في أن ينزلوا عن عشر إيرادهم لتمويل الحرب الصليبية المرتقبة. فمنهم من انغمسوا في ملاذهم، ومنهم من جابهوا بيوس بسؤاله هل يريد منهم أن يموتوا بالحمى في صيف مانتوا الشديد الحرارة؟ وانتظر البابا قدوم الإمبراطور زمناً طويلاً؛ ولكن فردريك الثالث آثر أن يعلن الحرب على المجر يريد بذلك أن يضم إلى ملكه الأمة التي كانت أنشط الأمم استعداداً لمقاومة الأتراك، آثر هذا على القدوم لمساعدة الرجل الذي قدم له فيما مضى أجل الخدمات. واشترطت فرنسا لمعونتها أن يؤيدها البابا في حملة لها على نابلي، وتلكأت البندقية خشية أن تكون أملاكها الباقية لها في بحر إيجة أولى ضحايا الحرب التي تنشب بين أوربا المسيحية والأتراك. وجاءت أخيراً بعثة في شهر أغسطس من فليب الطيب دوق برغندية؛وفي سبتمبر أقبل فرانتشيسكو وتبعه غيره من أمراء إيطاليا؛ وعقد المؤتمر أولى جلساته في السدس والعشرين من هذا الشهر بعد أربعة أشهر من قدوم البابا؛ ومرت أربعة أشهر أخرى في الجدل والنقاش، واستطاع فليب آخر الأمر أن يضم برغندية وإيطاليا إلى جانب في خطته المرتقبة للقيام بحرب مقدسة،وذلك بعد أن اتفق المؤتمرون على تقسيم الأملاك التركية وقتئذ والأملاك البيزنطية السابقة بين الدول المنتصرة. وقد طلب إلى جميع المسيحيين من غير رجال الدين أن يتبرعوا بجزء من ثلاثين من دخلهم، وإلى جميع اليهود بجزء من عشرين منه، ومن جميع رجال الدين بجزء من عشرة من هذا الإيراد. وعاد البابا إلى روما وهو يكاد يكون خائر القوى من أثر ما بذله من جهود، ولكنه أمر بإنشاء أٍطول بابوي، وأعد العدة رغم ما كان ينتابه من أمراض الرثية، والسعال، والحصاة، لأن يقود الحملة الصليبية بنفسه.

ولكنه مع ذلك كان يهاب الحرب بفطرته، ويحلم بأن ينال النصر عن طريق السلم. ولعل ما كان يشاع من أن محمداً الثاني الذي كانت أمه مسيحية يميل في السر إلى دينها قد بعث الشجاعة في قلب بيوس، فوجّه إلى السلطان (1461) دعوة حارة لقبول إنجيل المسيح كانت أبلغ ما كتب حتى ذلك الوقت: "إذا اعتنقت المسيحية، لم يبق أمير على وجه الأرض يفوقك في المجد أو يضارعك في السلطان. ولئن فعلت لنعترفن بك إمبراطوراً على اليونان وعلى بلاد الشرق، وتصبح البلاد، التي استوليت عليها بالقوة، والتي تحتفظ بها ظلماً وعدواناً، ملكاً لك مشروعاً... وما أعظم السلم التي يؤدي إليها هذا العمل وأكملها، إذن لعاد إلى الوجود عصر أغسطس الذهبي الذي يتغنى به الشعراء. فإذا انضممت إلينا فلن يلبث الشرق كله أن يعتنق الدين المسيحي. إن إرادة واحدة تستطيع أن تبسط لواء السلم على العالم كله، وهذه هي إرادتك!"(37).

ولم يرد محمد الثاني على هذه الرسالة؛ ذلك أنه، مهما تكن آراؤه الدينية، كان يعلم أن الذي يحميه آخر الأمر من قوى أوربا الغربية ليس هو وعود البابا، بل الحماسة الدينية التي تضطرم في قلوب شعبه. وانقلب بيوس رجلاً أكثر واقعية من قبل، فأخذ يجمع العشور من رجال الدين، وهيأت له الأقدار في عام 1462 حظاّ غير مرتقب، وذلك حين عثر في أرض من الأملاك البابوية في طلفا Tolfa في غربي لاتيوم على رواسب من حجر الشب، واستخدم عدة آلاف من الرجال ليعملوا في استخراج هذه المادة العظيمة القيمة للصباغين؛ وسرعان ما كانت مناجمها تدر على الكرسي البابوية نحو مائة ألف فلورين كل عام، وأعلن بيوس أن هذا الكشف من المعجزات، وأنه معونة من عند الله للحرب التي سيشنها على الأتراك(38)، وأضحت الولايات البابوية في ذلك الوقت أغنى دولة في أوربا، تليها في ذلك البندقية التي لا تنقص عنها إلاّ قليلاً، ثم نابلي، فميلان، ففلورنس، فمودينا، فسينا، فمانتوا(39).

وأيقنت البندقية أن البابا جاد في غرضه مصمم على بلوغه، فأسرعت في استعدادها. ولكن الدول الأخرى تلكأت، أو أمرت تقديم معونة رمزية، وواجهت جباة الضرائب اللازمة للحملة الصليبية مقاومة عنيفة في كل مكان تقريباً. وفترت همة فرانتشيسكو اسفوردسيا في مد يد المساعدة لهذا المشروع بحجة أنه سيؤدي إلى تقوية البندقية إذ يعيد إليها ما فقدته من أملاكها ومن تجارتها، وضنت جنى بالثمان السفن ذات الصفوف الثلاثة من المجاديف وهي المعونة التي وعدت بتقديمها. وحث دوق برغندية البابا على أن يؤجل العمل إلى يوم يكون فيه أسعد حظاً من أيامه تلك؛ ولكن بيوس أعلن أنه ذاهب إلى أنكونا، لينتظر فيها انضمام الأسطولين البابوي والبندقي، ثم يعبر بهما إلى راجوسا Ragusa، وينضم إلى قوات اسكندر بك في البوسنة، وماثياس كرفينوس Mathias Corvinus المجري، ثم يتولى بنفسه قيادة الحملة الزاحفة على الأتراك. واحتج الكرادلة كلهم تقريباً على هذه الخطة؛ ذلك أنهم لم يكونوا يرغبون في اختراق بلاد البلقان، وحذروا البابا من أحوال البوسنة التي كانت تعج بالمارقين من الدين ويفشو فيها الطاعون. غير أن البابا المريض حمل الصليب، وودع روما التي لم يكن يتوقع أن يراها مرة أخرى، وأقلع بأسطوله إلى أنكونا (18 يونية سنة 1464).

وفي هذا الأثناء كانت الجيوش التي يظن أنها ستقابله قد ذابت كأنما كان ذلك بسحر ساحر شرقي. فأما الجيوش التي وعدت بها ميلان في أول الأمر فلم تأت، وأما التي بعثت بها فلورنس فقد كانت مجهزة تجهيزاً بلغ من الضعف حداً جعلها عديمة النفع؛ ولمّا وصل بيوس إلى أنكونا (19 يولية) وجد أن معظم الصليبيين الذين تجمعوا فيها قد غادروها لأنهم سئموا الانتظار، وقاسوا المتاعب في سبيل الحصول على الطعام. وفشا الطاعون في أسطول البندقية بعد أن غادر أمواهها الضحلة؛ وأخر وصوله اثني عشر يوماً. وبقى بيوس بعض الوقت في أنكونا بعد أن فت في عضده احتفاء الجند،وعدم ظهور أسطول البنادقة، واشتدت عليه العلة حتى كادت تقتله. ثم تراءى له الأسطول آخر الأمر،وبعث البابا بسفائنه لتستقبله في عرض البحر، وأمر فحمل هو نفسه إلى نافذة يستطيع أن يرى منها المرفأ.ولمّا اقترب الأسطولان المتحدان بحيث يمكن أن تراهما العين توفي البابا (14 أغسطس سنة 1464). واستعادت البندقية أسطولها، وتفرق من كان باقياً من الجند، وأخفقت الحملة الصليبية. ذلك هو البابا الألمعي المتعدد المواهب الذي ارتقى إلى الدرجات العلا، والذي أحرز وسط الصعاب الجمة نصراً بعد نصر حتى وصل إلى عرش العروش، فزانه لعلوم الدنيا وفضائل المسيحية، وشرب كأس الإخفاق والإذلال، والهزيمة حتى الثمالة، لكنه قد كفر عن خطايا شبابه بخشوعه وتقواه في رجولته، وسربل أقرانه الساخرين منه ثوب العار بنبل موته.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفصل الخامس: بولس الثاني 1464-1471

كثيراً ما تذكرنا سير عظماء الرجال بأن أخلاق الإنسان يمكن أن تتكون بعد مماته. فإذا استطاع الحاكم مثلاً أن يدلل المؤرخين الإخباريين الذين يلتفون به، فقد يرفعونه بعد موته إلى مكان القداسة، وإذا ما أساء إليهم فقد يسمون جثته بعد مماته بميسم العار، أو يلطخونها بالقار،وشاهد ذلك أن بولس تنازع مع بلاتينا، وأن بلاتينا كتب سيرته التي يعتمد عليها معظم ما كتب عن بولس، وأسلمه للخلف وحشا ملء إهابه الغرور، والأبهة الكاذبة، والشره.

وكان لهذا الاتهام بعض ما يبرره، وإن لم يزد هذا المبرر على أكثر مما يوجد في أية سيرة لا يخفف البر حدتها. لقد كان بيترو ياربو، كردنال سان ماركو، يفخر بجمال مظهره كما يفخر بذلك الناس كلهم تقريباً؛ ولما أن اختير بابا اقترح أن يسمى فورموزوس Formosus - أي الوسيم الخلق - وأكبر الظن أن ذلك كان من قبيل المزاح. لكنه رضى أن يعدل عن رأيه، واتخذ لقب بولس الثاني. وكان بسيطاً في حياته، ولكنه كان يعرف ما للفخامة من تأثير يخدر نفوس من حوله، فاحتفظ لنفسه ببلاط فخم، وكان سخياً جواداً في استضافة أصدقائه وزائريه. ولمّا دخل المجمع المقدس الذي اختاره بابا تعهد بأنه إذا اختير سيشن الحرب على الأتراك كما تعهد غيره من البابوات، وأن يعقد مجلساً عاماً، وأن يحدد عدد الكرادلة بأربعة وعشرين، وألاّ يتجاوز عدد أقارب البابا من بينهم كردنالاً واحداً، وألاّ يرفع أحداً إلى رتبة الكردنالية إذا لم يبلغ سن الثلاثين، وأن يستشير الكرادلة في جميع الشئون الخطيرة. فلمّا تم انتخاب بولس نبذ كل ما أخذه على نفسه من مواثيق بحجة أنها تناقض التقاليد والسلطات المرعية التي رفع الزمان شأنها. واسترضى الكرادلة بأن جعل أدنى حد لإيرادهم السنوي أربعة آلاف فلورين (100.000؟دولار). وكان وهو ابن أسرة من التجار يعتز بالفلورينات، والدوقات، والسكوديات، والجواهر التي تظهر ثراء المرء أمام الأعين. وكان يلبس تاجاً بابوياً تزيد قيمته على قيمة قصر من القصور. وكان وهو كردنال يشغل أوقات الصائغين بصنع الجواهر، والمدليات، والحلي المنقوشة التي كان يتجلى بها ثراءه بأجّل المظاهر؛ وقد جمع هذه كلها مع مخلفات الفن القديم الغالية الثمن في قصر سان ماركو الفخم الذي بناه لنفسه عند قاعدة الكبتول . ولكنه رغم حبه الجم للجمال لم ينحط إلى بيع المناصب الكهنوتية، ومنع بيع صكوك الغفران، وحكم روما حكماً عادلاً وإن لم يكن رحيماً.

وشر ما يذكره عنه الخلف هو نزاعه مع الإنسانيين الرومان. فقد كان بعض هؤلاء أمناء للبابا أو الكرادلة، وكانت كثرتهم الغالبة تشغل مناصب أقل من هذا المنصب شأناً، فكانوا "كتّاب مختصرات" أو حفظة سجلات للحكومة البابوية. وفصل بولس هذه الجماعة كلها، ووزع عملها على إدارات أخرى، فأصبح نحو سبعين من أولئك الكتّاب الإنسانيين بلا عمل أو عينوا في مناصب أقل من مناصبهم السابقة أجراً. ولسنا نعلم أكان هذا إجراء يراد به الاقتصاد أم كان يقصد به تخليص "هيئة المختصرين" من أهل سينا الثمانية والخمسين الذين عينهم فيها بولس الثاني، وكان أفصح أولئك الإنسانيين المفصولين لساناً هو بارتولميو ده ساتشي Bartolommeo ds Sacchi الذي اتخذ له اسماً لاتينياً هو بلاتينا اشتقه من موطنه بيادينا Piadena القريبة من كريمونا؛ وقد طلب إلى البابا أن يعيد الكتّاب المفصولين إلى مناصبهم، فلمّا رفض بولس طلبه وجّه إليه خطاب تهديد، فأمر بولس بالقبض عليه، وأبقاه أربعة أشهر في سانت أنجيلو، مقيداً بسلاسل ثقال. واستطاع الكردنال جندساجا أن يطلق سراحه، ولكن بلاتينا كان يسعه، كما ظن بولس، أن يظل يترقب فرصته. وكان زعيم الإنسانيين في روما هو يوليو بمبونيو ليتو Julio Pomponio Leto، ويقال إنه ابن غير شرعي للأمير ساتسفرينو من سالرنو. ووفد يوليو على روما في شبابه، واتصل بفلا وأصبح من تلاميذه، خلفه أستاذاً للغة اللاتينية في الجامعة. وأولع بالأدب الوثني ولعاً جعله يعيش في روما كما كانت في أيام كاتو وقيصر ومعاصريهما لا كما هي في عهد نقولاس الخامس أو بولس الثاني. وكان أول من نشر كتابي فارو Varro وكولوملا القديمين في الزراعة، واتبع القواعد التي وضعاها في العناية بكرومه. وبقى الرجل قانعاً راضياً بشعره العلمي، يقضي نصف وقته بين الآثار التاريخية، يتحسر على نهبها وتخريبها، وصبغ اسمه صبغة لاتينية فسمة نفسه بمبونيوس لينوس، وكان يسير إلى حجرة دراسته في ثياب رومانية. وقلّما كانت قاعة من القاعات تتسع للجموع التي تحتشد عند مطلع الفجر لتستمع إلى محاضراته، وبلغ من شدة الزحام أن كان بعض الطلاب يفدون في منتصف الليل كي يجدوا لهم مكاناً. وكان يحتقر الدين المسيحي، ويتهم وعاظه بالنفاق، ويدرب تلاميذه على آداب الرواقيين لا على آداب المسيحيين. وقد جعل بيته متحفاً للعاديات الرومانية، وملتقى لطلاب المعارف الرومانية ومعلميها؛ وقد نظمهم حوالي عام 1460 في مجمع علمي روماني، اتخذ أعضاؤه لهم أسماء رومانية، وسموا أبناءهم وقت تعميدهم أسماء رومانية أيضاً، واستبدل بالدين المسيحي عبادة دينية هي عبادة عبقرية روما؛ ومثل مسالي لاتينية، واحتفل بتأسيس روما احتفالات وثنية سمى الأعضاء الذين يقومون بالخدمة فيها القديسين وأطلق على ليتوس اسم الكاهن الأعظم وكان من الأعضاء المتحمسين من يحلم بإعادة الجمهورية الرومانية(40).

وتقدم أحد المواطنين إلى الشرطة البابوية في أوائل عام 1468 بتهمة قال فيها إن المجمع العلمي يأتمر بالبابا ليخلعه ويعتقله. وأيد التهمة بعض الكرادلة، وأكدوا للبابا أن إشاعة راجت في روما تقول إنه سيموت بعد وقت قصير. وأمر بولس باعتقال ليتوس، وبلاتينا وغيرهما من زعماء المجمع، فكتب بمبونيوس معتذراً متذللاً ومعلناً اعترافه بالدين القويم؛ فأطلق سراحه بعد العقاب اللائق بأمثاله، وواصل محاضراته ولكنه حرص على أن يجعلها مطابقة للدين، حتى أن أربعين من الأساقفة شيعوا جنازته بعد موته (1498) أما بلاتينا فقد عذب ليقر بوجود مؤامرة. ولم يعثر قط على دليل يثبت وجودها، ولكن بلاتينا ظل في السجن عاماً كاملاً رغم ما كتب من رسائل الاعتذار التي تزيد على عشر. وأعلن بولس حل المجمع بحجة أنه معشش الإلحاد، وحرّم تدريس الآداب الوثنية في مدارس روما. وأجاز البابا الذي خلفه إعادة فتح المجمع بعد أن عدل وأصلح، وعهد إلى بلاتينا بعد أن تاب وأناب الإشراف على مكتبة الفاتيكان؛ وفيها وجد المادة التي أخذ منها سيرته الواضحة الظريفة للبابوات، ولمّا وصل في كتابته إلى بولس الثاني انتقم لنفسه منه، ولعله لو احتفظ بتهمه لسكستس الرابع لكان أكثر عدلاً وإنصافاً.


الفصل السادس: سكستس الرابع 1471-1484

كان من بين الكرادلة الثمانية عشر الذين اجتمعوا ليختاروا البابا الجديد، خمسة عشر إيطالياً؛ وكان ردريجو بورجيا Raderigo Borgia اسبانياً، ودستوتفيل d'Estouteville فرنسياً، وبيساريون Bessarion يونانياً. ووصف أحد الذين اشتركوا في انتخاب الكردنال فرانتشيسكو دلا روفيري Francesco della Rovere هذا الانتخاب بأنه كان نتيجة "الدسائس والرشوة" (ex arbitus et corruptelis)(41)، ولكن يبدو أن هذا القول لا يعني إلاّ أن بعض الكرادلة قد وعدوا ببعض المناصب ثمناُ لأصواتهم. وكان البابا الجديد مثلاً فذاً لتكافؤ الفرص (بين الإيطاليين) ومقدرتهم على أن يصلوا إلى عرش البابوية. فقد ولد لأسرة من الفلاحين في بيكوريلي Pecorille القريبة من سافونا Savona. وكثيراً ما انتابه المرض في طفولته، ولذلك نذرته أمه إلى القديس فرانسس وهي تدعو إلى الله أن يمن عليه بالشفاء. ولمّا بلغ التاسعة من عمره أرسل إلى دير من أديرة الرهبان الفرنسيس ثم انضم فيما بعد إلى المنوريين Minorites. ثم اشتغل بعدئذ مربياً خاصاً في أسرى الروفيري التي اتخذ أسمها اسماً له. ودرس الفلسفة واللاهوت في باريس،وبولونيا، وبدوا، واشتغل بتدريس العلمين في هذه المدن وفي غيرها لفصول بلغ ازدحامها أن قيل أن كل عالم إيطالي من علماء الجيل التالي يكاد يكون تلميذه.

ولمّا صار، وهو في السابعة والخمسين من عمره، البابا سكستس الرابع اشتهر بأنه من العلماء المشهورين بغزارة علمهم واستقامة أخلاقهم. وتبدل الرجل بين يوم وليلة تبدلاً من أغرب ما حدث في التاريخ فأصبح سياسياً ومحارباً. ولمّا وجد أن أوربا منقسمة على نفسها وأن حكومتها فاسدة، وأن هذا الانقسام والفساد يحولان بينها وبين الأقدام على حرب صليبية ضد الأتراك استقر رأيه على أن يكر س جهوده الدنيوية لإصلاح أحوال إيطاليا. وقد وجدها هي أيضاً لا تخلو من الانقسام - فقد كان الحكام المحليون يتحدون سلطة البابا في الولايات البابوية، وكان في لاتيوم حكم غاشم يقوم به النبلاء متجاهلين سلطان البابا، وفي روما غوغاء بلغ من اختلال نظامهم أن رجموا محمله في موكب التتويج بالحجارة لأنهم غضبوا من حدوث اصطدام نشأ من وقوف الفرسان فجاءة. وكان سكستس يعتزم إعادة النظام إلى روما، وتقوية سلطان القاصد الرسولي في الولايات البابوية، وإخضاع إيطاليا لحكم البابا الذي يعمل على توحيدها.

وكان سكستس تحيد به الفوضى من كل جانب، وكان قليل الثقة بالغرباء، شديد التأثير بصلات القربى؛ ولهذا حبا أبناء أخوته الجشعين بمناصب تدر عليهم المال والسلطان. وكان من أشد المحن التي لاقاها في أيام رياسته الدينية أن من يحبهم أعظم الحب كانوا شر الناس جميعاً، وأنهم استغلوا مراكزهم استغلالاً سافلاً جلب عليهم احتقار إيطاليا بأجمعها. وكان أحب الناس إليه بيترو (أو بيرو) رياريو Pietro (Piero) Riario ابن أخيه - وهو شاب وسيم الطلعة إلى حد ما، مرح، فَكِه، مجامل، كريم، ولكنه مولع بالترف والشهوات الجسمية ولعاً لم تستطع معه المناصب الكهنوتية التي حباه بها البابا والتي تدر عليه المال الوفير أن توفي بمطالب هذا الراهب الذي كان من قبل معدماً متسولاً. وعينه سكستس كردنالاً في الخامسة والعشرين من عمره (1471)، ونفحه بأسقفيات تريفيزو وسنجاليا Senigallia، واسبالاتو، وفلورنس، كما نفحه بمراكز أخرى عالية الشأن، درت عليه دخلاً قدره ستون ألف دوقة (1.500.000؟ دولار) كل عام. وكان بيرو ينفق هذا الدخل كله، وأكثر منه، في شراء آنية من الفضة والذهب، والثياب الجميلة، والسجف المنقوشة، والأقمشة المطرزة، وعلى الحاشية الفخمة، وحيوانات الصيد التي تكلفه الأموال الطائلة، وعلى مناصرة المصورين، والشعراء،والعلماء. وكانت حفلاته ـ ومنها مأدبة دامت ست ساعات استقبل فيها هو وجوليانو Guiliano ابن عمه في روما أليونورا Eleonora ابنة فيرانتي Ferrante. وقد بلغ البذخ فيها درجة لم ير لها نظير منذ أيام لوكلس Lucullus أو نيرون. وأخل السلطان باتزان عقله فقام برحلة كرحلات القواد المظفرين في فلورنس، وبولونيا، وفيرارا، والبندقية، وميلان، كرم في كل واحدة منها كما يكرم كل أمير يجري في عروقه الدم الملكي، وكان يعرض فيها عشيقاته يرتدين أفخم الثياب، وكان في هذه الرحلات يعد العدة ليكون بابا بعد ممات عمه أو قبل مماته. ولكنه توفي قبل أن يعود إلى روما (1474) من إسرافه على نفسه. وكان وقتئذ في الثامنة والعشرين من عمره بعد أن أنفق 200.000 دوقة في عامين وبعد أن استدان ستين ألفاً أخرى(42). وعين أخوه جيرولامو قائداً لجيوش البابا، وسيداً لامولا Imola وفورلي Forli. وقد تحدثنا عنه بما فيه الكفاية عند كلامنا على هذين البلدين. وعين ابن أخ آخر للبابا مديراً لشرطة روما، ولمّا مات دلا روفيري الذي يحتاج إلى باب خاص في هذا الكتاب حين يصبح البابا يوليوس الثاني. وكانت حياته طيبة صالحة إلى حد معقول، وقد ارتفع إلى عرش البابوية بعد أن تغلب على كل ما في طريقه من صعاب بقوة عقلة وخلقه.

وأحدثت الخطط التي وضعها سكستس لتقوية الولايات البابوية اضطراباً لدى الحكومات الإيطالية الأخرى. فقد كان لورندسو ده ميديتشي كما ذكرنا من قبل يعمل على ضم إمولا لفلورنس؛ ولكن سكست سبقه في مسعاه واتخذ آل باتسي Pazzi مصرفيين للبابوية بدل الميديتشيين؛ فما كان من لورندس إلاّ أن عمل على خراب آل باتسي المالي؛ ورد هؤلاء بأن حاولوا قتله. ووافق سكستس على المؤامرة ولكنه استنكر القتل، وقال للمتآمرين "افعلوا ما شئتم على شريطة أن تتجنبوا القتل"(43). وأسفرت هذه الأعمال عن حرب دامت (1478-1480) حتى هدد الأتراك باجتياح إيطاليا. فلمّا زال هذا الخطر، أتيحت لسكستس مرة أخرى فرصة تحرير الولايات البابوية. وحدث في أواخر عام 1480 أن انقرضت أسرة أرديلفي Ordelaffi في فورلي، وأن طلب أهلها إلى البابا أن يستولي على المدينة، فما كان من سكستس إلاّ أن أمر جيرولامو أن يتولى حكم إمولا وفورلي جميعاً. وعرض جيرولامو أن تكون الخطوة التالية هي الاستيلاء على فيرارا، وأقنع سكستس وحكومة البندقية بأن يشتركا في حرب يشنونها على الدوق إركولي Ercole (1482). وبعث فيرانتي صاحب نابلي جنداً للدفاع عن صهره؛ وساعدت فلورنس وميلان أيضاً فيرارا، وهكذا وجد البابا أنه قد ألقى بإيطاليا كلها في أتون الحرب وهو الذي بدأ عهده بالسعي إلى نشر لواء السلام على ربوع أوربا. وأحاطت به نابلي من الجنوب، وفلورنس من الشمال، وأزعجه اضطراب الأحوال في روما، فعقد الصلح مع فيرارا بعد عام من الفوضى وسفك الدماء. ولمّا رفض البنادقة أن يحذوا حذو هاتين المدينتين أصدر قراراً بحرمانهم، وانضم إلى فلورنس وميلان في محاربة حليفته السابقة.

وكان أعيان العاصمة قد شهروا أن من حقهم أن يجددوا منازعاتهم التي تُسَرُّ بها نفوسهم متبعين في ذلك سنّة الرئيس الديني المحب للحرب. وكان من العادات المألوفة الطريفة في روما أن ينهب قصر الكردنال حين يختار بابا. وحدث حين كان أهالي روما ينهبون قصر أحد كرادلة آل روفيري أن أصيب شاب من أعيان المدينة يدعى فرانتشيسكو دي سانتا كروتش‍ Francesco di Santa Croce بجرح من بد أحد أبناء أسرة فالي Vall وثأر هذا الشاب لقريبهم بشج رأس فرانتشيسكو. وثأر برسبيرو دي سانتا كوتشي بأن قتل بيرو مرجاني Piero Margani. وانتشر القتال في جميع أنحاء المدينة، وانضمت أسرة أرسيني والقوات البابوية إلى سانتا كروتشي، ودافع آل كولنا عن أسرة فالي، وأسر لورندسو أدوني كولنا Lorenzo Oddoni Colonna، وحوكم، وعذب حتى اعترف، ثم أعدد في سات أنجيلو، وإن كان أخوه فبريدسيو Fabridizio قد اسلم سكستس حصنين من حصون آل كولنا أملاً في إنقاذ حياة لورندسو. وانضم برسبيرو كولنا إلى نابلي في حربها ضد البابا، وعاث في أرض الكمبانيا فساداً، وأغار على روما. واستأجر سكستس ربرت مالاتيستا Robert Malatesta من ريميني ليقود جنود البابا. وهزم ربرت جيوش نابلي وآل كولنا في كمبو مورتو Campo Morto، وعاد ظافراً إلى روما، حيث مات من الحمى التي أصيب بها في مستنقعات كمباتيا. وحلب جيرلامو رياريو محله وبارك سكستس رسمياً المدفعية التي صوبها ابن أخيه على حصون آل كولنا. ولكن جسم البابا انهار بتأثير الأزمات التي توالت عليه وإن ظل روحه متعطشاً إلى القتال. وفي شهر يونية من عام 1484 أصيب هو أيضاً بالحمى. وجاءته الأخبار في الحادي عشر من أغسطس بأن حلفاءه قد عقدوا الصلح مع البندقية غير عابئين باحتجاجه؛ ورفض هو التصديق على هذا الصلح، ولكنه مات في اليوم الثاني.

لقد كان سكستس من كثير من الوجوه مثلاً سابقاً ليوليوس الثاني، كما كان جيرولامو رياري مثلاً لحياة سيزاري بورجيا. كان سكستس قساً استعمارياً شديد الشكيمة يحب الفن، والحرب، والسلطان، ويعمل لنيل مآربه دون وخز من ضمير أو مراعاة لآداب، ولكنه يعمل إليها بهمة وحشية وشجاعة لا تفتر أو ينال غرضه. ولقد خلق لنفسه أعداء. كما خلق غيره من البابوات محبي الحرب؛ وقد حاول هؤلاء الأعداء أن يضعفوا قواه بتسوئة سمعته. من ذلك أن بعض الثرثارين عللوا إسرافه في تأييد بيترو وجيرولامو بأنهما من أولاده(44)، ووصفهما آخرون مثل إنفيسورا Infessura بأنه كان يعشقهما، ولم يترددوا في أن يتهموا البابا "باللواط"(45) . على إن الصورة التي لدينا للبابا سيئة دون حاجة إلى هذه التهم التي لا يقبلها العقل ولا تجد لها ما يؤيدها. فقد كان سكستس يمول حروبه ببيع المناصب الكهنوتية لمن يؤدي عنها أغلى الأثمان، بعد أن استنفذ على أبناء اخوته كل ما خلفه بولس الثاني من الأموال الطائلة. ويروى عنه سفير بندقي معاد له قوله إن "البابا لا يحتاج إلاّ إلى قلم وحبر لينال كل ما يرغب فيه"47). ولكن هذا القول يصدق بهذا القدر نفسه على معظم الحكومات الحديثة، التي لا تختلف قراطيسها ذات الربح في كثير من الأحوال عن الوظائف الدينية ذات المرتب الضخم والعمل القليل التي كان البابوات يبيعونها بالمال. على أن سكستس لم يقنع بهذه الوسيلة. فقد احتكر لنفسه بيع الغلال في جميع الولايات البابوية؛ وكان يبيع أحسنها في خارج هذه الولايات، وأسوأها لشعبه، ويجني من وراء ذلك أرباحاً طائلة(48). وكان قد تعلّم هذه الحيلة من حكام زمانه مثل فيرانتي صاحب نابلي، وفي ظننا أنه لم يطلب لنفسه أكثر مما كان يطلبه غيره من الأفراد المحتكرين لو كانوا في مكانه؛ ذلك أن من قوانين علم الاقتصاد غير المسطورة أن ثمن أية سلعة إنما يعتمد على غفلة المشتري. ولكن الفقراء تذمروا - وإنّا لنغفر لهم تذمرهم - لأنهم رأوا أن جوعهم يتخذ وسيلة لإشباع ترف آل رياريو. وخلّف سكستس وراءه رغم هذه وغيرها من الأساليب التي اتبعها لجمع المال، ديوناً يبلغ مجموعها 150.000 دوقة (3.750.000؟ دولار).

وكان ينفق قدراً كبيراً من دخله على الفن والأشغال العامة؛ وقد حاول عبثاً أن يجفف المستنقعات الموجودة حول فولنيو، وكان يحلم على الأقل بتجفيف مستنقعات بنتيني Pontine، وأمر بتخطيط شوارع روما الكبرى من جديد وجعلها مستقيمة خالية من الالتواء، ووسّعها، ورصفها،وأصلح موارد مياه الشرب، وأعاد بناء الجسور، والسوار، والأبواب، والأبراج، وأقام على نهر التيبر جسر سستو Ponte Sisto المسمى باسمه، وشاد مكتبة جديدة للفاتيكان ومن فوقها معبد سستيني، وأنشأ مرنمة سستيني Cistine Choir، وأعاد بناء مستشفى سانتو اسبريتو Santa Spirito المخرب الذي كان يبلغ 365 قدماً في الطول ويتسع لألف مريض. وأعاد تنظيم جامعة روما وفتح للجمهور متحف الكبتولين الذي أنشأه بولس الثاني قبله، فكان هذا المتحف بذلك أول المتاحف العامة في أوربا. وشيدت في أيام ولايته،وبتوجيه بتيشيو بنتيلي في الغالب، كنيستا سانتا ماريا دلا باتشي Santa Maria della Pace وسانتا ماريا دلا بوبولو Santa Maria della Popolo، ورممت كنائس أخرى كثيرة. ونحت مينو دا فيسولي Mino da Fiesole واندريا برنيو Andrea Bregno في كنيسة سانتا ماريا دلا بوبولو قبراً فخماً للكردنال كرستوفورو دلا روفيري Cristoforo della Rovere (حوالي 1477) كما صور بنتو رتشيو في كنيسة سانتا ماريا ببلدة إراكوئيل Aracoeli حياة القديس برنردينو السنائي مظلمات من أجمل ما وجد من المظلمات في روما (حوالي 1484).

وكان الذي صمم معبد سستينو هو جيوفني ده دلتشي Giovanni de Dolci؛ وكان تصميمه بسيطاً متواضعاً ليقيم فيه البابوات وكبار رجال الدين الصلوات شبه الخاصة. وكان معبداً جميلاً يحتوي على ستر رخامي لحرمه من صنع مينو دا فيسولي، وعلى مظلمات واسعة تقص على الجدار الجنوبي مناظر من حياة موسى،وعلى الجدار الشمالي مناظر مقابلة لها من حياة المسيح. واستدعى سكستس إلى روما لتصوير هذه المناظر أعظم الفنانين في زمانه: بوجينو، وسنيوريلي، وبنتورتشيو، ودومنيكو، وبندتوغرندايو، وبتيتشلي، وكوزيمو روزلي، وبيرو دي كوزيمو.وعرض سكستس جائزة إضافية لأحسن صورة من الصور الخمس عشرة التي رسمها هؤلاء الفنانون هناك. وكان روزلي يدرك تفوق غيره عليه في التصميم فقرر أن يخاطر بكل شيء في سبيل بهجة التلوين؛ وكان زملاؤه الفنانون يسخرون من إسرافه في اللونين اللازوردي والذهبي، ولكن سكستس منحه الجائزة.

واستدعى البابا المحارب مصورين آخرين إلى روما، ونظمهم في نقابة ترعاهم شفيعها القديس لوقا، وكان سكستس هو الذي قام له ملتسو دا فورلي بخير أعماله. فقد جاء هذا الفنان إلى روما حوالي عام 1472 بعد أن درس مع بيرو دلا فرانتشيسكا، وصوّر في كنيسة سانتي أبستولي مظلماً يمثل صعود المسيح أثار حماسة فاساري؛ وقد اختفى هذا المظلم كله ما عدا قطعاً قليلة منه حين جدد بناء الكنيسة في عام 1702 وما بعدها. وصورتا الملك وعذراء البشارة المحفوظتان في معرض أفيزي ظريفتان رقيقتان، وأظرف منهما صورة الملكين الموسيقيين Angeli Musicanti أحدهما يعزف على الكمان والثاني على العود ـ الموجودة في الفاتيكان. وخير ىيات ملتسو الفنية على الإطلاق هي المظلم المصور في مكتبة الفاتيكان، والذي نقل بعدئذ على القماش. وقد صُوّر في هذا المظلم القائم أمام عمد المكتبة المزخرفة وسقفها أصدق تصوير وأقواه ستة أشخاص: سكستس راكعاً، ضخماً، فخماً؛ وعن يمينه بيترو رياري المرح؛ ويقف أمامه جوليانو دلا روفيري القاتم اللون الطويل القامة؛ ويركع أمامه بلاتينا صاحب الجبهة العالية يتلقى أمر تعيينه أميناً للمكتبة، ومن خلفه جيوفني دلا روفيري والكونت جيولامو رياريو؛ تلك صورة حية لحبر كانت أيامه مليئة بالأحداث.

وكانت مكتبة الفاتيكان في عام 1475 تحتوي 2527 مجلداً باللغتين اللاتينية واليونانية، فأضاف إليها سكستس 1100 مجلد غيرها، وفتح لأول مرة أبوابها للجماهير. وأعاد الكتّاب الإنسانيين إلى سابق مكانتهم وإن لم يكن يؤدي إليهم الأموال بانتظام لانشغاله عنهم بغيرهم من الأعمال. واستدعى فيليلفو إلى روما، وظل هذا الرجل رب السيف والقلم متحمساً في مديح البابا حتى تأخر له مرتبه السنوي البالغ 600 فلورين (15.000دولار) واستدعى يوآنس أرجيوبولس Joannes Argyropoulos من فلورنس إلى روما، حيث كانت محاضراته في اللغة اليونانية وآدابها يحضرها الكرادلة، والأساقفة، والطلاب الأجانب مثل ريتشلين. واستدعى سكستس إلى روما كذلك العالم الألماني جوهان مولر رجيو منتانس Johann Muller Regiomontanus ـ وعهد إليه إصلاح التقويم اليولوسي، ولكن مولر توفي بعد عام من مجيئه (1476) وكان لابد أن يتأخر إصلاح التقويم مائة عام أخرى (1582).

ومن أغرب الأشياء أن يصبح راهب من الفرنسسكان وأستاذ للفلسفة واللاهوت أول بابا يوجه النهضة وجهة دنيوية ـ أو إن شئت الدقة أن يصبح أول بابا من بابوات النهضة يهتم أعظم ما يهتم بدعم سلطان البابوية وجعلها أعظم القوة السياسية في إيطاليا. ولعلنا إذا استثنينا حالة فيرارا Ferrara التي أدى حكامها الأمناء ما عليهم من الالتزامات الإقطاعية، قلنا أن سكستس كان محقاً كل الحق في سعيه لأن يجعل الولايات البابوية بابوية بحق، ولأن يجعل روما وما حولها مكاناً أميناً للبابوات.وربما غفر له التاريخ، كما غفر ليوليوس الثاني اتخاذه الحرب وسيلة لبلوغ هذه الغايات. وربما أقر أن دبلوماسيته لم تكن إلاّ إتباعاً للمبادئ التي كانت تسير عليها الدول الأخرى والتي لا تتقيد بالقيود الأخلاقية. ولكن التاريخ لا يجد شيئاً من المتعة في أن يشهد أحد البابوات يأتمر مع المغتالين، ويبارك المدافع، أو يخوض غمار الحرب بقوة ارتاع لها أهل زمانه. لقد كان موت ألف رجل عند كامبومورتو خسارة في الأرواح أكبر مما حدث في أية معركة شبت نارها حتى ذلك الوقت في إيطاليا أثناء النهضة. وكان ممّا زاد انحطاط الأخلاق في بلاط روما التحيز للأقارب بلا مبالاة، وبيع الرتب الكهنوتية بلا حياء، والقصف الفاحش الذي كان سنّة يجري عليها أقارب البابا. بهذه الأساليب وغيرها مهّد سكستس السبيل إلى إسكندر السادس، وكان له نصيب في انحلال إيطاليا الأخلاقي، لأنه استجاب لدواعي هذا الانحلال. وكان سكستس هو الذي نصّب توركويمادا Torquemada رئيساً لمحكمة التفتيش الأسبانية؛ وسكستس هو الذي أثار ما في روما من وباء الهجاء والإباحية فخوّل محكمة التفتيش الحق في أن تحرّم طبع أي كتاب لا ترغب هي في طبعه. وكان خليقاً عند موته بأن يعترف بأنه عاجز عن القيام بأمور كثيرة - ضد لورندسو، ونابلي، وفيرارا، والبندقية، وحتى آل كولنا أنفسهم لم يكونوا قد أخضعوا بعد. لكنه نجح نجاحاً باهراً في ثلاثة أمور: فقد جعل روما مدينة أصح وأكثر جمالاً مما كانت قبله، وحباها بالهواء الطلق الذي أفاد أهلها قوة، وأعاد البابوية إلى مكانها بين أقوى الدول الملكية في أوربا.


الفصل السابع: إنوسنت الثامن 1484-1492

أكدت الفوضى التي ضربت أطنابها في روما بعد موت سكستس عجزه عن بلوغ أهدافه. ذلك أن الفوغاء نهبوا الأهراء البابوية، وسطوا على مصارف الجنويين، وهاجموا قصر جيرولامو رياريو، وجرّد خدّام الفاتيكان هذا القصر من أثاثه، وتسلحت أحزاب النبلاء،وأقيمت المتاريس في الشوارع، واضطر جيرولامو أن يقف حملته على آل كولنا، ويعود على رأس جنوده إلى المدينة، فعاد آل كولنا إلى الاستيلاء على كثير من حصونهم. ودعا مجمع مقدس عاجل في الفاتيكان تبودلت فيه الوعود والرشا(49) بين الكردنال بورجيا والكردنا جوليانو دلا روفيري، وأدت إلى انتخاب جوفاني باتستا تشيبو الجنوي Giovanni Battista Cibo of Genoa وتسمى باسم إنوسنت الثامن.

وكان عند انتخابه في الثانية والخمسين من عمره، طويل القامة، وسيم الطلعة، لطيف المعشر، مسالماً وديعاً إلى حد الضعف، متوسط الذكاء والتجربة، وقد وصفه أحد معاصريه بأنه "غير جاهل كل الجهل"(50). وكان له على الأقل ابن وابنة، ولكنه كان له في أغلب الظن غيرهما من الأبناء(51)، يعترف بهم صراحة، ولمّا ارتدى الثياب الكهنوتية عاش كما يظهر عيشة العزاب. وكان الفكهون من أهل روما يكتبون النكات عن أبنائه، ولكن قل من الرومان من كان يأخذ على البابا هذا الإخصاب في أيام شبابه؛ غير أنهم اعترتهم الدهشة حين احتفل بزواج أبنائه وأحفاده في الفاتيكان.

والحق أن إنوسنت بعد أن صار بابا قد قنع بأن يكون جداً، وأن يستمتع بالحب الأبوي والراحة المنزلية. وقد منح بوليتيان مائتي دوقة لأنه أهدى إليه ترجمة لكتاب هيرودوت، ولكنه فيما عدا هذا قلّما كان يعبأ بالكتّاب الإنسانيين. وظل يعمل على مهل مستعيناً بغيره من الرجال لتجديد بناء روما وتجميلها، فاستخدم أنطونيو بلا يولو في بناء بيت بلفدير في حدائق الفاتيكان، واندريا مانتنيا في تصوير المظلمات في معبد مجاور لهذا البيت؛ لكنه كان في الأغلب الأعم يترك تشجيع الآداب والفنون لكبار الموظفين والكرادلة. وجرى على هذه السنّة نفسها، سنّة ترك الأمور تجري في أعنتها،فهد بشئون السياسة الخارجية إلى الكردنال دلا روفيري، ثم إلى لورندسو ده ميديتشي. وعرض المصرفي الثري أن يزوج ابنته مدالينا Maddelena ذات البائتة الكبيرة من فرانتشيسكو تشيبو ابن البابا؛ ووافق إنوسنت على هذا الزواج، وعقد حلفاً مع فلورنس (1487)، وترك من ذلك الحين الفلورنسي المجرب المسالم يقود السياسة البابوية، واستمتعت إيطاليا بسلم دامت خمس سنين.

وحدثت في عهد جم حادثة. أشبه ما تكون بالتمثيليات المضحكة يستمتع بها أهل زمانه، وكانت من أعجب التمثيليات التي حدثت في التاريخ. وتفصيل ذلك أن بايزيد الثاني وجم ابني محمد الثاني أوقدا نار حرب داخلية بعد موت أبيهما (1481) في نزاعهما على عرش آل عثمان. ولمّا هزم جم في بروصة أراد أن ينجو من القتل بالاستسلام إلى فرسان القديس يوحنا في جزيرة رودس (1482). وأبقاه رئيس الفرسان بيير دو بسون Pieere d'Aubusson عنده يهدد به بايزيد. وارتضى السلطان أن يؤدي إلى الفرسان 45.000 دوقة كل عام لإنفاقها على جم في الظاهر ولكنها في الحقيقة كانت إغراء لهم على ألاّ يشجعوا جم على المطالبة بعرش السلطنة العثمانية، وألاّ يتخذوه عوناً نافعاً لهم في شن حرب صليبية مسيحية على الأتراك. وأراد دوبسون أن يضمن سلامة هذا الأسير الذي يدر المال الكثير فبعثه ليقيم تحت حراسة الفرسان في فرنسا. وعرض كل من سلطان مصر، وفرديناند وإزبلا ملك أسبانيا وملكتها، وماتياس كرفينوس Matthias Corvinus ملك المجر، وفيرانتي Ferrante ملك نابلي، وإنوسنت نفسه، عرض كل واحد من هؤلاء مبالغ طائلة على أوبسون إذا رضى بأن ينقل جم إلى بلده ليكون فيها مشمولاً بعنايته. وفاز البابا إذا رضى بأن ينقل جم إلى بلده ليكون فيها مشمولاً بعنايته. وفاز البابا بذلك لأنه وعد رئيس الفرسان بقلنسوة حمراء فضلاً عن الدوقات، وأنه ساعد شارل الثامن ملك فرنسا على أن يتزوج آن صاحبة بريطاني ويحصل بذلك على هذه المقاطعة لنفسه. وبناء على هذا سار "التركي العظيم" كما كن جم يسمى في ذلك الوقت، في الثالث عشر من شهر مارس عام 1489 في موكب فخم من الفرسان مخترقاً شوارع روما حتى وصل إلى قصر الفاتيكان حيث سجن سجناً يستمتع فيه بضروب الترف والمجاملة. وأراد بايزيد أن يضمن حسن مقاصد البابا فبعث إليه بمرتب ثلاث سنين نفقة لجم، ثم بعث إليه في عام 1492 رأس حربة أكد له أنه هو الذي نفذ في جنب المسيح. وشك بعض الكرادلة في هذا، ولكن البابا أعد العدة لنقل هذا الأثر من أتكونا إلى روما، ولمّا وصل إلى "باب الشعب" (بورتا دل بوبولو Porta del Popolo) تلقّاه هو بنفسه وحمله في موكب فخم رهيب إلى الفاتيكان، ورفعه الكردنال بورجيا عالياً ليعظّمه الناس ثم عاد بعدئذ إلى عشيقته.

وقد وجد إنوسنت صعوبة كبيرة في موازنة دخله ونفقاته رغم المعونة السخية التي يحبا بها السلطان الكنيسة. ولهذا أخذ يجري على الستة التي جرى عليها سكستس الرابع، ومعظم حكام أوربا. فملأ خزانته بالأموال التي كان يتقاضاها من طلاب المناصب الكبيرة، ولمّا وجد ما في هذا من نفع كبير أنشأ مناصب جديدة وعرضها للبيع؛ فرفع أمناء البابوية إلى ستة وعشرين وحصل بذلك على 62.400 دوقة؛ ثم رفع عدد حاملي الأختام، وكان واجبهم الثقيل هو مهر القرارات البابوية بخاتم من الرصاص، إلى اثنين وخمسين، وجنى من ذلك 2500 دوقة من كل واحد عينه في المنصب الجديد. ولقد كان يسع الإنسان ألاّ يرى في هذه الأعمال ما هو أسوأ من ضريبة تؤدي نظير تأمين على منصب لولا أن من أدوا هذا المال لم يكونوا يعوضون أنفسهم عمّا أدوه بمرتبهم الضخم فحسب بل بابتزاز المال بأسفل الطرق في مناصبهم. من ذلك أن اثنين من أمناء البابا أقرّا بأنهما زورا في عامين أكثر من خمسين مرسوماً بابوياً أحلاّ فيها بعضهم من الفروض الدينية؛ وغضب البابا من هذا العمل فأمر بشنق الرجلين وإحراق جثتيهما لأنهما تجاوزا في السرقة الحد الذي يجيز منصباهما (1489)(52). وبدا أن كل شيء في روما يمكن شراؤه، من الإعفاء من الأحكام القضائية إلى مقام البابوية نفسه (53). ويحدثنا أنفيسورا الذي لا يوثق بكثير من أقواله أن رجلاً ضاجع ابنتيه ثم قتلهما قد عفا عنه بعد أداء ثمانمائة دوقة(54). ولمّا سئل الكردنال بورجيا عن السبب في عدم إقامة الحد، أجاب كما تقول الرواية: "إن الله لا يريد أن يموت الآثم، بل يريد أن يعيش ويؤدي الثمن"(55). وكان فرانتشيسكو تشيبو Franceschetto Cibo وغدا مجرداً من الذمة والضمير، وكان يشق طريقه إلى بيوت الأهلين "لأغراض دنيئة"؛ ويحرص على أن يستولي على قدر كبير من الغرامات التي تحصلها المحاكم الكنسية في روما، لينفقه في الميسر. وقد خسر في إحدى الليالي 14.000 دوقة (350.000؟ دولار) كسبها منه الكردنال رفائيلي رياريو Raffaelle Riario، ثم شكا إلى البابا بأنه خدع في اللعب، وحاول إنوسنت أن يسترد له المال، ولكن الكردنال أقر بأنه أنفقه على البلاتسا دلا كنتشيليربا Palazza della Cancelleria الذي كان يشيّده.

وكان تحويل البابوية إلى سلطة زمنية - انهماكها في السياسية، والحرب، وشئون المال ـ سبباً في امتلاء هيئة الكرادلة برجال اشتهروا بمقدرتهم الإدارية، ونفوذهم السياسي، وقدرتهم على أن يؤدوا أثمان مناصبهم. وقد أضاف إنوسنت إلى مجمع الكرادلة ثمانية آخرين كثرتهم غير صالحة قط لشغل هذه المناصب السامية، مع أنه وعد ألاّ يزيد عدد أعضاء هذا المجمع على أربعة وعشرين. وبذلك خلع لقب كردنال على جيوفني ده ميديتشي، وكان كثير من الكرادلة رجالاً متعلمين تعليماً عالياً، خيّرين، مناصرين للآداب، والموسيقى، والتمثيل، والفن. وكانت قلة منهم نقية طاهرة؛ وكان منهم من لم يتجاوزوا المراتب الصغرى في السلك الكهنوتي ولم يصبحوا قسيسين. لكن الكثيرين منهم كانوا رجال دنيا، تتطلب منهم واجباتهم السياسية، والدبلوماسية، والمالية أن يشتغلوا بالشئون الدنيوية، وكانوا قادرين على أن يواجهوا أمثالهم من الموظفين في الحكومات الإيطالية أو حكومات البلاد التي ما وراء جبال الألب بنفس الكفاية العلمية والدهاء السياسي. ومنهم من حذا حذو النبلاء الإيطاليين، فحصنوا قصورهم واحتفظوا برجال مسلحين يحمونهم من هؤلاء النبلاء، ومن غوغاء روما، ومن غيرهم من الكرادلة(57) ولعل باستور Pastor المؤرخ الكاثوليكي العظيم قد أفرط في القسوة بسبب مهامهم الدنيوية حين قال:

لقد كانت المنزلة المنحطة التي وضع فيها لورندسو ده ميديتشي مجمع الكرادلة أيام إنوسنت الثامن قائمة لسوء الحظ على أساس صحيح. فقد كان الكرادلة أسكانيو اسفوؤدسا Ascanito Sforza، ورياريو، وأرسيني واسكا لفيناتوس Scalfenatus، وجان ده لا بالو Jean de la Balue وجوليانو دلا روفيري، وسافلي Savelli، وردريجو بورجيا من أبرز الكرادلة الزمنيين ، سرت إليهم عدوى الفساد الذي كان منتشراً في إيطاليا بين الطبقات العليا في عصر النهضة. فقد أحاطوا أنفسهم في قصورهم الفخمة بأكبر ما تتيحه المدنية الراقية من أعظم ضروب الترف؛ فكانوا يعيشون كما يعيش الأمراء الزمنيون، ويبدو أنهم كانوا يحسبون أن أثوابهم الكهنوتية ليست إلاّ زينة تتطلبها مراتبهم. وكانوا يصيدون، ويقامرون، ويقيمون الولائم وضروب التسلية الفخمة ويشتركون في جميع ضروب المرح التمثيلي الذي تجري به المساخر المقنعة؛ وينغمسون في الفساد الخلقي الطليق من كل قيد؛ وينطبق ذلك أكثر ما ينطبق على ردريجو بورجيا(58). وكان الفساد المنتشر في تلك الطبقة العليا صورة من الفوضى الأخلاقية السائدة في روما كما كان من أسباب انتشارها. فقد كان العنف، واللصوصية، والسلب والنهب، والرشوة، والتآمر، والانتقام من الأعمال اليومية العادية. وكان كل صباح يكشف في الأزقة عن رجال قتلوا في أثناء الليل. وكان قطاع الطرق يترصدون الحجاج وسفراء الدول، ويجردونهم أحياناً من ثيابهم حين يقتربون من عاصمة العالم المسيحي(59). وكانت النساء يهاجمن في الشوارع وفي البيوت. وسرقت قطعة من الصليب الحق مغلفة بالفضة من مكان المقدسات في كنيسة سانتا ماريا في تراستيفيري Trastevere، ثم وجد خشبه مجرداً من غلافه الفضي في كرمة(60). وكان هذا التشكك الديني واسع الانتشار؛ وشاهد ذلك أن أكثر من خمسمائة أسرة في روما أدين أفرادها بالإلحاد في الدين ثم عفي عنهم بعد أن أدوا غرامات. ولعل حكومة البابا المأجورة في روما كانت خيراً من محكمة التفتيش المأجورة السفاحة التي كانت أعمالها تروع أسبانيا في تلك الأيام. وحتى القساوسة أنفسهم لم يكونوا مبرئين من الشكوك الدينية، من ذلك أن أحدهم قد اتّهم بأنه استبدل بعبارة التجسد الواردة في القداس عبارة أخرى من عنده تقول: "أيها المسيحيون البلهاء، يا من تعبدون الطعام والشراب وتتخذونهما إلهين من دون الله!"(61).

ولما قربت ولاية البابا إنوسنت من نهايتها ظهر المتنبئون يلعنون اقتراب القيامة، وعلا في فلورنس صوت سفنرولا يصم ذلك العهد بأنه عهد المسيح الدجال.

وفي ذلك يقول أحد الإخباريين: "في العشرين من شهر سبتمبر حدث اضطراب شديد في مدينة روما، أغلق التجار على أثره حوانيتهم، ورجع من كانوا في الحقول والكروم إلى بيوتهم مسرعين؛ وكان سبب ذلك ما أعلن من أن البابا إنوسنت قد مات"(62). ورويت قصص غريبة عمّا حدث في ساعات وفاته، فقيل إن الكرادلة وضعوا جم تحت حراسة خاصة خشية أن يستحوذ عليه فرانتيسكتو تشيبو، وإن الكردناليين يورجيا ودلا روفيري كادا يتلاكمان إلى جانب سرير الميت. وإنفيسورا الذي لا يوثق بأقواله هو مصدر الرواية القائلة إن ثلاثة أولاد ماتوا من كثرة ما نقل من دمائهم إلى البابا المحتضر أملاً في إنقاذ حياته(63). وأوصى إنوسنت بثمانية وأربعين ألف دوقة (600.000؟ دولار) لأقاربه، ومات ودفن في كنيسة القديس بطرس؛ وغطى أنطونيو بلايونو خطيئاته بضريح فخم.