افتح القائمة الرئيسية

قصة الحضارة - ول ديورانت - م 2 ك 3 ب 14

قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> زينة الحياة الدنيا


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الباب الرابع عشر: الفن اليوناني في عصر بركليز

الفصل الأوّل: زينة الحياة الدنيا

تقول إحدى الشخصيات في كتاب "الاقتصاد" لزنوفون: "جميل أن ترى الأحذية مرتبة في صف حسب أنواعها، وجميل أن ترى الثياب والأغطية مقسمة حسب منافعها، وجميل أيضاً أن ترى أواني الطبخ مرتبة بذوق وتنسيق، وإن سخر من ذلك الثرثارون المتفيهقون. أجل إن الأشياء جميعها بلا استثناء يزداد جمالها إذا نُسقت وصُفت بانتظام. فهذه الأواني كلها تبدو حينئذ كأنها مجموعة متناسقة يكمل بعضها البعض. ومركزها المتكون منها جميعاً يخلق فيها جمالاً يزيده بُعد القطع الأخرى من المجموعة. هذه الفقرة التي كتبها قائد حربي تكشف عن مدى إحساس اليونان بالجمال، وعن بساطة هذا الإحساس وقوته. وهذا الإحساس بأهمية الشكل والتناسق، وبالدقة والوضوح، وبالتناسب والنظام، هو العامل الأساسي في الثقافة اليونانية، وتراه واضحاً في شكل كل وعاء ومزهرية ونقشهما، وفي كل تمثال وصورة، وكل معبد وقبر، وكل قصيدة ومسرحية، وفي كل مؤلف يوناني في العلم والفلسفة. إن الفن اليوناني هو العقل مجسماً واضحاً، والتصوير اليوناني هو منطق الخطوط، والنحت اليوناني هو عبادة التناسب، والعمارة اليونانية هي الهندسة الرخامية. ليس في الفن البركليزي مغالاة في العواطف، ولا شذوذ في الشكل أو محاولة تهدف إلى التجديد عن طريق الغريب غير المألوف ، وليس الغرض الذي يرمي إليه هو تمثيل ما في الحقائق الواقعية من الخلط وعدم التناسق، بل الغرض من هذا الفن هو الاستحواز على جوهر الأشياء الذي ينيرها، وتصوير إمكانيات الناس المثالية. ولقد استحوز السعي للحصول على الثراء والجمال والمعرفة على عقول الأثينيين فشغلهم عن التفكير في التقي والصلاح، وفي ذلك يقول أحد المدعوين إلى وليمة عند زنوفون: "قسماً بالآلهة جميعهم أني لو أعطيت كل ما لملك الفرس من سلطان لفضلت عليه الجمال"(3). ولم يكن اليوناني، مهما تكن الصورة التي يرسمها له الروائيون في العصور التي هي أقل من عصره رجولة، عابداً مخنثاً للجمال، أو إنساناً يستخفه الطرب ويتغنى بأسرار الفن حباً في الفن، بل كان يُخضِع الفن في فكره للحياة، ويفكر في الحياة على أنها أعظم الفنون على الإطلاق. وكان ذا نزعة نفعية تميل به عن الجمال الذي لا نفع فيه، وكان النافع والجميل والطيب مرتبطة كلها في تفكيره ارتباطها في فلسفة سقراط وكان يرى أن الفن هو قبل كل شيء تجميل طرق الحياة ووسائلها. فكان يتطلب أن تكون آنيته ومصابيحه، وصناديقه ونضده، وسرره وكراسيه نافعة وجميلة معاً، وألا تبلغ من الرشاقة والجمال حداً يفقدها صلابتها. وكان وضوح "إدراكه للدولة" يوحد بينه وبين قوة المدينة وعظمتها، فاستخدم من ثم آلاف الفنانين لتجميل أماكنها العامة، وتعظيم أعيادها، وإحياء تاريخها. وأهم من هذا كله أنه كان يحرص على أن يكرم آلهته، ويستجلب عطفهم ورضاهم، ويعبر عن شكره لهم لما وهبوه من حياة أو نصر. وكان يهدي إليهم النذور من الصور والتماثيل، ويهب الهياكل الشيء الكثير من ماله، ويستأجر الفنانين لينحتوا صور آلهته أو موتاه في الحجارة. ومن أجل هذا لم ينشأ الفن اليوناني ليوضع في المتاحف فيتردد عليها الناس ليتأملوه في اللحظات القليلة التي يشعرون فيها بالرغبة في إشباع حاسة الجمال، ولكنه نشأ لكي يخدم مصالح الناس ومشروعاتهم الحقيقية. ولم يكن ما صاغه من تماثيل لأبلو قطعاً متينة من الرخام تُصَفّ في معرض للفن، بل كانت صوراً تمثل أرباباً محبوبة، ولم تكن المعابد أماكن يعجب بها الزائرون، بل كانت مواطن لهذه الأرباب الحية، ولم يكن الفنان في المجتمع الأثيني ناسكاً يعتزل الناس مفلساً عاكفاً في مرسمه، يعبر عما في نفسه بلغة لا يفهمها المواطن العادي، بل كان في حقيقة أمره صانعاً ماهراً، يشتغل مع عمال من جميع الدرجات بعمل عام يفهمه جميع الناس. وقد جمعت أثينة من جميع أنحاء اليونان طائفة من الفنانين، ومن الفلاسفة والشعراء، أكبر مما جمعته أية مدينة أخرى في العالم إذا استثنينا رومة في عهد النهضة. وكان هؤلاء الناس يتنافسون أشد التنافس ويتعاونون فيما بينهم في ظل حكم مستنير، وبفضل هذين التنافس والتعاون حققوا إلى حد كبير أحلام بركليز. والفن يبدأ في المنزل وبشخص الفنان. فالناس يصورون أنفسهم قبل أن يصوروا شيئاً آخر، ويزينون أجسامهم قبل أن يزينوا بيوتهم. فالحلي، كأدهان الزينة، قديمة العهد قدم التاريخ نفسه. ولقد برع اليوناني في قطع الجواهر ونقشها، وكان يستخدم في هذا العمل آلات بسيطة من البرونز، كالمثاقب البسيطة والأنبوبية، وحجر الجلخ، ومادة للصقل مكونة من (الصنفرة) والزيت(5). ولكن عمله مع هذا كان يبلغ من الدقة والإتقان درجة يحتاج إنجاز دقائقها، في أكبر الظن، إلى منظار كبير بلا ريب لتتبع هذه الدقائق(6). ولم تكن النقود على درجة كبيرة من الجمال في أثينة حيث كانت صورة البومة الكئيبة هي التي تنقش على معظم النقود.

وكانت إليس صاحبة الزعامة على جميع مدن اليونان الأصلية في هذا الميدان، ثم أصدرت سرقوسة في أواخر القرن الخامس قطعة ذات عشر درخمات لم تفقها قط قطعة أخرى في جمالها الفني. وقد احتفظ فنانو كلسيس بزعامة المدن اليونانية في النقش على المعادن، وكانت كل مدينة في حوض البحر الأبيض المتوسط تعمل للحصول على أدواتها الحديدية، والنحاسية، والفضية. وكانت المرايا اليونانية أبعث للسرور مما تستطيعه معظم المرايا بطبيعتها، ذلك أن الإنسان إن لم يكن في وسعه أن يرى خياله واضحاً كل الوضوح في سطح من البرونز المصقول، فإن المرايا نفسها كانت على أشكال مختلفة جذابة، وكثيراً ما كانت منقوشة نقشاً متقناً بديعاً، وكانت تحملها تماثيل الأبطال، أو النساء الحِسان، أو الآلهة. وظل الفخرانيون يمارسون صنع الأشكال ويتبعون الأساليب التي كانت لديهم في القرن السادس محتفظين بهزلهم ومنافساتهم التقليدية. وكانوا أحياناً ينقشون على الآنية قبل إحراقها كلمة حب يوجهونها إلى غلام، وقد جرى فدياس نفسه على هذه العادة حين حفر على إصبع الصورة التي صنعها لزيوس: "إن بنتاركس جميل". وفي النصف الأول من القرن الخامس وصل طراز الصور الحمراء ذروته في مزهرية أخيل وبنثيسليا، وكأس إيسوب والثعلب المحفوظ في متحف الفاتيكان، وصورة أرفيوس بين التراقيين المحفوظة في متحف برلين. وأجمل من هذه كلها قوارير الدهن البيضاء التي صنعت في منتصف ذلك القرن. وكانت هذه القوارير الرفيعة تصنع للموتى خاصةً وتدفن معهم عادةً، أو تلقى فوق كومة الحطب التي تحرق عليها أجسامهم حتى يمتزج ما فيها من الزيت المعطر بلهب الحطب. وحاول ناقشو المزهريات أن يكونوا مستقلين فرديين في عملهم، وكانوا أحياناً ينقشون على الآنية قبل إحراقها موضوعات لو رآها فنانو العصر القديم المحافظون لأثارت دهشتهم. من ذلك أن مزهرية رسمت عليها صورة شبان يعانقون بعض عشيقاتهم بلا حياء، ورسم على مزهرية أخرى رجال يتقايئون وهم خارجون من وليمة، وعلى مزهريات غير هذه وتلك صور تمثل كل ما يستطاع عمله في شئون التربية الجنسية(8). وقد ترك صناع المزهريات في عصر بركليز - بريجوس Brygys. وسوتاديز، وميدياس - الأساطير القديمة واختاروا لهم مناظر من حياة الناس في عصرهم، وأكثر ما كانوا يسرون منه حركات النساء الرشيقة، ولعب الأطفال الطبيعي. وكانوا أصدق في رسمهم من سابقيهم: فكانوا يظهرون من الجسم منظره الجانبي أو يظهرون ثلاثة أرباع منظره الكامل، وكانوا يبينون الضوء والظل باستعمال محلول للطلاء الزجاجي خفيف أو غليظ، ويرسمون الصور بحيث تبين الخطوط الخارجية والعمق وثنايا أثواب السيدات. وكانت كورنثة وجيلا الصقلية مركزين لطلاء المزهريات الدقيقة التي كانت تصنع في ذلك العهد، ولكن أحداً لم يكن يشك في تفوق الأثينيين على كل من عداهم في هذه الناحية. ولم يكن الذي انتزع السيادة من فخراني السرمكس (حي الفخرانيين في ضواحي أثينة) هو منافسة غيرهم من الفخرانيين، بل كان قيام فن النقش المنافس لفنهم هذا. وحاول رسامو المزهريات أن يردوا هذا الهجوم بتقليد موضوعات النقاشين على الجدران وطرزهم، ولكن أذواق العصر لم تكن معهم، وأخذ فن الفخراني يتحول شيئاً فشيئاً في خلال القرن الرابع من فن جميل إلى صناعة تسد حاجة الناس.


الفصل الثاني: نشأة فن التصوير

اجتاز تاريخ التصوير اليوناني خمس مراحل، ففي القرن السادس كان معظمه يهدف إلى تزيين الخزف وبخاصة المزهريات، وفي القرن الخامس كان أهم ما يعنى به العمارة وبخاصة طلاء المباني العامة والتماثيل بالألوان المختلفة، وفي القرن الرابع كان يحوم حول المنازل والأفراد فيزين المساكن ويرسم الصور، وفي العصر الذي اصطبغت فيه البلاد الخارجية بالصبغة اليونانية كان معظمه فردياً يخرج صوراً تباع لمن يرغب فيها من الأفراد. وقد بدأ فن التصوير اليوناني حين تفرع من الرسم العادي وبقي إلى آخر مراحله رسماً وتخطيطاً في أساسه وجوهره، وقد استخدم في تطوره ثلاث طرق: طريقة المظلمات أو التصوير على الجص الطري، وطريقة الطلاء المائي أو التصوير على الأقمشة أو الألواح المبللة بألوان ممزوجة بزلال البيض، وطريقة تثبيت الرسوم بالحرارة وذلك بمزج الألوان بالشمع المذاب، وكانت هذه الطريقة الأخيرة أقرب ما وصل إليه الأقدمون إلى طريقة التصوير بالزيت. ويؤكد لنا بلني - وهو الذي لا يقل أحياناً عن هيرودوت رغبة في تصديق كل ما يسمع - أن فن التصوير قد تقدم في القرن الثامن تقدماً جعل كندولس Candaules ملك ليديه يبتاع صورة من صنع بولاركس Bularchus بمثل وزنها ذهباً(9). لكن بداية كل الأشياء غامضة. وفي وسعنا أن ندرك ما كان لهذا الفن من الشهرة في بلاد اليونان إذا علمنا أن بلني قد خصه من صفحاته بأكثر مما خص به النحت. ويبدو أن الرسوم الجيدة التي أنتجها عصر اليونان الذهبي كانت موضع النقاش من النقاد وموضع الإجلال من الشعب وأنها لم تكن تقل في هذين عن أعظم نماذج فنّي العمارة والنحت(10).

ولم يكن بولجنوتس Polygnotus الثاسوسي أقل شهرةً في بلاد اليونان في القرن الخامس من إنكتينس Inctinus أو فدياس. ونجد هذا المصور في أثينة في عام 472، ولعل سيمون الثري هو الذي توسط له فكلف بتزيين عدة مبانٍ عامة ورسم صورٍ على جدرانها . وقد صور في ذلك العهد على الاستوا Stoa، التي سميت من ذلك الحين البوسيلي Boecile أو الرواق المصور، والتي اشتق منها بعد ثلاثة قرون اسم فلسفة زينون ، صور عليها منظر نهب طروادة - ولم يكن ذلك المنظر منظر المذبحة الرهيبة التي حدثت في ليلة النصر، بل كان منظر السكون الرهيب الذي ساد المدينة في صباح اليوم الثاني، والمنتصرون قد هدأ من سورتهم ما يحيط بهم من الخراب، والمغلوبون ملقون على الأرض هادئين. وقد رسم على هيكل الديسكوريين صورة اغتصاب اللوسيبيديات. وكان تصويره النساء في أثواب شفافة سابقة احتذاها من جاء بعده من الفنانين. ولم تثر هذه البدعة ثائرة المجلس الأمفكتيوني، بل إن هذا المجلس دعا بولجنوتس إلى دلفي حيث صور في اللسكي Lesche أو ردهة الاستراحة صورة أوديسيوس في الجحيم وصورة أخرى لانتهاب طروادة. وكانت هذه الصور كلها مظلمات كبيرة خالية من المناظر الطبيعية أو الخلفيات، مزدحمة بصور الأشخاص إلى حد كان لا بد معه أن يستعان بعدد كبير من المساعدين ليرسموا بالألوان ما بين الخطوط الخارجية التي خططها المصور بعناية فائقة. أما الصورة الجدارية التي تمثل طروادة فكان فيها بحارة متلوس على أهبة الإبحار عائدين إلى بلاد اليونان، وكانت هلن تجلس في وسط الملاحين، ومعها كثيرات غيرها من النساء ولكنهن كن جميعاً يبهرهن جمالها الفتان، ووقفت أندرمكي في إحدى الزوايا محتضنة استيانكس, ووقف في زاوية أخرى غلام صغير يتعلق بمذبح من شدة الخوف, وعلى بعد من البحارة كان جواد يتمرغ على رمال الشاطئ(12). في هذه الصورة كانت مسرحية "الطرواديات" قبل أن يكتبها يوربديز بخمسين عاماً. وأبى بولجنوتس أن يتقاضى أجراً على عمله هذا, ووهب الصور لأثينة ودلفي كرماً منه وثقة بقدرته ومواهبه. وأعجبت بلاد اليونان كلها بعمله, ومنحته أثينة مواطنيتها. وقرر المجلس الأمفكتيوني أن يحل ضيفاً على حساب الدولة في كل مدينة يونانية ينزل بها( كما كان يريد سقراط لنفسه ), ولم يبق من آثاره كلها إلا قطعة صغيرة من اللون على جدار في دلفي تذكرنا بأن الخلود الفني ليس إلا لحظة عابرة في حساب الأزمنة الجيولوجية. وفي عام 470 ق.م أقامت دلفي وكورنثة مباريات دورية في التصوير تعقد كل أربع سنين لتكون جزءاً من الألعاب البيئية والبرزخية. وتقدم الفن وقتئذ تقدماً أمكن بانينس شقيق فدياس (أو ابن أخيه ) أن يرسم صوراً لقواد الاثينيين والفرس في واقعة مرثون يمكن تمييز أشخاصهم فيها. ولكنه كان حتى ذلك الوقت لا يزال يضع الأشخاص المصورين جميعهم في مستوى واحد ويجعل طول قامتهم كلهم واحداً, ولم يكن يمثل البعد بتصغير حجم الأشخاص شيئاً فشيئاً وبتنظيم الضوء والظل, بل كان يمثله بالخطوط المنحنية التي تمثل الأرض الواقفين عليها. ثم تقدم الفن في عام 440 خطوة هامة. ذلك أن أجاثاركس suhcrahtagA، الذي استخدمه إسكلس وسفكليز ليرسم مناظر مسرحياتهما تبين أن ثمة علاقة بين الضوء والظل من جهة والبعد من جهة أخرى، وكتب رسالةً في الفن المنظور بوصفه وسيلة لإيجاد الخداع المسرحي. وعالج أنكساغوراس ودمقريطس الفكرة من الناحية العلمية، فلما أوشك القرن على نهايته اشتهر أبلودورس Apollodorus الأثيني باسم اسكياجرافوس Skiagraphos أي مصور الظلال، لأنه رسم صوراً استخدم فيها الضوء والظل، ولذلك قال عنه بلني إنه كان "أول من رسم الأشياء كما تبدو حقاً"(14). على أن المصورين اليونان لم يفيدوا من هذه الاستكشافات فائدة تامة، فكما أن صولون كان يسخر من الفن المسرحي ويعتقد أنه خداع، فكذلك يبدو أن الفنانين كانوا يرون أنه لا يليق بهم وأنه يحط من كرامتهم أن يظهروا السطح المستوي بمظهر الجسم ذي الثلاثة الأبعاد. ولكن فن المنظور وتوزيع الضوء والظل هما اللذان رفعا من شأن زكسيس Zeuxis تلميذ أبلودورس وجعلاه أعظم المصورين في القرن الخامس. وقد قدم زكسيس من هرقلية (بنتيكا Pontica) إلى أثينة حوالي 424 ق.م، وعد مجيئه إليها حادثاً تاريخياً خطيراً رغم ضجيج الحرب القائمة وقتئذ. وكان "شخصاً" جريئاً مغروراً بنفسه، يصور تصوير المغرورين. وكان في الألعاب الأولمبية يتبختر في قباء ذي مربعات طرز عليها اسمه بالذهب، وكان في مقدوره أن يكون له مثل هذا القباء لأنه كان وقتئذ قد جمع "من عمله ثروةً طائلة"(15). ولكنه كان يعمل بعناية الفنان العظيم وإخلاصه، ولما أن أخذ اجاثاركس Agatharchus يزدهي بسرعته في التصوير رد عليه زكسيس في هدوء: "إني أحتاج إلى وقت طويل". وتخلى عن عدد كبير من روائع صوره بحجة أنها لا تقدر بثمن مهما عظم، وكان الملوك يعدون أنفسهم سعداء حين يحصلون عليها، ولم تكن المدن أقل حرصاً على اقتنائها من الملوك. ولم يكن له في جيله إلا منافس واحد هو برهسيوس Parrhassius الإفسوسي الذي لا يكاد يقل عنه في عظمته، ولم يكن بالتأكيد أقل منه عجباً بنفسه. وكان برهسيوس يضع على رأسه تاجاً من الذهب ويلقب نفسه "أمير المصورين"، ويقول أنه أوصل الفن إلى درجة الكمال(17). وكان يعمل هذا كله في مرح ومزاح ويغني وهو يرسم(18). وتقول الشائعات أنه اشترى عبداً وعذبه لكي يدرس عليه ما يبدو على وجهه من مظاهر الألم فيستطيع أن يرسم صورة بروميثيوس(19). وما أكثر القصص التي يتناقلها الناس عن الفنانين. وكان برهسيوس واقعياً مثل زكسيس. وقد بلغ من الصدق صورة العداء وإتقانها أن الناظرين إليها كانوا يتوقعون أن يروا العرق يتصبب من الصورة، وأن يروا العداء نفسه يسقط من فرط الإعياء. ومن صوره صورة كبرى على جدار، هي صورة أهل أثينة يمثلهم فيها قساة ورحماء، متكبرين وأذلاء، متوحشين وجبناء، متقلبين وكرماء، ويبلغ من أمانته في هذه الصورة أن الجمهور الأثيني - على ما تقول الرواية - أدرك لأول مرة ما في طباعه من تعقيد و تناقض(20). وأدى التنافس الشديد بينه وبين زكسيس Zeuxis إلى اشتراك الرجلين في مباراة عامة. ذلك أن زكسيس رسم بعض عناقيد العنب رسماً بلغ من إتقانه ومشابهته للعنب الطبيعي أن الطيور حاولت أكله. وأعجب المحكمون أشد الإعجاب بهذه الصورة، ووثق زكسيس من الفوز وثوقاً جعله يأمر برهسيوس أن يزيح الستار الذي يخفي وراءه الصورة التي رسمها الفنان الإفسوسي، فلما تبين أن الستار جزء من الصورة، وأن زكسيس نفسه قد خدع اعترف في غير حقد بهزيمته. ولم يفقد زكسيس بهذا شيئاً من شهرته، فقد اتفق في كرتونا على أن يرسم صورة لهلن توضع في معبد هيرا اللسينية Lacinian Hera، على شريطة أن تقف أمامه عاريات أجمل خمس نساء في المدينة، ليختار من كل واحدة منهن أجمل ما فيها، ثم يجمع مما أخذه منهن صورة ثانية لربة الجمال(21). وحييت بنلبي بفضل تصويره حياة جديدة، ولكن أكثر ما كان يعجب به من صُوَره صورة رياضي كتب تحتها يقول إن الناس يجدون نقده أيسر عليهم من مجاراته. وكانت بلاد اليونان كلها تسر من غروره وتتحدث عنه بقدر ما تتحدث عن أي كاتب مسرحي، أو حاكم سياسي، أو قائد حربي. ولم يكن أحد أوسع منه شهرةً إلا المتبارون لنيل الجوائز الرياضية.



 صفحة رقم : 2208   



قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> أساتذة النحت -> أساليبهم


الفصل الثالث



أساتذة النحت



1- أساليبهم


على أن التصوير بقى رغم هذا التفوق غريباً على العبقرية اليونانية التي كانت تحب الشكل أكثر مما تحب اللون، والتي جعلت تصوير العصر الذهبي (إذا حكمنا عليه بأقوال الناس فيه) دراسة في الجماد للخطوط والتصميم لا إدراكاً حسياً لألوان الحياة. أما ما كان يولع به الرجل اليوناني ويسر منه فهو منتجات النحت، ولذلك كان يملأ بيته، وهياكله، وقبوره، بتماثيل صغيرة من الطين المحروق، ويعبد آلهته بتصويرها في الحجارة، ويقيم على قبور موتاه ألواحاً منقوشة تعد من أكثر منتجات الفن اليوناني وأوقعها في النفس. وكان العمال الذين ينقشون هذه الألواح من الصناع غير ذوي الحذق، ينقشون ما حفظوه عن ظهر قلب، ويكررون ألف مرة الموضوع المألوف، موضوع فراق الأحياء للأموات فراقاً هادئاً وأيدي الأحياء مقبوضة. غير أننا يجدر بنا أن نذكر أن في هذا الموضوع من النبل ما يحتمل التكرار. لأنه يظهر ما اتصف به خلائق العصر الذهبي من ضبط للنفس في أحسن صوره، ويعلم النفس المرهفة الحس أن الشعور يبلغ أقصى قوته حين يعبر عن نفسه بصوت هادئ منخفض. وتظهر هذه الألواح الموتى, أكثر ما تظهرهم, يعملون عملاً من أعمال الحياة الدنيا - كطفل يلعب بالطوق, وبنت تحمل إبريقاً, ومحارب يعجب بعدته الحربية, وفتاة تفخر بحليها, وغلام يقرأ كتابه وكلبه راقد تحت مقعده



 صفحة رقم : 2209   



قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> أساتذة النحت -> أساليبهم


راضٍ بموضعه ولكنه يرقب سيده.وتظهر هذه الألواح الموت مظهر الحادث الطبيعي، وهو لذلك عندهم شيء يمكن العفو عنه، وعدم الحقد عليه. وأكثر من هذه الألواح تعقيداً ما خلفه هذا العصر من نقوش محفورة هي أرقى ما وجد من نوعها، ويمثل أحدها أرفيوس يلقي نظرة وداع طويلة على يورديس Eurydice التي استردها هرمس إلى العالم السفلي(22). وفي نقشٍ ثانٍ نرى دمتر تعطي تربتولموس الحية الذهبية التي يستحدث بها فن الزراعة في بلاد اليونان، ولا يزال بعض اللون في هذا النقش لاصقاً في الحجر، يوحي بما كان عليه النقش اليوناني في العصر الذهبي من روعة وصدق تعبير(23). وأجمل من هذين النقشين مولد أفرديتي الذي حفره على أحد أوجه "عرش لدفيزي" حفار غير معروف لعله تدرب على فنه في أيونيا. وترى فيه إلهتان ترفعان أفرديتي من البحر، وثوبها الرقيق المبلل ملتصق بجسمها، يظهر كل ما فيه من روعة الأنوثة الناضجة. ورأسها شبيه بعض الشبه برؤوس الآسيويات، ولكن أثواب من يرافقنها من الإلهات ووقفتهن الرشيقة الجميلة عليهما طابع العين واليد اليونانيتين الحساستين. وعلى جانب آخر من جوانب العرش نقشت فتاة عارية تعزف على القيثارة المزدوجة، وعلى جانب ثالث امرأة تعد مصباحها لتضيء به ظلمة المساء، ولعل وجه هذه المرأة وأثوابها أقرب إلى الكمال مما على الجانب الرئيسي للعرش. ويدهش الإنسان حين يرى رقي مَثالي القرن الخامس عن أسلافهم. ففي هذا القرن لم يعد المثالون يظهرون المنظر الأمامي، وفيه يصبح فن المنظور عظيم الأثر إذ يمثل الأشياء كأنها بارزة نحو الناظر إليها وتحل فيه الحركة محل



 صفحة رقم : 2210   



قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> أساتذة النحت -> أساليبهم


السكون،والحياة محل الجمود. والحق أن المَثال اليوناني حين يخرج عن العرف القديم ويصور الإنسان يتحرك إنما يحدث ثورة في الفن. ذلك أننا قلما نعثر قبل ذلك العهد، في مصر أو في الشرق الأدنى أو في بلاد اليونان نفسها قبل مرثون، على مَثال ينحت إنساناً يتحرك. وكان من أهم أسباب هذا التطور ما امتازت به الحياة اليونانية بعد سلاميس من حيوية جديدة ونشاط لم يكن لها من قبل، ولكن أكبر الفضل فيه إنما يرجع إلى دراسة الفنان وتلاميذه للتشريح الحركي في صبر وأناة أجيالاً طوالاً. انظر إلى سؤال سقراط المَثال الفيلسوف: "أليس الذي يجعلك تظهر تماثيلك كأنها أشخاص حية هو أنك تنحتها على مثال الكائنات الحية نفسها؟...وإذ كانت مواقفنا المختلفة تؤثر في بعض عضلات أجسامنا فيرتفع بعضها وينخفض البعض الآخر، وبذلك ينقبض بعضها وينبسط البعض، وتلتوي هذه وترتخي تلك، إذ كان هذا يحدث أليس تعبيرك عن هذه الجهود هو الذي يجعلك تظهر ما تنحته صادق التعبير عن الحقيقة"(24). لقد كان المَثال في عهد بركليز عظيم الاهتمام بكل جارحة من جوارح الجسم لا تقل عنايته بالبطن من عنايته بالوجه، يعبر أقل تعبير عن حركات اللحم المرن على الهيكل العظمي المتحرك، وعن انتفاخ العضلات، والأوتار، والأوعية، وعما في تركيب اليدين والأذنين والقدمين من عجائب تجل عن الحصر، ويفتتن بما يلقى من الصعاب في تمثيل أطراف الجسم. ولم يكن في غالب الأحيان يستخدم نماذج حية تقف أمامه في مَنْحَته، بل كان يكتفي في أكثر الأوقات بملاحظة الرجال عارين نشطين في مدارس الألعاب وميادينها، وملاحظة النساء يمشين في وقار في المواكب الدينية أو ينهمكن إنهماكاً طبيعياً في أعمالهن المنزلية. ولهذا السبب، لا لحيائه، نراه يركز دراسته للتشريح على الرجال دون النساء، ونراه في تصويره للنساء يستبدل بدقة التشريح الجسمي تمثيل دقائق الثياب أحسن



 صفحة رقم : 2211   



قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> أساتذة النحت -> أساليبهم


تمثيل - وإن كان يجعل الملابس شفافة إلى أبعد حد تمكنه منه جرأته. وكأن هذا الفنان قد مل رؤية أنصاف الثياب السفلى الجامدة التي يشاهدها على تماثيل مصر واليونان في عهدهم الأقدم، فتاقت نفسه إلى إظهار ملابس النساء يلعب بها النسيم لأنه في هذا الوضع أيضاً قد أدرك خصائص الحركة والحياة. وهو لا يكاد يترك أية مادة تقع في يده ويستطيع استخدامها في فنه إلا استخدامها - من خشب، وعاج، وطين محروق، وحجر جيري، ورخام، وفضة، وذهب. وهو يستخدم أحياناً الذهب لصنع الثياب، والعاج لصنع الجسم، كما فعل فدياس في تماثيله الذهبية العاجية. وكان البرونز هو المادة المحببة لمَثال البلوبونيز، لأنه يعجب بألوانها القاتمة التي تصلح كل الصلاحية لتمثيل أجسام الرجال الذين لوحتهم الشمس وهم عراة، وكان لجهله بجشع الإنسان يظن أنه أبقى على الدهر من الحجارة. أما في أيونيا وأتكا فكان يفضل الرخام، لأن ما يلقاه فيه من صعوبة يستثير همته، ولأن ما فيه من صلابة يمكنه من أن ينحته بإزميله وهو آمن، وكأن نعومته ونصف شفافيته قد خلقا لتمثيل لون النساء الوردي ورقة أجسامهن. وقد كشف المَثال بقرب أثينة رخام جبل بنتلكس Pentelicus، ولاحظ أن ما فيه من حديد ينضجه طول الزمان والعوامل الجوية فيبدو للرائي وكأنه عرق من الذهب يتلألأ في وسط الحجر، وأفلح بفضل ما وهب من الصبر، وهو نصف العبقرية، في أن ينحت على مهل من المحاجر تماثيل حية. ومَثال القرن الخامس حين يعمل في البرونز يستخدم طريقة الصب الأجوف بالعملية المعروفة بعملية الشمع المفقود Cire Perdu، وذلك بصنع نماذج من الجبس أو الصلصال للتمثال الذي يريد صبه، ثم يغطيه بطبقة رقيقة من الشمع، ويغطى هذا كله بعدئذ بقالب من الجبس أو الصلصال مسنن في عدة مواضع، ويضعه في تنور تذيب حرارته الشمع فيخرج من الثقوب، ثم يصب ذوب البرونز في القالب من أعلاه حتى يملأ المعدن جميع المسافة التي كان يشغلها الشمع قبل



 صفحة رقم : 2212   



قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> أساتذة النحت -> أساليبهم


أن يذوب. ثم يبرد الشكل كله ويزيل عنه القالب الخارجي، ويبرده ويصقله، ثم يطلى البرونز بالك أو يلونه أو يذهبه حتى يتخذ صورته النهائية. فإذ فضل الرخام بدأ بالكتلة غير المشكلة، غير مستعين بأي نظام من نظم التوجيه ، ويعمل من غير قواعد موضوعة، مسترشداً في أكثر الأحيان بعينه لا بالآلات(25)، ويزيل من الحجر بضرباته المتتالية ما لا حاجة له به، ويوالي هذه الضربات حتى تتشكل من الحجر الفكرة الكاملة التي صورها لنفسه في ذهنه، وحتى تصبح المادة غير المنتظمة صورة وشكلاً على حد قول أرسطاطاليس. أما موضوعاته فتختلف من الآلهة إلى الحيوانات، ولكن أياً كان الموضوع، فإنه يجب أن يكون من حيث الجسم خليقاً بالإعجاب، ولم يكن الضعفاء أو العقليون، أو الأصناف الشاذة غير السوية، أو العجائز أو الشيوخ، لم يكن هؤلاء يجدون لهم مكاناً عنده، وكان يجيد نحت تماثيل الخيل، ولكنه لم يكن شديد العناية بغيرها من الحيوان، وكان أكثر إجادةً في نحت تماثيل النساء، ومن آياته الفنية التي لا تمثل نساء بعينهن كتمثال الفتاة المستغرقة في أفكارها والممسكة بثوبها فوق ثديها المحفوظ بمتحف أثينة، ما يبلغ درجة من الجمال الهادئ تعجز اللغة عن وصفه. وخير ما يجيده على الإطلاق تماثيل اللاعبين الرياضيين، لأنه يعجب بهؤلاء إعجاباً لا حد له، ولأنه لم يكن يحول بينه وبين مراقبتهم حائل. وكنت تراه من حين إلى حين يبالغ في إظهار قوتهم، ويصور على بطونهم عضلات لا وجود لها عليها، ولكنه كان يسعه رغم هذا الخطأ أن يصب تماثيل من البرونز كالتمثال الذي وجد في البحر قرب أنتيسثرا Anticythera والذي يقال أنه تمثال إفبوس Ephebos تارة وتارة يقال أنه تمثال برسيوس Perseus الذي أمسك



 صفحة رقم : 2213   



قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> أساتذة النحت -> أساليبهم


بيده في وقت ما رأس مدوزا Medusa وشعره المكون من الأفاعي.وكان في بعض الأحيان يصوره شاباً أو فتاة منهمكة في عمل بسيط تقوم به من تلقاء نفسها، كتمثال الغلام الذي يخرج شوكة من قدمه ، غير أن أساطير بلاده كانت أهم ما يوحي إليه بموضوعات فنه. ولم يكن ذلك النزاع الرهيب الذي قام بين الفلسفة والدين، والذي يبدو في تفكير القرن الخامس كله، نقول لم يكن ذلك النزاع قد بدا على الآثار بعد، فهنا كانت الآلهة لا تزال صاحبة السيادة العليا، وحتى لو كانت قد أخذت في الاضمحلال فقد كانت تنتقل أنبل انتقال وأعظمه إلى شعر الفن. ترى هل كان المَثال الذي يشكل في البرونز زيوس أرتمزيوم القوي يعتقد بحق أنه يصور شريعة العالم ؟ وهل كان الفنان الذي ينحت تمثال ديونيسس الظريف الحزين المحفوظ في متحف دلفي، هل كان هذا الفنان يعرف في أعماق إدراكه الذي لا تعبر عنه الألفاظ أن ديونيسس قد طعنته سهام الفلسفة طعنةً نجلاء، وأن الملامح المتواترة للمسيح خليفة ديونيسس قد وجدت في هذا الرأس من قبل أن يولد المسيح.



 صفحة رقم : 2214   



قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> أساتذة النحت -> المدارس


2- المدارس


إذا كان فن النحت اليوناني قد أخرج هذا القدر كله في القرن الخامس، فقد كان من أسباب ذلك أن كل مَثال كان ينتمي إلى مدرسة بعينها، وأن له مكاناً في ثبت طويل من الأساتذة والطلاب، يتوارثون حذق فنهم هذا، ويقاومون تطرف الفردية المستقلة، ويشجعون مواهبهم الخاصة، ويسيطرون عليها ويهذبونها بالتضلع في فنون الماضي وما أخرجته من بدائع،



 صفحة رقم : 2215   



قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> أساتذة النحت -> المدارس


وتشكيلها بتفاعل هذه الأعمال مع القواعد الجديدة حتى أصبحت فناً أعظم مما تبتدعه في العادة العبقرية المنعزلة المتحررة من القواعد والقوانين. إن الفنانين العظام يكونون في الغالب نتاجاً لتسامي التقاليد الماضية وارتقائها إلى ذروتها أكثر مما يكونون نتيجة للخروج عليها. ومع أن الثائرين على التقاليد الماضية يكونون بطبيعتهم منشقين على تاريخ الفن الطبيعي، فإن أسلوبهم الجديد لا ينتج شخصيات فذة سامية إلا بعد أن تثبته الوراثة ويطهره الزمن. وقد قامت بهذا العمل خمس مدارس في بلاد اليونان في عهد بركليز: مدارس رجيوم، وسكيون، وأرجوس، وإيجينا، وأتكا. وفي عام 496 أو حواليه استقر في رجيوم فيثاغورس آخر من ساموس وصب تمثالاً لفلكتيتس أذاع شهرته في بلاد البحر الأبيض المتوسط. وقد أظهر في وجوه تماثيله من علائم الانفعال، والألم، والشيخوخة ما هز مشاعر المَثالين اليونان بأجمعهم حتى قرر المَثالون في العصر الذي انتشرت فيه الحضارة اليونانية خارج بلادهم الأصلية أن يحاكوه في تماثيلهم. وفي سكيون واصل كناكس Canackus وأخوه أرسطكليز Aristocles العمل الذي بدأه قبلهما بمائة عام دبونس Dipoenus وسليس Scllis من فناني كريت. ورفع كلوون Calloln وأناتس Onatas مقام إيجينيا بين المدن اليونانية بما أظهرا من حذق في صب البرونز، ولعلهما هما اللذان صنعا قواصر إيجينيا. وفي أرجوس نظم أجلداس مراحل انتقال فن النحت في مدرسته وبلغت ذروة مجدها على يد بليكليتس. جاء بليكليتس من أرجوس وذاعت شهرته فيها حين وضع حوالي عام 422 تصميماً من الذهب والعاج لهيرا إلهة المدينة ليوضع في معبدها. وكان العصر الذي فيه يرى أنه لا يفوقه في دقته غير تماثيل فدياس الضخمة العاجية الذهبية .

واشترك في إفسس في مباراة مع فدياس، وكرسلاس Cresilas وفردمون Phradmon لصنع تمثال لامرأة محاربة يوضع في هيكل أرتميز. وعين الفنانون الأربعة قضاة للحكم في هذه المباراة. وتقول الرواية المتواترة إن كلاً منهم حكم بأن تمثاله خير التماثيل جميعها، وأن تمثال بليكليتس ثانيها، وبناءً على هذا الحكم منح الفنان السكيوني الجائزة . لكن بليكليتس كان يحب الرياضيين أكثر مما يحب النساء أو الآلهة، ولما أراد أن ينحت تمثاله الشهير لديادمنوس Diadumenos (وهو الذي توجد أحسن نسخة منه في متحف أثينة) مَثل هذا الظافر في اللحظة التي كان يربط حول رأسه العصابة التي يضع القضاة فوقها إكليل الغار. ويرى الناظر إلى صدر التمثال وبطنه عضلات أكثر وأضخم مما يصدقه العقل، ولكن الجسم يرتكز ارتكازاً واضحاً على قدم واحدة، وملامح التمثال تعبر عما امتاز به العصر الذهبي من تناسق أصدق تعبير. لقد كان بليكليتس يهيم بهذا التناسق بل يكاد يعبده، وكان همه في حياته أن يضع قانوناً أو قاعدة لتحديد النسبة الصحيحة بين كل جزء وجزء في التمثال، فكان والحالة هذه هو فيثاغورس النحت، ينشد الرياضة القدسية في التناسب والشكل، وكان يظن أن أبعاد أي جزء من أجزاء الجسم الكامل يجب أن تتناسب تناسباً محدداً معروفاً مع أبعاد أي جزء آخر كالسبابة مثلاً. وكان قانون بليكليتس هذا يستدعي أن يكون الرأس مستديراً، والكتفان عريضتين، والجذع ممتلئاً قصيراً، والعجيزتان واسعتين، والساقان قصيرتين، وكل هذه تجعل التمثال مظهراً للقوة لا للرشاقة. وأولع الفنان بقانونه ولعاً حمله على أن يؤلف رسالة يشرحه فيها وأن يوضحه بتمثال من صنعه. ولعل هذا التمثال هو تمثال الدوريفوروس Doryphoros أو حامل الرمح الذي توجد نسخة رومانية منه في متحف نابلي. وفيه يرى مرة أخرى الرأس القصير



 صفحة رقم : 2217   



قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> أساتذة النحت -> المدارس


العريض الجمجمة، والكتفان القويتان، والجذع القصير، والعضلات المتغضنة المسدولة على الحقو. وأجمل من هذا تمثال إفبوس Ephebos المحفوظ في المتحف البريطاني، وفيه تظهر أحاسيس الغلام كما تظهر عضلاته، ويبدو أنه منهمك في تفكير هادئ لطيف في شيء آخر غير قوته. وأضحت قواعد بليكليتس بفضل هذه التماثيل القانون الذي يتقيد به المَثالون في البلوبونيز، وقد تأثر به فدياس نفسه، وظلت له السيادة على النحاتين حتى قضى عليه بركسيتس وأحل محله ذلك القانون الآخر المناقض له والذي يجعل الجسم طويلاً، نحيلاً، رشيقاً، وقد بقى هذا القانون الأخير ظاهر الأثر في التماثيل الرومانية في أوربا المسيحية. وكان ميرون Myron يمثل المرحلة الوسطى بين المدرستين البلوبونيزية والأتكية. وقد ولد هذا المَثال في إلوثيرا Eleuthera، وعاش في أثينة، ودرس وقتاً ما (كما يقول بلني(28)) مع أجلاداس Ageladas، فتعلم كيف يجمع بين الرجولة البلوبونيزية والرشاقة الأيونية. وكان ما أضافه إلى مدارس الفن جميعها هو الحركة: فهو لم ير اللاعب الرياضي كما يراه بليكليتس قبل المباراة أو بعدها، بل يراه في أثنائها، وقد حقق ما رآه في البرونز تحقيقاً فاق به كل مَثال آخر حاول تصوير جسم الرجل في أثناء العمل. وصب حوالي عام 470 أشهر تماثيل صنعها للاعبين وهي تماثيل رماة القرص (Disocobolo) . وفيها بلغت عجائب أجسام الرجال غايتها! فقد درس الجسم دراسة دقيقة في جميع حركات المفاصل، والأوتار، والعظام، التي يتطلبها القيام بعمل ما، وانحنت الساقان والذراعان وانحنى



 صفحة رقم : 2218   



قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> أساتذة النحت -> المدارس


الجذع لكي تكسب الرمية أعظم قوتها، ولم يتلَوَ الوجه ويشوه بسبب ما يبذله الرامي من جهد، بل ظل منبسطاً، والرامي هادئ واثق من قدرته، وليس الرأس ثقيلاً أو وحشياً، بل هو رأس رجل من لحم ودم ورقة وتهذيب، في وسعه أن يؤلف الكتب إذا نزل إلى مستوى من يكتبونها. ولم تكن هذه الآية الفنية إلا عملاً واحداً من أعمال ميرون الكثيرة، وقد أعجب بها مواطنوه، ولكنهم أعجبوا أكثر من ذلك بتمثال أثينة ومرسياس وتمثال لاداس. وتمثال أثينة هذا أجمل مما يتطلبه الغرض الذي صنع من أجله، فليس في مقدور أي إنسان ينظر إليه أن يظن أن هذه العذراء المحتشمة ترقب وهي هادئةً راضية صاحب الناي يسلخ. أما تمثال مرسياس فأشبه بتمثال لبرنارد شو أدركه الفنان في وضع معيب ولكنه مفصح بليغ. ويصور هذا التمثال عازف القيثارة وقد عزف عليها آخر مرة، وأدركه الموت ولكنه يأبى أن يموت من غير أن يتكلم. ولم يكن لاداس لاعباً رياضياً خارت قواه لأن النصر أنهك جسمه، بل إن ميرون قد صوره تصويراً بلغ من واقعيته أن صاح يوناني قديم حين رآه: "لقد صاغك لاداس من النحاس بالصورة التي كنت عليها في الحياة، تخرج روحك اللاهثة من صدرك مع أنفاسك، وأسبغ على جسمك كله حرصك على تاج النصر"، وقال اليونان عن عِجْلة ميرون إنها تستطيع أن تفعل كل شيء عدا الخوار(30). وأضافت المدرسة الأتيكية أو الأثينية إلى البلوبونيزيين وإلى ميرون ما تهبه النساء للرجال: جمالاً، ورقة، ورشاقة، وظرفاً، وكانت وهي تفعل هذا تحتفظ من عناصر الرجولة بالقوة. فقد وصلت إلى مستوى عال قد لا يصل إليه المَثالون مرة أخرى. وكان كلميس Calamis لا يزال وقتئذ محتفظاً بعض الشيء بطابعه العتيق، ولم يكن نسيوتيز Nesiotes وكريتيوس Critius وهما يصبان طائفة أخرى من تماثيل قتلة الطغاة قد تحررا من البساطة الجامدة



 صفحة رقم : 2219   



قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> أساتذة النحت -> المدارس


التي كانت تسود تماثيل القرن السادس. وقد حذر لوشان الخطباء من أن يكون مسلكهم كمسلك هذه التماثيل العديمة الحياة. فلما أن نحت بيونيوس Paeonius من أهل مندي Mende المقدونية للمسينيين تمثال النصر بعد أن درس فن النحت في أثينة أظهر فيه من الرقة والرشاقة والجمال ما لم يظهره أحد غيره من الفنانين اليونان إلى عهد بركستيليز، وحتى بركستيليز نفسه لم يفقه في تمثيل طيات الثياب المنسدلة على الجسم أو في تمثيل نشوة هذه الحركة .



 صفحة رقم : 2220   



قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> أساتذة النحت -> فدياس


3- فدياس


كان فدياس وأعوانه بين عامي 447، 438 منهمكين في نحت تماثيل البرتنون وحفر نقوشه. وكما كان أفلاطون كاتباً مسرحياً قبل أن يصير فيلسوفاً مسرحياً، كذلك كان فدياس في أول الأمر مصوراً، تتلمذ بعض الوقت على بولجنوتس. ويلوح أنه أخذ عنه أساليب التصميم والتأليف بين الوحدات المختلفة والجمع بين الأشكال لإحداث الأثر الكلي للصورة. ولعله أخذ عنه أيضاً ذلك "النمط العظيم" الذي جعله أعظم مَثال في بلاد اليونان بأجمعها. ولكنه لم يجد في التصوير ما يشبع كفايته لأنه كان في حاجة إلى أبعاد أوسع، فاتجه إلى النحت، ولعله درس فن أجلاداس في صب البرونز وظل يمارسه في صبر وأناة حتى برع في كل فرع من فروعه. وكان حين فرغ من نحت تمثال أثينة بارثنون في عام 438 قد أصبح شيخاً طاعناً في السن، وشاهد ذلك أنه صور نفسه على درعه شيخاً أصلع طاف به طائف



 صفحة رقم : 2221   



قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> أساتذة النحت -> فدياس


الحزن. ولم يكن أحد ينتظر منه أن ينحت بيديه مئات التماثيل التي امتلأ بها فضاء البارثنون، وإفريزه، وقواصره، وكان حسبه أن يشرف على جميع أبنية بركليز ويضع خطط ما يزينها من تماثيل، ثم يعهد إلى تلاميذه، وخاصةً إلى الكيمنيز، أن يقوموا هم بتنفيذها. على أنه هو نفسه قد نحت ثلاثة تماثيل لإلهة المدينة تقام في الأكربوليس. وقد كلفه بنحت واحد منها المستعمرون الأثينيون في لمنوس، وكان هذا التمثال من البرونز أكبر قليلاً من الحجم الطبيعي، وبلغ من دقته أن كان النقاد اليونان يعدون تمثال أثينة اللمنوسية أجمل تماثيل فدياس كلها بلا استثناء . وثاني هذه التمثيل تمثال أثينة يروماكوس، وهو تمثال برونزي ضخم يمثل الإلهة في صورة المدافعة الحربية عن المدينة. وقد أقيم بين البروبليا Propylaea والإركثيوم Erchtheum، وكان ارتفاعه هو وقاعدته سبعين قدماً، وكان دليلاً للملاحين وتحذيراً لأعداء المدينة . وأشهر هذه التماثيل الثلاثة تمثال أثينة بارثنوس ويبلغ ارتفاعه ثماني أقدام وثلاثين قدماً، وكان مقاماً في داخل البارثنون ويمثل أثينة العذراء إلهة الحكمة والعفة. وكان فدياس يريد أن ينحت هذا التمثال الأخير من الرخام، ولكن الشعب أبى إلا أن يكون من العاج والذهب.فاستخدم الفنان العاج للأجزاء الظاهرة من الجسم كما استخدم أربعين وزنة (2545 رطلاً) من الذهب لصنع الثياب(32)، ثم زينه بالمعادن الثمينة والنقوش المتقنة البديعة على الخوذة، والحذاءين، والدروع. وقد وضع هذا التمثال بحيث تقع أشعة الشمس مباشرة في يوم عيد أثينة على الثياب الجميلة وعلى وجه العذراء الشاحب بعد



 صفحة رقم : 2222   



قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> أساتذة النحت -> فدياس


دخولها من أبواب المعبد العظيم . ولم يكن إتمام هذا التمثال من أسباب سعادة فدياس، لأن بعض ما قدم له من الذهب والعاج لصنعه قد اختفى من مُحْتَرفه ولم تعرف أسباب اختفائه. وانتهز أعداء بركليز هذه الفرصة السانحة، فاتهموا فدياس بسرقة الذهب والعاج وأدانوه . ولكن أهل أولمبيا شفعوا له وأدوا الكفالة المطلوبة منه وقدرها أربعون؟ وزنة على شريطة أن يذهب إلى أولمبيا ويصنع فيها تمثالاً من الذهب والعاج لمعبد زيوس(34). وسرهم أن يقدموا له من العاج والذهب أكثر مما قدم له قبل. وبنوا له ولمساعديه مصنعاً خاصاً بجوار حرم الهيكل، وكلف أخوه بانينوس Panaenus أن يزين بالصور العرش الذي يجلس عليه التمثال وجدران الهيكل(35). وإذ كان فدياس مولعاً بالضخامة، فقد جعل ارتفاع تمثال زيوس الجالس ستين قدماً، ولما أن وضع في مكانه في الهيكل شكا النقاد من أن الإله سيخترق سقفه إذا ما بدا له أن يقوم واقفا، ووضع فدياس على "جبيني" الإله الراعد "القائمين" و "غدائره المعطرة" تاجاً من الذهب في صورة أغصان شجر الزيتون وأوراقه. ووضع في يد الإله اليمنى تمثالاً للنصر صغيراً مصنوعاً من الذهب والعاج، وفي يده اليسرى صولجاناً مطعماً بالأحجار الكريمة، وألبسه ثوباً ذهبياً نقشت عليه الأزهار، ووضع في قدميه خفين من الذهب المصمت. أما عرشه فكان من الذهب، والأبنوس، والعاج. وكان عند قاعدته تماثيل صغيرة للنصر، لأبلو، وأرتميز، ونيوبي، ولصبيان من طيبة اختطفهم أبو الهول (37). وكان الأثر الذي يبعثه في النفس هذا التمثال وتوابعه رائعاً قوياً



 صفحة رقم : 2223   



قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> أساتذة النحت -> فدياس


إلى حد جعل الناس ينسجون حوله كثيراً من الخرافات والأساطير. فمن قائل إنه عندما أتمه فدياس طلب أن تطلع عليه من السماء آية تدل على رضائها عن عمله، فأرسلت صاعقة نزلت على الأرض غير بعيدة عن قاعدة التمثال - وهي آية كمعظم الآيات السماوية تقبل عدة تفاسير مختلفة . وعدَّ التمثال من عجائب الدنيا السبع، وكان يحج إليه كل من استطاع الحج ليشاهد الإله المتجسد فيه. ولما فتح إيمليوس بولس Aemilius Paullus القائد الروماني بلاد اليونان ورأى هذا التمثال الضخم استولى عليه الرعب، واعترف أن ما شاهده بعينه قد فاق كل ما كان يصوره له خياله (38). ووصفه ديوكريسوتوم Dio Chrysotom بأنه أجمل تمثال على وجه الأرض، وأضاف إلى قوله هذا ما قاله بيتهوفن في الموسيقى: "إذا وقف أمام هذا التمثال إنسان قد تراكمت عليه الهموم، وتجرع في حياته كأس المصائب والأحزان حتى الثمالة، وطار النوم الحلو من أجفانه، نسي كل ما يصيب الإنسان في حياته من متاعب وأحزان" (39). وقال فيه كونتليان Quintilian: "إن جمال التمثال قد أضاف بعض الشيء إلى دين البلاد، ولقد كان جلاله خليقاً بالإله الذي يمثله"(40). ولسنا نعرف عن أواخر أيام فدياس شيئاً موثوقاً به. فمن القصص ما يرى أنه عاد إلى أثينة حيث قضى نحبه في السجن(41)، ومنها ما يقول إنه أقام في إليس Elis، وإن هذه المدينة نفسها قد قتلته في عام 432(42). وليست إحدى هاتين القصتين اللتين تتحدثان عن خاتمة فدياس أصدق من أختها. وواصل تلاميذه عمله، وبرهنوا على نجاحه معلماً بما أخرجوه من آيات فنية لا تكاد تقل روعة عن آياته هو. فقد نحت أجركريتس Agoracritus أحب تلاميذه إليه تمثالاً لنمسيز Nemesis طبقت شهرته الآفاق،



 صفحة رقم : 2224   



قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> أساتذة النحت -> فدياس


ونحت الكمنيز تمثالاً لأفرديتي إلهة الحدائق كان لوشان يضعه في مصاف أرقى ما أخرجه المثالون من آيات فنية(43). وكانت خاتمة مدرسة فدياس في نهاية القرن الخامس، ولكنها تركت فن النحت اليوناني أرقى كثيراً مما كان حين بدأت حياتها الفنية، فقد أشرف الفن بفضل فدياس وأتباعه على الكمال في اللحظة التي بدأت فيها حرب البلوبونيز تنزل بأثينة الخراب. لقد أتقنت هذه المدرسة أصول الفن وقواعده، وفهمت تشريح الجسم، وصبت الحياة والحركة والرشاقة في البرونز والحجر صباً، ولكن العمل الجليل الذي يميز فدياس من غيره من المثالين هو ما أخرجه من طراز في النحت جديد عبر عنه أصدق تعبير، ذلك الطراز السامي أو "الطراز العظيم" كما يسميه ونكلمان. وهو طراز يجمع بين القوة والجمال، والتهور والإحجام، والحركة والسكون، واللحم والعظم مع الروح والعقل. وفي هذا الطراز تمثل الفنانون على الأقل بعد ما بذلوا من جهود دامت خمسة قرون ذلك "الصفاء" الذائع الصيت الذي يعزوه المؤرخون بخيالهم إلى اليونان. وكان في وسع الأثينيين ذوي العاطفة الثائرة الجياشة إذا ما تدبروا تماثيل فدياس أن يروا كيف يقترب الآدميون من الآلهة، وإن يكن ذلك فيما أبدعوا من تماثيل فحسب.



 صفحة رقم : 2225   



قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> ارتقاء فن العمارة


الفصل الرابع



البنــاءون



1- ارتقاء فن العمارة


تمت سيطرة الطراز الدوري في العمارة على بلاد اليونان في القرن الخامس قبل الميلاد، ولم يبق إلى الآن من الهياكل اليونانية التي شيدت في ذلك العصر الزاهر إلا قليل من الأضرحة الأيونية وأهمها الإركثيوم وهيكل نيكي أبتروس Nike Opteros المقام على الأكربوليس. وبقيت أتكا في ذلك العهد محافظة على الطراز الدوري، فلم تخضع للطراز الأيوني إلا حين كانت تستخدمه في العمد الداخلية للبروبيليا، وفي صنع إفريز حول الثسيوم والبارثنون. ولعل ما يشاهد من نزعة ذلك العصر إلا إطالة العمود وتقليل سمكه عما كان من قبل يدل على أثر آخر من آثار الطراز الأيوني. وفي آسية الصغرى أشرب اليونان حب الشرقيين للتحلية الدقيقة وعبروا عن هذا الحب بتنميق الدعامات الأيونية المرتكزة على العمد تنميقاً فيه كثير من التعقيد، وبإيجاد طراز جديد من هذه الدعامات أكثر زخرفاً من الطراز الأيوني يعرف بالطراز الكورنثي. وحدث حوالي عام 430 (حسب رواية فتروفيوس Vitruvius) أن استلفتت نظر مَثال أيوني يدعى كلمسكس Callimachus، سلة لتقديم النذور مغطاة بقرميدة، تركتها مربية على قبر سيدتها، وقد نبتت شجيرة أكنتوس حول السلة والقرميدة. وأعجب المَثال بالصورة الطبيعية التي أوحت بها إليه السلة وما حولها فعدل



 صفحة رقم : 2226   



قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> ارتقاء فن العمارة


تيجان العمد الأيونية في هيكل كان يشيده في كورنثة بأن أضاف أوراق الأكنتوس إلى الحلي اللولبية (44). ونحن نرجح أن هذه القصة خرافة لا أصل لها، وأن سلة المربية كان أثرها في نشأة الطراز الكورنثي أقل من أثر تيجان العمد المصرية المحلاة بسعف النخيل وأوراق البردي. ولكننا نستطيع أن نقول واثقين إن الطراز الجديد لم ينتشر انتشاراً واسعاً في بلاد اليونان في عصرها الذهبي، وإن كان إكتينس قد استخدمه في عمود منفرد في ساحة هيكل أيوني في فيجاليا Phigalea، وإن كان استخدم أيضاً حوالي آخر القرن الرابع في هيكل أقيم تخليداً لذكرى لسكارتيز Lysicartes. ولم يبلغ هذا الطراز الدقيق أرقى صورة له إلا على يد الرومان المتأنقين في عهد الإمبراطورية. وكان العالم اليوناني كله يشيد الهياكل في ذلك العهد، وأوشكت المدن أن تفلس في تنافسها لإقامة أجمل التماثيل وأكبر الأضرحة، وأضافت أيونيا إلى مبانيها الضخمة في ساموس وإفسوس هياكل أيونية جديدة في مجنيزيا، وتيوس وبريني، وأقام المستعمرون اليونان في أسوس Assus من أعمال بلاد اليونان الطروادية مزاراً لأثينة لا يكاد طرازه يختلف في شيء عن الطراز الدوري العتيق، وشادت كروتونا في الطرف الآخر من بلاد هلاس حوالي عام 480 ق. م بيتاً دورياً واسعاً لهيرا ظل باقياً إلى عام 1600 م حين ظن أحد الأساقفة أن في مقدوره أن يستخدم حجارته في غرض أنفع من الغرض الذي كانت تستخدمه فيه(45). وأقيمت في القرن الخامس أعظم هياكل بسدونيا (بستم Paestum)، وسجستا Segesta، وسلينس، وأكرجاس، وفيه أيضاً أقيم كعبد أسكلبيوس Asclepius في إبدورس. ولا تزال تشاهد في سرقوسة عمد هيكل شاده جيلون الأول Gelon I لأثينة، وقد بقي بعض هذا الهيكل لأنه حول إلى كنيسة مسيحية؛



 صفحة رقم : 2227   



قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> ارتقاء فن العمارة


واختلط إكنتيس في باسيا بالقرب من فيجاليا من أعمال البلوبونيز هيكلاً لأبلو يختلف اختلافاً عجيباً عن البارثنون آيته الفنية الأخرى. ذلك أن صفوف الأعمدة الدورية تحيط بفضاء يشغله محراب صغير وبهو مكشوف كبير تحيط به أعمدة أيونية. وحول هذا البهو الداخل في مقابل الوجه الداخلي للعمد الأيونية يمتد إفريز لا يقل في رشاقته عن إفريز البارثنون نفسه، ويمتاز عنه في أنه ظاهر تراه العين . وشاد ليبون Libon المهندس الإبلي في أولمبيا قبل أن يشاد البارثنون بجيل من الزمان مزاراً لزيوس دوري الطراز يضارع البارثنون نفسه. وقد أقيمت في كل طرف من أطرافه ستة أعمدة، وثلاثة عشر عموداً في كل جانب من جانبيه، ولعلها قد بلغت من الضخامة حداً لا يتفق مع جمال الشكل، كما أن المادة التي صنعت منها كانت غير خليقة بهذا الأثر الجميل - فهي من الجير الخشن المطلي بالمصيص، أما السقف فقد صنع من القرميد البنتيلي Pentelie . ويحدثنا بوسنياس(46) أن بيونيوس Paeonius وألكمنيز قد نحتا للقواصر أشكالاً قوية تمثل على الجانب الشرقي من السقف سباق المركبات بين بلييس وإينوماؤوس Aenomaus، وعلى الجانب الغربي منه صراع اللبيثيين والقناطرة . واللبيثيون، كما تروي الخرافات اليونانية قبيلة جبلية تقيم في تساليا، ولما أن تزوج ملكها برثوس Pirithous بهِبوداميا Hippodameia ابنة إينوماؤوس ملك بيزا إحدى مدائن إليس Elis، دعا القناطرة إلى وليمة العرس. وكانت القناطرة تسكن الجبال المحيطة ببليون، ويصورها الفن اليوناني مخلوقات نصفها خيل ونصفها آدميون، ولعلهم



 صفحة رقم : 2228   



قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> ارتقاء فن العمارة


أرادوا بهذا أن يدلوا الناس على طبيعة أولئك الأقوام الوحشية غير المروضة أو يوحوا بأن القناطرة كانوا فرساناً مهرة إلى حد يخيل معه إلى من رآهم أن الفارس هو وفرسه حيوان واحد. وسكر أولئك الفرسان في أثناء الوليمة وحاولوا أن يختطفوا النساء اللبيثيات، لكن اللبيثيين دافعوا عن نسائهم دفاع الأبطال وهزموا القناطرة (ولم يمل الفنانون اليونان تصوير هذه القصة، ولعلهم كانوا يرمزون بها إلى تنظيف الغابات من الحيوانات البرية وإلى الكفاح القائم بين طبيعتي البشر الإنسانية والحيوانية). والأشكال المصورة على القوصرة الشرقية عتيقة الطراز جامدة ساكنة، أما التي على القوصرة الغربية فإن من أصعب الأمور أن يعتقد الإنسان أنها عملت في نفس هذا العصر، ذلك بأنها نشيطة تنبض بالحياة، وتدل على تمكن ناضج من التأليف بين المجاميع. وإن كان بعضها فجاً، وإن كان الشَّعر قد مثل على النمط الذي جرى به العرف في الزمن القديم. أما العروس فذات جمال بارع يثير الدهشة، فهي امرأة نحيفة في غير ضعف، كاملة النمو، جميلة المحيا، جمالاً لا نعجب إذا قامت بسببه الحرب بين الطائفتين المتقاتلتين. ونرى قنطروساً ملتحياً يطوق خصرها بذراعه، ويضع إحدى يديه على صدرها، ويوشك أن يختطفها من دار عرسها، ولكن الفنان مع هذا يصورها هادئة الملامح ساكنة سكوناً يظن الإنسان معه أنه قد قرأ لسنج Lessing أو ونكلمان، أو أنها ككل الغواني يغرها الثناء عليها والرغبة فيها. وأقل من هذه الصور شأناً وأصغر منها حجماً، وإن كانت أحسن منها صقلاً، الأجزاء الباقية من جبهة الهيكل، وهي التي تروي بعض أعمال هرقل الأسطوري، فتصور بعضُها هرقل يرفع العالم لأطلس. وقد أجاد الفنان في هذا كل الإجادة، فليس هرقل هنا جباراً شاذاً مخالفاً للمألوف، مفتول العضلات المحيطة بجسمه كأنها قدت من الحجر الصلد، بل هو رجل كامل النمو، متناسق الجسم، وقد وقف أمامه أطلس له رأس لو أنه وضع على كتفي أفلاطون لزانهما.



 صفحة رقم : 2229   



قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> ارتقاء فن العمارة


وإلى يسارها وقفت إحدى بنات أطلس مكتملة النمو بارعة الجمال الطبيعي الذي أكسبتها إياه صحتها وكمال أنوثتها. ولعل المصور كان يرمز إلى صورة مرسومة في ذهنه حين صورها تساعد في رقة وظرف الرجل القوي على حمل العالم. إن في مقدور الفنان الإخصائي أن يعثر على بعض أغلاط في التنفيذ وفي التفاصيل الدقيقة عندما يتأمل هذه الجبهة نصف المخربة، لكن الملاحظ الهاوي إذا نظر إلى العروس، وإلى هرقل، وابنة أطلس، يرى أن هذه المجموعة تقرب من الكمال قرب أية مجموعة أخرى في تاريخ النحت البارز.



 صفحة رقم : 2230   



قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> إعادة بناء أثينة


2- إعادة بناء أثينة


تفوق أتكا سائر بلاد اليونان في كثرة ما أقيم فيها من أبنية في القرن الخامس، وفي حسن هذه الأبنية. فهنا نرى الطراز الدوري، الذي يبدو في غيرها منتفخاً ضخماً، قد اكتسب الكثير من الرشاقة والانسجام الأيونيين، وأضيف اللون إلى الخطوط، والتحلية إلى التناسب. ولقد أقام الذين خاطروا بركوب البحر معبد البسيدن على رأس شديد الخطر عند سنيوم Sunium، بقي منه الآن أحد عشر عموداً. واختط إكتنيس في إلوسيس هيكلاً رحباً لدمتر، وقدمت أثينة بناء على نصيحة بركليز ما يلزمه من المال لجعل هذا المعبد خليقاً بالحفلات الإلوسيسية. وفي أثينة نفسها شجع الفنانين على مواصلة عملهم وجود الرخام الجيد بالقرب منها في جبل بنتكليس وفي باروس، لأنه أجمل مواد البناء على الإطلاق. وقلما استطاعت الديمقراطية أو رغبت في عهد من العهود، قبل حلول الكارثات الاقتصادية في أيامنا هذه، أن تنفق المال بمثل هذا السخاء على إقامة المباني العامة. فلقد تكلف البارثنون سبعمائة وزنة (000ر200ر4 ريال أمريكي)، وتكلف تمثال أثينة بارثنوس (وقد كان تمثالاً ومستودعاً للذهب في آن واحد) ما قيمته



 صفحة رقم : 2231   



قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> إعادة بناء أثينة


000ر000ر6 ريال، وتكلف هيكل البروبليا 000ر400ر2 ريال، وأنفقت 000ر000ر18 ريال على مباني أصغر من هذه أقامها بركليز في أثينة وبيرية، و000ر200ر16ريال في إقامة تماثيل وما إليها من أسباب الزينة. وجملة القول أن أثينة خصت من مواردها في الستة عشر عاماً الواقعة بين 447، 431 نحو 000ر000ر57 ريال أمريكي للمنشآت العامة والتماثيل والتصوير(47). وكان توزيع هذا المبلغ الضخم بين الصناع، والفنانين، والمنفذين لأعمالهم، والأرقاء، أثر كبير في الرخاء الذي عم أثينة في عهد بركليز. وفي وسعنا أن نرسم في مخيلتنا صورة غامضة للعوامل التي كانت تستند إليها هذه المغامرة الفنية الجريئة. ذلك أن الأثينيين، بعد أن عادوا من سلاميس، وجدوا أن الفرس لم يكادوا يبقون على شيء من المدينة في أثناء احتلالهم إياها، فقد أحرقوا كل بناء ذي قيمة فيها، وتلك كارثة، إذا لم تقض على السكان كما تقضي على المدينة، تزيد السكان قوة وصلابة، كما أن هذه النيران تطهر المدينة من الأحياء القذرة والمباني غير الصالحة للسكنى، وبذلك تعمل المصادفات ما يحول عناد الإنسان دون عمله، وإذا ما وجد الأهلون الطعام في خلال هذه الأزمنة استطاعوا بجهودهم وعبقريتهم أن ينشئوا مدينة أجمل من المدينة المخربة. ولقد كان الأثينيون بعد الحرب الفارسية أغنياء بجهودهم وعبقريتهم، وضاعفت روح النصر من قوة إرادتهم ومن رغبتهم في الإقدام على جلائل الأعمال، فلم يمض جيل واحد حتى أعيد بناء أثينة، فأقيم فيها بناء جديد لمجلسها، وشيدت فيها دار جديدة للبلدية، ومنازل جديدة، وأروقة جديدة ذات أعمدة، وأسوار جديدة لصد المغيرين وأقيمت أرصفة ومخازن في مرفأ لها جديد. ذلك أن هِبودامس Hippodamus الملطي أشهر من خططوا المدائن في الزمن القديم وضع أساس فرضة جديدة مكان بيرية، ووضع هذا الأساس على طراز جديد، فقد استبدل بالفوضى القديمة وبالأزقة الملتوية التي كانت تشق في المدينة على



 صفحة رقم : 2232   



قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> إعادة بناء أثينة


غير نظام شوارع واسعة مستقيمة تتقاطع متعامدة. وشاد فنانون مجهولون على ربوة تبعد عن الأكربوليس بميل واحد ذلك البارثنون الأصغر المعروف بالثسيوم أو هيكل ثسيوس . وملأ المَثالون قواصر البناء وواجهاته بالنقوش المحفورة. وأنشئوا له إفريزاً فوق الأعمدة الداخلية القائمة على جانبيه. وطلى الرسامون (الكرانيش) والحزوز، والواجهات وإلافريز، كما طلوا بالألوان الزاهية الجدران من الداخل التي لا يدخل إليها إلا قليل من الضوء ينفذ في المربعات الرخامية . وكان خير ما قام به البناؤون في عصر بركليز هو الأكربوليس، الحاضرة القديمة لحكومة المدينة ودينها، وقد بدأ ثمستكليز تجديده، فاختط هيكلاً طوله مائة قدم سمي لهذا السبب "ذا المائة قدم" Hecatompedon. فلما سقط ثمستكليز وقف العمل في بنائه لمعارضة الحزب الألجركي في ذلك، بحجة أنه إذا أريد إقامة بيت للإلهة أثينة لا يكون شؤماً على المدينة وجب أن يقام هذا البيت في موضع الهيكل القديم هيكل أثينة بولياس (أثينة المدينة) الذي دمره الفرس. لكن بركليز، الذي لم يكن من طبعه أن يعني بهذه الأوهام، رأى أن يقيم البارثنون في موضع الهكتمبدون وسار في العمل وفقاً لهذه الخطة رغم احتجاج الكهنة. وشاد فنانوه على منحدر تل الأكربوليس الجنوبي الغربي بهواً للموسيقى (أوديوم Odeum) يمتاز عن جميع أبهاء أثينة



 صفحة رقم : 2233   



قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> إعادة بناء أثينة


بقبته المخروطية الشكل. وقد أتاح هذا البناء لهجائي بركليز المستمسكين بالقديم فرصة اغتنموها فأخذوا من ذلك الحين يسمون رأس بركليز المخروطي "أودينَة Odeion أي بهو غنائه". وأقيم معظم الأوديوم من الخشب فلم يلبث إلا قليلاً حتى عدا عليه الدهر. وكانت تقام فيه الحفلات الموسيقية، ويتدرب فيه الممثلون على تمثيل مسرحيات ديونيسس، وتجري فيه كل عام المباريات التي أنشأها بركليز في الموسيقى الصوتية والوترية. وكثيراً ما كان هذا السياسي الذي نبغ في كثير من الأعمال يقوم بالحكم في هذه المباريات. وكان الطريق الموصل إلى قمة التل في الأيام القديمة ملتوياً متدرجاً، على جانبيه تماثيل وقرابين الشكر للآلهة. وكان بالقرب من قمة التل مجموعة من الدرج الرخامية العرضة الفخمة تستند إلى بروج على كلا الجانبين. وشاد كلكراتيز فوق البرج الجنوبي أنموذجاً مصغراً لهيكل أيوني لأثينة في صورة نيكي أبتروس Nike Apteros أو النصر غير ذي الجناح . وكانت نقوش جميلة (لا يزال بعضها محفوظاً في متحف أثينة) تزين الحاجز ذا العمد الصغيرة هي وطائفة من التماثيل تمثل النصر المجنح وتحمل أثينة الغنائم التي جاءت بها من أماكن قاصية. وقد صنعت هذه التماثيل على صورة أجمل تماثيل فدياس، وهي أقل قوة وعنفاً من تماثيل الإلهات الضخمة التي في البارثنون، ولكنها أكثر منها رشاقة في حركتها، وأرق منها وأقرب إلى الطبيعة في شكل ملابسها، وتمثال النصر الذي يربط خفيه خليق باسمه لأنه نصر حق للفن اليوناني. وأقام نسكليز Mnesicles في أعلى سلم الأكربوليس مدخلاً ذا خمس



 صفحة رقم : 2234   



قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> إعادة بناء أثينة


فتحات أمام كل واحدة منها رواق ذو عمد دورية من طراز الأبواب الميسينية، ولكنها أكثر منها إحكاماً، ومن هذه العمد أخذ الاسم الذي أطلق على البناء كله فيما بعد وهو البروبليا Propylaea أي ما أمام الباب. وكان لكل رواق إفريز ذو واجهة محززة، من فوقه قوصرة. وكان في داخل الممشى طائفة من العمد الأيونية لم يتحرج من شادوها أن يضعوها داخل هذا المحيط الدوري. وزين داخل الجناح الشمالي برسوم من صنع بولجنوتس وغيره من الفنانين، ووضعت فيه لوحات نذور من الأجر أو الرخام، ومن أجل ذلك سميت البناكثكا Pinakotheka أي بهو الرخام. وبقي جناح صغير في الجهة الجنوبية ناقصاً، فقد تعطل العمل فيه بسبب الحرب أو بسبب الانتقاض على بركليز، فترك مدخل البارثنون مجموعة مشوهة من القطع الصغيرة المتفرقة الجميلة. وكان إلى يسار الداخل من هذه الأبواب مزار الإركثيوم ذو الطراز الشرقي العجيب. وهذا أيضاً قد أدركته الحرب فلم يتم أكثر من نصفه حين وقعت أثينة في مخالب الفوضى والفاقة على أثر نكبة إيجسبتماي Aegospotamai. وقد بدئ العمل فيه بعد موت بركليز بإيعاز المحافظين الذين كانوا يخشون أن يعاقب البطلان القديمان إركثيوس Erechtheus وسكربس Cecrops هما وأثينة ساكنة الضريح القديم، والأفاعي المقدسة التي كانت تأوي إلى هذا المكان، نقول كانوا يخشون أن تعاقب هذه كلها مدينة أثينة لأنها شادت البارثنون في مكان غير مكانه الأول. وكانت الأغراض المختلفة التي شيد من أجلها البناء هي التي عينت شكله، وقضت على وحدته. فقد خصص أحد أجنحته لأثينة بولياس (أثينة المدينة)، ووضعت فيه صورتها القديمة، وخصص جناح آخر لإركثيوس وبسيدن، ولم يكن يحيط بالمحراب أو جسم المعبد رواق بين أعمدة يضم أجزاءه المتفرقة، بل كان يستند إلى ثلاثة أروقة متفرقة. وكان المدخلان الشمالي والشرقي تسندهما عمد أيونية رفيعة لا تفوقها



 صفحة رقم : 2235   



قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> إعادة بناء أثينة


في جمالها أية عمد أخرى من نوعها . وكان المدخل الشمالي باباً كامل البناء مزيناً بأزهار محفورة في الرخام. ووضع في المحراب تمثال أثينة الخشبي البدائي الذي هبط، في اعتقاد الصالحين، من السماء. وهناك كان أيضاً المصباح العظيم الذي لا تنطفئ ناره أبداً، والذي صاغه كلمكس، سليني Cellini زمانه، من الذهب المصفى وزينه بأوراق الأكتثوس كتيجان الأعمدة الكورنثية. وكان المدخل الجنوبي هو باب القداري أو الكَرْيتيدات Caryatids الذائع الصيت. وأكبر الظن أن تلك النساء الصابرات كن من نسل حاملات السلال الشرقيات. وفي تراليس Tralles من أعمال آسية الصغرى عمود قديم في صورة امرأة لا يترك مجالاً للشك في أن هذا الطراز من العمد شرقي الأصل، وأكبر الظن أنه بابلي. والثياب التي تغطي أجسام العذارى فاخرة، ويدل انحناء الركبة على أنهن مستريحات في وقفتهن، ولكن أولئك الفتيات أنفسهن لا يشعرن الإنسان بأن فيهن من القوة ما يعينهن على حمل ذلك البناء، كما يشعر الإنسان حين ينظر إلى أجمل أنواع الأبنية. لقد كان هذا انحرافاً في الذوق أكبر ظننا أن فدياس لم يكن يجيزه قط.



 صفحة رقم : 2236   



قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> البارثنون


3- البارثنون


في عام 447 بدأ إكتنوس ينشئ هيكلاً جديداً لأثينة بارثنوس يساعده في ذلك العمل كلكراتيز Callicrates ويشرف عليهما فدياس وبركليز إشرافاً عاماً. وأنشأ في الطرف الغربي من البناء حجرة لكاهناتها العذارى سماها حجرة "العذارى" Ton Parthenos، ثم استعير هذا الاسم على توالي الزمن فأطلق على البناء كله. واختار إكتنوس لبناء الهيكل رخام جبل بنتكلوس الأبيض المشوب بحبيبات حديدية، ولم يستخدم في بنائه ملاطاً، بل نحتت كتل الحجارة وصقلت بحيث تمسك كل كتلة في التي تليها كأن الاثنتين كتلة واحدة، وثقبت صفحات الأعمدة ووضعت في ثقب الصفحة قطعة من خشب الزيتون تصل كلاً منها بالأخرى وتدور على التي تحتها حتى يسوى السطحان المتقابلان ويصقلا فلا يكاد يرى فارق بينهما(49). وكان طراز البناء دورياً خالصاً وبسيطاً بساطة أبنية العصر الذهبي، أما شكله فكان رباعياً لأن اليونان لم تكن تعجبهم الأشكال المستديرة أو المخروطية، ومن أجل هذا لم تكن في العمارة اليونانية عقود وإن يكن المهندسون اليونان على علم بها من غير شك. ولم تكن أبعاد البناء كبيرة فهي 65× 151× 228 قدماً، وأكبر الظن أنه كان يسود البناء كله تناسب معين كالتناسب الذي يفرضه قانون بليكليتس، فكانت جميع مقاييسه تتناسب تناسباً معيناً مع قطر العمود(50). ففي بسدونيا كان ارتفاع العمود أربعة أمثال قطره، أما هنا فكان الارتفاع خمسة أمثال القطر، وكان هذا الطراز الجديد وسطاً بين المتانة الإسبارطية والرشاقة الأتكية. وكان قطر كل عمود يزداد قليلاً من قاعدته إلى وسطه (نحو ثلاثة أرباع البوصة) ثم ينقص كلما علا، ويميل نحو مركز بهو الأعمدة. وكان سمك كل عمود في ركن البناء يزيد قليلاً على سمك سائر الأعمدة، وكل خط أفقي من قاعدة كل صف ومن الدعامة



 صفحة رقم : 2237   



قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> البارثنون


المرتكزة عليه ينحني إلى أعلى نحو وسط حتى إذا نظر إليه الإنسان من أحد طرفي هذا الخط الذي يظنه مستقيماً لم يستطع رؤية طرفه الثاني البعيد عنه. ولم تكن واجهات البناء كاملة التربيع، ولكنها خططت بحيث تظهر لمن ينظر إليها من أسفل كأنها مربعة. ولم تكن هذه الانحناءات كلها إلا تصحيحاً دقيقاً للخداع البصري، ولولاها لبدت قواعد صفوف الأعمدة منخفضة في وسطها مائلة نحو الخارج. وما من شك في أن هذا الضبط يتطلب قدراً كبيراً من العلم بالرياضيات والبصريات، وأنه كان من المظاهر الهندسية الآلية التي جعلت الهيكل صرحاً يجمع بين العلم والفن. فقد كان كل خط مستقيم في البارثنون، كما هو في علم الطبيعة، خطاً منحنياً، وكان كل جزء من البناء ينسحب نحو الوسط، كما هو الشأن في التصوير، انسحاباً دقيقاً بارعاً. وقد نشأ من هذا كله نوع من المرونة والرشاقة يخيل إلى الإنسان معه أنه يخلع على الحجارة نفسها حياة وحرية. وكان فوق العارضة البسيطة (العارضة الراكزة على الأعمدة) سلسلة من الحزوز والأجنبة (ما بين الحزوز) تلي كلتاهما الأخرى. وقد نقشت على الأجنبة الاثنين والتسعين نقوش بارزة تقص مرة أخرى كفاح "الحضارة" و "الوحشية" في حروب اليونان والطرواديين، واليونان والأمزونيات، واللبيثيين والقناطرة (Centaurs)، والجبابرة والآلهة. ولا شك في أن هذه الألواح من صنع فنانين كثيرين يختلفون في مهارتهم، فهي لا تعادل النقوش البديعة التي على إفريز المحراب وإن كانت بعض رؤوس القناطرة لا تقل دقة وجمالاً عن صور رمبرانت Rembrandt، وإن كانت هذه الرؤوس قد صنعت من الحجارة. وكان في قواصر السقف الهرمي طائفة من التماثيل المقامة من حجارة منحوتة كبيرة الحجم، وفي القوصرة الشرقية المقامة فوق المدخل، كان يسمح للزائر أن يشهد مولد أثينة



 صفحة رقم : 2238   



قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> البارثنون


من رأس زيوس. وفي هذا المكان يشاهد تمثالاً متكئاً لثسيوس قوي الجسم جباراً، قادراً على تفكير الفلاسفة وسكون المتحضرين، وتمثالاً جميلاً لإيريس Iris (وهي هرمس في صدرة نسوية) في ثياب ملتصقة بجسمه ولكنها تلعب بها الريح، لأن فدياس كان يرى أن الريح التي لا تلعب بالثياب نذير سوء. وهناك أيضاً كان تمثال فخم لهيبي Hebe إلهة الشباب التي كانت تصب الرحيق في كؤوس الآلهة الأولمبية، وثلاثة تماثيل رائعة "للأقدار". وكان في الركن الأيسر أربعة رؤوس جياد- تبرق أعينها، وتنخر مناخيرها، وتزبد أفواهها وهي مسرعة في عدوها، تعلن شروق الشمس. وفي الركن الأيمن يسوق القمر للمغيب عربته ذات الجياد الأربعة والرؤوس الثمانية أجمل رؤوس للخيل في تاريخ النحت كله. وفي القوصرة الغربية نرى أثينة تنازع بسيدن السيادة على أتكا. وهناك أيضاً كانت خيول، كأنها وضعت لتكفر عن سخافات الإنسان الكثيرة، وكانت هناك تماثيل لأناس متكئين تمثل في فخامتها غير الواقعية نهيرات أثينة الصغيرة. ولعل تماثيل الرجال كانت كثيرة العضلات فوق ما يجب، ولعل تمثيل النساء كانت أكبر مما ينبغي،ن ولكننا نشاهد تماثيل قد تجمعت بحالتها الطبيعية التي تجمعت بها هنا، وقلما نرى تمثيل بهذه الكثرة قد نسقت في ذلك المكان الضيق من قوصرة البناء. ويصفها كنوفا Canova وصفاً لا نشك أنه قد غالى فيه فيقول: "إن سائر التماثيل من حجارة أما هذه فمن لحم ودم". وأجمل من هذه وأكثر منها جاذبية صور الرجال والنساء التي في الإفريز، فهنا نشاهد أشهر النقوش كلها على الإطلاق تمتد إلى مدى 525 قدماً في أحد الجدران الخارجية للمحراب، وفي داخل الرواق. وأكبر الظن أن هذه



 صفحة رقم : 2239   



قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> البارثنون


النقوش تمثل فتيان أتكا وفتياتها يقدمن الهدايا وفروض الطاعة للإلهة أثينة في يوم الاحتفال بألعاب الجامعة الأثينية، فترى جزءاً من الموكب يتحرك بمحاذاة الجانبين الغربي والشمالي، وجزءاً آخر يتحرك بمحاذاة الجانب الجنوبي، ثم يلتقيان في الواجهة الشرقية أمام الإلهة، وهي تقدم في فخر وكبرياء هدايا المدينة وجزءاً من مغانمها إلى زيوس وغيره من الآلهة الأولمبية. وهناك أيضاً فرسان حسان تتمثل فيهم المهابة والرشاقة فوق خيول أجمل منهم، وعربات تقل طائفةً من كبراء المدينة تتبعهم جماعات من العامة تبدو عليهم مظاهر السعادة وهم يسيرون في الموكب رجالاً. ونرى فتيات حساناً، وشيوخاً هادئين يحملون أغصان الزيتون وصحاف الكعك، ونرى الخدم وعلى أكتافهم أباريق من الخمر المقدسة، ونساء موقرات يحملن إلى الإلهة الأثواب الخارجية التي نسجنها وطرزنها استعداداً لهذا اليوم المقدس وقبل أن يحل بزمن طويل. وترى الأضحية تمشي لتلاقي مصيرها وهي صابرة كالأثوار أو غاضبة عارفة بما ينتظرها من بلاء، وعذارى الطبقات الراقية يأتين بآنية الطقوس والتضحية، وموسيقيين يعزفن على القيثارات أناشيد خالدة لا تسمع لها نغماً. وقلما نرى حيوانات أو أناس قد بذل في تكريمها من الفن مثل ما بذل في هذه النقوش، فقد استطاع المَثالون بما رسموا وظللوا فيما لا يزيد على بوصتين ونصف بوصة من النقش البارز أن يخدعوا العين فيخيل إليها أن جواداً أو فارساً بعيداً عن الآخر،ن وإن كان أقربها لا يرتفع عن خلفية الصورة أكثر من سائر النقوس(51). ولربما كان من الخطأ أن يكون هذا النقش البديع عالياً لا يستطيع الناظر إليه أن يتأمله في يسر وراحة ويستوعب كل ما فيه من رونق وجمال، وما من شك في أن فدياس كان يعتذر عن هذا وهو يغمز بعينيه بحجة أن الآلهة كانت تستطيع رؤيته، ولكن الآلهة كانت تحتضر وهو ينقش هذه النقوش.



 صفحة رقم : 2240   



قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> البارثنون


وكان مدخل الهيكل الداخلي تحت الآلهة الجالسة المنقوشة في الإفريز. وكان داخل هذا الهيكل صغيراً نسبياً لأن معظم الفراغ كانت تشغله صفوف من الأعمدة الدورية التي تحمل السقف وتقسم المحراب إلى صحن وممشيين، وفي الطرف الغربي كان سنا أثواب أثينة الذهبية يذهب بأبصار عبادها، وكان رمحها ودروعها وأفاعيها توقع الرعب في قلوبهم. وكان من خلفها حجرة العذارى تزينها أربعة أعمدة دورية الطراز. وكان في الألواح الرخامية التي تغطي السقف من الصفاء ما يسمح بنفاذ بعض الضوء إلى صحن المحراب، ومن العتمة ما يكفي لمنع الحرارة عنه، هذا إلى أن التقى، كالحب، يصد عن المتقين حر الشمس. وكانت الطنف منقوشة نقشاً دقيقاً بذل فيه الكثير من العناية، وكانت تعلوها وقايات من الآجر ركبت فيها ميازيب لإزالة مياه الأمطار. وكانت أجزاء كثيرة من الهيكل مطلية بالألوان الزاهية الصفراء والزرقاء والحمراء. فأما الرخام فقد طلي باللونين الزعفراني واللبني، وكانت الخروز وبعض النقوش زرقاء، وكذلك كانت أرضية الإفريز. أما الواجهة فكانت حمراء، وكان كل ما فيها من الصور ملوناً(52). وقد فضل اليونان الألوان الناصعة على الألوان الهادئة لأنهم شعب اعتاد جو البحر الأبيض المتوسط ولأن في طاقته أن يتحمل الألوان البراقة، بل هو يفضلها عن الألوان الخفيفة الهادئة التي توائم جو شمال أوربا القاتم. والآن وقد تجرد البارثنون من ألوانه فإنه يبدو أجمل ما يكون في الليل حين تظهر من الفراغ الذي بين العمد مناظر السماء المتغيرة، أو منظر القمر معبود الأقدمين، أو أضواء المدينة النائمة مختلطة بتلألأ النجوم .



 صفحة رقم : 2241   



قصة الحضارة -> حياة اليونان -> العصر الذهبي -> الفن اليوناني في عصر بركليز -> البناؤون -> البارثنون


لقد كان الفن اليوناني أعظم ما أبدعه اليونان، ذلك أن روائعه، وإن لم تقو على مقاومة عوادي الأيام، قد بقى من صورتها وروحها ما يكفي لأن يجعلها نبراساً تهتدي به كثير من البلدان.ولقد كان في هذا الفن أخطاء، شأنه في هذا شأن كل عمل يعمله الإنسان، فقد كانت التماثيل تعنى بالجسم فوق ما يجب أن تعنى به، وقلما كانت تنفذ إلى الروح، فهي تحملنا على الإعجاب بكمالها، لا بالشعور بما فيها من حياة. وكان شكل المباني وطرازها محصورين في حدود ضيقة، وظلت هذه المباني مدى ألف عام متشبثة بالشكل الرباعي البسيط الذي أخذته عن المباني الميسينية ، ولم تكن تبتدع شيئاً في غير ميدان الدين، ولم تحاول إلا طرق البناء السهلة، وتجنبت الأساليب الصعبة كالأقواس والقباب، ولعلهم لو أقدموا عليها لوجدوا فيها ميادين للعمل واسعة. وكانوا يقيمون سقفهم بالطريقة غير الجميلة طريقة العمد الداخلية المقامة بعضها فوق بعض. وكانوا يزحمون داخل هياكلهم بالتماثيل التي لا يتناسب حجمها مع حجم البناء الكلي، وكانت زينتها تنقصها البساطة والتحفظ اللذين يتوقع الإنسان وجودهما في طراز أبنية العصر الذهبي. على أنه مهما تكن أغلاط ذلك الفن فإنها لا ترجح تلك الحقيقة الماثلة في الأذهان، وهي أن الفن اليوناني قد خلق على طراز أبنية العصر الذهبي. وجوهر هذا الطراز- إذا سمح لنا أن نذكر مرة أخرى موضوع هذا الفصل قبل أن نختمه- من حيث نظامه وشكله هو: التوسط والاعتدال في التخطيط والتصميم والتغيير، والتزيين، والتناسب بين الأجزاء، والوحدة التي تشمله كله، وعلو سلطان العقل دون أن يقضي بذلك على الشعور، والكمال الهادئ الذي يقنع بالبساطة، والسمو الذي لا يدين بشيء إلى انضمامه. ولم يكن لطراز من الأبنية اللهم إلا الطراز القوطي، من الأثر مثل ما كان لهذا الطراز، والحق أن التماثيل اليونانية لا تزال هي المثل الأعلى في فنها، وقد ظلت العمد اليونانية حتى الأمس القريب هي المسيطرة على فنون العمارة تحول دون قيام طرز أخرى أجمل منها وأوقع في النفس. وإن من الخير أنا قد أخذنا نتحرر من سيطرة الفن اليوناني لأن كل شيء، حتى الكمال نفسه، يصبح ثقيلاً بغيضاً إذا لم يتغير. ولكننا بعد أن يتم تحررنا بزمن طويل سنجد علماً وحافزاً في هذا الفن الذي كان حياة العقل ممثلة في ذلك الطراز، وهو خير ما أهدته بلاد اليونان إلى بني الإنسان.