افتح القائمة الرئيسية

حوض النيل فرص واشكاليات التعاون

حوض النيل فرص واشكاليات التعاون حوض النيل

فرص وإشكاليات التعاون

د. أحمد ابراهيم محمود

هاني رسلان

محمد فايز فرحات

د. محمد سالمان طايع


الناشر:مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام

إصدار: 2009، القاهرة


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

محتويات

الفهرس

• تقديم • المقدمة • الفصل الأول: تفاعلات البيئة السياسية في حوض النيل • الفصل الثاني: مستقبل التعاون بين دول حوض النيل: قراءة في خبرات التعاون الاقليمي. • الفصل الثالث: إشكاليات الأمن المائي في حوض النيل • الفصل الرابع: مبادرة دول حوص النيل .. مدخل لتعزيز التعاون الجماعي • الفصل الخامس: دور المؤسسات والقوى الدولية في تسوية قضايات المياه: حالة حوض النيل.


مقدمة

اكتسبت عملية ادارة الموارد الاستراتيجية الدولية، وفي مقدمتها الأنهار. أهمية متزايدة في العقد الأخير. ويرتبط هذا الاهتمام بتجاوز عملية ادارة الموارد المائية لجوانبها الاقتصادية إلى مناطق السيادة الوطنية للدول، ودخول المؤسسات الدولية كطرف في عملية رسم السياسات المائية المدعمة بالبرامج الفنية والاقتصادية. لذا تبدو حالة الاهتمام المتزايدة بالسياسات المائية، ومحاولة بلورة موقف تجاه قضايات المياه والتنمية في منطقة حوض نهر النيل، محل تساؤل رئيسيا حول اماكنية أن تشكل قضية المياه مدخلا لتجاوز الخلافات الثنائية من جانب، وإطارا لتدعيم سبل التعاون الجماعي، من جانب آخر.

فمع ما تمثل المياه من عامل ترجيح للعديد من المشروعات التنموية في دول الحوض، تبدو صورة التفاعلات في جوانبها السلبية أكثر بروزا ووضوحا من جملة التفاصيل التي تحمل بين جوانبها الكثير من التطورات والمستجدات الإيجابية.

فدول الحوض لا تزال عرضة لمخاطر الجفاف الدوري والفيضانات، وعرضة لتدهور مستوى المياه وسلامتها، كذلك لمخاطر الحروب الأهلية والمجاعات، بالإضافة لما تعكسه حقائق الزيادة السكانية وسوء استخدام المياه، والتغيرات المناخية. وبالتالي، فإن احتمالات النزاع على المياه تبقى أمرا يصعب إستبعاده. خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار مجموعة الصعوبات والتعقيدات التي تحفل بها التفاعلات السياسية في منطقة الحوض، وعدم نجاح دول الحوض في إيجاد منظمة إقليمية فرعية.

وبعديات عن الخوض في التحديات السابقة وتفاصيل التطورات الدولية التي انعكست بتأثيراتها على منطقة الحوض، ربما يكون من الضروري الإشارة إلى جملة من التطورات الرئيسية التي تتمثل في مجموعة المستجدات للكثير من التفاعلات الإقليمية التي تشهدها منطقة الحوض، لاسيما في بعدها المائي، والتي مكن رصد بعضها في التالي:

المستجد الأول: يتعلق بمحورية قضية المياه كحمور للتعاون الإقليمي وكمحدد لتشكيل التجمعات الاقتصادية الاقليمية. فقد شهد العقد الأخير تشكيل العديد من التجمعات الإقليمية التي استندت إلى نطاق جغرافي يكتسب تحديده من المسطح المائي مثل حال الآبك الذي يضم الدول المطلة على جانبي المحيط الهادي، وحالة مشروع المشاركة الأوروبية المتوسطية الذي يضم الدول المطلة على جانبي البحر المتوسط وحالة تجمع دول المحيط الهندي الذي يضم الدول المطلة على المحيط الهندي.

ورغم عدم تشابه حالة تجمع دول حوض نهر النيل مع الحالات السابقة في أبعاد كثيرة، إلا أن اتساع فكرة التعاون وتجاوز منطق النطاق الجغرافي التقليدي يعدان من أبرز التحولات التي يشهدها مجال العلاقات الدولية حاليا.

المستجد الثاني: يعلق بالاتفاقية الدولية الخاصة بقانون الاستخدامات غير الملاحية للمجاري المائية الدولية التي تم إقرارها من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة في 21 مايو 1997. فقد هدفت الاتفاقية إلى وضع القواعد الاساسية التي يتم بمتقضاها تقاسم الموارد للأنهار بشكل عام. على أن يتم صياغة اتفاقية خاصة بكل نهر تنسق مع الاتفاقية العامة ومن أبرز ما تضمنته الاتفاقية ذلك النص على إلغاء الاتفاقيات القائمة، مع إعطاء الفرصة للدول الأطراف في اتفاقيات قائمة بالفعل (وهو ما أدى للتحفظ المصري) أن تنظر – إذا ما رغبت وعلى أساس اخيتاري بحت – في إمكانية تحقيق مواءمة بين هذه الاتفاقيات وتفضيلات مهمة لصالح دول المصب والمجرى الأوسط، في مواجهة دول المنابع لما وضعته من قواعد وأحكام خاصة بالأضرار الجسيمة وإعمال مبدأ التقاسم العادل أو المنصف، إلا أنها شهدت تحفظات من جانب بعض الدول، فجاءت نتيجة التصويت بأغلبية 104 واعتراض من ثلاث دول (الصين وتركيا وبوروندي) وامتناع 27 دولة عن التصويت (من بينها مصر وفرنسا وإثيوبيا). هذا التباين في المواقف والذيي عتبر أيضا عن تباين في المصالح والرؤى امتد إلى مواقف دول حوض النيل بشأن الاتفاقية الجديدة، ففي حين وافقت السودان وكينيا، غابت كل من إريتريا وأوغندا والكونغو الديموقراطية عن التصويت، في الوقت الذي امتنعت فيه عن التصويت كل من رواندا وتنزانيا ومصر وإثيوبيا.

والحقيقة البارزة في هذا الإطار، أن الاتفاقية الجديدة بوصفها اتفاقية إطارية، قد لا يكون لها تطبيق مباشر على العلاقات بين دول الحوض، ولكنها تشكل نموذجا وقاعدة لما يجب أن تكون عليه هذه العلاقات.

المستجد الثالث: يتعلق بتجاوز نداءات البنك الدولي الخاصة بتسعير المياه خلال اجتماعات الهيئة الدولية للموارد المائية التي عقدت في لاهاي في مارس 2000، بعد إقرار الرؤية العالمية المستقبلية للمياه، والتي تقوم على مجموعة من الركائز الأساسية أبرزها، سياسة استعاضة التكاليف لمشروعات توفير المياه بدلا من بيعها، وإشراك القطاع الخاص بنظام الاستثمار العالمي المعروف باسم (B.O.T).

المستجد الرابع: يتعلق بوضعية مصر كدولة مصب وما يلوح في الأفق من إمكانية لاختلاق المعادلة الحاكمة لتدفق مياه النهر إليها. فمتطلبات التنمية في دول أعالي النهر ومحاولة هذه الدول لتغيير أسلوب الري بالاعتماد على الري الدائم وليس الأمطار في الزراعة، بالإضافة إلى مشروعات الطاقة الكهربائية، تعني أ، هناك تغييرا، إلى حد ما، يتعلق بالمقولات التقليدية حول عدم حاجة دول أعالي النهر إلى مياه النهر. هذه النتيجة التي ضمنت لمصر الاحتفاظ بوضع متميز ضمن لها تدفق مياه النهر منذ آلاف السنين وحتى الآن (سواء لانخفاض كثافة سكان هذه الدول، أو لتمتعها بموارد مائية أخرى، أو لتدهور أوضاعها الاقتصادية، أو لوجود اتفاقيات دولية)، تبدو محل مراجعة كبيرة من جانب تلك الدول وهو ما تظهره "مبادرة حوص النيل".

المستجد الخامص: يتعلق بمواقف ودور العديد من دول الحوض على المستوى الاقليمي ووقوع العديد من التطورات الإقليمية والدولية ذات المردود (السلبي والإيجابي) على نمط التفاعلات البيئية فيما بين تلك الدول . فمن الملاحظ أن هناك تغييرات في الأوزان النسبية لهذه الدول يتجاوز المعطيات الجغرافية والمواريث التاريخية، بشكل يتجاوز التناول التقليدي لقياس أدوار الدول وتأثيرها على النطاقين الإقليمي والدولي، إذ تبرز دول مثل كينيا وأوغندا وتنزانيا بأدوارها النشطة على المستوى الإقليمي بما يتجاوز قدراتها قياسا بدول إقليمية كبرى مثل مصر وإثيوبيا والسودان ، بشكل تبدو معه هذه الأدوار على حساب الدور التقليدي لهذه الدول تجاه العديد من الملفات والقضايا الساخنة.

المستجد السادس: يتعلق بموقع قضية المياه في العلاقات البينية لدول الحوض وخاصة تجاه مصر، حيث تثير التطورات الأخيرة إلى أنها لم تعد تمثل مرآة عاكسة لحدود التطور في العلاقة بين دوله، كما كان في الماضي عندما كانت تثار مسألة المياه والخلاف على الحصص في فترات التوتر من جانب السودان وإثيوبيا، الأمر الذي يطرح عمق هذا التغيير وأهمية التعامل معه من زاوية حدود القدرة على ربط دول الحوض ومجتمعاتها بأنساق من المصالح كسبيل لتقليص قدرة القيادة السياسية ورغباتها في هذه الدول في إنتهاج سياسات متعارضة مع تلك المصالح.

من هنا، قد لا يشكل التساؤل السابق عن موقع مياه النيل طرحا جديدا أو محاولة للتوصل إلى نتيجة حاسمة، بقدر ما يسعى إلى رصد التفاعلات والمستجدات الجديدة الخاصة بالتعاون المائي بين دول حوض نهر النيل العشر، والوقوف على أبرز المستجدات التي طرحتها "مبادرة دول حوض النيل"، وحدود إمكانية أن تشكل مدخلا للتعاون الإقليمي.

فعلى مستوى المبادرة، تشير جملة الأهداف المعلنة، سواء تلك المرتبطة بالأجل القصير أو الأجل الطويل، إلى استناد المبادرة إلى أكثر من صيغة وسيطة للتعاون.

فعلى المدى القصير تم الإعلان عن التالي:

• إعداد اطار التعاون المقبول من جانب كافة دول الحوض. • زيادة مستوى التعاون على مستوى الحوض في الإدارة المتكاملة للمصادر المائية، أما بالنسبة لأهداف الأجل الطويل فيتم تحديدها في التالي: • تحديد أنصبة كل دولة من دول الحوض لاستخدام مياه النيل. • تحسين أساليب استخدام مياه النيل لتحقيق الفائدة الاقتصادية والاجتماعية لكافة شعوب الحوض.

كذلك تم الاتفاق على مجموعة من المبادئ العامة منها: أن المياه حق لكل دول حوض النيل، وألا يقوم أي مشروع على الإضرار بمصالح الدول الأخرى، وأن تكون الاستفادة من أي مشروع من نصيب دولتين على الأقل من دول الحوض ، بمعنى أن الاستفادة يجب ألا تقتصر على دولة واحدة.

واذا وا أضفنا مجموعة التطورات الايجابية التي شهتدتها العلاقات التعاونية بين دول حوض النيل – وان كانت في الإطار الأوسع لاقليم حوض النيل – لاتضح لنا حدود النقلة النوعية التي عبرت عنها المبادرة. فعلى سبيل المثال: هناك منظمة الكوميسا التي تضم جميع دول الحوض ضمن أعضائها من شرق وجنوب القارة الأفريقية. وهناك أيضا اتجاه متزايد يستبعد فكرة الصراع حول مورد المياه على أساس أن سوء توزيع المياه، وليس الندرة، هي التحدي الذي يستوجب مواجهته.

كما أن توافر الارادة الجماعية لدول الحوض العشر ورغبتها في تفعيل مبادرة دول حوض النيل تعد بمثابة عامل توازن لمعادلة التفاوض حول تنظيم التعاون المائي، ومدخل لمعادلة التكامل بين تحقيق التنمية وتعزيز فرص الأمن والاستقرار. لاسيما مع ما أظهره الخلاف حول حصص المياه وتفسير مفهوم الأمن المائي من تباين وفجوة في الرؤى بين دول الحوض.

أما على مستوى جولات التفاوض التي شكل الجانب الفني فيها الحيز الأكبر من المحادثات والنقاشات، فقد اكتسبت مساحات جديدة من الأفكار والمشروعات المستندة على تغليب الاعتبارات الاقتصادية والتنموية المحددة لقيمة قطرة المياه، ومن هذه الأفكار:

• طرح منهاج تفاوضي يقوم على تحقيق توازن المصالح وعدم الإضرار بالغير. • تحديد علاقة مياه النهر بالبعد التنموي في كل دولة من دول الحوض، وذلك من خلال رفع مستوى التعاون الفني المشترك وتنويع أطره لمواجهة قضية الندرة وسوء توزيع المياه. • رفع كفاءة استخدامات الموارد المائية. • الحفاظ على نوعية المياه من التلوث. • الحد من عمليات تسييس ملف المياه بقدر أكبر مما كان في الماضي. • التعاون مع المؤسسات الدولية كطرف استشاري وداعم للتعاون الجماعي.

كما أظهرت المفاوضات متطلبات بلورة رؤية جماعية مشتركة للعديد من الإشكاليات والقيود التي أفرزتها تجارب التعاون الجماعي السابقة، وضرورة تحديد مجموعة من المحددات الرئيسية التي تمثل اطارا عاما حاكما لتطبيق المبادرة، ويأتي في مقدمة تلك المحددات القضايا التالية:

- عزل الخلافات السياسية حول العديد من القضايا الصراعية التي تشهدها منطقة القرن الأفريقي والبحيرات العظمى عن ملف المياه، وزيادة الحرص على تحقيق الاستقرار واتاحة الفرص، حتى تتوافر لتنفيذ مشروعات التعاون المشتركة. - التأكيد المصري على أهمية تجاوز تاثيرات الادراك السلبي لغالبية دول الحوض لموضوع حصص الحياه، وذلك من خلال تحرك متعدد الأبعاد: الأول هو التأكيد على احتياجات مصر من المياه وزيادة حصتها من مشروعات التعاون بنحو 11 مليار متر مكعب (بعد أن اقترب نصيب الفرد من حد الفقر المائي الشديد الذي يقدر بنحو 726 متر مكعب للفرد). البعد الثاني: هو دعم خطوات وسياسة تبادل الخبرات والكوادر المصرية مع دول الحوض والمساهمة في إنشاء مراكز لبحوث المياه في العديد من دول الحوض . البعد الثالث: هو دعم مشاركة المجتمع المدني في حوض النيل من خلال انشاء منتديات وطنية داخل كل دولة من الدول العشر تضم في عضويتها النشطاء والمهتمين من المجتمع المدني على مستوى كل دولة. مثل المنتدى العالمي لحوض النيل، والذي يعد شبكة قوية من منظمات المجتمع المدني المشتركة، ومنتدى اتحاد نقابات عمال دول حوض النيل. البعد الرابع: هو دعم مصر لمشروعات التنمية المشتركة من خلال دفع فكرة إنشاء صندوق تمويل للمشروعات والمقرر الحاقه بالبنك الأفريقي، والعمل على إنشاء تجمع لرجال الأعمال المصريين والأفارقة والأجانب لتنشيط عملية التنمية. - دعم الإطار المؤسسي لمبادرة الحوض من خلال منحة دولية تقدر بنحو 32 مليون دولار، كما تم الاتفاق على مدن المرحلة الانتقالية للمبادرة (التي انتهت عام 2007) لمدة ثلاث سنوات جديدة، مع مناقشة فكرة استبدال المبادرة بمفوضية عامة لحوض النيل تتولى الإشراف على المشروعات المشتركة التي تم إقرارها وتمولها الهيئات الدولية المانحة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن البنك الدولي رصد 700 مليون دولار لإقامة مشروعات مشتركة شريطة أن تستفيد من المشروعات دولتان أو أكثر. - الحفاظ على آلية التفاوض على مدى نحو عشر سنوات، رغم تأثرها – إلى حد ما – بتشابكات وتداخلات العديد من القضايا السياسية والاقتصادية والثقافية. وكذلك المورث التاريخي وما يحمله من حساسيات وتباينات في الرؤى والسياسات والأهداف المتعلقة بملف التعاون المائي.

ولكن في المقابل، تبدو متطلبات الإرادة السياسية لقادة دول الحوض غير متحققة. فالإعلان المتكرر عن قرب توقيع اتفاقية قانونية ومؤسسية تنظم التعاون المائي بعد أن وصلت عملية التفاوض في شقها الفني إلى النهاية، يشير بدوره إلى أن عملية التفاوض التي فرضتها مبادرة "دول حوض النيل" بنجاح، لا تزال تصطدم بعدد من القيود ذات الطابع السياسي، فمع استثناء عدم الاتفاق على مفهوم الأمن المائي، يبقى الخلاف حول الإخطار المسبق عن المشروعات المقترحة، والخلاف حول حصص مياه النيل، من نوعية القضايات الممتدة، والتي ارتبطت بمسار عمليات الشد والجذي التي فرضت نفسها على قضية التعاون المائي الجماعي.

والحقيقة أن دوران عملية التفاوض حول القضايات الخلافية السابقة، يثير بدوره المخاوف من عدم القدرة على الاستمرار في التفاوض، أو حتى الاستمرار في التفاوض دون التوصل إلى اتفاق نهائي. وتتجلى هذه المخاوف في أسلوب التعامل مع القضايا الخلافية القائمة حتى الآن. الأمر الذي يعيد للأذهان تداعيات قديمة ارتبطت بعملية تسييس ملف التعاون المائي.

ويقودنا ذلك للأنتقال بالتساؤل السابق عن موقع المياه في دعم التعاون بين دول حوض النيل، إلى التساؤل عن امكانية تحقيق هدف أكبر وأعمق مفاده إمكانية ربط المجتمعات في دول الحوض بأنساق من المصالح القادرة على تقليص قدرة القيادات السياسية ورغباتها في هذه الدول في انتهاج سياسات متعارضة مع تلك المصالح؟

الاجابة على هذا التساؤل ترتبط بالقدرة على تفعيل مجموعة من الآليات المتكملة المستندة لقاعدة الحق في التنمية وعدم الإضرار، وفي هذا السياق يمكن التأكيد على مجموعة من الاسس التي يمكن البناء عليها، نذكر منها:

- ان فلسفة التعاون الإقليمي ومقوماتها لا تزال قائمة ومرتهنة بالقدرة على تحييد القيود السياسية وعمليات التسييس التي تحيط بملف التعاون المائي هذا إلى جانب البعد عن الصيغ السياسية أحادية المصالح، كأحد دروس تجارب الماضي التي اوضحتها تجربة الإندوجو، وذلك عبر الاعتراف بحقوق الآخرين في مواجهة صعوبات الطبيعة (مثل الجفاف أو نقص الغذاء)، والتأكيد على التوافق الجماعي كشرط للتعاون.

فالمدخل الحقيقي للتعاون لابد أن يستند إلى عدد من المشروعات الاقليمية مثل التحرك نحو ايجاد منطقة تجارة حرة. وانشاء خط ملاحي نهري في نهر النيل، والربط الكهربائي، وتنمية الثروة السمكية.. الى غير ذلك من المشروعات التي من شأنها أن تعظم المكاسب وتوسع مفهوم المصلحة الجماعية. فعلى سبيل المثال، أظهر اتفاق تعاون الربط الكهربائي بين مصر وزائير أهمية توسيع التعاون في مجال الطاقة والربط الكهربائي لتجاوز مردوده السلبي على إثيوبيا في ذلك الوقت كما أن تحقق عامل الاستقرار والتركيز على قضايا التنمية من شأنه أن يعمل على استئناف مشروعات التعاون الاقليمي، وفي مقدمتها مشروع جونجلي بجنوب السودان الذي أدى توقفه إلى فقدان كميات من المياه كان من الممكن اضافتها لنصيب مصر والسودان.

- ان الاعتبارات الجيواقتصادية لنهر النيل تفرض نفسها على ما عداها من اعتبارات أخرى، وبالتالي تظهر أهمية عدم خلط التعاون الاقتصادي والتجاري بقضية تسييس مياه النيل. ورغم عدم نجاح تجارب التعاون في تحييد الدور السياسي بالقدر الكافي وعدم الانتقال بالتجارب إلى مراحل متقدمة من التعاون الجماعي ، إلا أن التجارب تشير إلى تطور نوعي في فلسفة التعاون ، وهو ما يتجلى بوضوح في مشروعات "الهيدروميترولوجية" ومشروع "التكونيل"، و"مبادرة دول حوض النيل". وان كانت الأخيرة تشكل إطارا أكثر ملاءمة ودرجة أكبر من التوافق مع الاحتياجات، وامتدادا لتجربة التكونيل التي استندت إلى 24 مشروع تعاون تشكل في مجموعها أوجه متكاملة للتعاون المائي. - بروز عملية التنمية الاقتصادية على أجندة دول حوض النيل في الوقت الراهن بدرجة أكثر الحاحا عن ذي قبل. ففي ظل تعاظم الاتجاه نحو بناء التكتلات الاقتصادية الكبرى، بالتوازي مع تزايد ضغوط متطلبات التنمية، بدت هناك ضرورة للتعامل مع مسألة الندرة وسوء التوزيع عبر كفاءة التخصيص وترشيد استخدام تلك الموارد، والجدير بالذكر في هذا الصدد، أن مبادرة دول حوض النيل وما تنطوي عليه من مشروعات، يمكن أن تعظم حجم الاستفادة من مياه النهر من خلال توفير 47 مليار م3 من المياه المستقطبة من فواقد مياه المنابع الاستوائية في الحبشة، والتي تزيد على 95% من المصادر المائية المتاحة بها، الأمر الذي يمكن معه اقتسام تلك الكميات والاستفادة منها بشكل جماعي.

تشير المحددات السابقة بدورها إلى مستويات من التحرك المطلوب لتجاوز الدوران في حلقة مفرغة من المفاوضات.

المستوى الأول: يتعلق بعدم الاكتفاء بالأداء الفني الراقي الذي تقوم به وزارة الموارد المائية المصرية مع نظيراتها من دول حوض النيل لدفع آليات التعاون المائي، والدخول في مفاضوات سياسية تراعي المصالح المشتركة وعدم الإضرار، وتعدد قنوات وسبل التعاون الجماعي.

المستوى الثاني: يستند إلى البعد التنموي الذي تتبناه العديد من دول الحوض وعلاقته بالاستخدام الأمثل لموارد المائية الموجوة، وتحديد الشروط التي يجب اتباعها ليكون هذا الاستخدام متجاوزا للتقلبات غير المتوقعة، مع الأخذ في الاعتبار دراسة المطالب المتعلقة بتغيير نمط الري وتحويله من ري مطري إلى ري دائم، لاسيما بالنسبة لإثيوبيا والسودان وكينيا من جانب، والرغبة في التوسع الزراعي حول ضفاف النيل والاعتماد على مياه النهر دون غيره من بدائل متاحة، من جانب آخر.

المستوى الثالث: يعتمد على إشراك المنظمات الشعبية في شبكة من التفاعلات البينية على مستوى المجتمعات في دول الحوض. ورغم المؤشرات الايجابية التي يشهدها هذا المستوى إلا أنها لا تزال محدود التاثيرة والعدد. وان كانت مبادرة دول حوص النيل قد لمست وأكدت على هذا المستوى من التفاعل، فإن مقتضيات تغيير الصورة الذهنية المتبادلة والادراك الحقيقي لمتطلبات التعاون الجماعي تتطلب تصحيح بعض المقولات والبيانات والمعلومات الخاطئية، الأمر الذي يسهم في تفهم المجتمع الأفريقي للمواقف المصرية من بعض القضايا الخلافية مع حكوماتها. ومن ثم يكون له تاثير ايجابي على السياسات الرسمية.

تشير هذه المعطيات إلى نتيجة رئيسسية مفادها أن استمرار آلية التفاوض، ومحاولة التوصل إلى اتفاقية مؤسسية وقانونية تنظم التعاون المائي، تمثل أحد الدروس التي تم تعلمها من خبرة التعاون الماضية، كما أن التوصل لمثل هذه الاتفاقية في حال تحققها يعبر عن تطور نوعي في مستوى التعاون الجماعي لدول الحوض ومستقبله.

واتساقا مع هذه الرؤية، فقد سعى هذا الكتاب بفصوله الخمسة لطرح مبادرة دول حوض النيل كمؤشر على مساحة التفاعل الجماعي بشكل عام، والتعاون المائي بشكل خاص، وحدود القدرة على تغليب الأنماط التعاونية على الأنماط الصراعية التي شكلت سمة غالبة على التفاعلات البينية فيما بين دول الحوض عبر فترات زمنية ممتدة.

في النهاية، يبقى انجاز هذا المشروع البحثي والكتاب الصادر عنه، محصلة لجهد بحث جماعي تبلور عبر سلسلة من المناقشات الجماعية للفريق البحثي سواء فيما بينهم أو عبر تفاعلهم مع مجموعة من الخبراء والباحثين المتخصصين من خلال ورشة عمل عقدت لهذا الهدف. وفي هذا السياق يود المحرر والباحث الرئيسي للمشروع أن يتوجه بالشكر لمؤسسة فريدريس إيبرت على رعايتها لهذا العمل البحثي.

المحرر



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفصل الأول: تفاعلات البيئة السياسية في حوض النيل (هاني رسلان)

مقدمة

دون سائر الأنهار في العالم يتميز نهر النيل بالعديد من المميزات التي تجعله فريدا، فهو أطول نهر في العالم ويشارك في حوضه الدول العشرة المعروفة وهي : مصر والسودان وإثيوبيا وإريتريا وكينيا وأوغندا وتنزانيا والكونغو الديموقرطية، بالإضافة إلى كل من رواندا وبوروندي. ويجري النيل من الجنوب إلى الشمال عابرا عدة أقاليم مناخية من الاستوائي إلى الصحراوي، كما أنه من أكثر الأنهار تذبذبا في الإيراد المائي، متقلبا بين الفيضان والجفاف، الأمر الذي يستدعي ضرورة التحكم فيه.

ورغم هذا المورد المهم والمتميز، فإنه من المعروف أن كل دول حوذ النيل تقع في عداد الدول النامية، بل إن معظمها حسب تصنيف الأمم المتحدة يعد من أقل دول العالم نموا، كما أنها غير مستقرة سياسيا، اذ تعاني من حدة الصراعات المسلحة والحروب الأهلية، بالاضافة غلى انتشار حالات المجاعة وسوء التغذية والعطش، الأمر الذي أدى إلى استمرارية التخلف وعدم استغلال الموارد المتاحة.

وتتسم البيئة السياسية لدول حوض النيل بأن هناك بعض المحددات الرئيسية لتفاعلاتها الرئيسية، يأتي على راسها العنصر المتمثل في مسألة تأمين تدفقات مياه النيل، ومصادر هذه التدفقات وطبيعة المعادلة الحاكمة لعملية توزيع الموارد.

العنصر الثاني يتمثل في طبيعة الصراعات القائمة في منطقة حوض النيل، والتي تتعدى الأشكال المعتادة في الصراعات الأفريقية، حيث إنها تدخل في إطار نمط الصراعات الاجتماعية الممتدة.

أما العنصر الثالث فيرتبط بمتغيرات النظام الدولي في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر وتعاظم الدور الأمريكي في المنطقة، والذي ارتبط بوجود إسرائيلي مكثف في عدد من دول الحوض.

ومن ثم، فإن هناك تساؤلات مشروعة تنبع من حقيقة التفاعلات الاقليمية الراهنة في حوض النيل، والتي تحاول اعادة رسم خريطة المنطقة، بما يعيد التوازن الاقليمي القلق الذي يحكم تفاعلات دول الحوض، منذ أن وضعت الحرب الباردة أوزارها.

وفي هذا الاطار يمكن مناقشة أرب قضايا أساسية:

أولا: الخلافات المتعلقة بالمياه.

ثانيا: قضايا الاستقرار السياسي الداخلي لنظم الحكم والمجتمع في الحوض.

ثالثا: قضايا التحول نحو الديموقراطية التعددية.

رابعا: العامل الخارجي وأثر التنافس الدولي.

أولا: الخلافات المتعلقة بالمياه

تحيط بهذا القضية الكثير من العوامل والتفاصيل التي لا يتسع لها هذا السياق، والتي سيتم مناقشتها في فصول أخرى من هذا الكتاب. إلا أنه تجدر الإشارة إلى أن قضية تنظيم المياه وتوزيعها واستغلالها تزداد خطورة للعديد من الأسباب، ومن أهمها ما يلي: - عدم وجود تنظيم حقيقي حتى الآن بين دول الحوض يحسم عملية توزيع المياه واستغلالها، خاصة أن مبادرة حوض النيل لا تزال أمامها أشواط عدة حتى يتم التوافق على أطرها وتتحول إلى كيان وبناء تنظيمي ملزم وفعال، ولاسيما في ظل وجود بعض الدعوات التي تظهر من وقت إلى آخر في بعض دول المنبع مثل كينيا وأوغندا تطالب بحق هذه الدول في التعامل مع مياه النهر عبر اجراءات منفردة، كما أن اثيوبيا التي تسهم وحدها بأكثر من 80% من جملة إيردات النهر، تمثل عقبة حتى الآن أمام قيادة تنظيم قانوني حقيقي يجمع كل دول الحوض، حيث ترى أن من حقها الاستفادة من هذه المياه. بالاضافة إلى أن القيادة الإثيوبية تسعى بعد إعادة ترتيب أوضاع الدولة الجديدة في مرحلة ما بعد عام 1991 إلى تقديم نفسها كفاعل اقليمي قوي في منطقتي حوض النيل والقرن الأفريقي، واللذين يمكن النظر إليهما كمنطقة متصلة من خلال الاستراتيجية الأمريكية التي تسعى إلى بناء القرن الأفريقي الكبير. - وجود تنافس حقيقي بين دول حوض النيل حول إنتاج أنواع معينة من الحاصيل التي تحتاج إلى كميات غزيرة من المياه. - وجود العديد من الصراعات والعداوات بين دول الحوض، والاقتتال الداخلي في بعضها الآخر كما هو الحال في الكونغو الديموقراطية وأوغندا.

ثانيا: قضايا الاستقرار السياسي في حوض النيل

تعاني دول المنطقة من مشكلات عدة، انعكست بشكل مباشر على أنظمة الحكم والسياسة، الأمر الذي أدى إلى عدم استقرارها وتغيرها بشكل مستمر ودائم، ويمكن في هذا السياق أن نميز بين ثلاثة مستويات لحالة عدم الاستقرار السياسي التي تسود دول الحوض.

1- التغير العنيف للقيادة السياسية: عكس التغير العنيف للقيادة السياسية في بعض دول الحوض خطورة علمية تداول السلطة وإشكالية الخلافة السياسية، حيث ظهر في بلدان الحوض جيل من القادة الذين تولوا السلطة عن طريق القوى، مثل يوري موسيفيني في أوغندا، وملس زيناوي في إثيوبيا، وأسياسي أفورقي في إريتريا. وحاول هؤلاء بعد ذلك اكتساب الشرعية من خلال التحالف مع بعض التوجهات الغربية ، خصوصا الأمريكية. 2- الصراعات العرقية والإثنية: تشهد دول حوض النيل تباينات عرقيا وتعددا اثنيا واضح المعالم تم توظيفه في معظم الأحيان لتحقيق أهداف ومآرب سياسية خاصة لمصلحة جماعة حاكمة دون أخرى، وهو ما أدى إلى تصعيد التوترات الاجتماعية والسياسية بين هذه الجماعات المتمايزة.

ولعل (منطقة البحيرات العظمى) تطرح نموذجا واضحا لهذا النمط من الصراعات، فليس بخاف أن إحدى إشكاليات الصراع وعدم الاستقرار في هذه المنطقة يرتبط في المقام الأول بحقيقة الروابط والتفاعلات العرقية بين التوتسي Tutsi والهوتو Hutu، وعدم تطابقها مع الحدود السياسية الموروثة عن العهد الاستعماري. فاذا كان اجمالي سكان كل من رواندا، وبوروندي يبلغ قرابة عشر مليون نسمة فإن 85% منهم ينتمون إلى قبائل الهوتو موزعين عبر الحدود الرواندية البوروندية مع دول الجوار الأخرى، فثمة نحو أربعمائة الف من التوتسي (وبعضهم من الهوتو) يحاولون اقتفاء أثر أجدادهم في منطقة شرق الكونغو الديموقراطية سواء في مقاطعة شمال كيفو (ألبانيا رواندا) أو في مقاطعة جنوب كيفو (ألبانيا مولينجي).

كما أن هناك قرابة المليون من الهوتو موزعون على الحدود التنزانية مع كل من رواندا وبوروندي، أضف إلى ذلك عشرات من التوتسي، والهوتو الذين يعيشون في منطقة الحدود الأوغندية الرواندية، ولا يخفى أن هذه الروابط العرقية هي التي خلقت تحالفات سياسية اقليمية كتلك القائمة بين نظام حكم الرئيس موسيفيني في أوغندا ونظام حكم الأقلية من التوتسي في كل من رواندا وبوروندي. ومن جهة أخرى فإن الهوتو يجدون تعاطفا من قبل دول مثل تنزانيا وكينيا والسودان.

وفي بعض الحالات مثل الكونغو الديموقراطية أدى الصراع الإثني والعرقي إلى ظهور نمط الدولة المنهارة، حيث ظهر هذا النمط الجديد من أشكال الدولة الإفريقية خلال الحقبة الجديدة للعولمة، والذي أطلق عليه دولة أمراء الحرب المحليين.

وتجدر الإشارة إلى أن ظاهرة الصراعات العرقية والإثنية أصبحت تمثل بعدا حاكما في نمط تطور بلدان حوض النيل، وتضع قيودا هائلة على عمليتي التنمية والتحول الديمقراطي. بما في ذلك في البلدان التي كان ينظر إليها أنها أكثر تقدما، وأنه مؤهلة للتطور والنمو أكثر من غيرهاز ونخص هنا حالتين هما كينيا والسودان، واللتين سوف تتناولهما هذه الورقة بقدر من التفصيل كدراستي حالة تتمتعان بسمات وخصائص دالة.

3- المحاولات الانفصالية والحروب الأهلية وخلافات الحدود: أفضت عمليات الاقتتال المسلح داخل حدود العديد من دول الحوض إلى تكريس حالة عدم الاستقرار السياسي للنظم السياسية القائمة، ولعل الحالتين الأبرز في هذا المجال حالة الحرب الأهلية في جنوب السودان، والتي دامت في جولتها الأخيرة 21 عاما، وانتهت بتوقيع اتفاق نيفاشا في يناير 2005، والذي حصل اقليم الجنوب بمقتضاه على حق تقرير المصير في عام 2011، الأمر الذي جعل حدود السودان الحالية محل تساؤل: وهل سيبقى السودان بحدوده المعروفة عند الاستقلال في يناير 1956 أم أن الجنوب سينفصل ليكون الدولة الحادية عشرة في الحوض. بالإضافة الى أن هذه التسوية قد أطلقت – حتى قبل أن يتم توقيعها – تداعيات أخرى من أبرزها أزمة دارفور.

المثال الثاني يتضح لنا في حالة جيش الرب الأوغندي الذي يقاتل ضد نظام موسيفيني في شمال أوغندا، كما يتخذ من منطقة جنوب السودان مسرحا لعملياته، أو يستخدمها كقاعدة خلفية لهذه العمليات ، بحكم انتماء عدد كبير من أفراد هذا الجيش إلى قبائل الأشواللي العابرة للحدود بين أوغندا والسودان.

وهناك أيضا كمثال ثالث، العداوات ذات الطابع الحركي العنيف في إثيوبيا بين بعض الإثنيات والبعض الآخر.

أما الخلافات الحدودية فمن أشهرها الخلاف الذي لازال قائمة بين إثيوبيا وإريتريا حول الحدودز الذي تسبب في حرب طاحنة بين البلدين، بالإضافة إلى وجود العديد من النزاعات في هذا الشأن بين إثيوبيا والسودان والسودان وكينيا.

وقد أثبتت الأحداث أن عمليات التفاعل المكثف عبر المناطق الحدودية بين الجماعات العرقية الإثنية والثقافية المختلفة، تمثل في لحظات التعاون تواصلا بشريا واقتصاديا وطبيعيا، أما في لحظات الأزمات والصدام فإنها تمثل خطورة حقيقية، حيث تزداد نسبة الخسائر المادية والبشرية.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ثالثا: قضايات التحول نحو الديمقراطية التعددية

مع التغيرات التي شهدها النظام الدولي، خاصة بعد إنهيار الاتحاد السوفيتي ودول المنظومة الاشتراكية في شرق أوروبا، أضحى الحديث عن التعددية والديمقراطية، مسيطرا على لغة الخطاب السياسي والحوار الفكري والمنتديات الثقافية في كثير من مناطق العالم ومن بينها القارة الأفريقية. كما أن الدول الغربية المانحة بدأت تفرض ما يسمى بالشروط السياسية، التي تنص على ضرورة الأخذ بنظام السوق، والتعدد الحزبي من أجل الحصول على القروض والمساعدات من هذه الدول.

إلا أن ظروف التحول الديمقراطي التي شهدتها كثير من الدول الأفريقية منذ أواخر الثمانينات، أدت إلى حدوث اضطرابات عنيفة. ويفسر البعض ذلك بأن حالة الانفتاح والحرية السياسية تؤدي إلى ظهونر المتناقضات والانقسامات المجتمعية التي ظلت مكبوتة فترة طويلة في ظل نظم الحكم التسلطية، لاسيما اذا كانت جماعة عرقية معينة مسيطرة على الحكم، وتقوم بقمع الجماعات الأخرى.

فالتحول الديمقراطي لا يضمن بالضرورة احتواء التناقضات العرقية، أو الصراعات الداخلية في الدول الأفريقية.

ويمكن أن نشير إلى العديد من الحالات التي أخفقت فيها عمليات التحول الديمقراطي في تحقيق الإستقرار، بل أنها تسببت في ازدياد حدة الصراعات الداخلية، وتقويض دعائم الاستقرار الداخلية، ومن هذه الحالات بوروندي، كما أن التجربة الأوغندية لازالت تواجه الكثير من المشكلات، ولم تسطتع أن تقدم بديلا مقنعا للإثنيات الرافضة للنظام، بالاضافة إلى المثال الأحدث المتعلق بكينيا، اذ كادت الاوضاع في كينيا تنزلق إلى الحرب الأهلية إثر الخلافات والصدامات التي اندلعت بعد إلان نتائج الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي أجريت في نهاية عام 2007.

وأيا كان الأمر فإن حدة الصراعات العرقية والسياسية في الواقع الأفريقي ترتبط بدرجة الاستجابة لمطالب الجماعات العرقية ، فثمة مطالب قابلة للتفاوض مثل المطالبة بالمساواة بين الجامعات العرقية المختلفة في عملية توزيع الثروة والسلطة، فالجماعة أو الجماعات المهيمنة في المجتمع تسعى دوما إلى الحفاظ على الوضع القائم الذي يضمن لها الهيمنة على باقي الجماعات.

رابعا: العامل الخارجي واثر التنافس الدولي

لعل تقسيم القارة الافريقية بين القوى الاستعمارية الأوروبية الكبرى في مؤتمر برلين 1884-1885 يمثل نقطة فارقة في التطور السياسي والاجتماعي الأفريقي. ومن الملاحظ أن الحدود الاستعمارية التي رسمت على خرائط أوروبا عكست بالأساس مصالح القوى الاستعمارية، ولم تعترف بالمصالح الأفريقية. وعليه، فإن الحدود الموروثة عن الاستعمار أدت إلى تقسيم الجماعات العرقية بين دولتين أو أكثر، كما أنها من جهة أخرى أدت إلى وجود جماعات عرقية ذات تاريخ من العداء والصراع داخل حدود إقليمية واحدة، وهو الأمر الذي شجع على تزايد حدة الصراعات العرقية في كثير من المواقف.

وعلى صعيد الإدارة والحكم في العهد الإستعماري، نجد أن الحكومات الاستعمارية قد لجأت إلى تغيير الخريطة العرقية في المستعمرات الأفريقية سواء من حيث عمليات الفك أو التركيب، ففي حالات معينة عمد المسؤولون الأوروبيون إلى خلق وحدات عرقية جديدة، والمثال على ذلك حالة الأنجالا في القرن التاسع عشر، والتي أطلقها الاستعمار البلجيكي لتشمل كل الشعوب القاطنة على طول نهر زائير، ثم تم توسيع هذا الاصطلاح ليشمل أولئك الذين هاجروا من حوض النهر إلى المنطقة الحضرية في كينشاسا.

لقد شجع الاستعمار الاوروبي المشاعر العرقية بين الأفارقة، وجرى التأكيد على الاختلافات بين الجماعات العرقية، بينما تم إغفال وتهميش أوجه التشابه بغية صرف الانتباه عن الاستغلال الاستعماري.

وفي الوقت الحاضر نلاحظ أن هذه الأوضاع يعاد توظيفها من جديد في إطار التنافس الجديد بين الصين والولايات المتحدة، وكذلك الصراع المستتر بين فرنسا والولايات المتحدة، خاصة أن منطقة البحيرات وحوض النيل بشكل عام يمثلان أهمية خاصة بالنظر إلى ما تمتلكه من ثروات بكر لم تستغل وعلى رأسها المياه والبترول والمعادن، بالإضافة إلى الأهداف المتعلقة بمحاربة التنظيمات الإرهابية مثل القاعدة. وحاولة إعادة صياغة التوازنات الإقليمية والاستراتيجية في المنطقة، كما يبدو واضحا من متابعة أزمات دارفور وجنوب السودان واحتلال إثيوبيا للصومال والأزمات القائمة في منطقة البحيرات العظمى.

وفيما يلي سوف نحاول تقديم إطلالة موجزة على حالتي كينيا والسودان واللتين تقدمان نموذجا لتأثيرات البيئة السياسية في حوض النيل يحوي العديد من السمات التي أشرنا إليها آنفا.

الحالة الكينية: التكوين المصطنع والصراعات وعدم الاستقرار السياسي

ربما يكون من المفيد هنا درساة حالة كينيا باعتبارها نموذجا يوضح لنا كيف بدأت معظم دول حوض النيل الحالية في التكوين والظهور في نهاية القرن الثامن عشر ومطلع القرن العشرين، وما اكتنف هذه العملية من عمليات وتفاعلات ارتبطت أساسا بمرحلة التسابق الاستعماري على السيطرة على موارد القارة الأفريقية.

لقد أدت هذه العملية إلى نشأة حدود سياسية لهذه الدول تجمع في داخلها اشتاتا متباينة من الأعراق والثقافات المختلفة، حيث قامت الحدود السياسية الحديثة المعروفة الآن طبقا لمصالح الدول الاستعمارية، وتوقفت فقط عند المدى الذي استطاعت قوتها الوقوف عنه في خضم المناورات والعلاقات والمقايضات الأوروبية في ذلك الوقت.

غير أن هذا تسبب من الناحية الأخرى في ولادة دول عليلة أخذت شكل الدولة القومية الحديثة من الناحية الشكلية القانونية، ولكنها بقيت دولا هشة، لم تستطع أن تتحول إلى دول وطنية تستطيع أن تجتذب ولاء مواطنيها على أساس من المساواة في الحقوق والواجبات وإعمال وتطبيق قاعدة المواطنة بشكل حقيقي ، في طريق التحول إلى أمة أو وطن متجانس. بل ظلت هذه البلدان من الناحية الواقعية تدار طبقا للولاءات القبلية والإثنية، حيث تلعب الولاءات الأولية الدور الأساسي في التفاعلات السياسية الداخلية وإدارة شئون الحكم وتوزيع الموارد، الأمر الذي عكس نفسه في نهاية المطاف في وجود خلل واسع في عمليات إدارة الدولة واستقرار الحكم وانتشار الفساد، وهو الأمر نفسه الذي أعاق أيضا عملية التحول الديمقراطي وجعلها عند التطبيق تتحول إلى أزمات كبرى في معظم الأحيان، ونذر بحدوث احتمالات أخرى مثل انهيار الدولة أو التحول إلى الاقتتال الإثني واسع النطاق.

1- كينيا: مخاض التكوين والتبلور: يمكن القول أن كينيا دولة مصنوعة، بمعنى أنها دولة من صنع الامبراطورية البريطانية، حيث كان ذلك خيارا بريطانيا بعد عام 1895 لاقامة مستعمرة كينيا في المنطقة التي كانت تعرف باسم "محمية شرق أفريقيا" والتي تكونت في الأساس بواسطة الشركة البريطانية الإمبريالية لشرق أفريقيا، والتي ورثت هذا الفضاء من الدولة البوسعيدية العمانية،والتي كانت تحكم منطقة زنجبار والساحل الأفريقي بما فيه مدينة مومباسا، حيث مثلت الدولة البوسعيدية آخر دولة عربية تتوطن في الساحل الأفريقي.

كانت منطقة كينيا الحالية حتى عام 1884، عبارة عن مجموعة من المراعي والبحيرات والجبال، التي تقع في مناطق نوفذ قبائل لا يجمع بينها جامع، أما مومباسا، فكانت تنازع سلطتها في ذلك الوقت عائلتان عربيتان، تدعى كل منهما تمثيل دولة السلطنة البوسعيدية الحاكمة في زنجبار، ونجحت الفرقة الإنجليزية العسكرية المسلحة بالسلاح الحديث في إنهاء حكم أسرتي النبهاني والمزروعي.

وفي سبتمبر 1888 تم إضفاء الصفة الملكية للشركة التي عرفت من بعد ذلك، بشركة أفريقيا الملكية الإستعمارية، وقد استغرق بناء هذه الشركة أكثر من عشر سنوات حتى أصبحت من ناحية الكيف حكومة لها أذرع عسكرية واقتصادية وسياسية في منطقة شرق أفريقي، وولت الشركة بعد إجراء مشاورات مع الجنرال البريطاني "تشارلز جوردون" الذي كان يحكم السودان آنذاك، وفي اطار حماية النفوذ الإنجليزي لمصر في نهاية 1881، ثم احتلال السودان بعد ذلك في عام 1889 عبر ما عرف باسم الحكم الثنائي.

في عام 1895 أصبحت محمية شرق افريقيا البريطانية تضم جزءا كبيرا مما يعرف حاليا باسم كينيا، وجزءا من أراضي الصومال وأوغندا. واستجابة لتطلعات الاقلية البيضاء في هذه المحمية، في قيام دار للرجل الابيض فيما يطلق عليه A White Mans Country، جرت عملية ضم لمنطقة الحزام الساحلي الإسلامي "منطقة مومباسا"، بعمق قدره نحو عشرة أميال، إلى محمية كينيا، وذلك بفصل مومباسا عن الدولة البوسعيدية في زنجبار، وفي 23 يوليو 1920 أطلق على الكيان الجديد مسمى مستعمرة كينيا، ثم ألحقت بها في مرحلة لاحقة المنطقة الصومالية في الحدود الشرقية، والتي تبلغ مساحتها 59 ألف ميل مربع، ما يعادل قرابة ثلث مساحة كينيا الحالية ، كما ضمت أجزاء من محمية أوغندا.

2- التطور السياسي في كينيا: تم تكوين أول حزبين سياسيين في كيينا في عام 1960 وهما كانو Kanu (Kenya African National Union) ، وكادو Kadu (Kenya African Democratic Union).

وقد اتحد الحزبان تحت رئاسة جوموكنياتا، ورفع علم كينيا المستقلة في 12 ديسمبر 1963 بعد 68 عاما من الحكم الاستعماري، ولكن في اطار مؤسسات الدولة الاستعمارية ونظامها الاقتصادية ومستوطنيها، أصبحت النخبة الكينية الجديدة الحاكمة جزءا من الطبقة الحاكمة والاقلية البيضاء، ومما ساعد على ذلك أن كينيا لم تعرف الحركة اليسارية ولا الاشتراكية وبذلك نالت كينيا استقلالها دون مراجعة روحية أو فكرية أفريقية أو حتى أيدلوجية باستثناء اعادة تدوير وانتاج النظام الاستعماري.

ومن الناحية الاقتصادية، أصبح الاقتصاد الكيني مربوطا بالمجموعة الأوروبية، بريطانيا والولايات المتحدة بالأساس، وأصبحت كينيا عاصمة بديلة للندن في أفريقيا، ومحطة سياحية واستخباراتية. كما أصبحت أرضا للأغنياء من الأفارقة الجدد في حين بقيت أغلبية السكان تعيش حالة من الفقر والعوز.

وبشكل عام ، يمكن القول بأن كينيا مرت منذ ما قبل الاستقلال، وكذلك في المراحل التي تلته، بأزمات عاصفة كادت تعصف باستقلالها، وهي ذات الأزمات التي نتج عنها حدوث بعض الانشقاقات في النخبة الكينية، بفعل العامل القبلي، والتي ظلت مكونات النخبة تستخدمه للاستحواذ على الثروة والسلطة.

وقد انقسمت النخبة الكينية المحدودة في مرحلة ما قبل الاستعمار إلى تيارين رئيسيين، تيار جمع بين نخبة قبيلة الكيكيو تحت زعامة جوجو كنياتا الخارج لتوه من السجن متحالفا مع نخبة قبائل اللوا بقيادة أودينجا (الأب)، تحت مسمى حزب كانو (اتحاد كينيا الأفريقي الوطني)، حيث قام الحزب على أساس الدعوة لجمهورية كينية مركزيـة، بينما برزت نخبة أخرى من القبائل، التي خشيت من سيطرة القبيلتين المذكورتين، وضم التحالف الآخر نخبة قبائل اللوهيا والماساي والكالنجتين، وذلك تحت مسمى حزب كادو – أي اتحاد كينيا الديمقراطي، الذي كان يدعو إلى الفيدرالية.

ولكن بعد أن فاز حزب كانو في الانتخابات وأصبح جوجو كنياتا رئيسا للجمهورية، قام بإلغاء الفيدرالية وأجهض الدستور الانتقالي، ثم انقسمت النخبة على نفسها في اتجاهين ومنهجين رئيسيين، قاد الأول الرئيس جومو كنياتا الذي اندمج في النظام الاستعماري الرأسمالي، وأيد حرية امتلاك الأراضي وفتح السوق، بينما استهوى أودينجا الخطاب الاشتراكي، الذي كان قد انتشر عالميا واستهوى العديد من قيادات ونخب العالم الثالث لملكية الأرض، وامتلاك الدولة للمؤسسات، وإعلاء القيم والمبادئ الخاصة بعدالة توزيع الثروة. وفي الحقيقة لم يكن الصراع مذهبيا، ولكنه تستر بعباءة المذهبية وكان في حقيقته صراعا قبليا، استخدمت فيه الشعارات ووظفت فيه القبلية.

وقد انتهى الصراع بانقضاض تحالف قبيلتي الكيكو واللوا ، واستقال أودينجا في عام 1966 من منصب نائب الرئيس وكون حزب شعب كينيا الذي استند إلى قبيلته اللوا، واستطاع أن يجمع حوله 28 نائبا من الشيوخ وعشرة نواب من مجلس النواب، ولكن الحكومة قد طوقته تماما، حينما استخدمت أغلبيتها الميكانيكية في المجلسين، وذلك بسن قانون يلزم من يهجر حزبه الذي جاء به إلى البرلمان أن يجدد تفويضه الانتخابي، وفشل ثلثا المنشقين في إحراز هذا التفويض، مما مكن الرئيس جومو كنياتا من الاستفراد بالدولة وتمكين قبضته، وإدخال كينيا في نظام الحزب الواحد، وقام بدمج المجلسين مكونا منهم مجلسا نيابيا واحدا، وقام في عام 1969 بتعيين دانيال ارب موي، الذي يمثل قبيلة الكالنجتين، نائبا له، كما أعلن عن فوز الرئيس جومو كنياتا رئيسا لكينيا بالتزكية.

وحينما مات الرئيس المؤسس للجمهورية جومو كنياتا في 22 أغسطس 1979 أصبح نائبه دانيا ارب موي رئيسا مؤقتا وقد سعت نخبة الكيكيو لعزله، ولكنها فشلت واستخدم الرئيس موي قوة جهاز الدولة للاستحواذ على السلطة، مستغلا تناقضات نخب القبائل الكبيرة ليؤدي القسم في 14 أكتوبر 1978 كرئيس لكينيا، ولكسب نخب الكيكيو قام بتعيين الرئيس الحالي كيباكي نائبا له، واستتبت الأمور لأبناء قبيلة الكالنجتين تحت قيادة موي، والتي تعتبر القبيلة الرابعة من حيث الأهمية والوزن والعدد، ولكن لم يكن هذا مقبولا من جانب بعض مكونات النخبة من القبائل الأخرى، مما أدى لمحاولة انقلاب في 11 أغسطس عام 1982 والذي بلغ ضحاياه ثلاثمائة قتيل، وكان من أهم نتائج هذا الانقلال الحذر من أسرة أودينجا التي شاركت في الانقلاب.

وقد هبت رياح الديمقراطية وحقوق الإنسان إلى كينيا مع وصول إدارة الرئيس جيمي كارتر في الولايات المتحدة في منتصف الثمانينات مما سهل للنخبة الكينية المعارضة القيام بمظاهرات دامية وسط ضغوط خارجية أدت إلى اعترف الرئيس أرب موي بالتعددية السياسية.

دفعت التغيرات الخارجية والداخلية الرئيس موي لاجراء انتخابات عام 1992، والتي لم تأت بجديد على مستوى النخبة الحاكمة باستثناء بروز المسلمين بشكل ملحوظ في الحياة السياسية، حيث فاز 24 مسلما في الانتخابات، وهو ما اعتبر آنذاك تغيرا مهما وذلك بالنظر إلى أن المسلمين كانوا خارج النخبة الكينية، لأن ثقلهم صومالي، والصوماليون كانوا مشدودين للصومال وعازفين عن الاندماج في المجتمع الكيني، كما كان مسلمو الساحل بنظر إليهم ككينيين من الدرجة الثالثة.

ولكن الأ/ور كانت قدتغيرت كثيرا للحوار السياسي الذي شهدته البلاد خلال الفترة 1992/1997، لذلك حينما أطلت استحقاقات انتخابات عام 1997 ازداد الاستقطاب ووصل عدد المشرحين للرئاسة إلى 15 مرشحا، وكان أقوى المرشحين هم، دانيال ارب موي الذي يمثل قوة الدولة وسطوتها واستمراريتها التاريخية، ومواي كيباكي الرئيس الحالي، ووزير المالية منذ عهد الرئيس جومو كنياتا، ورايلا أودينجا ابن الزعيم المعروف (أودينجا الأب). وحصل هؤلاء على 82% من مجمل أصوات المقترعين، ولكن الرئيي موي حصل فيها على 40% فاصبح رئيسا للدورة الرابعة.

ويمكن القول إجمالا أن التطور السياسي الكيني مر بثلاث مراحل:

الأولى: مرحلة حكم الحزب الواحدة ، والتي امتدت خلال الفترة (1963-1992) تحت حكم الرئيس جومو كنياتا وخليفته الرئيس دانيا ارب موي.

الثانية: هي مرحلة انقسام ذات النخبة الحاكمة استجابة لمتطلبات التعددية الحزبية، وقد امتدت هذه الفترة (1992-2002).

الثالثة: هي مرحلة الصراع واعادة ترتيب ما بين مكونات النخبة الحاكمة على أساس قبلي وواجهات حزبية، وقد امتدت هذه الفترة (2002-2007).

3- العلاقات الخارجية والعسكرية لكينيا:

ليست لكينيا سياسة خارجية مستقلة عن الدول الغربية الكبرى بسبب اعتماديتها الاقتصادية والثقافية على علاقاتها مع الغرب، حيث لم تكترث كينيا بالتدخل الأمركي – البلجيكي- في أوضاع جارتها الكونغو في العام 1964، ولا في القضاء على تمرد شابا لمصلحة نظام الرئيس موبوتو سيسكو، واكتفت كينيا بدور اقليمي في سوق شرق أفريقيا التي ضمت تنزانيا وأوغندا، وكان من المأمول أن تتطور العلاقات إلى اتحاد كونفدرالي، ولكن في يناير 1977 انسحبت كينيا من السوق، لرفضها سياسات الاشتراكية الإفريقية من قبل الرئيس نايريري والرئيس ملتون أبوتي، وبرزت كينيا مرة أخرى على المستوى الاقليمي في الكوميسا والايجاد، مما مكنها للقيام بأدوار عدة، نظر إليها الكثير من المراقبين بأنها كانت تلعب أدوار بالوكالة عن أمريكا وغرب أوروبا والدول الاسكندنافية تحت مظلة شركاء الإيجاد لإقامة مصالحات سياسية كبرى في السودان والصومال.

كما يتركز معظم سفراء كينيا في غرب أوروبا وأمريكا الشمالية واليابان وأستراليا والهند. ولكن معظم دول العالم والهيئات الدولية لها تمثيل في كينيا، ومع أنه لا توجد اتفاقيات لقواعد عسكرية إلا أنه توجد تسهيلات عسكرية واستخباراتية للولايات المتحدة ودول غرب أوروبا في كيينا، كما أن الاستثمارات والسياحة والمنح التي تصل إلى بليوني دولار يأتي معظمها من الولايات المتحدة وغرب أوروبا.

وفيما يتعلق بالارتباطات العسكرية الخارجية ، فمع أن كينيا أبطلت وجود القاعدة العسكرية البريطانية بعد الاستقلال، ومنحت أراضيها لجامعة جوموكنياتا التي أقامت عليها مؤسساتها، إلا أنه اخترات أن ترتبط تماما بالعسكرية الغربية، خوفا من الداخل الصومالي والخارج الإقليمي بما فيه الصومال، ولكينيا اتفاقيات عسكرية مع بريطانيا، كما وقعت اتفقاية في أواخر أيام جومو كنياتا عام 1978 مع الولايات المتحدة تسمح لها باستغلال الأراضي والأجواء والمياه الاقليمية والتدريب المشترك كما وقع الرئيس ىرب موي في عام 1982 اتفاقية عسكرية مع إسرائيل للاشراف على تدريب وتأهيل أجهزة الأمن الكينية المختلفة. وبعد تفجير السفارة الأمريكية في نيروبي عام 1998 وأحداث سبتمبر 2001، تم توقيع اتفاق عام 2004 مع الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا على انشاء قاعدة بحرية في منطقة مكوكني باسم قوات التحالف ضد الارهاب، بالاضافة إلى التسهيلات المقدمة لإسرائيل وعناصر الاستخبارات الأمريكية والغربية التي لا تخلو منها مدينة كينية. وتولى الولايات المتحدة أهمية قصوى لتعاون كينيا في محاربة الإرهاب ، وقامت بتقديم منح عسكرية وأمنية سخية، وزيادة وجود القوات الأمريكية في مختلف أنحاء كينيا فاق عددها أربعة آلاف عنصر، ومع ذلك فإن العلاقات الكينية الأمريكية تشهد تدهورا، كان أهم مظاهره ما يلي:

- سحب حكومة الرئيس كيباكي سفيرها من الولايات المتحدة منذ عام 2006 على خلفية فضيحة أخلاقية حيث يدير أمر السفارة قنصل. - فشلت ادارة الرئيس كيباكي خلال الفترة (2006-2006) في استصدار قانون مكافحة الإرهاب، خوفا من البرلمان، مما عرضها لهجوم قاس من الإدارة الأمريكية رغم تسليمها لعدد من العناصر الكينية للولايات المتحدة بذات التهمة، كما أن كينيا رفضت التصويت ضد السودان في مفوضية حقوق الإنسان. - محاولة كينيا لتعزيز علاقاتها مع الصين من خلال زيارة الرئيس الصيني لكينيا في عام 2006، ودخول الشركات الصينية بقوة في كينيا في مختلف المجالات.

4- انتخابات ديسمبر 2007 والأزمة الكينية:

حينما أطلت انتخابات عام 2002 كان المجتمع الكيني يتهيأ لتغيير محدود في خريطة الطبقة الحاكمة، وتراكمت ضغوط خارجية وداخلية على الرئيس دانيال آراب موي تطالبه بالتنحي، وأخيرا استجاب أوهورو ابن الرئيس السابق جوموكنياتا للرئاسة. وكان الرئيس موي يعتقد أن أوهورو سيفوز نسبة لأنه ابن الزعيم السابق وثانيا لأنه من قبيلة الأكثرية، ولأنه مرشح الحزب الحاكم. ولكن كانت المفاجأة أن مكونات الطبقة الحاكمة الأخرى رأت أن مصالحها مهددة، فكونت تحالفا عريضا باسم تحالف قوس قزح، حول الزعيم المخضرم مواي كيباكي لأنه كان يمثل الكيكو، كما أنه عمل في كل العهود كوزير واستقطب بجانبه رائيلا أودينجا، حيث وعده برئاسة الوزراء بعد تعديل الدستور، وتبنى صيغة حكم فيدرالي، وهو نفس برنامج كادو في عام 1963، في أول انتخابات كينية، كما انشق مسلمو الساحل عن حزب كانو الحاكم، ودخلو في تحالف قوس قزح لأنه خاطب أشواقهم في الحكم الفيدرالي ومجانية التعليم.

ومع أ، هيكل النخبة السياسي في كيينا لم يتغير بعد انتخابات 2002، إلا أن التوتر والشحن القبلي زاد وسط مكونات النخبة، بالنظر لنكوص كيباكي عن وعوده، ولانسحاب أودينجا ومؤيديه من قبيلة اللوا من الحكومة، ونظرا لاتساع طبقة المتعلمين والمتطلعين والباحثين عن الوظائف، واتساع الفساد، حتى أصبحت أموال أعضاء النخبة السياسية تعد بالمليارات أو بمئات الملايين من الدولارات، بينما الفقر والعوز يضرب المجتمع الكيني، كما أن الخطاب السياسي المتبادل بين المعارضة والحكومة ، أدى إلى زيادة الاحتقان السياسي والاقتصادي في مجتمع قبلي متوتر ومليئ بالغبائن والصور النمطية السلبية عن الآخر. وفي إطار هذا الجو جرت انتخابات 27 ديسمبر 2007، والتي شهدت كذلك تدخلات دولية كثيفة، حيث برزت الملاحظات التالية:

أ- الاصطفاف القبلي والعرقي على مستوى الاقليم وليس فقط في كينيا، حيث ساند الرئيس موسفيني تحالف حزب الوحدة الوطنية لأنه يمثل في الباطن تحالف البانتيو ضد النيلييين، لأن خصومه في أوغندا هم النيليون الذين أساسهم قبائل الأشولي عماد جيش الرب.

ب- وقفت الحركة الشعبية لتحرير السودان، وهي التي تمسك بحكومة الجنوب، مع المعارضة: أي مع رابيلا أودينجا لأنه نيلي، ولأنه صديق تاريخي لجون قرنق، وإن وقفت بعض مكونات الحركة النافذة، مع كيباكي لأنه لها مصالح تجارية مع أسرته، ودعمته سرا بينما كان الدعم الرسمي لرائيلا اودينقا. ويمكن أن تقرأ الانتخابات الكينية كذلك في إطار تحالف مجموعة قبائل البانتيو التي أهمها الكيكيو ضد القبائل النيلية والكوشية التي أهمها اللوا.

ج- دعمت الولايات المتحدة تحالف كيباكي لأنها خشيت من تحالف أودينجا مع المسلمين وقوف اودنيقا مع المسلمين ضد قانون الإرهاب، فضلا عن تقديم كيباكي خدمات أمنية كبيرة للاستخبارات الأمريكية بما فيها تسليم عدد من المسلمين للولايات المتحدة.

د- كان على كل ناخب كيني أن يقترع بثلاث بطاقات، واحدة لرئيس الجمهورية وأخرى لنائبه البرلماني، وثالثة لممثله في المجلس البلدي أو وحدة الحي.

هـ - تنافس في الانتخابات الرئيسية (9) مرشحين أهمهم كيباكي، وموسيكا، وأودينجا، وكانت نسبة التسجيل والاقتراع عالية في المحافظات الثماني، وبلغت تقديرات عدد الناخبين المسلمين ثلاثة ملايين من أصل أربعة عشر مليون ناخب، منهم) 1.178.319) في محافظة الساحل حيث يتركز العرب والمسلمون السواحليون في محافظة شمال شرق (315.664) حيث يتركز الصوماليون، بينما يوجد أكثر من مليون مشتتين في المحافظات الأخرى على الأخص نيروبي ونيكانزا والوسط والشرق.

و- تنافس على مقاعد البرلمان والبالغ عددها 210 مقاعد، 2250 مرشحا يمثلون 136 حزبا، بمتوسط 12 مرشحا لكل دائرة، وبلغ عدد الناخبين من الذكور 7.472.520 ومن الاناث 6.770.225.

ز- فاز تحالف حزب البرتقالة للديمقراطية والتنمية برئاسة أودينق ب104 مقاعد، بينما حصل تحالف حزب الوحدة الوطنية بقيادة كيباكي على 36 مقعدا، وحزب البرتقالة الذي أيد كيباكي بعد الانتخابات على 16 مقعدا، وثالث الأحزاب التي أيدت كذلك كيباكي 50 مقعدا، ومجموعة أخرى حليفة لأودينقا 4 مقاعد.

ترددت لجنة الانتخابات في اعلان الفائز وتأخرت مما أدى إلى سريان موجة من الاشاعات والتوتر ، وأعلنت النتيجة من داخل غرفة مغلقة متصلة بالاذاعة والتلفزيون الكيني، وتم أداء القسم على عجل، في وقت كان الجميع يتوقع أن تتماشى نتائج الانتخابات الرئاسية مع البرلمانية، فحسب بعض الاحصائات فاز رابيلا أودينقا بأغلبية 4.215.274 صوت، بينما حصل الرئيس كيباكي على 3.701.261.

ح- أعلن رئيس لجنة الانتخابات فوز كيباكي بفارق أكثر من مائتي ألف صوت، عبر التأكيد على أن كيباكي نال 4.583.360 صوت بنسبة 45.97% من جملة الأصوات. بينما نال أودينجا 4.352.880 صوت بنسبة 43.65 من جملة الأصوات. ونال الثالث موسيكا 879.896 صوت بنسبة 8.82% وأدى الرئيس كيباكي القسم بعد نصف ساعة من إعلان الفوز. وباركت الولايات المتحدة الفوز ، لأنها كانت تريد إمضاء الأمر الواقع، خوفا من تحالف المسلمين مع أودينجا، ولكن سرعان ما سحبت ذلك نافية أنها قامت بتنهئة الرئيس كيباكي . مثل إعلان فوز كيباكي وأدائه القسم بهذه السرعة صدمة وزلزالا سياسيا شعبيا أدى للخروج التلقائي للجماهير المعبأة للشارع السياسي وتصاعد أعمال العنف التي أدت في نهايتها لحصد أكثر من ألف وخمسمائة قتيل، مع وقوع اغتيالات سياسية لنائبين في البرلمان الكيني من مناصري أودينجا ونزوح نصف مليون مواطن من مناطقهم.

5- النتائج الاقليمية ودولية لأحداث كينيا على دول حوض النيل:

كانت أوغندا أكثر الدول تضررا من أحداث العنف والفوضى في كينيا، ففضلا عن اغلاق ميناء مومبسا، الذي يعتبر شريانها للحياة، فقد حل بها قرابة إثنى عشر ألف لاجئ كيني، ولأول مرة منذ الاستقلال يصبح الكينيون لاجئين خارج بلادهم، وقام الرئيس كيباكي بزيارة سرية عاجلة في 2 يناير 2008 إلى كمبالا وعاد في نفس اليوم وتم بعد الزيارة إرسال قوات أوغندية متخصصة في مكافحة الشغب للعمل في مدينة كسومو، واضطر الرئيس موسفيني حينما ازدادت الأوضاع سوءا للتبرؤ من ذلك ومهاتفة رابيلا أودينجا، ثم انخرط في وساطة المصالحة زائرا نيروبي في 23 يناير 2008 في نفس اليوم الذي وصل فيه كوفي عنان.

تمثلت الآثار السلبية للأزمة الكينية في كل من أوغندا وبروندي وشرق الكونغو وجنوب السودان في أزمة وقود حادة، حيث بلغ سعر اللتر ما بين 4-5 دولارات، أي ما بين عشرين إلى خمسة وعشرين دولارا للجالون، وأدى ذلك إلى حدوث شلل وسط قطاعات النقل البري والجوي والترحيل الداخلي، كما تأثر قطاع الطاقة والتوليد الحراري، وقد أدت الأزمة إلى اعادة التفكير في قضية الاعتماد على ميناء مومبسا، حيث سافر الرئيس بول كيجامي رئيس رواندا إلى تنزانيا لعقد اتفاقية مع تنزانيا بخصوص الاستفادة من ميناء دار السلا، وفعلت أوغندا الشئ نفسه، بينما اتجهت حكومة جنوب السودان لفتح المنافذ في اتجاه الشمال لتفادي الارتهان لمنقذ استراتيجي أخدها منفذ ممبسا.

أما على الصعيد الدولي، فقد تبين أن كينيا تعاني من ذات مشاكل الدولة الأفريقية وأنها دولة مصنوعة وغير متجانسة، اذ تعج كينيا بالمتناقضات والفساد بينما يفضل العالم الغربي تأمين مصالحه الاستراتيجية والحفاظ على مصالح النخبة الكينية المتحالفة معه، بل إن الاعلام الغربي كاني تعمد تزيين صورة كينيا مع علمه بوجود انتهاكات حقوق الانسان من قبل الشرطة وبصورة روتينية، وقبل الانتخابات كانت هناك صراعات قبلية تم تجاهلها.

كما أن الكنائس، أصبحت جزئا من احتمالات الحرب الأهلية، حيث حرق فيها الأحياء حتى الموت، كما تم حرق أربع كناس في احدى المناطق، وأصبحت هناك حالة حرب ضد الكنيسة والدولة والشرطة والمصارف.

ورغم احتواء الأزمة عن طريق حل تفاوضي يقوم في جوهره على اقتسام السلطة، إلا أنه يمكن القول بأنه ما جرى في هذه الانتخابات يحمل في داخله بعض المؤشرات على أن الأوضاع في كينيا قد تنزلق في المستقبل إلى حرب أهلية واسعة، قد تتحول معها كينيا إلى مشروع لدولة فاشلة مثل الكونغو والصومال وكلاهما جار لكينيا.

الحالة السودانية: النظام السياسي وقضية التعدد الإثني والديني:

نتيجة لتفاعل عوامل الجغرافيا والتاريخ تجمعت في السودان تركيبة سكانية متنوعة ومعقدة في آن واحد، فمن حيث المساحة يعتبر السودان أكبر أقطار القارة الأفريقية، اذ تبلغ مساحته مليون ميل مربع، بالاضافة إلى ذلك، فإن موقع السودان في شرق القارة الأفريقية جعله في منطقة تمثل حدود التماس بين عدد من السلالات العرقية والثقافات، ففي السودان تتماشة وتتفاعل السلالات السودانية الغربية التي تمتد من غرب النيل إلى المحيط الأطلسي وسلالات الهضبة الإثيوبية وما يسمى عادة بالأجناس الحامية التي تشغل المنطقة ما بين النيل والبحر الأحمر شرقا، وأيضا سلالات أفريقيا الإستوائية الممتدة إلى الجنوب، وصولا إلى بحيرات النيل في أوغندا وكينيا، بالاضافة إلى الهجرات العربية التي جاءت عبر البحر الأحمر أو عن طريق مصر أو من ناحية ليبيا.

وبرغم أن الانقاسم العرقي يمثل أحد محاور الانقاسم، وأحد أوجه الصراع الدائر في المجتمع السوداني، إلا أنه لا يمكن اعتباره محور الصراع الرئيسي، فهناك أشكال أخرى من الانتماء تخترق الانتماء العرقي لتعيد تقسيمه بين فئات أخرى أصغر نطاقا مثل الإنتماء للطائفة أو الانتماء الجهوري، وإن ظلت مشكلة الجنوب هي الشغل الشاغل والهاجس السياسي الرئيسي المسيطر على الأوضاع السياسية في السودان طوال نصف القرن الماضي، ومنذ ما قبل الاستقلال حيث تفجرت ارهاصات الحرب الأهلية مع وقوع تمرد توريت في عام 1955. ومن المعروف أن هذه الحرب استندت دائما على الاختلافات الإثنية والثقافية الواسعة، القائمة بين الشمال والجنوب، حيث يتكون الجنوب من أعراق أفريقية، ويدين بديانات تقليدية في معظمة، ورغم وجود أقلية تحولت للإسلام إلا أن معظم العناصر المثقفة أصبحت تدين بالمسيحية نتيجة للنشاط التبشيري المكثف في الجنوب منذ وقت مبكر، مما أضاف عنصرا جديدا للانقسامات القائمة. وفي المقابل يدين الشمال في أغلبيته الكاسحة بالاسلام، كما تنتشر فيه الثقافة العربية، وان كانت توجد فيه أعراق متعددة يتمتع العرب فيها بأغلبية نسبية، مع وجود ثقافات وأعراق أخرى للبجا في الشرق وبعض المجموعات القبلية من أصول أفريقية في الغرب.

بالنسبة لشكل النظام السياسي دار الصراع في البداية حول مسألة العلاقة بين السلطة المركزية في الخرطوم والاقاليم. فبينما تبنت الأحزاب السياسية الشمالية عند الاستقلال الدعوة لبناء نظام سياسي مركزي تتركز فيه السلطة في يد الحكومة المركزية في الخرطوم، تبنت القوى السياسية الجنوبية الدعوة لاقامة نظام فيدرالي يتيح للأقاليم ممارسة قدر واسع من السلطة في ادارة شئونها المحلية، أما في مرحلة الديمقراطية الثانية التي أعقبت ثورة اكتوبر 1964، فقد ازداد الصراع حول الفيدرالية تعقيدا بسبب تزايد نفوذ المنظمات السياسية الجنوبية المطالبة بالانفصل، أما في الاحزاب الشمالية فإنها ظلت تقاوم قبول الفيدرالية، وإن أعلنت انحيازها لشكل من اشكال اللامركزية الإدارية. وفي إطار هذه اللامركزية استمرت الأحزاب الشمالية في رفض تميكن الجنوب من أن يصبح إقليما موحدا وإنهاء الوضع القائم الذي انقسم الجنوب بمقتضاه إلى ثلاث مديريات، وهو المطلب الذي تمسكت به كل القوى السياسية الجنوبية المهمة المتشددة والمعتدلة.

وفيما يتعلق بمسألة العلاقة بين الدين والدولة، فقد كان من الممكن للأحزاب الشمالية، التي أيد أغلبها قيام شكل من أشكال الدولة الإسلامية، أن تفرض هذا الموقف على النظام السياسي السوداني استنادا إلى أغلبيتها في المؤسسات التمثيلية المنتخبة إلا أن الحساسية الخاصة التي أظهرها الجنوبيون تجاه هذا المطلب بسبب انتماء أغلب الجنوبيين إلى ديانات وثنية وإلى المسيحية، جعلت من مسألة العلاقة بين الدين والدولة موضوعات للاهتمام، بل والصراع الدائم في فترات الحكم الديمقراطي في السودان، بل ان زيادة واستاع نطاق المطالبة بانشاء دولة اسلامية من جانب الأحزاب الشمالية كان من بين العوامل المهمة التي دفعت الجنوبيين لتبني مواقف انفصالية متطرفة في فترة الديمقراطية الثانية من خلال حركة أنيانيا، إلى أن جاء نظام نميري في 25 مايو 1969 فوقع اتفاقية أديس أبابا عام 1972، والتي عومل الجنوب بمقتضاها على أساس أنه اقليم واحد وحصل على الحكم الذاتي، إلا أن هذا الاتفاق سرعان ما انهار عام 1983 بعد اعادة تقسيم الجنوب إلى ثلاثة اقاليم مرة أخرى بعد مطالبات من أبناء المديرية الاستوائية الذين اشتكوا من هيمنة قبيلة الدينكا على شئون الاقليم وقد أدى التمرد الذي قادته الحركة الشعبية – من بين عوامل أخرى – إلى انهيار نظام نميري في انتفاضة أبريل 1985.

أما في مرحلة الديمقراطية الثالثة فإن الجمعية التأسيسية المنتخبة في أبريل 1986، قد عابها أيضا عدم تمثيلها لكافة الأقاليم في البلاد بعد أن صدر قرار بوقف إجراء الانتخابات في 37 دائرة من مجموعة 68 دائرة انتخابية في الأقاليم الجنوبية بسب ظروف الحرب الأهلية الدائرة هناك. وبالاضافة إلى ذلك فقد أدى الصراع بين الفئات المختلفة الشمالية والجنوبية إلى تحميل قائمة أعمال الجماعة السياسية السودانية بمشكلات اضافية لم تستطع منذ الاستقلال أن تصل إلى حل لها. وكانت القضايات المتعلقة بشكل النظام السياسي والعلاقة بين الدين والدولة من أهم القضايات التي تمت إثارتها في هذا المجال، حيث تداخلت مطالب الفيدرالية والعلاقة بين الدين والدولة بدرجة كبيرة. فقد ذهبت الأحزاب الشمالية في هذه المرحلة التي تبني شكل من أشكال الحكم الاقليمي يوفر للأقاليم فرصة أكبر لممارسة السلطة على الشئون المحلية، بل ذهبت الجبهة الإسلامية القومية إلى مدى أبعد من ذلك عندما اقترحت الفيدرالية الكاملة شكلا لنظام الحكم. غير أن هذا الاتجاه من جانب الأحزاب الشمالية خاصة من جانب الجبهة القومية الإسلامية كان في جانب منه محاولة لتفادي المعارضة الجنوبية لتأسيس دولة إسلامية في السودان. فالنظام المقترح، خاصة من جانب الجبهة الإسلامية يقوم على فكرة استمداد التشريعات من الشريعة الإسلامية بينما يتاح للأقاليم ذات الأغلبية غير المسلمة أن تسثني نفسها من تطبيق القوانين ذات الطبيعة الدينية.

1- اتفاق تقاسم السلطة والاصلاح السياسي:

في إطار السعي لتجاوز هذه العقبات، وبعد العديد من الأحداث والتطورات الداخلية والخارجية. تم توقيع اتفاقية السلام الشامل، والتي تعرف إعلاميا باستم اتفاقية نيفاشا، في يناير 2005، على أساس أن هذه الاتفاقية سوف تمثل النظام السياسي الذي سوف ينشأ في السودان خلال المرحلة الانتقالية المقدرة بست سنوات (تنتهي في عام 2011)، والتي سوف تسبق استفتاء اقليم جنوب السودان على حق تقرير المصير للبقاء في هذا النظام أو اختيار الانفاصل في كيان جديد. ومن ثم، فإن الجنوبيين سوف يصوتون عليه في نهاية المرحلة الانتقالية. وعلى ذلك فإن عملية بناء النظام السياسي في هذه الحالة لم تكن معبرة عن تفاعل طبيعي بين المكونات المختلفة للمجمتع، بل جاءت عبر عملية تعاقدية تمت من خلال التفاوض في غرف مغلقة مع ما يصاحب عملية التفاوض من ضغوط معروفة، فضلا عن أن عملية التفاوض نفسها قد جرت بين طرفين فقط من أطراف العملية السياسية في السودان هما حكومة الانقاذ والحركة الشعبية لتحرير السودان، وهو أمر أثار معارضة بقية القوى السياسية، باعتبار أن هذا الاتفاق سوف يقدر مستقبل السودان، ولا يحق لطرفين فقط الانفراد بذلك دون بقية القوى الأخرى، إلا أن الحكومة السودانية ترد على ذلك بالقول بأن الاتفاق قد تضمن النص على اجراء انتخابات حرة تحت رقابة دولية في بداية النص الثاني من المرحلة الانتقالية. وأن هذا سوف يمنح كل القوى السياسية فرصة الاحتكام إلى وزنها الفعلي في الشارع، وقد دار جدل كبير حول هذه المسألة التي احتلت حيزا كبيرا في النقاش حول اتفاقية السلام.

لقد جاء هذا الاتفاق بعد مخاض طيل، ونتج عن توازنات حرجة لدى الطرفين الموقعين عليه، ورغم أنه كان من الواضح منذ بداية المفاوضات أن حكومة الخرطوم كانت تهدف إلى الابقاء على علاقة فيدرالية مع الجنوب مع توسيع بعض الصلاحيات هنا أو هناك، إلا أن الناتج النهائي عبر في الحقيقة عن علاقة كونفدرالية واسعة يحتفظ فيها الإقليم الجنوبي بصلاحيات مطلقة في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية، مع حصوله أيضا على نصيب مقدر من السلطة الحكومية القومية التي سوف تنصرف صلاحيتها في الحقيقة إلى ادارة شمال السودان مع الاحتفاظ الرمزي بسيادة الدولة. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل اصبح هناك تداخل بين سلطتي الحكومة القومية وحكومة الاقليم الجنوبي في المناطق الثلاث، وهي جبال النوبا، وجنوب النيل الأزرق، وإبيي، والتي تقع في الإقليم الشمالي من الناحية الجغرافية، حيث أن بروتوكول مشاكوس نص بشكل صريح على أن حدود الإقليم الجنوبي هي تلك القائمة عند الاستقلال في أول يناير 1956. ولكن نتيجة للتوزان الحرج الذي لم يكن لصالح المفاوض الحكومي ، فقد تم اقرار اتفاق المناطق الثلاث بصورته الواردة في الاتفاق النهائي، بعد أن كانت الحركة الشعبية تصر على منح هذه المناطق حكما ذاتيا واسعا مع منحها حق تقرير المصير في نهاية الفترة الانتقالية، على أن تستثني منطقة أبيي من ذلك وتعاد إلى الاقليم الجنوبي بقرار اداري من رئيس الجمهورية عند بداية الفترة الانتقالية دون الحاجة إلى استفتاء.

2- السودان بين الفيدرالية والكونفدرالية:

أثار اتفاق السلام لجنوب السودان الكثير من ردود الأفعال السلبية والايجابية، وان كان هناك اتفاق عام بين كافة القوى السياسية على أن ايقاف الحرب كهدف استراتيجي يتمتع بالأولوية إزاء أي هدف آخر، وان الاتفاق وبغض النظر عن أي قصور يشوبه أو انتقادات توجه إليه هو أفضل من الاستمرار في الحرب التي ستكون نتائجها أسوأ بكثير.

وفيما يخص اتفاقية السلام الشامل (نيفاشا)، فقد أوضحت أن الطرفين الموقعين عليها، قد قاما بتهميش القوى السياسية الأخرى التي لم تشارك في عملية التفاوض، كما كانت هناك العديد من الملاحظات التي يمكن أن تشير إلى أهمها على النحو التالي:

أ‌- أن الاتفاق سيؤدي غلى تغيير شكل الدولة السودانية واستبدال السودان بكيان جديد ذي طبيعة كونفدرالية مع تكريس التوجهات الطائفية والجهودية فيه. وتنبع خطورة هذه المسألة من أن السودان حتى هذه اللحظة (بتعبير أبو القاسم حاج محمد) هو مشروع وطني تحت التأسيس، ولا تتجاوز جغرافيته السياسية الراهنة أكثر من 120 عاما منذ توحيد أرجائه في ظل الخديوية المصرية عام 1870، ومع عدم وجود بنية رابطة لأجزائه، إضافة إلى توزعه بين أكثر من خمسمائة بناء قبلي وعدة توجهات قومية في شرقه وجنوبه وغربه وحتى وسطه. وبهذه التركيبة فإن السودان مهدد دوما بجدلية التجزئة والانقسام حتى فككت مركزيته باتجاه الحكم اللامركزي، حيث يتم التراجع نحو القبلية وتصبح محور الحياة السياسية في الولايات كما هو حادث في الفترة الحالية من عهد الانقاذ، وذلك دون أن تؤدي اللامركزية إلى النتائج المرجوة منها تنمويا وإداريا. ب‌- ان الاتفاق جاء بمثابة "قسمة ضيزي" – أي شديدة الظلم- في حق أهل شمال السودان، لأنه أعطى الجنوبيين حقا كاملا في حكم الجنوب وأشركهم بنسبة الثلث في حكم الشمال، وأصبح في الجنوب ثلاثة مستويات من الحكم محلي وولائي وقومي، في حين حدد الاتفاق مستويين فقط للشمال – محلي ولائي- دون وجود مستوى اقليمي لكل الشمال الأمر الذي يخلق قدرا من عدم التوازن في ممارسة صلاحيات الحكومة الاقليمية (التي يشارك فيها الجنوبيين) تجاه الولايات الشمالية.

في حين أن هذه الحكومة القومية نفسها ليس لها صلاحيات تذكر في الجنوب، فإقليم الجنوب يصبح وبصورة فورية في وضع استقلال فعلي اقتصاديا وعسكريا واداريا، فرئيس الحركة الشعبية هو رئيس حكومة اقليم الجنوب، وهو المسئول عن تعيين رئيس وزراء وحكومة الجنوب وتسمية كل حكام الولايات الجنوبية، بالاضافة إلى سيطرته على المجلس التشريعي وكل هذا دون حتى التشاور مع الرئيس أو الحكومة القومية أو برلمانها.

ج- فوق ذلك، فإن سلطة الحكومة القومية مقيدة بقيود أخرى كثيرة منها صلاحيات الفيتو المعطاة للنائب الأول (الجنوبي)، وكذلك للغرفة الثانية في البرلمان المتمثلة في مجلس الولايات.

د- إن وجود محكمة دستورية ومحكمة عليا ومحاكم استنئاف، وعدد كبير من المؤسسات والمفوضيات القومية التي تتمتع بصلاحيات واسعة تجاه الحكومة القومية، مع نص الاتفاق على تمثيل الجنوب والولايات في هذه المفوضيات، قد يؤسس لصيغة من المحاصصة الجهوية في هذه المؤسسات، والتأثير على مسار العدالة، وكفاءة الخدمة المدنية ومؤسسات الدولة عبر جعل هذه الاعتبارات الجهوية هي الحكم في الأمور، لا الكفاءة والنزاهة.

هـ - تخلص وجهة النظر هذه التي طرحها "عبد الوهاب الأفندي" إلى أن ملامح السودان الجديد الذي يرسمه هذا الاتفاق هو سودان يجري فيه تفريغ الدولة المركزية من محتواها إلى حد بعيد، ويتحول إلى تحالف بين ولايات شبه مستقلة، ويتمتع فيه الجنوب باستقلال فعلي وقانوني ودستوري، وأن التحدي لن يكون منع السودان من الانقسام إلى دويلات، بل الدخول في جهود جبارة لاعادة توحيده، وهو سودان ستشكل المحاصصة الجهوية والطائفه عمد البنية السياسية له، ويعاني تضخم اداري ووظيفي ومؤسسي بحيث ترتفع كلفة الحكم وتتعقد اجراءات اتخاذ القرار.

و- وطرح بعض المحللين أن مطلب الحركة الشعبية كان هو تبني النظام الكونفدرالي الذي يقسم السودان إلى وحدتين كونفدراليتين، ولكن حكومة الانقاذ رفضت ذلك المطلب لحساسيتها من مصطلح "الكونفدرالية" الذي يؤدي في تقديرها إلى الانفصال، وتمسكت بخير الفيدرالية الذي دعت إليه منذ أن جاءت إلى السلطة، وعقدت مؤتمر الحوار الوطني في سبتمبر 1990 . والشاهد أن الحركة الشعبية حصلت خلال المدة المطولة للمفاوضات على كل الصلاحيات والمؤسسات والأجهزة التي يمنحها النظام الكونفدرالي، حيث سيكون لها دستورن وجيش دعم، وبنك مركزي، وحكم اقليمي ونظام مصرفي خاص... الخ.

ز- إنه من الناحية النظرية ليس هناك ما يمنع من ازدهار كيان سياسي يقوم على مبادئ الكونفدرالية أو الفيدرالية الموسعة، إلا أن ذلك يعتمد على وجود قيادات سياسية تتمتع بقدرات كبيرة على بناء التحالفات وقيادتها بحكمة والمحافظة عليها وتوحيد القوى السياسية وحمايتها من الشرذمة، وهو الأمر الذي يرى كثير من المراقبين أن السودان يفتقده في الوقت الحالي.


الهوامش

(1) أ. د. حسن مكي محمد أحمد، قابلية مشروع الدولة الكينية للعطاء والاستمرار، مجموعة مقالات، جريدة الرأي العام السودانية، مارس وأبريل 2008. (2) التقرير الاستراتيجي العربي، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أعداد 2005، 2006، 2008. (3) حلمي شعراوي (تحقيق وتقديم)، مخطوطات اللغات الأفريقية بالحرف العربي، المعهد الثقافي العربي الأفريقي، مطبعة جامعة دول العربية، 2005. (4) Moham Bahari and Yahya, Islam in Kenya, Nairobi, 1995 (5) Oded, Arye, Islam and Policies in Kenya-USA. Lynne Rienner 2002. (6) تاج السر حران، الأقلية المسلمة في كينيا، الرياض، مطابع جامع الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 2000. (7) محاسن حاج الصافي، المسألة الصومالية في كينيا، الخرطوم، دار هايل للنشر والتغليف المحدود، 1998. (8) International Crisis Croup, www.crisisgroup.org Vo. 137, 21 Feb. 2008. (9) محمد أبو القاسم حاج محمد، السودان: المأزق التاريخي وآفاق المستقبل، بيروت، دار الكلمة للنشر، 1980. (10) جمال عبد الجواد، الانقسامات الأولية وبناء الديمقراطية في السودان، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 1990. (11) د. محمود محمد قلندر، جنوب السودان، مراحل انهيار الثقة بينه وبين الشمال 1900-1983، دمشق، دار الفكر، 2004. (12) شمس الدين ضو البيت (محرر)، برتوكولات نيفاشا ومستقبل السلام في السودان، أوراق ومداولات ورش عمل مباردة المجتمع المدني للسلام، الخرطوم، إصدار مؤسسة فريدرش ايبرت بالسودان، 2005. (13) هاني رسلان، حق تقرير المصير: جدلية المسار والتداعيات، سلسلة كراسات استراتيجية، القاهرة، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، 2003. (14) هاني رسلان، عملية سلام جنوب السودان: مخاض صعب لتوازن حرج، سلسلة كراسات استراتيجية، القاهرة، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، 2004. (15) التقرير الاستراتيجي العربي 2003-2004، القاهرة، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، 2004. (16) مجلة السياسة الدولية، قسم الشئون السودانية، أعداد متفرقة. (17) فيصل محمد صالح، الأبعاد المتعددة للصراع بين جنوب وشمال السودان: الثابت والمتحول وجدل الهوية، ورقة مقدمة إلى ندوة اتفاق سلام جنوب السودان، الآثار الداخلية والاقليمية للتسوية، القاهرة، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام بالاشتراك مع مركز الدراسات السودانية، 2004. (18) الحاج وراق سيد أحمد، أثر التسوية على المناطق المهمشة، ورقة مقدمة إلى ندورة اتفاق سلام جنوب السودان، المرجع السابق. (19) محمد علي جادين، التنوع الثقافي والوحدة الوطنية: الهوية القومية في السودان بين العروبة والأفريقية: هل هناك أسس للتكامل؟ جريدة القدس العربي، 29 سبتمبر 2003.


الفصل الثاني: مستقبل التعاون بين دول حوض النيل قراءة في خبرات التعاون الاقليمي (محمد فايز فرحات)

مقدمة

تقوم فلسفة مبادرة حوض النيل على تجاوز التعاون التقليدي حول نهر النيل، من مجرد تنسيق استخدام وتوزيع الموارد المائية للنهر إلى التعاون متعدد الأبعاد بين دول حوض النيل ليشمل مجالات أخرى مثل التجارة والطاقة والاستثمار وتطوير الموارد المائية، واختصار تحقيق التنمية المستدامة استنادا إلى تبادل المنافع والتكاليف.

وبهذا المعنى فإن مبادرة حوض النيل تمثل امتدادا للتطور المهم الذي شهدته أدبيات التعاون/التكامل الاقليمي/عبر الاقليمي، وأحد أبعادها المهمة، وهو تحول المساحات المائية (الأنهار، المحيطات، البحار) إلى مرتكز ومحور للتعاون الاقليمي وعبر الاقليمي، سواء مثلت المياه هنا موضوعا للتعاون الاقليمي (التعاون حول نهر الدانوب، نهر الراين)، أو محددا رئيسيا في تحديد نطاق وهوية مشروع التعاون الاقليمي/عبر الاقليمي (البحر المتوسط كأساس لمشروع الشراكة الأوروبية – المتوسطية، والمحيط الهندي كأساس مشروع تحرير التجارة والتكامل الاقتصادي عبر الاقليمي لرابطة دول المحيط الهندي للتعاون الاقليمي IOR-ARC – المحيط الهادي والمعروفة بالآبك APEC).

وييرجع تحول مياه الأنهار الدولية إلى موضوع ومحور للتعاون الاقليمي إلى عدة عوامل، تتعلق بالطلب على المياه نتيجة تصاعد احتياجات التنمية الاقتصادية (الزراعية، الصناعية) وزايد معدل النمو السكاني، وهو ما أدى إلى تحول المياه إلى أحد مصادر الصراع وتهديد النمط المستقر لتوزيع مياه الأنهار الدولية على نحو يمثل تهديدا للوجود الاقتصادي والاجتماعي، خاصة في حالة ارتباط هذا التغير بضغوط شديدة على الخيارات السياسية المتاحة أمام النظام السياسي للدولة موضوع التهديد.

وتأتي العلاقة بين المياه والصراع كجزء من العلاقة المتصاعدة بين البيئة والصراع السياسي والاقتصادي. وقد تطور في اطار محاولات بناء تلك العلاقة عدد من المقولات المهمة حول العلاقة بين قضايا المياه، والبيئة بشكل عام، والصراع بشكل خاص، التي تجاوزت سؤال ما اذا كانت هناك علاقة ما بين المشكلات البيئية والصراع والأمن القومي، إلى البحث في سؤال: كيف، ومتى تصبح البيئة موضوعا للصراع أو للتعاون والتكامل؟

من بين تلك المقولات: " إن الدولة التي تسيطر على أعالي النهر تمتلك القدرة على التأثير والسيطرة على كمية ونوع المياه المتدفقة إلى باقي دول حوض النهر" (Haftendorn) ، بمعنى آخر، فإن دول أعالي النهر تستطيع إستخدام المورد المائي كأدوات وأهداف لأعمال سياسية وعسكرية، دون أن ينفى ذلك اعتمداد الاستخدام السياسي للمورد المائي على محددات آخرى مثل درجة الاعتماد على المياه، ومدى توافر مصادر بديلة، وكثافة السكان، ومستوى التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتعد مقولة هافتنيدورن أقرب إلى تلك التي طرحها عالم الجغرافيا البريطاني سير هالفورد ماكيندر في عام 1919، والتي تقوم على أن "من يسيطر على شرق أوروبا، يسيطر بالتالي على قلب العالم (غرب أوروبا السوفيتية حتى وسط سيبريا)" ومن سيطير على جزيرة العالم (أوروبا وآسيا وأفريقيا) ، يسيطر على العالم (1). ومن المقولات الأخرى المهمة في هذا السياق "أن الدول المتصارعة في مجال السياسات العليا تميل إلى عدم التعاون في مجالات السياسات الدنيا (الاقتصادية والفنية) (Lowi).

وعلى العكس من المقولات السابقة التي تميل إلى وجود علاقة سلبية بين المشكلات المائية والتعاون أو الأمن الاقليمي، هناك مقولات أخرى تذهب إلى وجود علاقة إيجابية بين النزاع المائي أو المورد المائي المشترك، من ناحية، والتعاون الاقليمي من ناحية أخرى، يذهب جليك على سبيل المثال، إلى أن النزاع حول الموارد المائية لا يؤدي إلى الصراع المسلح، بل على العكس قد يؤدي إلى السلام والتعاون الاقليمي. وتستند هذه المقولة إلى افتراضين: الأول، أن الدولة المطلة على الأنهار الدولية تدرك تزايد ندرة المياه، وتدرك أنه لا يمكن الوصول إلى تسوية حقيقية للنزاع حول هذا المورد إلا من خلال المفاوضات المشتركة حول تخصيص وإدارة توزيع واستخدام الموارد المائية. الافتراض الثاني، أن نجاح التعاون الاقليمي الفني في مجال المياه سوف يقود غلى نقل هذا التعاون إلى مجالات أخرى من خلال ما يعرف بعملية انتشار التكامل Spill Over، وهو ما دفع البعض إلى القول بأن نجاح التعاون الاقليمي في مجال البيئة يؤدي إلى تخفيض مستوى التوتر الاقليمي، وتوسيع نطاق ومجالات التعاون الاقلميين وتخفيض مستوى التسلح، وتشجيع الأنماط السلمية لتسوية الصراعات الاقليمية الأخرى (Conca).

ويشير بعض أنصار هذا الاتجاه إلى أن عدد الاتفاقيات والمعاهدات حول المياه تفوق بكثير النزاعات القائمة حول المياه (2).

ويركز هذا الفصل على تناول حدود وفرص التعاون الاقليمي في حوض النيل في ضوء الفلسفة الجديدة لمبادرة دول حوض النيل، وذلك في ضوء الخبرات الدولية السابقة في هذا المجال، وفي ضوء الخبرات السابقة في مجال التعاون الاقليمي خاصة في دول العالم النامي،والتي تقدم دروسا مهمة حول فرص وحدود التعاون الاقليمي في منطقة حوض النيل. وتحاول الدراسة في هذا الاطار الاجابة على سؤال محدد، هل يمكن أن ينتقل التعاون في حوض النيل في اطار المبادرة من التعاون التقليدي حول المياه إلى التعاون الفني غير التقليدي، بما يشمل ذلك التعاون الاقتصادي في مجال تحرير التجارة والاستثمار، وما هي فرص نجاح المبادرة في هذه الحالة؟


أولا: المياه في إطار عملية التكامل الأوروبية (3)

شكلت المياه موضوعا للتعاون غير المباشر في المراحل الأولى لانطلاق عملية التكامل الأوروبية مع تأسيس الجماعة الأوروبية للحديد والفحم في عام 1950، عندما أضيفت الأبعاد الصناعية لاستخدام المياه كجزء من أجندة عمل الجماعة، وأصبحت المياه أكثر حضورا في عملية التكامل الأوروبية في معاهدة روما (1957) التي أسست الجماعة الاقتصادية الأوروبية EEC، والتي تضمنت سياسات مشتركة بخصوص النقل والزراعة، وهما القضيتان الأكثر صلة بالمياه، ثم شهد التعاون المائي دفعة قوية في عام 1973 كجزء من الاهتمام بقضايا البيئة، حيث أصبحت مسألة المياه في مقدمة أجندة التعاون الاقليمي الأوروبي، من خلال مجموعة برامج العمل البيئية Environmental Action Programs، التي تبنتها الجماعة الاقتصادية الأوروبية خلال تلك المرحلة. وقد ركزت التجربة الأوروبية خلال النصف الثاني من السبعينيات والنصف الأول من الثمانينيات على التنسيق بين التشريعات الأوروبية في مجال جودة المياه ومعايير استخدام مياه الأنهار والبحيرات كمصدر لمياه الشرب وتعبئة المياه، بالاضافة إلى تنسيق التشريعات الخاصة بالصيد واستخراج المياه الجوفية. وفي مرحلة أخرى، ركزت التجربة الأوروبية خلال النصف الأول من السبعينيات على تنسيق التعاون الاقليمي في مجال التشريعات الخاصة بمعالجة مياه الصرف منخلال تبني ما عرف "التوجهات بمعالجة مياه الصرف بالمناطق الحضرية" Urban Wastewater treatment and Nitrates Directives في عام 1991.

وفي عام 1992 أصبحت مسألة حماية البيئة والتنمية المستدامة جزءا محوريا من سياسات الاتحاد الأوروبي مع توقيع معاهدة ماستريخت في ذلك العام. والتي تضمنت عدد من المبادئ المهمة، منها: اعتبار السياسة البيئية مسئولية الجماعة الأوروبية، ودمج السياسة البيئية في السياسات الأخرى للجماعة، وتطبيق مبادئ الوقاية، ومنع التلوث من المنبع، والعقوبات المالية على المسئولين عن التلوث وغير المتلزمين بالتشريعات البيئية. وفي خطوة أكثر تقدما نحو تحول المياه إلى مكون رئيسي لأجندة التكامل الأوروبية، تم تأسيس "إطار الاتحاد الأوروبي للمياه" EU Water Framwark Directive في عام 1995. وقد قامت اللجنة الأوروبية في سياق هذا الإطار، بوضع مشروع "السياسة المائية الأوروبية" الذي تم مناقشته داخل البرلمان الأوروبي ومجلس الوزراء الأوروبي، حيث تم إقرارها في عام 2000.

وهدفت تلك السياسة إلى تحقيق عدد من الأهداف، أهمها:

1- توسيع نطاق حماية المياه لتشمل جميع مصادر المياه (السطحية والجوفية). 2- تطبيق معايير محددة لجودة المياه خلال جدول زمني محدد يتم تطبيقعها أيضا على جميع مصادر المياه. 3- إدارة الأنهار والبحيرات باعتبارها وحدة جغرافية وهيدروليكية واحدة وليس استنادا إلى الحدود السياسية والإدارية القائمة، من خلال خطط اقليمية مشتركة تأخذ في الاعتبار الخصائص الجغرافية والهيدروليكية والايكولجية والأنشطة الإنسانية والاقتصادية في حوض النهر. 4- تسعير جميع الخدمات ذات لاصلة باستخدام المياه كآلية مهمة لترشيد استخدام الموارد المائية. 5- دمج الأحزاب والقوى السياسية والمجتمع المدني ذات الصلة بالموارد المائية في تلك الصناعة وتنفيذ تلك السياسة.

وقد سار هذا التصاعد المستمر لمسألة التعاون المائي والبيئي في إطار تجربة التكامل الأوروبية بالتوازي مع تطور تجارب التعاون الاقليمي الأوروبي حول نهر الدانونوالراين.


ثانيا: الخبرات الدولية السابقة في مجال التعاون الاقليمي

قدم الأدب النظري في التكامل الاقليمي في اطار نظريات التكامل السابقة ستة أشكال أو مستويات من التكامل الاقليمي، اختلفت فيما بينها وفقا لمستوى تحرير تجارة السلع والخدمات وحرية انتقال الاستثمار ورؤوس الأموال والأفراد. يتمثل المستوى الأول في منطقة التجارة التفضيلية Preferential Trade Agreement، وتكون فيها مستوى الحواجز والقيود الجمركية على التجارة الاقليمية البينية في السلع والخدمات ذات المنشأ في الدول الأعضاء أقل من تلك المطبقة على التجارة مع الدول غير الأعضاء، ولكن يظل هناك بعض الحواجز الجمركية على التجارة الاقليمية البينية، كما تظل هناك هياكل متفاوتة من القيود الجمركية على التجارة مع العالم الخارجي (الشركاء التجاريين غير الأعضاء في منطقة أو اتفاقية التجارة التفضيلية)، حيث يظل تجديد مستوى هذه الحواجز مسئولية كل دولة على حدة. أما المستوى الثاني فهو منطقة التجارة الحرة Free Trade. وتتضمن ازالة الحواجز الجمركية على التجارة الاقليمية البينية بين الدول الاعضاء ، مع الاحتفاظ بالهياكل الجمركية المحلية في مواجهة التجارة مع العالم الخارجي أو الدول غير الأعضاء والتي تظل متفاوتة في مستواها من دولة إلى أخرى . المستوى الثالث هو الاتحاد الجمركي Customs Union، ويتضمن تحرير التجارة البينينة على المستوى الاقليمي مع تطوير هيكل جمركي موحد أو مشترك بالنسبة للتجارة الخارجية مع العالم الخارج أو الدول غير الأعضاء. أما المستوى الرابع فهو السوق المشتركة Common Market ، وما يميز السوق المشتركة عن النماذج أو المراحل السابقة هو الانتقال إلى مستويات أعلى من التكامل، حيث لا تقتصر عملية التحرير هنا على السلع والخدمات فقط، ولكنها تمتد إلى تحرير كافة عناصر الانتاج الأخرى من الأفراد وراس المال. كما تتطلب هذه المرحلة في الغالب تحقيق قدر من التنسيق بين السياسات المالية والنقدية بين الدول الأعضاء. المستوى الخامس هو الاتحاد الاقتصادي Economic Union، وتتضمن هذه المرحلة المتقدمة من التكامل الاقليمي وجود عملة مشتركة وسياسة نقدية موحدة. وأخيرا يأتي مستوى الوحدة السياسية Political Union ، ويعد هو المستوى الأعلى في مراحل التكامل الاقليمي ، حيث يتم توحيد ودمج العمليات السياسية والتشريعية للدول الأعضاء، أو عملها من خلال اتحاد فيدرالي، ونصبح أمام سيادة واحدة جديدة بينما تختفي السيادات المكونة لهذا الاتحاد (4).

وقد شهدت الدول المتقدمة والنامية، على حد سواء، في فترات خاصة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، العديد من تجارب التكامل الاقليمي، إلا أن السمة الملحوظة هي نجاح أغلب تجارب التكامل الاقليمي في العالم المتقدمة في تحقيق أهدافها، بينما فشلت معظم مشروعات التكامل في الدول النامية، خاصة في أفريقيا وأمريكا اللاتينية، وظلت التجربة الأوروبية تقدم باعتبارها إحدى النماذج الناجحة في مجال التكامل الاقليمي، بل طرحت باعتبارها "النموذج" أو التطبيق المثالي لنظريات التكامل. وباستثماء التجربة الأوروبية، قإن التجارب الاقليمية أو تطبيقات الاقليمية التي سادت خلال فترة الخمسينيات والسيتنيات قد فشلت في تحقيق أهدافها الرئيسية.

وقد شهد عقد الثمانينات تصاعدا ملحوظا لظاهرة الاقليمية أو الأقلمة Regionalization مرة أخرى. تزامن هذا التصاعد مع تصاعد ظاهرتين أخريين هما ظاهرة العولمة Globalization والمحلية Localization. وقد أخذ تصاعد عملية الأقلمة ثلاثة أبعاد رئيسية:

الأول: هو اتجاه التجارة الدولية خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين نحو الأقلمة، أو ما عرف ب"أقلمة التجارة الدولية" Regionalization of Trade. وقد ارتبط هذا التحول بمجموعة من التحولات الأخرى المهمة في تطور اتجاهات التجارة الدولية. تمثل أول تلك التحولات في تزايد الوزن النسبي للقارة الآسيوية بشكل عام في التجارة الدولية، خاصة فيما يتعلق بالصادرات، وذلك في الوقت الذي استمر فيه تصاعد نصيب أوروبا الغربية من تلك التجارة، وتراجع نصيب العديد من الأقاليم الأخرى، خاصة أمريكا الشمالية وأمريكا اللاتينية وأفريقيا.

التحول الثاني، هو زيادة معدلات التجارة الاقليمية البينية (الصادرات والواردات)، فقد ارتفعت نسبة الصادرات الاقليمية البينية في أوروبا الغربية بشكل عام من 64.1% في سنة 1963، إلى 69.1% في سنة 1999، وارتفعت نسبة الواردات البينية من 56.1% إلى 67.6% خلال نفس السنوات. كما ارتفعت نسبة الصادارات الاقليمية البينية في الاتحاد الأوروبي من 56.3% في سنة 1963 إلى 63.4% إلى 62.6 في سنة 1999. وارتفعت نسبة الصادرات البينية في أمريكا الشمالية من 25.4% في سنة 1993 إلى 39.6 في سنة 1999. وارتفعت نسبة الصادارات الاقليمية البينية في آسيا من 42.1% في سنة 1990 إلى 46.6 في سنة 1999 (5).

وترجع أهمية تلك التحولات أنها خلقت دافعا قوية لدى القوى والاقتصادات الاقليمية لتأسيس الأطر الاقليمية وعبر الاقليمية اللازمة لادارة علاقاتها التجارية على المستوى الاقليمي، أو مع الأقاليم الخارجية الأخرى في العالم، بهدف ضمان الحفاظ على نصبيها من التجارة الالمية، من ناحية أخرى، والحفاظ على مستوى العلاقات التجارية الاقليمية البينية، من ناحية أخرى. وقد احتلت تلك القضية أهمية خاصة لدى الاقتصادات الآسيوية التي لعبت الصادرات فيها دورا هاما في استقرار معدلات النمو الاقتصادي.

الثاني: هو الاتجاه نحو تطوير العديد من تجارب الاقليمية القائمة، على نحو يعكس الاتجاه نحو اعادة صياغة أبعاد ظاهرة الاقليمية ذاتها. وقد أخذ هذا التطوير بدوره بعدين رئيسيين: الأول هو الاتجاه نحو تعميق مشروعات التكامل الاقليمي القائمة من خلال تبني أهداف أكثر طموحا. وقد انعكس هذا الاتجاه في انتقال الجماعة الأوروبية خلال عقد التسعينيات إلى تبني أهداف أكثر طموحا تمثلت في تبني هدف الوحدة النقدية وتطبيق نظام العملة الأوروبية الموحدة والانتقال إلى العمل على صياغة سياسة خارجية موحدة، كما انعكس أيضا في انتقال "رابطة دول جنوب شرق آسيا (الآسيان) " في عام 1992 إلى تبني هدف اقامة "منطقة الآسيان للتجارة الحرة (الآفتا)" ASEAN Free Trade Area. وتمثل البعد الثاني في الاتجاه نحو توسيع النطاق الجغرافي لمشروعات التكامل الاقليمي الجيوسياسية، بشكل عام، كمعايير حاكمة للعضوية في تلك المشروعات أو الترتيبات. ويمكن أن نحدد أهم معالم هذا التطور في توسيع نطاق عضوية الاتحاد الأوروبي ليضم أعضاء جدد مثل النمسا وفنلندا والسويد (1995)، فضلا عن التوسع شرقا من خلال توقيع اتفاقيات مع الدول الشيوعية السابقة في وسط أوروبا، والاتجاه جنوبا من خلال تطوير أطر للمشاركة مع دول جنوب البحر المتوسط فيما عرف "بالمشاركة الأوروبية – المتوسطية" ، كما شهدت رابطة الآسيان توسيع نطاقها الجغرافي من خلال الاتجاه نحو قبول أعضاء جدد مثل فيتنام وكمبوديا، وهو ما لم يكن متوقعا قبل إنهيار نظام القطبية الثنائية وانتهاء الحرب الباردة.

الثالث: هو النمط المتسارع لاتفاقيات ومشروعات تحرير التجارة الاقليمية، حتى أصبحتت تلك الاتفاقيات والمشروعات إحدى الاستراتيجيات الرئيسية لمعظم دول العالم في إدارة علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع العالم الخارجي. بدا ذلك واضحا في النمو المتسارع لمشروعات واتفاقيات تحرير التجارة الاقليمية بمختلف مستوياتها. كان أبرز تلك المشروعات اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (النافتا – 1994)، واتحاد الميكروسور الجمركي (1991) في أمريكا اللاتينية بين البرازيل والأرجنتين وباراجواي وأورجواي، و"المبادرة عابرة الحدود في شرق وجنوب أفريقيا" (1992) The Cross-Border Initiative in Easter and Southern Africa ... الخ (6). ووفق تقديرات لجنة اتفاقيات التجارة الاقليمية التابعة لمنظمة التجارة العالمية يبلغ اجمالي عدد اتفاقيات التجارة الاقليمية في العالم في يوليو سنة 2000 نحو 240 اتفاقية (بين منطقة تجارة حرة واتحاد جمركي) (7). ولعل ما يعكس أيضا تصاعد ظاهرة الاقليمية أن نحو 90% من أعضاء منظمة التجارة العالمية يندرجون في واحد على الأقل من مشروعات تحرير التجارة الاقليمية أو أكثر .(8).

ولم يقتصر التحول على نمط النمو المتسارع في عدد تلك الاتفاقيات أو المشروعات فحسب، ولكنه امتد ليشمل تحولا آخر في نمط التوزيع الجغرافي لتلك المشروعات وطبيعة الأطراف المشاركة. فقد شهد نمط التوزيع الجغرافي لتلك المشروعات تطورا ملحوظا في اتجاه تصاعد نصيب الدول النامية ، خاصة الأمريكتين، من تلك المشروعات، بالاضافة إلى اتجاه بعض الأقاليم التي عرف عتها عزوفها أو عدم تركيزها على الأطر الاقليمية كآلية لتحرير التجارة إلى عقد المزيد من تلك الاتفاقيات (9). ومن ناحية أخرى، فقد شهدت طبيعة الأطراف الأعضاء في تلك المشروعات تطورا آخرا في الاتجاه لعقد العديد من اتفاقيات التجارة الاقليمية بين أطراف يشكل إحداها إطار أو مشروع اقليمي متميز، مثل الاتفاقيات التي يجرى عقدها بين الاتحاد الأوروبي وعدد من الدول المتوسطية، أو مشروع اتفاقية التجارة الحرة بين الآسيان والصين ...ألخ.

وقد أدى ازدهار ظاهرة الاقليمية خلال العقد الأخير إلى التمييز بين الترتيبات الاقليمية التي سادت بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة وحتى منتصف الثمانينيات من ناحية، وتلك التي ازدهرت بشكل متسارع مع أواخر عقد الثمانينيات من ناحية أخرى على نحو جعل البعض يطلق على النوع أو النمط الأول "بالاقليمية التقليدية" أو الاقليمية القديمة Old regionalism أو الموجة الأولى من الاقليمية. مقابل الاقليمية الجديدة New regionalism أو الموجة الثانية من الاقليمية، التي ازدهرت مع بداية عقد التسعينيات.

وفي واقع الأمر، فان التمييز بين نمطين أو موجتين من الاقليمية لا يستند فقط إلى مجموعة التطورات السابقة، بقدر ما يستند أيضا إلى مجموعة أخرى من التحولات الجوهرية التي لحقت بظاهرة الاقليمية خلال العقد الأخير، خاصة فيما يتعلق بسياسات تحرير التجارة والحدود الجغرافية والايديولوجية لمشروع تحرير التجارة الاقليمية، ومستوى مؤسسية المشروع ... الخ.

وفي ضوء التحولات التي لحقت بأدبيات وخبرة التكامل الاقليمي، وبالعودة إلى السؤال الرئيسي للدراسة حول فرص نجاح عملية التعاون الاقليمي في منطقة حوض النيل وامكانية انتقال هذه العملية من مجال التعاون الفني حول المياه، إلى التعاون الشامل في مجالات الاقتصاد والتجارة والاستثمار.. الخ، فإن هذه الدراسة تنطلق من فرضية مفادها صعوبة تحقق هذا الانتقال، ما لم يحدث تحولات هامة على مستوى آليات وفلسفة التعاون الاقليمي في المنطقة، وعلى مستوى مواجهة التحديات التي تواجه مبادرة حوض النيل بشكل خاص، والتي ستناقش هذه الدراسة بعض أبعادها. بالاضافة إلى مساهمات الدراسات الأخرى في هذا الكتاب. وتستند الدراسة في تأكيد مضمون هذه الفرضية إلى خبرات التعاون الاقليمي السابقة في الدول النامية.

1- مظاهر اخفاق تجربة الاقليمية التقليدية في الدول النامية:

تعددت مظاهر اخفاق تجارب الاقليمية في الدول النامية، بما في ذلك القارة الأفريقية، ويمكن تحديد أبرز تلك المظاهر فيما يلي:

أ- الفشل في دفع عملية التنمية الاقتصادية والنمو الاقتصادي: وكان الافتراض القائم أن مشروعات التكامل الاقليمي سوف تسهم في دفع عملية التنمية الاقتصادية في الدول النامية من خلال عدد من الآليات أو المداخل، أهمها التقليل من التكلفة الناتجة عن عمليات تشوه السوق والحواجز التجارية الناتجة عن اختلال وتضارب السياسات المحلية، والتقليل من تكاليف عمليات تخصيص الموارد وتكلفة المعاملات الاقتصادية، وتعظيم الفوائد الناتجة عن التنسيق في مجال تعديم وتنشيط اقتصادات الحجم الكبير، والاستفادة من تأثيرات الوفورات الخارجية التي ترتبط باتساع حجم السوق، وتنشيط حجم الاستثمارات في البيئة الاساسية، والتحول من التركيز على الفوائد قصيرة الأجل الناتجة عن تحويل التجارة إلى التركيز على الفوائد بعيدة المدى الناتجة عن عمليات خلق تجارة جديدة، فضلا عن افتراض ان الاقليمية تسهم في توزيع أو تخصيص أكثر كفاءة للموارد الاقتصادية تحت تاثير عامل خلق التجارة(10).

إلا أن التجارب التطبيقية العديدة قد اثبتت عدم تحقق هذه الافتراضات بالضرورة في جميع الحالات، ومن ثم ضرورة إعادة صياغة هذه العلاقات أو اعادة النظر فيها مرة أخرى. وحتى في الحالات التي نجحت فيها الترتيبات الاقليمية في تحقيق قدر ملموس من التنمية الاقتصادية لم ترتبط عملية التنمية الاقتصادية الاقليمية بتوزيع عادل لمنافع والفوائد، مما أدى إلى افتقادها الكثير من المصداقية أو القناعة بجدوى الترتيب الاقليمي في دفع عملية التنمية الاقتصادية. ولم يقتصر تراجع مصداقية تلك المشروعات على القيادات السياسية الاقليمية فحسب. ولكنه امتد ليطول الشعوب ذاتها، ويوضح الجدول رقد (1-2) مقارنة مستوى الانجاز الذي تحقق على صعيد النمو الاقتصادي والاستثمار في عدد من ترتيبات التكامل الاقتصادي في الدول النامية والجماعة الأوروبية خلال الفترة (1950-1985).

{{{جدول رقم (1-2)}}}}

متوسط معدلات النمو الاقتصادي والاستثمار في عدد من ترتيبات التكامل الاقليمي في الدول النامية بالمقارنة بالتجربة الأوروبية

(خلال الفترة 1950-1985)}}}}}

ص58

وتكشف مقارنة متوسطات معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، ومتوسط نسبة الاستثمار إلى الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في تجارب الاقليمية المختلفة بسنة تاسيس الترتيب الاقليمي، وتوضح بيانات الجدول (1-2) ملاحظتين هامتين:

أولا: ارتبطت تجارب الاقليمية في الدول المتقدمة بمعدلات ايجابية مرتفعة سواء على صعيد متوسط معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، أو معدل الاستثمار، فضلا عن ارتباط تلك التجارب بتحسن ملحوظ في تلك المعدلات. فقد حققت الجماعة الأوروبية متوسط معدل نمو سنوي للناتج المحلي الإجمالي الحقيقي خلال الفترة (1950-1960) قدره 3.3% ، كما بلغ معدل الاستثمار حوالي 25.1% ارتفع المعدلان السابقان خلال الفترة (1960-1972) إللاى 3.7% ، 28.1% على الترتيب. وعلى الرغم من انخفاض المعدلين خلال الفترة (1972-1985) إلى 1.5% و23.5% على الترتيب إلا أنهما ظلا معدلين ايجابيين، ويصدق التلحيل نفسه على تجربة الرابطة الأوربية للتجارة الحرة (الإفتا) ، فقد بلغ متوسط معدل النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للرابطة نحو 3.4% خلال الفترة (1950-1960) ، كما بلغ متوسط معدل الاستمثار 25.8%، وارتفع المعدلات خلال الفترة (1960-1972) إلى 3.7% ، 29.9% على الترتيب. وعلى الرغم من انخفاضهما خلال الفترة (1973-1985) إلا أنهما ظلا ايجابيين، حيث بلغ 2.3% و28.1% على الترتيب.

ثانيا: أما بالنسبة لتجارب الاقليمية في الدول النامية، فيلاحظ عدم ارتباط مشروعات التكامل الاقليمي بحدوث نقلة نوعية ملحوظة سواء فيما يتعلق بمعدلات نمو الناتج المحلي الاجمالي الحقيقي أو معدلات الاستثمار. وعلى العكس، فقد شهدت بعض تلك التجارب حدوث تراجع في تلك المعدلات رغم مستواها المتواضع. وعلى سبيل المثال، فقد انخفظ متوسط معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في حالة السوق المشتركة لأمريكا الوسطى من 1.8% في خلال الفترة (1950-1960) إلى -5% خلال الفترة (1973-1985). ولم يحدث تحول ملحوظ في معدل الاستثمار الذي ظل مستقرا بين نحو 1.5%-13% خلال السنوات الخمس والثلاثين. كذلك فقد انخفض متوسط معدل نمو الناتج المحلي الاجمالي الحقيقي في حالة رابطة تكامل أمريكا اللاتينية من 1.5% خلال الفترة (1950-1960) إلى 0.4% خلال الفترة (1973-1985)، وظل معدل الاستثمار ثابتا بين 15% و16.8% خلال السنوات الخمس والثلاثين، ولم تحدث تحولات واضحة فيما يتعلق بهذين المؤشرين في رابطة تكامل أمركيا اللاتينية أو بعد اعادة تنشيط الرابطة وتحويلها في عام 1980 إلى "رابطة أمريكا اللاتينية للتجارة الحرة " LAFTA.

وحتى في الحالتين اللتين ارتبط فيهما تأسيس الترتيب الاقليمي بارتفاع معدل الاستثمار ، فقد تراجعت فيها معدلات نمو الناتج المحلي ، فبينما ارتفع معدل الاستثمار بالنسبة لدول "التجمع الاقتصادي لغرب أفريقيا" من 6.8% خلال الفترة (1960-1970) إلى 8.6% خلال الفترة (1973-1985) ، فقد تراجع متوسط معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي من 1% خلال الفترة (1960-1975) إلى صفر خلال الفترة (1973-1985). كذلك بينما ارتفع معدل الاستثمار في مجموعة دول "الاتحاد الجمركي والاقتصادي لأفريقيا الوسطى" من 15.9% خلال الفترة (1960-1972) إلى 183.3% خلال الفترة (1973-1985)، فقد انخفض متوسط معدل نمو الناتج المحلي الاجمالي الحقيقي من 2.20% إلى 1.4 % خلال نفس الفترات.

وعلى الرغم من أن بيانات الجدول السابق تكشف عن تقد العلاقة بين الاقليمية ومعدلات نمو الناتج المحلي الاجمالي أو الاستثمار، وعدم وجود علاقة خطية واضحة بين الاقليمية وتلك المعدلات، خاصة أن ارتفاع معدلات النمو في الناتج المحلي الاجمالي ومعدلات الاستثمار في التجربة الأوروبية قد سبقت بدء مشروع التكامل ذاته، وربما يفسر ذلك جزئيا نجاح مشروع التكامل الأوروبي ، إلا أن ما يهمنا هنا هو أن مشروعات التكامل الاقليمي في الدول النامية لم تنجح في تحقيق النتائج المتوقعة منها فيما يتعلق برفع معدلات النمو الاقتصادي والاستثماري الأمر الذي يكشف عن عدم صحة الافتراضات الخاصة بارتباط مشروع التكامل الاقتصادي بزيادة معدلات النمو الاقتصادي والاستثمار بشكل آلي، اذ يعتمد ذلك على عوامل عدة أهمها نجاح مشروع التكامل ذاته في تحقيق أهدافه الريسية، والتوزيع العادل للأعباء والمنافع، والتوزيع العادل لمشروعات التنمية، كما أن قيام مشروع التكامل بين عدد من الاقتصادات يتميز مسبقا بارتفاع معدلات النمو الاقتصادي ووجود أساس مادي للتجارة يسهل كثيرا من نجاح المشروع على نحو ما تعكسه المقارنة بين التجرب الأوروبية والعديد من المشروعات في الدول النامية.

ب- محدودية النجاح الذي تحقق على صعيد تنمية وتحرير التجارة الاقليمية البينية: فقد كان من الافتراض القائم هنا أن الترتيبات الاقليمية هي أكثر الاطر ملاءمة لتنمية وتحرير التجارة الاقليمية البينية، ومن ثم زيادة حكم الانتاج، وبالتالي زيادة معدلات النمو الاقتصادي، غير أن التجارب العديدة لم تنجحج في تحقيق هذا الهدف. ويوضح الجدول رقم (2-2) تطور حجم التجارة الاقليمية والانفتاح ونسبة التجارة الاقليمية إلى التجارة العالمية داخل بعض الترتيبات الاقليمية في الدول النامية بالمقارنة بالتجربة الأوروبية خلال الفترة (1960-1990).


{{{جدول (2-2)}}}}} ص 61، 62.

ويتضح من بيانات الجدول (2-2) أنه بينما نجحت التجربة الأوروبية في تنمية حجم التجارة الإقليمية البينية، لترتفع من 24.5% سنة 1960 إلى 6.4% سنة 1990، لم تحقق مشروعات الاقليمية في الدول النامية التقدم النسبي الذي حققته تجربة دول أمركيا الوسطى، ورابطة الآسيان. فلم تتجاوز نسبة التجارة الاقليمية البينية بني دول "التجمع الاقتصادي لغرب إفريقيا" (الإيكواس ECOAS) 6% سنة 1990 مقارنة ب4.2% سنة 1975، أي بزيادة قدرها 1.7% فقد خلال خمسة عشر عاما. وتصدق نفس الملاحظة على رابطة تكامل أكريا اللاتينية، فقد بلغت نسبة التجارة الاقليمية البينية بين دول الرابط 1.6% في عام 1990 مقارنة ب7.9% عام 1960، أي بزيادة لم تتجاوز 2.7% خلال ثلاثين عاما. كما ظلت نسبة التجارة الاقليمية البينية في حالة جماعة تنمية أفريقيا الجنوبية (السادك SADC) ثابتة عند نحو 5.20% منذ تأسيس الجماعة في عام 1980 وحتى عام 1990، ولم تختلف كثيرا عن قبل تأسيس الجماعة.

والملاحظة المهمة التي يجدر الإشارة إليها، بالنظر إلى بيانات الجدول (2-2) هي أن تزايد نسب التجارة الاقليمية البينية في إطار تجارب الدول المتقدمة، خاصة التجربة الأوروبية، قد اقترن في الوقت نفسه بتزايد مستمر في معدلات الانفتاح، ولم تنسحب هذه السمة على تجارب الدول النامية باستثناء تجرب السوق المشتركة لأمريكا الوسطى.

ج- الاخفاق في رفع مستوى الكفاءة والفعالية: وقد عاد هذا الاخفاق إلى أسباب عدة: أهما انخفاض درجة مرونة الطلب على الواردات، ووجود اختلافات واسعة بين اقتصادات الدول الأعضاء في الترتيب الاقليمي، خاصة فيما يتعرق بهياكل تكلفة الانتاج ،والتفاوت الكبير في مستويات الدخول والتفاوت الكبير في مستويات التنمية الصناعية القائمة على الحماية الاقتصادية ، والتضارب وعدم الاستقرار في السياسات الاقتصادية، والتي جعلت عملية التكيف سواء على المستوى الداخلي أو الاقليمي عملية غير واضحة وضعيفة وذات تكلفة وعبء مرتفع.

2- أسباب اخفاق مشروعات التكامل الاقليمي في الدول النامية:

ثارت التساؤلات حول أسباب اخفاق تجارب الاقليمية في الدول انامية بينما نجحت في الدول المتقدمة، وما اذا كان نجاح تجارب التكامل الاقليمي في الدول النامية يتطلب شروطا لا تتوافر لهذه الدول؟ وهل يرجع هذا الاخفاق إلى مجموعة الخصائص الهيكلية التي عانت منها الاقتصادات النامية، مثل نقص الخبرات الادارية وغياب الاستقرار السياسي والانكشاف الخارجي... الخ؟ واذا كان هذا التحليل صحيحا، فهل يعني ذلك عدم ملاءمة أطر الاقليمية التقليدية لظروف الدول النامية؟

واقع الأمر، قد تعددت التفسيرات التي قدمت لتفسير اخفاق الاقليمية في الدول النامية وعلى الرغم من أن كل تجربة كانت لها قدر من الخصوصية أو التمايز في عوامل الاخفاق إلا أن هناك أسبابا عامة تتميز بقدر من التعميم في انطباقها على أغلب تجارب الاقليمية في الدول النامية. ترتبط معظم هذه الأسباب بمجموعة السمات والخصائص التي ميزت ترتيبات التكامل الاقليمي ذاتها التي سادت خلال هذه الفترة، جنبا إلى جنب مع ظروف وخصائص الاقتصادات النامية في الوقت نفسه.

ومن أهم التفسيرات التي قدمت لاخفاق الموجة الأولى من الاقليمية تلك التي قدها كل من بيرسي ميستري Percy S. Mistery وجيم دي ميلو Jaime de Melo وكلوديو مونتينجرو Claudio Montenegro ووالتر كينيث Walter Kennes وبيلاسا Belassa.

وتتلخص أهم تلك الأسباب فيما يلي:

1- ما ذهب إليه بيلاسا من ضرورة ارتباط أو اقتران ترتيبات التكامل الاقليمي بالترحير أحادي الجانب للتجارة Unilateral trade liberalization بمعنى ضرورة الجمع بين استراتيجيتي التحرير الجماعي الاقليمي، والتحرير الفردي أحادي الجانب كشرط ضروري لتعظيم الفائدة من ترتيبات التكامل الاقليمي. 2- أن أغلب ترتيبات التكامل الاقليمي قد افتقدت إلى العديد من الشروط التي تكفل تعظيم الفائدة من الترتيب الاقليمي . وفي مقدمة تلك الشروط ارتفاع نسبة التجارة الاقليمية البينية إلى حد يكفل الاستفادة من عمليات تحرير التجارة، فالافتقاد إلى وجود تجارة اقليمية أو بمعنى أكثر دقة الافتقاد إلى وجود أساس مادي للتبادل التجاري في بداية التجربة التكاملية ربما يجعل عمليات تحرير التجارة الاقليمية غير ذات فائدة، بالاضافة إلى انخفاض تكلفة النقل على المستوى الاقليمية مقارنة بتكلفة النقل بين الاقليم والشركاء التجاريين الخارجيين غير الأعضاء إلى حد يرفع من الميزة التنافسية للسلعة الاقليمية، ويشجع على انتقال السلع والخدمات ، وتوافر مرونة عالية في الطلب على الواردات ، ووجود ميل تجاه الاستثمار وارتفاع درجة المرونة في جانب العرض بحيث تستطيع هياكل الانتاج التكيف والاستجابة للمنافسة. 3- لم تعط تجرب التكامل الاقليمي في الدول النامية عملية تخفيض للحواجز التجارية سواء الحواجز الجمركية أو غير الجمركية الاهتمام الكافي الذي أعطته الدول المتقدمة لهذه العملية. فقد اتجهت الدول النامية في الغالب إلى تأجيل عملية تخفيض الحواجز التجارية بسبب الاعتماد المكثف للدولة على الرسوم والضرائب الجمركية باعتبارها أحد مصادر الدخل الرئيسية للحكومة، أضف إلى هذا، أن المفاضوات حول عمليات تخفيض الحواجز التجارية قد واجعت الكثير من الصعوبات والبطء، بل فقد احتاج تخفيض الحواجز الجمركية على تجارة سلعة واحدة ترتيب سلسلة من المفاوضات لتحقيقي الاجماع بشأنها. اعتمدت عملية تحرير التجارة على أسلوب القوائم الإيجابية التي شملت المنتجات الي تم تبادلها أو التي كانت موضوعات للتجارة الاقليمية البينية قبل اقامة الترتيب الاقليمي ، وقد استثنيت من هذه القوائم المنتاج التي تمتعت بالحماية والتي كان من الممكن أن يؤدي تحريرها إلى تعظم الكفاءة. وفي الحالات التي سعت فيها بعض الترتيبات الاقليمية إلى تكوين اتحاد جمركي لم تستطع التوصل إلى وضع تعريفة جمركية خارجية مشتركة بسبب التوسع في الاستثناءات من جانب العديد من الدول الأعضاء جراء تخفيض بعض التعريفات الجمركية استنادا إلى قائمة موسعة من الاسباب والتبريرات المختلفة (11). 4- لم تستطع ترتيبات التكامل الاقليمي في الدول النامية تطوير نظام كفء وعادل لتعويض الأعضاء المتضررين من عمليات تحرير التجارة أو توزيع العوائد والخساشر المترتبة على تلك العمليات، كما لم تستطتع تلك التجارب تطبيق برامج ناجحة في مجال اعادة بناء الهياكل الاقتصادية (12). 5- نشأت تجارب الاقليمية التقليدية في الدول النامية في اطار سيطرة استراتيجيات التنمية التي اعتمدت على السياسات التنموية المنكفئة على الداخل. خاصة خلال عقدي الستينيات والسبعينيات . وقد ركزت هذه السياسات على هدف التصنيع بغرض الاحلال محل الواردات. وبالتالي الاتجاه إلى الاعتماد على السياسات الحمائية والتقييدية الشديدة على التجارة الخارجية ، خاصة الواردات ، بهدف حماية الصناعات الوطنية الناشئة من ضغوط المنافسة الأجنبية، إلا أن عوامل عدة أدت إلى فشل هذه السياسة، ومن بينها أنها قد انطوت على التركيز على الانتاج الكمي دون الاهتمام بالمستويات الفنية والتكنولوجية للسلع الصناعية، ومن ثم تراجع القدرات التنافسية للمنتج المحلي (13). غير أن ما يهمنا هنا هو الآثار السلبية التي تركتها هذه السياسة على عملية التكامل من خلال عاملين رئيسييين: أولهما، أنها ساهمت في اعاقة عملية تحرير التجارة الاقليمية البينية من خلال استمرار التمسك بالقيود الحمائية المرتفعة في ظل مشروع التكامل. وثانيهما، أنها لم تسهم في تنمية التخصص الاقليمي أو تطوير وتنمية الهياكل الانتاجية الاقليمية على اساس تكاملي، فقد كان نتيجة التركيز على الاحلال محل الواردات أن انتهت الهياكل الانتاجية إلى تحقيق درجة عالية من التشابه والتماثل فيما بينهما، بما دعم من فرص التنافس الاقليمي بدلا من التكامل. 6- من أهم العوامل التي ساهمت في اخفاق الاقليمية التقليدية في الدول النامية سيطرة نظام اقتصادات الأوامر أو النظم الاشتراكية التي اعتمدت على أسلوب القرارات الادارية في تخصيص وتوزيع الموارد الاقتصادية وفي تأسيس وتوطين المشروعات الصناعية الجديدة بغرض احلال الواردات. وذلك في محاولة لتحقيق أعلى درجة ممكن من العدالة بصرف النظر عن اعتبارات الكفاءة الاقتصادية. وقد أدى الاعتماد على هذه الآليات إلى اخفاق الدول الأعضاء في تحديد المكان الانسب لتوطين الصناعات الجديدة بسبب الصراعات والخلافات بين الدول الأعضاء حول الدولة العضو الاكثر احتياجا إلى صناعة ما (استنادا إلى المعايير الاجتماعية ومقتضيات سياسة الاحلال محل الواردات) ، فضلا عن المشكلات الادارية التي واجهت اقامة هذه المشروعات. 7- تميزت تجارب التكامل الاقليمي في الدول النامية خلال هذه المرحلة بعدم التوافق أو الانسجام الهيكلي بين متغيرين رئيسيين هما: التوجه نحو الداخل مع التركيز على السياسات التنموية الحمائية من ناحية، والاعلان عن تبني هدف تحريرالتجارة الاقليمية البينية من ناحية أخرى، خاصة في ظل وجود جماعات داخلية ارتبطت مصالحها بالحفاظ على استمرار السياسات الحمائية، خاصة الصناعات المحلية ذات القدرات التنافسية المحدودة التي واجهت منافسة قوية من جانب الصناعات الأجنبية. 8- أنه في الوقت الذي حاولت فيه معظم تجارب التكامل الاقليمي في الدول النامية استنساخ التجربة الأوروبية إلا أنها قد افتقدت إلى العديد من شروط ومقومات الناجح التي توافرت لتلك التجربة خلال هذه المرحلة. ومن بينها الافتقاد إلى التأييد المؤسسي الكافي لعملية التكامل الاقليمي. 9- افتقدت تجارب الاقليمية في الدول النامية خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات إلى الظروف البيئية الملائمة لدفع عملية التكامل على المستويين الدولي والمحلي. فعلى المستوى الدولين واجعت تجارب التكامل الاقليمي خلال هذه المرحلة بيئة دولية خلقت الكثير من الضغوط على تلك التجار بمن خلال المطالبة بتحرير تجارتها الخارجية في الوقت الذي اعتمدت فيه استراتيجيات التنمية في تلك الدول خلال تلك المرحلة على سياسة الاحلال محل الواردات بما تصمن ذلك من فرض سياسات حمائية وتقييدية على قطاع الواردات، أما على المستوى الداخلي، فلم يقابل عمليات التكامل الاقليمي تحولات تشريعية تضمن دفع عملية التكامل، حيث اضطرت الدول إلى تأجيل مثل هذه التحولات إلى مراحل لاحقة، هذا فضلا عن الافتقاد إلى الآليات واجراءات تسوية المنازعات التجارية (14). 10- على الرغم من تركيز هذه التجارب على الأنبية المؤسسية ذات الطابع الرسمي، إلا أن هذا الطابع نفسه كان من بين العوامل التي ساهمت في فشلها، فلأسباب عدة رفضت الدول المنهج فوق القومي، وكانت النتيجة هي ايجاد أطر تنظيمية هشة مؤسسات اقليمية ضعيفة ذات مسؤوليات وسلطات محدودة في معظم الحالات . وفي الحالات التي امتلكت فيها هذه المؤسسات قدرا من السلطات فقد أدى ضعف التمويل والموارد المادية، وكثرة التدخل السياسي في عملها إلى تفريغ هذه السلطات من محتواها، وكانت النتيجة أنها لم تستطع القيام بوظيفة ادارة عملية التكامل (15).

وفي هذا الاطار فقد نشأت بيئة جديدة أكثر قبولا لاعادة النظر ومراجعة الكثير من المقولات الرئيسية التي أكد عليها أنصار المنهج الاقليمي. وقد تركزت تلك المراجعات حول ثلاث مقولات رئيسية: (1) أن الاقليمية هي المنهج الأسرع في تحرير التجارة. (2) أن الاقليمية أكثر كفاءة في تحرير التجارة. أن الاقليمية هي المنهج الذي يجعل عملية تحرير التجارة أكثر ثقة وتحديدا. وكان أهم الانتقادات التي تعرضت لها تلك المقولات تلك التي قدمها "جاديش باجواتي" Jadish Bagwati (16). ففيما يتعلق بالقول بأن الاقليمية هي المنهج الأسرع في تحرير التجارة، يلاحظ أنه من الناحية التاريخية، في الوقت الذي فشلت فيه العديد من تجارب الاقليمية التقليدية في تحقيق تقدم ملحوظ على صعيد تحرير التجارة الاقليمية فقد نجح النظام متعدد الأطراف في إطار اتفاقات الجات في تخفيض الحواجز التجارية الجمركية بين مجموعة دول الOECD. وفي الوقت الذي تم فيه الاعلان عن تأسيس العديد من الترتيبات الاقليمية (الاتحادات الجمركية ومناطق التجارة الحرة ... الخ) ، والتي أعلنت عن أهداف طموح، إلا أنها لم تحرز تقدما ملحوظا من الناحية التطبيقية أو العملية، وظلت هناك فجوة واسعة بين الأهداف المعلنة والنتائج الحقيقية. ومن الناحية الزمنية ، لم تكن الاقليمية هي المنهج الأسرع في مجال تحرير التجارة مقارنة بالمنهج متعدد الأطراف، وينطبق ذلك على التجربة الأوروبية ذاتها فقد استغرق النجاح الذي حققته التجربة الأوروبية أكثر من أربعة عقود متواصلة منذ عام 1957، هذا فضلا عن الصعوبات التي تكتنف المنهج الاقليمي في تحريرالتجارة في بعض القطاعات، خاصة قطاع الزراعة، وأخيرا فإن الصعوبات التي واجهت الترتيبات والمشروعات الاقليمية جعلت من الصعب القول بأن الاقليمية هي المنهج الأكثر تحديدا أو إلزاما في تحرير التجارة. فعلى الرغم من أن كافة الترتيبات الاقليمية قد وضعت التزاما على الدول الأعضاء بتحرير تجارتها الاقليمية وفق اتفاقيات قانونية اقليمية ملزمة إلا أن معظم تلك المشروعات لم تحقق نتائج ملموسة فيما يتعلق بتحرير التجارة الاقلمية على نحو ما تناوله.

وفيما يتعلق بالقول بأن الاقليمية أكثر كفاءة ، فإن منهج الاقليمية قد يوقر فرصا أكثر لممارسة الضغوط من جانب بعض الدول القوية في مواجهة الدول الصغيرة لقبول بعض المطالب التي قد لا تعد هي البديل الأمثل من وجهة نظر الكفاءة الاقتصادية، مما قد يؤدي إلى حدوث بعض التشوهات الاقتصادية التي تتعارض مع اعتبارات الكفاءة الاقتصادية.

وازاء تصاعد مظاهر فشل الموجة الأولى من الاقليمية التي ازدهرت مع انتهاء الحرب العالمية الثانية واستمرت حتى نهاية عقد الثمانينيات ، بدأت في التبلور نمط جديد من تجارة التكامل الاقليمي أو ما يطلق عليه بالاقليمية الجديدة، تمتلك خصائص متمايزة عن تلك الأولى التقليدية. وتجدر الاشارة إلى أنه على الرغم من المظاهر العديدة لفشل تجارب الاقليمية التي سادت خلال فترة الحرب الباردة، الأمر الذي خلق بيئة أكثر ملاءمة لتوجيه الانتقادات لتلك التجارب، إلا أنه تجدر الأشارة أيضا إلى نقطة مهمة، وهي أن فشل التجارب الاقليمية خلال فترة الحرب الباردة لا يعني فشل الاقليمية كمنهج للتعاون أو التكامل الاقتصادية بقدر ما هو مجرد تعبير عن اخفاق وتراجع نمط من الاقليمية اتسم بخصائص وآليات عمل محددة ازدهر خلال فترة زمنية، وفي اطار بيئة دولية معينة.

3- تحديات عملية التعاون الاقليمي في اطار مبادرة حوض النيل:

وبالاضافة إلى مجموعة التحديات السابقة ، أو بالأحرى الدروس التي تقدمها خبرة الاقليمية في بعض الدول النامية، والتي ارتبطت بالأساس بتجارب التعاون الاقليمي خلال فترة الحرب الباردة، والتي تقدم نماذج ارشادية لمستقبل مشروعات التعاون الاقليمي الراهنة بما في ذلك مبادرة حوض النيل وامكانية انتقال هذه المبادرة من مجرد التعاون الفني حول مياه النهر إلى مشروع للتعاون والتكامل الاقتصادية. بالاضافة إلى كل ذلك، هنالك مجموعة من التحديات الأخرى، التي ترتبط بمشروع المبادرة ذاته، ونشير فيما يلي إلى أهمها:

أ- العلاقة مع المؤسسات والأطراف الدولية: لا يمكن تجاهل دور القوى والمؤسسات الدولية في عملية التعاون الاقليمي في منطقة حوض النيل لعاومل كثيرة:

أول تلك العوامل هو ارتباط عملية التعاون بين دول الحوض بدور ما للمجتمع الدولي، فقد لعبت، على سبيل المثال، الوكالة الكندية للتنمية الدولية CIDA دورا مهما في دعم لجنة التعاون الدولي الفني لتشجيع التنمية وحماية البيئة في حوض النيل (تيكونيل) TECCONILE التي تأسست في أوائل التسعينيات لتأسيس خطة عمل حوض نهر النيل Nile River Basin Action Plan (NRBAP) . كما لعب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الدولي UNDP دورا مهما في هذا المجال من خلال تأسيس منتدى D3 في عام 1995 كمنتدى يعني بالحفاظ على ومراقبة الحوار السياسي والقانوني حول استخدام مياه النيل. وقد وافقت دول الحوض في الاجتماع الثالث لمجلس وزراء حوض النيل في فبراير 1999 على اضطلاع المنتدى بمهمة تطوير اطار تعاوني لادارة مياه النيل. ويعود إلى تجربة منتدى D3 أ،ه مثل أول اطار يجمع كل دول الحوض، ومثل أيضا مقدمة ونموذجا مشجعا لدول الحوض لطرح مباردةحوض النيل وبالاضافة إلى ذلك، فقد لعب البنك الدولي دورا مهما في تمويل الأطر التعاونية السابقة على مبادرة حوض النيل، وخاصة تمويل "خطة عمل حوض نهر النيل" بالتعاون مع كل من الوكالة الكندية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي. هذا بالاضافة إلى الدور المهم للبنك الدولي في القارة الافريقية بشكل عام، ومنطق حوض النيل بشكل خاص، سواء في مجالات المساعدة الاقتصادية أو المجالات الصحية والاجتماعية.

العامل الثاني، هو ما يمكن أن يمثله نجاح مبادرة حوض النيل من نموذج مهم يضاف إلى النماذج الدولية المهمة في التعاون الاقليمي حول الأنهار الدولية، يمكن تطبيقه أو الاستفادة منه في حالات أخرى في الشرق الأوسط، خاصة في اطار منطقة الصراع العربي الإسرائيلي، الأمر الذي يعني ضرورة التعامل الواعي مع تلك التجربة لما يمكن أن تؤسسه له من مبادئ جديدة في هذا المجال.

وأخيرا، يمكن الاشارة إلى الترابط بين الأمن الاقليمي في منطقة حوض النيل وأمن الشرق الأوسط، والترابط بين الأمن الاقليمي في منطقة حوض النيل والأمن العالمي. ويتضح الدور السلبي الذي يمكن أن تمثله منطقة حوض النيل بالنسبة لأمن الشرق الأوسط والأمن العالمي بالنظر إلى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الهشة في دول الحوض.

ب- الهيكل التنظيمي للتعاون الاقليمي في إطارة مبادرة حوض النيل: حتى الآن، يقوم الهيكل التنظيمي لعملية التعاون الاقليمي في إطارة مبادرة حوض النيل على ثلاث ركائز أساسية، الركيزة الأولى هي "مجلس الوزراء Nile Council of Ministers (Nile –COM) وهو أعلى مستوى تنظيمي داخل المبادرة، ويعنى بصناعة القرار، ويضم وزراء المياه في دول حوض النيل، ويتناوب على رئاسته أعضاء المجلس لمدة سنة واحدة . الركيزة الثانية هي اللجنة الاستشارية الفنية The Technical Advisory Committee (The Nile-TAC) ، وتشمل ممثلين عن الدول الأعضاء وعضو بديل لكل منهما، ويجوز لممثلي البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ، والوكالة الكندية وغيرها من المراقبين الخارجيين حضور اجتماعات اللجنة بناء على دعوة مسبقة، وأخيرا تأتي سكرتارية المبادرة Nile SEC وتتولى متباعة وادارة المهام الادارية والتنظيمية والمالية داخل المبادرة، والدعم الفني لأنشطة ومهام مجلس الوزراء واللجنة الاستشارية وتنفيد القرارات الصادرة عن الهيئتين السابقين.

ويتضح من الهيكل السابق في البناء المؤسسي للمبادرة لازال يلتزم بالتمثيل الهكومي الرسمي ودون التقليل من أهمية المكون الرسمي في هذا البناء، إلا أنه لا يكفي لدفع عملية التعاون الاقليمي في إطارة المبادرة. إذ لا يمكن تجاهل دمج ثلاثة فاعلين آخرين في هذا لابناء المؤسسي للمبادرة، هم القطاع الأكاديمي ، والمجتمع المدني والقطاع الخاص في تلك العملية.

ويستند هذا الاقتراح إلى عدد من العوامل، تتعلق بالتحول المهم في طبيعة التهديدات الاقليمية، وتصاعد الأهمية النسبية للقضايات غير التقليدية (البيئة، والمخدرات، والهجرات غير الشرعية، واستغلال أعالي البحار، وغيرها من القضايا الجديدة في التعاون الاقليمي)، وتصاعد دور القطاع الخاص في عمليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وفي مجال التجارة الخارجية كجزء من سيطرة نظام السوق، وتراجع دور الدولة في الملكية الاقتصادية وادارة الاقتصاد بشكل عام، بحيث أصبح من الصعب تجاهل القطاع الخاص في كل عمليات تحرير التجارة الخارجية أو التعاون الفني والقطاعي. كما تزايد دور القطاع الأكاديمي بسبب الطبيعة الفنية للعديد من مجالات التعاون التي تحتاج إلى إجراء الدراسة الفنية المعمقة.

ومن ثم، يقترح في هذا السياق استحداث أو إضافة ثلاثة أبنية فرعية إضافية، هي:

- الجماعة الأكاديمية لحوض النيل Academic Group (Nile-AG) تضم مجموعة من الخبراء الأكاديميين والمتخصصين في المجالات ذات الصلة بنطاق عمل المبادرة تتولى إجراء الدراسات المعمقة حول الواقع الاجتماعي في منطقة الحوض، والاحتياجات التنموية،والأبعاد الاجتماعية لمشروعات التنمية الاقليمية المقترحة والظروف المناخية.. إلى آخر الدراسات المهمة المطلوبة قبل تنفيذ المشروعات المقترحة. - مجلس الأعمال Nile Business Council (Nile-BC)، ويعنى بمناقشة ظروف الاستثمار والتجارة والتعاون القطاعي والفني في منطقة الحوض وطرح توصيات محددة بشأن ازالة معوقات التعاون الاقليمي في تلك المجالات وتوسيع دور القطاع الخاص، وبناء شراكات بين القطاع الخاص في دول الحوض، وتقديم اجابات محددة حول فرص ومجالات الاستثمار الحقيقية في المنطقة، والخريطة المتوقعة لهذه الفرص وفقا للواقع الاقتصادي الاقليمي، والتوزيع المتوقع للعائدات والأعباء بالنسبة لكل اقتصاد من اقتصادات منطقة الحوض. - جماعة المجتمع المدني Nile-Civil Society ، بحيث تعمل كجماعة مراقبة لعملية التعاون الاقليمي في حوض النيل، والتعبير عن موقف المجتمع المدني من مشروعات التنمية الاقليمية، ويعد دمج المجتمع المدني في عملية التكامل المدني بالنظر إلى التكلفة الاجتماعية المتوقعة لمشرعوعات التنمية التنمية الاقليمية.

ج- التفاوت في القدرات والاحتياجات الاقتصادية والتنموية لدول حوض النيل: على الرغم من أن التجارب الحديثة في التكامل والتعاون الاقتصادي تقوم على أساس القبول بمبدأ التفاوت في القدرات والاحتياجات الاقتصادية والتنموية للدول الأعضاء إلا أن تحييد الآثار السلبية لهذا التفاوت يتطلب اقتران مشروع التعاون الاقتصادي بعدد من الآليات والمبادئ.

وقد طرحت الأدبيات الحديثة في بناء مشروعات التعاون الاقليمي عددا من السياسات والخيارات للتعامل مع قضية التفاوت في القدرات الاقصتادية والتنموية للدول الأعضاء، يتمثل أهمها في: (أ) منهج السرعة المتغيرة Variable speed approach ، بمعنى أن تسير عملية التعاون الاقليمي وفق سرعات متغيرة، ويعني ذلك أن هناك دولا تستطيع الوصل إلى داخل الترتيب الاقليمي مع الاعتراف في الوقت نفسه بأن هناك دول تستطيع الوصل إلى تلك الأهداف بمعدل أسرع من غيرها. ومن ثم، فبدلا من تقييد تطور مشروع التعاون الاقليمي بالجدول الزمني الذي تقتضيه ظروف الدول النامية، تترك الفرصة للدول الأكثر تقدما لتحقيق تلك الأهداف وفق جدول زمني أقصر. (ب) منهج الهندسة المغيرة Variable Geometry بمعنى امكانية أن تسعى مجموعة من الدول داخل مشروع التعاون الاقليمي إلى تحقيق مستويات من التكامل والتعاون أعمق من غيرها داخل نفس المشروع. (ج) منهج التكامل المرن Flexible integration ، بمعنى ارتكاز عملية التكامل إلى وجود عدد من المبادئ والأهداف العامة الملزمة لكافة الأعضاء ، مقابل وجود عدد من السياسات الأخرى الاختيارية (17).

وبالاضافة إلى تلك المناهج المقترحة، فإن التعاون الاقليمي في منطقة حوض النيل، والذي يرتبط بأولوية التعاون الاقليمي في مجالات بعينها مثل الزراعة والطاقة ، يتطلب الموازنة في بعض الأهداف والسياسات المطروحة لدى دول حوض النيل ، والتي قد تؤدي إلى خلافات عميقة بين هذه الدول والنموذج الأبرز في هذا الاطار هو التناقض بين سياستي الأمن الغذائي (القطري) والكفاءة الذاتية الغذائية (القطرية). فالاعمتاد على أي منهما في توزيع المنافع المكاسب المتوقعة لمشروعات التعاون الاقليمي في إطار مبادرة حوض النيل سيكون له آثاره وتداعياته المهمة على مستقبل هذا التعاون. فعلى الرغم من التداخل بين المفهومين إلا أنه يظل هناك فارق مهم بينهما، إذ يمكن تحقيق الأمن الغذائي بدون تحقيق الكفاية الذاتية، خاصة في حالة الاعتماد على مصادر خارجية مستقرة لسد الفجوة بين الطلب المحلي والعرض المحلي من الغذاء. الأمر الذي يخلق أساسا للتوافق بين الأمن الغذائي (القطري) والتعاون الاقليمي في مجال الزراعة والغذاء. وذلك على العكس من سياسة الكفاية الذاتية (القطرية) التي تميل إلى التناقض مع مفهوم العمل الاقليمي المشترك (18). ومن ثم يظل هناك سؤال مهم إلى أي حد ستكون دول حوض النيل مرنة في الانتقال من سياسة الكفاؤة الذاتية إلى سياسة الأمن الغذائي في إطار اقليمي؟

د- الحاجة إلى آلية التوزيع العادل للمنافع والأعباء، اذ تشير خبرة مشروعات التعاون الاقليمي في الدول النامية بشكل عام إلى أن أحد العوامل المهمة وراء فشل تلك المشروعات تمثل في غياب التوزيع العادل والمتبادل لمنافع وأعباء مشروعات التكامل، ففي الوقت الذي تحملت فيه بعض الدول الأعضاء أعباء أقل حصلت على منافع أعلى، والعكس. ومن ثم، يظل أحد شروط نجاح مبادرة حوض النيل هو استناد تلك العملية إلى تحقيق التوازن في توزيع المنافع الأعباء. والتحدي المهم هنا هو كيف يمكن ضمان هذا التوازن ليس فقط على المستوى الاقليمي بين الدول العشر الأعضاء في مبادرة حوض النيل، ولكن أيضا علىالمستوى الداخلي، بمعنى كيف يتم توزيع منافع وأبعاء مشروعات التعاون الاقليمي على الفاعلين المحليين (سواء كانت قوى سياسية عرقية، وأقاليم محلية كغرافية .. الخ) (19). خاصة في ظل ما سيرتبط بمشروعات التعاون الاقليمي في مجالي الزراعة والطاقة بين دول الحوض من تداعيات مهمة على المستويات المحلية في جانب المنافع والأعباء (استصلاح أراضي زراعية جديدة، تهجير واعادة توطين جماعات على خلفية مشروعات السدود والخزانات ومشروعات الطاقة ... الخ).


الهوامش

(1) نقلا عن د. محمد السيد سليم، تحليل السياسة الخارجية، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، الطبعة الثانية، 1997. (2) انظر حصر لتلك الاتفاقيات على لارابط الالكتروني التالي: http://transboundrywaters.orst.edu/ (3)










الهوامش

الفصل الثالث: إشكاليات الأمن المائي في حوض النيل (د. أحمد ابراهيم محمود)

يعتبر مفهوم الأمن المائي أحد أهم زوايا التعامل المنهجي والتطبيقي مع قضايا مياه نهر النيل، باعتبار أن هذا المفهوم ينطوي على أبعاد شاملة لا تقتصر فقط على اعتبارات الأمن المادي التقليدي، المرتبطة باستخدامات القوة، وإنما تمتد إلى مختلف جوانب تأمين احتياجات المجتمع من الموارد المائية، واستخداماتها المختلفة في متطلبات التنمية وتأمين المنشآت والموارد المائية ضد الأعمال المعادية أو الإرهابية.

وينطوي حوض نهر النيل على أهمية خاصة في دراسات الأمن المائي، بحكم الخلافات القائمة بين بعض دول النهر حول قضايات تقاسم المياه، لاسيما ما يختص منها بعدم اعتراف بعض الدول بالاتفاقيات المنظمة لعملية التقاسم، وبالذات تلك الموروثة منذ العهد الاستعماري علاوة على غياب معاهدة شاملة بين جميع دول نهر النيل تنظم العلاقات المائية فيما بينهما.

وتدفع هذه الخلافات القائمة فيما بين دول حوض النيل إلى شيوع خلافات فيما بين مدرستين رئيسيتين، الأولى تذهب إلى أنت هذه الخلافات ربما تكون سببا لصراعات عنيفة بين دول نهر النيل، لاسيما في ظل الندرة الفعلية والمتوقعة للموارد المائية، بينما توجد مدرسة ثانية ترى أن هذه الخلافات يمكن أن تعالج من خلال الآليات المختلفة للتعاون المائي الاقليمي فيما بين دول الحوض، بحيث يكون ذلك مدخلا للعمل على تسوية الخلافات من خلال آليات تعاونية تضمن زيادة الموارد وترشدي الاستخدامات المائية، بما يحقق المنفعة والفائدة لجميع الأطراف.

وعلى هذا الاساس يركز هذا الفصل على رصد وتحليل واستشراف آفاق الأمن الغذائي في منطقة حوض النيل، بدءا بالتعرف على أبعاد مفهوم الأمن المائي من جوانبه المختلفة، ومرورا برصد وتحليل مصادر أنواع النزاع حول مياه نهر النيل، لاسيما ما يتعلق بتباين الرؤى فيما بينا دول النهر حول قضايات تقاسم المياه وسبل تسوية هذه القضايا، ثم الوقوف على مصادر تهديد الأمن المائي المصري الأخرى، لاسيما تلك الناجمة عن الممارسات الإسرائيلية المختلفة، وانتهاء برصد وتحليل عناصر المنهج التعاوني للأمن المائي المصري، ولاسيما من خلال مبادرة حوض نهر النيل التي تمثل التجسيد العملي الأبرز لهذا المنهج التعاوني في التعامل مع الخلافات القائمة حول تقاسم مياه النيل.

أولا: مفهوم الأمن المائي

يعتبر مفهوم الأمن المائي مفهوما قديما، يرتبط بتوفير الاحتياجات المائية للمجتمع، لما لا يقصر فقط على مجرد توفير كميات المياه اللازمة لاحتياجات الكسان بصورة دائمة ومستمرة، ولكن يمتد أيضا إلى توظيف الموارد المائية لخدمة أغراض التنمية، من خلال تنفيذ مشروعات المياه والري المختلفة. بما يخدم أغراض توليد الطاقة الكهربية، واقامة المجتماعات العمرانية الجديدة ، وما إلى ذلك.

وعلى الرغم من قدم هذا المفهوم، فإن هناك تباينا في النظر إليه من جانب الدراسين المختلفين لقضايات المياه. وتتراوح التعريفات المتاحة لهذا المفهوم ما بين البساطة والتعقيد، أو المراوحة ما بين التجريد النظري والنزعة الإجرائية في النظر إلى هذا المفهوم، بحيث تشتمل أدبيات ودراسات المياه على طائفة واسعة للغاية لتعريفات مفهوم الأمن المائي. ونكتفي هنا بعرض أمثلة بارزة من هذه التعريفات، بحيث نخرج منها بالعناصر الرئيسية المشتركة فيما بينهما باعتبارها عناصر مكونة لمفهوم الأمن الغذائي.

ولعل من أكثر تعريفات الأمن الغذائي تركيزا وبساطة هو التعريف الذي قدمه ويب وإسكندراني، والذي ينص على "أن الأمن المائي هو قدرة جميع الأفراد على الحصول على مياه آمنة وكافية طوال الوقت، من أجل حياة صحية ومنتجة" (1). ويقترب منه إلى حد كبير التعريف الذي ذكره محمود خليل، والذي ينص على أن "الأمن المائي يعني المحافظة على الموارد المائية المتوافرة، واستخدامها بالشكل الأفضل، وعدم تلويثها وترشيد استخدامها في الشرب والري والصناعة، والسعي بكل السبل للبحث عن مصادر مائية جديدة وتطويرها، ورفع طاقات استثمارها " (2).

واذا كان هذان التعريفان يغلب عليهما الطابع النظري التجريدي ، فإن هناك تعريفات أخرى تميل إلى تغليب الجانب الإجرائي، ومنها التعريف الذي يذكره منذر خدام،والذي يقوم على ربط حالة الأمن المائي بالعلاقة بين المتاح من المياه (العرض) والحاجة إليها (الطلب)، وعندما يكون عرض المياه أكبر من الطلب عليها، نكون أمام حالة فائض مائي، وعو ما يعني حدوث ارتفاع في حالة الأمن المائي، بينما تنشأ حالة من الخلل في الأمن المائي في حالة نقص عرض المياه عن الطلب عليها، مع ما يترتب على ذلك من نشوء حالة عجز مائي (3). ومن ثم ، فإن هذا التعريف يعتمد على قياس حالة العرض والطلب على المياه من أجل تحديد حالة الأمن المائي.

وعلى الرغم من تعدد التعريفات المتاحة لمفهوم الأمن المائي ، وتنوع زوايا التناول فيما بينها، فإن هناك مع ذلك عناصر مشتركة فيما بين هذه التعريفات، بحيث يمكن أن نستخلص منها أن مفهوم الأمن المائي يرتكز في جوهره على ضمان توافر المياه، كما ونوعا، أي بكميات كافية لتلبية كافة احتياجات المجتمع في كافة المجالات الانسانية والاقتصادية، وبنوعية جيدة تتوافر لها اعتبارات النقاء والأمان الضرورية، وبصورة مستدامة.

وعلى صعيد الممارسة العملية، فإن مفهوم الأمن المائي بدأ يدخل إلى صلب العلاقات الدولية، وأصبح من الموضوعات المدرجة على جدول أعمال المنظمات الدولية منذ سبعينيات القرن العشرين، وظل يتطور منذ ذلك الحين، ثم بدأت هذه المسألة تشهد قفزات مهمة في التعامل الدولي معها منذ بداية التسعينيات. من خلال مؤتمر دبلن عام 1992، والذي صدر عنه "بيان دبلن" حول المياه والتنمية المستدامة، والذي كان يمثل جزءا من التحضير لقمة الأرض التي انعقدت في ريو دي جانيرو. وقد تضمن "بيان دبلن" عددا من المبادئ أبرزها (4):

1- أن المياه العذبة تعتبر موردا محدودا ومعرضا للخطر، وهي أمر حيوي للحفاظ على الحياة والتنمية والبيئة. 2- أن تنمية وادارة المياه يجب أن تتأسس على منهجية المشاركة، بحيث تضم المستخدمين والمخططين وصانعي السياسة على كافة المستويات. 3- أن النساء تلعبن دورا مركزيا في توفير وادارة وتأمين المياه. 4- أن للمياه قيمة اقتصادية في كافة الاستخدامات المتعارضة لها، ويجب النظر لها باعتبارها سلعة اقتصادية.

وعلى الرغم من أن مؤتمر ريو دي جانيرو لم يعط للمياه أهمية موازية للقضايا المتعلقة بالتنوع البيولوجي وإزالة الغابات، فإن هذا الخلل جرى تصحيحه لاحقا من خلال أعمال لجنة التنمية المستدامة في جلساتها التي انعقدت في عامي 1994-1998 ، وفي الجلسة الخاصة للجمعية العامة للأمم المتحدة لعام 1997، والتي تضمنت جميعها دعوة من أجل بذل جهد منسق لتطوير مناهج أكثر تكاملا لادارة المياه، ومن أجل تركيز أكبر على احتياجات الفقراء والشعوب الفقيرة. وجرى في هذا الإطار التركيز على أولويات محددة تتمثل في حماية النظم الإيكولوجية، وضمان مشاركة أكبر للنساء والفقراء والجماعات المهمشة في إدارة المياه، كما جرى التركيز على سياسات محددة تركز على خلق بيئة سليمة وحماية الفقراء، وخلق شروط افضل لإدارة المياه.

وبالمثل، فإن إعلان الألفية الصادر عن الأمم المتحدة حدد أهدافا حتى عام 2015، تركز على انصاف الفقراء وغير القادرين وتمكينهم من الحصول على مياه الشرب الآمنة، وكان الافت للانتباه إعلان الألفية ربط في هذا السياق بين الفقراء والجوع والأمن المائي معا.

وفي الفترة التالية، شهدت الجهود الدولية مزيدا من التأكيد على أهمية التعامل بصورة أكثر شمولية مع قضايا الأمن المائي، وجاء ذلك بشلك خاص من خلال جهود الاعداد لصياغة "رؤية عالمية للمياه" من خلال منتدى المياه العالمي في لاهاي في مارس 2000، وأيضا من خلال الاعلان الوزاري للأمن المائي في القرن الحادي والعشرين، والذي حدد سبعة تحديات أمام المجتمع الدولي، والتي يجب أن تكون أساسا في صنع السياسات ذات الصلة بالأمن المائي ، وتتمثل في (5):

1- تلبية الاحتياجات الأساسية، بهدف إدراك أن الوصول إلى المياه الآمنة والكافية يعتبر حاجة إنسانية أساسية، وأمرا حيويا للصحة والرفاهية، ولتمكين الأفراد، لاسيما النساء من خلال عملية تشاركية في إدارة المياه. 2- تأمين إمدادات الغذاء، من أجل تحسين الأمن الغذائي، لاسيما بالنسبة للفقراء والمتضررين من خلال عملية تعبئة واستخدام أكثر كفاءة للميا، وتخصيص أكبر عدالة للمياه من أجل الانتاج الغذائي. 3- حماية النظم الايكولوجية، وضمان تكاملها من خلال ادارة مستدامة للموارد المائية. 4- تقاسم موارد المياه، من أجل تشجيع التعاون السلمي وتطوير التعاون بين مختلف مستخدمي المياه على كافة المستويات، متى كان ذلك ممكنا سواء داخل الدول أو فيما بينهما في حالة المياه العابرة للحدود، من خلال مناهج إدارة دائمة لأحواض الأنهار أو ما شابه ذلك. 5- إدارة المحاطر من أجل توفير الأمن من الفيضانات والجفاف والتلوث والمخاطر الأخرى المرتبطة بالمياه. 6- تقدير قيمة الميا، من أجل إدارة المياه بطرق تعكس قيمتها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية في كافة مجالات استخدام المياه، وللتحرك قدما نحو خدمات تسعير المياه حتى تعكس تكلفة توفيرها. وهذا المنهج يجب أن يأخذ في الاعتبار الحاجة للعدالة والحاجات الاساسية للفقراء والمتضررين. 7- ادارة المياه بحكمة ، لضمان الحكم الجيد، ولكي يشارك الجمهور وجميع المعنيين في ادارة الموارد المائية.

وقد شكل اعلان لاهاي نقطة تحول رئيسية في تطور السياسات المائية على الساحة الدولية، ثم استمرت الجهود بعد ذلك من أجل تحديد التحديات الرئيسية التي تواجه صانعي السياسة المائية، وقد أدت الجهود المبذولة من خلال برنامج الأمم المتحدة لتقييم المياه العالمي إلى تحديد أربعة تحديات إضافية هي (6):

1- المياه والطاقة، وهو تحدي يتعلق باحتياجات الصناعة والحفاظ على نوعية المياه، والأخذ في الاعتبار حاجات القطاعات المتنافسة. 2- الطاقة والمياه، ويتعلق بادراك حيوية المياه لكافة أشكال انتاج الطاقة وأن هناك حاجة لضمان أن متطلبات الطاقة تتحقق بصورة مستدامة. 3- تأمين القاعدة المعرفية بما يعكس أن سياسات وادارة المياه الجيدة تعتمد على نوعية المعرفة المتاحة لصانيع القرار. 4- المياه والمدن، وهو تحدي يتعلق بالاعتراف بأن المناطق الحضرية تعتبر بصورة متزايدة مناط التركيز الرئيسي للتجمعات البشرية والأنشطة الاقتصادية وأنها تمثل بالتلاي تحديا مميزا لمديري شئون المياه.

وبالاضافة إلى هذه الأبعاد التقليدية في مفهوم الأمن المائي، فإن هذا المفهوم بات يتضمن أبعادا جديدة خلال السنوات القليلة الماضية، مع شيوع الحديث عن صراعات المياه وحروب المياه، حيث دخل مفهوم حروب المياه بقوة إلى الأدبيات السياسية العالمية منذ بداية التسعينيات، وذلك مع انتهاء الحرب الباردة، واتجاه الكثير من الدوائر الحكومية ومراكز البحوث الاستراتيجية حول العالم نحو استشراف الخريطة الصراعية المحتملة في العالم، بما في ذلك رصد وتحليل القضايا التي يحتمل أن تكون مصدرا للصراع على الساحة الدولية في المستقبل (7). وفي الوقت نفسه فإن تطورات ما بعد هجمات 11 سبتمبر في الولايات المتحدة أثارات احتملات تعرض المنشآت المائية الحيوية لهجمات إرهابية وباتت مسألة تأمين موارد المياه منشآتها أحد أهم عناصر الأمن المائي.

ثانيا: نزاعات المياه بين التعاون والصراع

ازداد الاتجاه منذ بداية التسعينيات نحو النظر إلى نزاعات المياه كواحدة من بين المصادر المختلفة للصراع بين الدول في فترة ما بعد الحرب الباردة ، لاسيما في أقاليم معينة ، مثل الشرق الأوسط وأفريقيا، بسبب ما يثور من خلافات بين بعض دول هذين الإقليمين حول مصادر المياه وحصص تقاسمها، علاوة على ظروف الندرة النسبية لموارد المياه فيهما.

وفيما يتعلق بحالة نهر النيل، أشارت العديد من الأعمال التي تنشرت في هذا الصدد إلى أن هذا النهر يعتبر أحد أهم الحالات المرشحة للتصاعد والنزاع (8)، بما في ذلك امكانية نشوب صراع مسلح فيما بين دول النهر، بسبب الخلافات القائمة حول قضايا تقاسم المياه، علاوة على ازدياد مشكلات الجفاف، بما يزيد من احتمالات الندرة وتخفيض نصيب دول النهر من الموارد المائية، مما يدفع بالبعض إلى الانتهاء إلى استنتاج إمكانية أن تصبح هذه المسألة موضوعا لصراعات عنيفة بين دول نهر النيل. وتذهب بعض المصادر الدولية إلى أن الاستخدامات السابقة والحالية لمياه نهر النيل لم تكن تثير مشكلات كبيرة بين الدول المعنية، لأن السودان وإثيوبيا لم تكونا تستخدمان مياه النيل بكثافة، بل إن السودان لم يكن يستخدم بالكامل حصته المنصوص عليها في اتفاقية عام 1959 مع مصر، إلا أن ازدياد الطلب على المياه في المستقبل سوف يحمل بالقطع مخاطر نشوب توتر فيما بين هذه الدول الثلاث (9).

وتستند التكهنات القائمة بإمكانات نشوب حروب المياه، سواء على الصعيد الدولي ككل أو على مستوى منطقة حوض نهر النيل بشكل خاص، على عدد من المؤشرات والتصريحات لعل أبرزها تلك لاتي وردت في تصريح الدكتور إسماعيل سراج الدين في عام 1995، حينما كان نائبا لرئيس البنك الدولي، والذي أشار فيه إلى أن الحروب في القرن الحادي والعشرين سوف تكون حول المياه، وليست حول النفط، كما كان الوضع في القرن العشرين، بالاضافة إلى مقولات الدراسة الشهيرة لروبرت كابلان في عام 1994 عن "الفوضى القادمة" التي أشار فيها إلى أن منطقة حوض النيل تعتبر إحدى أبرز المناطق المرشحة للفوضى والصراع بسبب مشكلات ندرة الموارد المائية والخلاف حولها فيما بين دول النهر (10).

وفي المقابل ، فإن هناك مدرسة أخرى ترى أن القول بامكانية نشوب صراعات عنيفة بين دول نهر النيل تنطوي على مبالغات شديدة، لاعتبارات متعددة، وأن الأجدى من ذلك هو العمل على تسوية هذه الصراعات من خلال الوسائل السلمية والتعاونية، بدلا من اللجوء إلى مفاهيم التصعيد السياسي أو القانوني أو العسكري.

وتستند المدرسة القائلة باستبعاد احتمال اندلاع حروب حول المياه سواء على المستوى الدولي، أو على مستوى منطقة حوض النيل بشكل خاص على حجج محددة، وهي (11):

1- إن الصراعات الدولية أو الاقليمية يمكن أن تنشب حول الموارد الطبيعية القابلة للنضوب، مثل ابترول أو المعادن، إلا أنه من غير الممكن أن تنشب حول الموارد المتجددة، لأن الأخيرة بحكم طبيعتها تمتلك فرصا للتجدد وترشيد الاستخدام بخلال الموارد الناضبة، وهو ما يعني أن هناك مساحة واسعة للتعاون بشأن الموارد المتجددة، أكثر مما حول الحال في حالة الموارد القابلة للنضوب. 2- إنه لم يحدث أن اندلعت صراعات رئيسية أو عالية الحدة بسبب المياه حول العالم، بمعنى أن المياه لم تكن قط السبب الوحيد، أو حتى السبب الرئيسي في أي حالة من حالات الصراع الدولي والاقليمي وحتى في حالات الصراع العربي الاسرائيلي ، فإن الأطماع الإسرائيلية في مياه نهر الليطاني في لبنان أو نهر الأردن، أو غير ذلك لم تكن هي السبب الوحيد أو حتى الرئيسي لإندلاع الحروب بين إسرائيل والعرب. 3- إن الحلول العسكرية لا يمكن أن تفيد في التعامل مع نزعات المياه، سواء من حيث السيطرة على المابع أو المصبات الرئيسية، أو منع طرف معين من تنفيذ مشروعات مائية، فمثل هذه النوعية من الأهداف يصعب تحقيقها عسكريا، علاوة على ارتفاع تكلفة هذا النوع من التصعيد العسكري، بما يتجاوزكثيرا العائد من أي فائدة متحققة من ورائه، وبما يعني أيضا أن الحلول السلمية تظل أقل تكلفة بكثير من الخيارات العسكرية.

ولذلك ترى هذه المدرسة أن التعامل الأمثل مع النزاعات المائية عموما، وفي حالة نهر النيل بصفة خاصة، يتمثل في الوسائل والأدوات التعاونية التي تتيح التوفيق بين مصالح كافة الأطراف المعنية، بل وامكانية خلق مصالح مشتركة جديدة فيما بينهم من أجل تفادي التصعيد وتسوية النزاع فيما بينهم.ومن ثم، فإن هذه الآليات التعاونية لن تفيد فقط في تسوية الخلافات المتعلقة بتقاسم المياه ، ولكنها يمكن أن تكون ركيزة التطوير العلاقات الشاملة فيما بين الدول المعنية، والوصول بها إلى آفاق أكثر تطورا بما يعود بالفائدة على جميع الأطراف.

أما فيما يتعلق بالأبعاد الأمنية الأخرى، والتي تتعلق بتأمين المجاري المائية والمنشآت المائية، فقد كانت بالفعل واحدة من مناطق الاهتمام التقليدية في الفكر العسكري التقليدي، لاسيما في حالة مصر، والتي يعتبر السد العلاي فيها هدفا استراتيجيا بالغ الحيوية، وجرى التهديد باستهدافه عسكريا في مناسبات سابقة من جابن بعض غلاة اليمينيين المتطرفين في إسرائيل، وهو هدف يستحوذ بالفعل على اهتمام كبير في سياسة الأمن القومي المصري بأبعادها السياسية والدفاعية المختلفة، وهو ما سوف نتعرض له بالتفصيل لاحقا.

ولكن هذه الجوانب الأمنية شهدت أبعادا جديدة في فترة ما بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، لاسيما على صعيد التحسب لاحتمالات تنفيذ هجمات إرهابية ضد المنشآت المائية في الولايات المتحدة أو الدول العربية وذلك في سياق الحرب الشاملة على الإرهاب، وهو ما دفع إلى طغيان هذا البعد في الاهتمام الأمريكي والغربي بقضايا الأمن المائي (12)، بحيث أصبح محل اهتمام واسعا في الأوساط السياسية والأكاديمية في الولايات المتحدة والغرب.

ثالثا: مصادر النزاع على مياه النيل

تتمثل الإشكالية الرئيسية التي تواجه الأمن المائي في منطقة حوض النيل في التداخل الشديد فيما بين عاملين رئيسيين هما: الندرة النسبية للموارد المائية، وغياب الأطر القانونية والسياسية لتنظيم مسألة الانتفاع بالمياه فيما بين دول النهر وكان من شأن هذين العاملين أن نشأت حالة من التباين الشديد في المواقف فيما بين بعض دول الحوض بشأن حصص المياه، وهي مسألة تلقي بظلالها بقوة في ظل النقص الفعلي، والمتوقع لموارد المياه، جنبا إلى جنب مع ازدياد احتياجات هذه الدول من المياه لتلبية الاحتياجات التنموية ومواجهة الزيادة السكانية.

وفي ظل مشكلة ندرة المياه، فإن الاشكالية الرئيسية التي تواجه مسألة الانتفاع بالمياه فيما بين دول النهر تتمثل في عدم كفاية الأطر السياسية والقانونية للتعالم مع مسألة تقاسم مياه نهر النيل (13)، إلا لا توجد اتفاقيات شاملة فيما بين جميع دول النهر، ناهيك عن أنه حتى الاتفاقيات المبرمة بين بعض دول النهر باتت تشهد مطالبات متزايدة بالمراجعة واعادة النظر من جانب تيارات سياسية داخلية في بعض الدول الموقعة على هذه الاتفاقيات ، إما باعتبارها مجحفة لحقوق الدولة، أو لكونها قديمة وغير مطابقة للواقع القائم.

وتطبيقا على ما سبق، فإن هناك العديد من الاتفاقيات المنظمة لمسألة الانتفاق بمياه النهر التي أبرمت بين الأطراف المعنية على فترات تاريخية مختلفة، إلا أن هناك عدة اتفاقيات تعتبتر هي الأبرز فيما بين هذه الاتفاقيات، وهناك إشكاليات وتحديات عدة تحيط بكل منها، وذلك على النحو التالي:

1- بروتوكول روما بين كل من بريطانيا وإيطاليا الموقع في 15 أبريل 1891، باعتبار أن إيطاليا كانت وقتذاك تحتل إريتريا. ويتناول هذا البروتوكول تحديد مناطق نفوذ كل من الدولتين في منطقة شرق أفريقيا، حيث تعهد إيطاليا في المادة الثالثة من هذا البروتوكول بعدم إقامة آية منشآت لأغراض الري على نتهر عطبرة يمكن أن تؤثر على موارد النيل. 2- اتفاقية أديس أبابا بين بريطانيا وإثيوبيا، الموقعة في 15 مايو 1902، ووقعها بريطانيا بالنيابة عن السودان، وأهم ما فيها المادة الثالثة التي تنص على: "إن الإمبراطور الإثيوبي منليك يعد بألا يبني أو يسمح ببناء أي أعمال على النيل الأزرق وبحيرة تانا أو السوباط"، إلا أن البعض يذهب إلى أن هذه الاتفاقية ليست لها قوة إلزامية بالنسبة لإثيوبيا لأنه لم يتم قط التصديق عليها من جانب ما كان يسمى مجلس العرش الإثيوبي، والبرلمان البريطاني. كما يذهب العبض إلى أ، الوضع اختلف كثيرا بشكل يجعل من الصعب الإلتزام بالمادة المذكورة (14). 3- اتفاقية لندن الموقعة في 13 ديسمبر 1906، وجرى التوقيع عليها بين كل من بريطانيا وفرنسا وإيطاليا. وينص البند الرابع منها على أن تعمل هذه الدول معا على تأمين دخول مياه النيل الأزرق والأبيض وروافدهما، وتتعهد بعدم إجراء آية إشغالات عليهما من شأنها أن تنقص من كمية المياه المتجهة نحو النيل الرئيسي. 4- اتفاقية عام 1929 بين مصر وبريطانيا، بوصف الأخيرة الدولة الإستعمارية النائبة عن مستعمراتها في كل من أوغندا وتنزانيا وكينيا، ومنحت هذه الاتفاقية مصر حصة ثابته من مياه النيل، كما منحتها حق الاعتراض (الفيتو) على اقامة مشروعات جديدة على النهر وروافده، اذا كانت هذه المشروعات سوف يترتب عليها التأثير على نصيب مصر من واردات المياه، إلا أن كلا من أوغندا وتنزانيا وكينيا اتجهت بعد الاستقلال لسحب اعترافها بهذه الاتفاقيات، وهو ما سوف نعرض له بالتفصيل لاحقا. 5- اتفاقية عام 1959 بين مصر والسودان، وجاءت مكملة لاتفاقية عام 1929 ، وليست لاغية لها، وتناولت مسألة الضبط الكامل لمياه النيل التي تصل لكل من مصر والسودان، في ضوء رغبة مصر وقتذاك في إنشاء السد العالي، كما جاءت بعدها كان السودان قد حصل على استقلاله عام 1955، وإعلانه وقتذاك أنه لم يعد ملزما باتفاقية عام 1929 بين مصر وبريطانيا، وأن هذه الاتفاقية غير عادلة وتحد من قدرة السودان علىتطوير نظام الري لديه.

وكان ما سبق، هو الأساس الذي انطلقت منه المفاوضات، وتوصل الجانبان خلالها إلى اتفاقية جديدة عام 1959، ونصت على تقاسم موارد المياه البالغة نحو 85 مليار متر مكعب، وفقا لحجم السكان وحجم الاحتياجات الفعلية والمتوقعة في البلدين ، بحيث تحصل مصر على 55 مليار متر مكعب من مياه النيل، بينما يحصل السودان على 18 مليار متر مكعب من هذه المياه، كما نصت الاتفاقية على موافقة الدولتين على قيام مصر بإنشاء السد العالي وقيام السودان بإنشاء خزان الروصيرص على النيل الأزرق، وما يستتبعه من أعمال تمكن السودان من استغلال حصته، إلا أن هذه الاتفاقية تظل ثنائية بين مصر والسودان، ولا تتطرق إلى تنظيم مسألة الانتفاق بمياه النيل بصورة شاملة، كما يرى بعض المحللين الأفارقة أن إبرام هذه الاتفاقية بين مصر والسودان يعتبر نموذجا على الموقف الرافض للاتفاقيات الموروثة من العهد الاستعماري.

ومن بين جميع الاتفاقيات سالفة الذكر، أثارت اتفاقية سنة 1929 بشكل خاص قدرا كبيرا من الجدل القانوني، لاسيما من حيث امكانية أو عدم امكانية استمرار العمل بها في مرحلة ما بعد حصول الدول الأفريقية الثلاث المعنية باستقلالها عن بريطانيا، وكان الموقف الشائع فيما بين أغلب هذه الدول يقوم على عدم حواز استمرار العمل بهذه الاتفاقية في مرحلة ما بعد الاستقلال وذلك تحت تأثير ثلاثة عوامل رئيسية هي (15):

1- أن الدولة الاستعمارية المعنية (بريطانيا)، لم تتشاور مع السكان المحليين أو مع أي سلطة وطنية بشأن إبرام هذه الاتفاقية، مما يعني بالتالي أن هذه الاتفاقية تمت بدون رضا السكان المحليين، ومن ثم يكون من غير المنطقي إلزامهم بمواصلة تنفيذها في مرحلة ما بعد جلاء الاستعمار عن بلادهم. 2- ان إستمرار الالتزام باتفاقية 1929 يتناقض مع واقع الاستقلال الذي حصلت عليه الدول الثلاث باعتبارها موروثا استعماريا، بما يتعارض مع مبادئ القانون الدولي التي تمنع الاستعمار بكافة أشكاله ومظاهره، مع الزعم بأن الاتفاقيات الموروثة من عهد الاستعمار تعتبر بحد ذاتها شكلا من أشكال الاستعمار. 3- يشير بعض الباحثين الأفارقة إلى أن اتفاقية 1959 اعترفت في الديباجة بالطبيعة المؤقته لاتفاقية 1929، حيث أشارت إلى: "أن اتفاقية مياه النيل لعام 1929 نظمت فقط الاستخدام الجزئي للنهر الطبيعي، ولم تعط الظروف المستقبلية لتدفقات النهر للسيطرة بصورة كاملة". ويذهبو بالتالي إلى أن هذا النص يعزز من مصداقية مواقف الدول الرافضة للامتثال لهذه الاتفاقية.

وعلى صعيد الممارسة العملية ، كانت كل من تنزانيا وكينيا وأوغندا قد تبنت مواقف رافضة لاتفاقية 1929. وكان الموقف التنزاني هو الأعلى صوتا والأكثر قوة فيما بين هذه الدول. فقد أعلن جوليوس نيريري رئيس وزراء تنجانيقا (التي تحول اسمها لاحقا إلى تنزانيا عقب اتحادها مع زنجبار) في عام 1962 بشأن رؤية بلاده إزاء اتفاقيات معينة ورثتها من العهد الاستعماري، ويقوم على أن كل الاتفاقيات التي أبرمتها بريطانيا بشأن تنزانيا سوف تعطي مهلة لمدة عامين لاعادة التفاوض بشأنها مع الأطراف المعنية، وسوف تعتبر الاتفاقيات التي لم يتم التفاوض بشأنها لاغية مالم تنطب عليها مبادئ القانون الدولي . وأعلنت تنجانيقا عقب ذلك أنها غير ملزمة باتفاقية عام 1929 باعتبارها لا تتوافق مع واقع استقلالها عن بريطانيا. وقد عرف هذا الموقف لاحقا ب"مبدأ نيريري لتوارث المعاهدات"، وأرسلت تنجانيق مذكرات رسمية بهذا المعنى إلى كل من مصر والسودان وبريطانيا.

هذا الموقف الرافض للاتفاقيات الموروثة من العهد الاستعماري، لاسيما اتفاقية 1929، تكرر أيضا من جانب كل من أوغندا وكينيا عقب استقلالهما، وأصدرت الدولتان بيانات مماثلة لتلك التي صدرت عن تنجانيقا، وهو ما بات يعرف لاحقا ب"القانون الدولي" الاقليمي لشرق وجنوب أفريقيا لتوارث المعاهدات.

وفي المقابل، فإن مصر أعلنت تمسكها بصلاحية اتفاقية 1929 وفقا لمبدأ التوارث الدولي، ناهيك عن تأكيد مصر دوما على أن حقوقها في مياه النيل تندرج في إطار مبدأ الحقوق الطبيعية والتاريخية، والذي يعتبر أحد المبادئ المستقرة في القانون الدولي، ولا يتأثر بالتالي بتغير النظام السياسي الحاكم في الدول الأخرى المعنية، كما كانت مصر حريصة دائما على تأكيد أن المنهج السليم للتعامل مع قضية الانتفاع بمياه النيل يتمثل في التعاون المشترك من أجل تعظيم الاستفادة من الموارد الهائلة المهدرة من مياه النهر ، بدلا من التنازع على الكمية المحدودة المتاحة، وهو المنهج الذي سعت السياسة المصرية إلى تطبيقه بأشكال مختلفة سوف نعرضها بالتفصيل في نقطة لاحقة من هذه الدراسة.

أما بالنسبة لأثيوبيا، فإنها تتحفظ بشدة على الإطار القانوني القائم بشأن تقاسم مياه النيل، لعدة اعتبارات، أبرزها أنها لم تكن طرفا في اتفاقيتي 1929 و1959، اذ لم تكن مستعمرة بريطاينة، ولم تكن مشمولة بالالتزام البريطاني لمصر بموجب اتفاقية عام 1929، علاوة على أنها لم تكن طرفا في اتفاقية 1959، ولم تدع للمشاركة فيها، وهي بالتالي لا تقر بها.

ويقوم الموقف الإثيوبي على رفض الحلول الأحادية للتعامل مع قضايات المياه، وتفضل في المقابل منهج التعامل الثنائي أو الجماعي للوصول إلى حلول مفيدة لكافة الأطراف، مع قبول حق استخدام مياه النيل لتحقيق التنمية الاقتصادية – الاجتماعية لشعوب المنطقة ككل، وفقا لمبدأ الحقوق الطبيعية والاقليمية (16). وترى إثيوبيا أن الاطار السياسي –القانوني الحالي لتقاسم مياه النيل يخلق لها مشكلتين رئيسيتين الأولى هي عدم القدرة على استخدام مواردها المائية وأهمها النيل الأزرق، المشكلة الثانية هي عدم القدرة على الوصول للتمويل الدولي اللازم لاستصلاح أراضيها بسبب الفيتو المصري في المنظمات الدولية ذات الصلة.

ويعبر بعض كبار المسئولين الإثيوبيين عن هذا الموقف من خلال التأكيد على أن الاستخدام الفعال لمياه النيل لأغراض استهلاكية وغير استهلاكية يعتبر الخيار الوحيد أمام إثيوبيا من أجل حل مشكلة الغذاء والطاقة في البلاد، ودفع جهود التنمية ، مع التأكيد على أنه ليست هناك آية التزامات قانونية أو مؤسسية تمنع صانعي القرار أو المخططين في إثيوبيا من تنفيذ هذا الخيار بما يحقق أفضل مصلحة للشعب الإثيوبي (17).

وتطالب إثيوبيا مصر والسودان إما باعادة فتح ملف المياه لمفاوضات تدخل فيها إثيوبيا كشريك أصيل، أو إنها ستقوم بانتهاج سياسات مائية مستقلة، خاصة أن المستجدات القائمة، كالمجاعات وقضايا الأمن الغذائي ، باتت تضغط على إثيوبيا للقيام بمبادرة موسعة لاقامة مشروعات مائية لضمان توفير احتياجاتها من المياه، جنبا إلى جنب مع خدمة متطلبات التنمية من خلال توليد الطاقة الكهربائية .. وما إلى ذلك.

وترى إثيوبيا أنها لاتستطيع تحديث وسائل الزراعة، التي تعتبر النشاط الرئيسي في الاقتصادي الإثيوبي، إلا من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة في السيطرة على تدفق المياه والتحكم فيها، حتى يتم ري أربعة ملايين فدان من الأراضي الصالحة للزراعة من مياه النيل في إطار خطط تطوير استخدام المياه، وذلك من خلال المشروعات الآتية (18):

- بناء أربعة خزانات، اثنان منها على النيل، وإثنان على فروعه لتوليد الكهرباء والري. - اقامة سدود صغيرة ونظام ري على الخيران لإنتاج ما يكفي من الغذاء، بما يتطلب ذلك من تجهيز قنوات تمويل واستدانة من البنوك ومؤسسات التمويل الأخرى المحلية والدولية. - اخيتار التقنيات المناسبة لمشاريع الري.

وترى إثيوبيا أن مصر يجب عليها إسقاط فرضية الحق التاريخي في مياه النيل وأن يكون البديل هو إبرام اتفاقية شاملة حول توزيع الحصص مع دول كل الحوض، إلا أن الساسة والأكاديميين والإعلاميين الإثيوبيين يرون أن المشكلة هنا تتمثل في أن مصر غير قادة على التعاطي مع دول الحوض بشأن مسألة تقاسم المياه، وغير قادرة على فتح عقلها لمناقشة قضية المياه، وليس لديها من زاد سوى التوتر ولغة الحرب، وأنها قد تبدأ الضربة الأولى لايقاف منشآت إثيوبية على النيل الأزرق.

وبالمثل، فإن أوغندا وتنزانيا وكينيا يطالبون باعادة النظر في اتفاقية 1929، ويهاجمون السياسة المائية المصرية. ولعل أبرز أمثلة هذا الهجوم هي تصريحات الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني في أبريل 2004، حينما أشار صراحة إلى أنه لم يعد ممكنا أن تستمر مصر في احتكار استخدام مياه النيل، ودعا إلى إعادة النظر في الاتفاقية التي تمنحها السيطرة على النهر. ورغم أن موسيفيني أكد أنه لا أحد يريد أن تتضرر مصر جوعا، فإن هذا الموقف الأناني المصري، من وجهة نظره، من استخدام مياه النيل لابد من وضع حد له. وعبر موسيفيني عن رفضه الشديد لاتفاقية 1929، قائلا إن هذا "كان مع بريطانيا، وليس معنا، ينبغي أن نجلس مع مصر ونتفاوض على اتفاقية أخرى (19). وينطلق هذا الموقف من أن أوغندا تريد أن تبني سدودا أكبر على النيل لتوليد الكهرباء للوفاء بحاجاتها المتزايدة.

وحتى على الجانب السوداني، كثيرا ما يثير بعض الأكاديمييين والإعلاميين مسألة عدم شرعية اتفاقية عام 1959 المبرمة بين مصر والسودان بشأن المياه استنادا إلى أن نظام الحكم السوداني الذي وقع على الاتفاقية ، بقيادة الفريق ابراهيم عبود وقتذاك، كان – من وجهة نظرهم – نظاما دكتاتوريا استبداديا، ولم تحصل الاتفاقية على التفويض الشعبي اللازم لتوقيعها، علاوة على الزعم بأن وفد التفاوض السوداني في تلك الاتفاقية لم يكن يمتلك الخبرة العلمية والفنية اللازمة للتفاوض بشأن قضية معقدة، مثل المياه.

وفي مواجهة هذه الاتهامات، فإن الموقف المصري يقوم على أن نصيب مصر من مياه النيل الذي تثار بشأنه هذه المشكلات لا يفي إلا بالكاد باحتياجاتها المائية في الوقت الحالي، وربما لن يكون كافيا لتلبية هذه الاحتياجات في المستقبل القريب في ظل الزيادة السكانية والنمو الاقتصادي ، أي أن هذه الموارد تظل أدنى بكثير مما تتصوره المواقف الإثيوبية والأوغندية، ناهيك عن أن هذه الموارد تضع مصر، في ضوء عدد السكان، تحت خط الفقر المائي.

وعلى الرغم من أ، مصر ظلت في فترات سابقة ترفض التفاوض على حقوقها في مياه النيلن وتتمسك بالمعاهدات الدولية التي أبرمت في هذا الخصوص، بغض النظر عن موقف بقية الأطراف المعنية من هذه الاتفاقيات التي ترغب بالفعل في تغييرها، فإن هذا الموقف بات أكثر مرونة، ويركز على تعزيز مجالات التعاون بين دول الحوض، إنطلاقا من أن هناك الكثير من الإمكانيات غير المستغلة حتى اتلآن، بما يعني أن التعاون في إقامة مشروعات مائية وتنموية مشتركة من شأنه أن يوفر موارد مائية تكفي الجميع، وتنزع فتيل الخلاف، وهو ما تم التعبير عنه من خلال مبادرة حوض النيل.

وقد اهتمت مصر ببناء أكبر قدر ممكن من التوافق مع دول حوض نهر النيل بشأن قضايا المياه، ولاسيما إثيوبيا، وكانت مصر وإثيوبيا قد قطعتا شوطا بالغ الأهمية بالتوقيع على ما يعرف ب"اتفاقية إطار التعاون بين مصر وإثيوبيا في مجال مياه النيل"، في يوليو 1993، والتي وقعها الرئيس محمد حسني مبارك ورئيس الوزراء الإثيوبي ميليس زيناوي. وينص الاتفاق على عدم قيام أي من الدولتين بعمل أي نشاط يتعلق بمياه النيل قد يسبب ضررا بمصالح الدولة الأخرى. مع إلتزام الطرفين بمبدأ الحفاظ على مياه النيل وحمايتها، والالتزام أيضا باحترام القوانين الدولية، مع الاتفاق على استمرار التشاور والتعاون بين الدولتين بغرض اقامة مشروعات تزيد من حجم تدفق المياه وتقليل الفواقد.

وقد ساعد هذا الاتفاق على وضع أساس لتسوية قضية مياه النيل. وعى الرغم مما أثاره هذا الاتفاق من جدل داخلي حاد في إثيوبيا، وما أفرزه من ضغوط من جانب المعارضين لحكومة زيناوي، فإنه ساعد كثيرا على تحسين العلاقات المصرية الإثيوبية في الفترة اللاحقة على توقيع الاتفاقية.

ومن ثم، فإن الإشكال هنا يتمثل في أن الأطر القانونية القائمة لتنظيم الانتفاع بمياه لانيل كنهر دولي توفر فقط إطارا جزئيا ومنقوصا للتعامل مع مسألة حصص المياه فيما بين دول حوض النيل، فهي من ناحية لم تشكل كل دول الحوض، لاسيما إثيوبيا التي تعتبر دولة محورية، علاوة على أن كلا من أوغندا وتنزانيا وكينيا ترفض الالتزام بنصوص اتفاقية فرضها عليهم الاستعمار البرطياين إبان فترة الاحتلال، إذ يرون أن هذه الاتفاقية لم تراع حقوقهم في مياه النيل.

رابعا: إسرائيل والتهديدات المحتملة للأمن المائي المصري

تعتبر إسرائيل واحدة من مصادر التهديد، الفعلية أو المحتملة، للأمن المائي المصري، في ظل ما دأبت عليه السياسة الإسرائيلية من تطبيق سياسة الالتفاف والتطويق الاستراتيجي لمصر والدول العربية، عبر محاولة استهداف عمقها الاستراتيجي، في إطار ما يعرف ب"إستراتيجية شد الأطرف" التي شرعت إسرائيل في تطبيقها منذ فترة طويلة ضد الدول العربية ، لاسيما الرئيسية منها. وفي مقدمتها مصر، واهتمت إسرائيل في هذا الصدد بتوثيق علاقاتها مع دول أعالي النيل، لاسيما إثيوبيا وكينيا، وسعت في هذا السياق إلى المشاركة في المشروعات المائية التي تنفذها تلك الدول، وهي المسألة التي ظلت مصر نظر إليها دائما بقدر كبير من الريبة والشك، مع الخشية من إمكانية أن تسعى إسرائيل من وراء ذلك إلى التأثير سلبا على موارد مصر المائية.

وترتبط المخاوف المصرية من الدور الإسرائيلي الفعلي، أو المحتمل، في تهديد الأمن المائي المصري من أن مسألة المياه كانت دائما واحدة من المجالات التي سعت قوى أجنبية إلى التأثير من خلالها على مصر، في المجالات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية. ووصل هذا التأثير إلى أعلى درجاته خلال معركة بناء السد العالي، لاسيما في عقد الخمسينيات من القرن الماضي، والتي لم يبد خلالها الغرب تجاوبا ملموسا مع رغبة مصر العارمة في استكمال عملية بناء السد العالي باعتبارها ركيزة محورية في خطط التنمية في مصر، وهو ما كان قد انعكس في حرمان مصر من الحصول على قرض من البنك الدولي في الخمسينيات لتمويل علمية البناء، مما كان قد دفع مصر وقتذاك إلى تأميم قناة السويس، سواء باعتبار ذلك حق أصيل لمصر في مرحلة ما بعد الاستقلال الكامل عن بريطانيا، أو باعتبار القناة مصدر دخل رئيسي لتمويل عملية بناء السد العالي، وهو ما كان بدوره سببا في اندلاع حرب السويس في عام 1956، والتي تعرضت مصر خلالها لعدوان سافر من جانب ثلاث دول هي بريطانيا، وفرنسا، وإسرائيل.

وعلى الرغم من أن مصر تمكنت من تحقيق انتصار سياسي كبير في تلك الحرب، إلا أن أحد أبرز الدروس التي خرجت بها مصر من هذه الحرب تمثل في أن المياه تظل أحد المجالات الرئيسية التي تسعى الدول المعادية إلى التأثير على مصر من خلالها، سواء من خلال محاولة منع مصر من تنفيذ مشروعات مائية كبرى داخل مصر لدفع جهود التنمية ، أو من خلال محاولة التأثير سلبا على موارد مصر المائية عبر تحريض دول أعالي النيل ضد مصر، لاسيما في المجالات سالفة الذكر، وأبرزها رفض الاعتراف بالاتفاقيات القائمة لتنظيم عملية الانتفاق بمياه النيل.

وكان مما رسخ هذه المخاوف في الفكر السياسي والاستراتيجي المصري أيضا أن إسرائيل دأبت من جانبها على محاولة التدخل بقوة في منطقة حوض النيل ، لاسيما دول أعالي النهر، من أجل تحقيق طائفة واسعة من المصالح السياسية والاستراتيجية والمائية والاقتصادية ، تتمثل على وجه التحديد في ثلاث مصالح رئيسية هي:

أ- الأطماع الإسرائيلية في مياه النيل: وهي أطماع قديمة قدم المشروع الصهيوني ذاته، حيث كان مؤسس هذا المشروع تيودور هرتزل قد تقدم منذ عام 1903 للحكومة البريطانية بفكرة تحويل جزء من مياه النيل إلى صحراء النقب عبر سيناء، وحاول وقتذاك تسوق تلك الفكرة باعتبارها حيوية من أجل تعمير واستصلاح تلك الصحراء، وذلك عن طريق شق قناة توصل مياه النيل إلى إسرائيل عن طريق سحارة قناة السويس تمد إسرائيل بحوالي 8 مليارات متر مكعب سنويا.

وحاولت إسرائيل استغلال محادثات السلام مع مصر في أواخر السبعينيات من أجل الحصول على مكاسب مائية عبر اقناع مصر بالموافقة على مد فرع من مياه النيل إلى النقب وكان الرئيس أنور السادات قد تجاوب جزئيا مع تلك الفكرة في إطار جهوده لتسريع عملية التسوية بين مصر وإسرائيل ، إلا أن ذلك التجاوب كان يندرج في إطار الاستراتيجية التفاوضية للرئيس السادات لإغراء إسرائيل على الانسحاب من الأراضي المصرية المحتلة من دون وجود نية حقيقية لتنفيذ تلك الفكرة، لاسيما بعدما أثارته من رفض عارم، سواء داخل مصر ذاتها، أو من جانب بعض الدول الأخرى في الحوض. وقد استمرت إسرائيل في تلك المحاولات في فترة ثانية عبر طرح فكرة إشراك إسرائيل في الانتفاق بمياه لانيل خلال أعمال لجنة المياه التي كانت جزءا من المفاوضات المتعددة الأطراف، في إطار عملية مدريد ، خلال عقد التسعينات، إلا أن هذه الجهود لم تحقق نجاحا يذكر، لاسيما إن عملية مدريد انهارت بأكملها لاحقا.

ب- تحقيق أرباح من خلال الاستئثار بمشروعات مائية في دول أعالي النيل، حيث تعتبر مشروعات المياه والري ركيزة أساسية في جهود التنمية التي تقوم بها أغلب دول أعالي النيل. وتخصص لها ميزانيات ضخمة من جانب تلك الدول، وتعتبر بالتالي مجالا للتنافس بين الكثير من الأطراف الدولية الراغبة في تحقيق مكاسب اقتصادية من خلال الفوز بنصيب من هذه المشروعات. وقد عملت إسرائيل على الفوز ببعض هذه المشروعات، سواء من خلال ما تروجه إسرائيل عن نفسها من إمتلاكها لخبرة كبيرة في استصلاح الصحراء وتنمية الموارد المائية أو من خلال حصولها على دعم كامل من الولايات المتحدة في هذا الشأن.

وقد نجحت إسرائيل بالفعل في الفوز ببعض المشروعات المائية المهمة في منطقة البحيرات، ومن بينها إعداد بحوث ودراسات تفصيلية للاستفادة من روافد مياه النيل وتنفيذ بعض مشاريع الدعم الفني والتكنولوجي في مجال بناء السدود المائية في كل من إثيوبيا والكونغو الديمقراطية ورواندا وأوغندا. ومنها على سبيل المثال اتفاق التعاون المائي الذي وقعته إسرائيل مع أوغندا في مارس 2000، وينص على تنفيذ مشاريع ري في عشر مقاطعات في شمال أوغندا بالقرب من الحدود المشتركة مع السودان وكينيا، من أجل الاستفادة من مياه بحيرة فكتوريا.

ج- الضغط على مصر، حيث تسعى إسرائيل إلى الضغط على مصر من خلال محاولة التأثير على مواردها المائية، وهو ضغط يتوقف مداه على طبيعة العلاقات والتفاعلات بين الجانبين. وتتركز الضغوط الإسرائيلية في هذا الصدد على تحريض دول أعالي النيل ضد المصالح المائية لكل من مصر والسودان، وكانت إسرائيل تقف وراء المطالب التي طرحتها كل من كينيا وأوغندا وتنزانيا في فترات سابقة، لاسيما خلال التسعينيات، حول تسعير المياه وإعادة النظر في الاتفاقيات القائمة بشأن الانتفاع بمياه النيل.

ومن المعروف أن فكرة تسعير المياه كانت قد طرحت في الأصل على أيدي الخبير الأمريكي "فرانكلين فيشر" وروجت لها إسرائيل والولايات المتحدة بقوة في المحافل الدولية، لاسيما البنك الدولي. ويقوم جوهر الفكرة على إنشاء صندوق مشترك يضم حسابا لكل عدد من الدول يشتركون في مجرى مائي دولي واحد، يقدر من خلاله ثمن الماء دوليات على أساس معادلة قيمة المتر المكعب لأرخض مياه بديلة ، مثل قيمة المتر المكعب من الماء المحلي من البحر، على أن تدفع الدولة قيمة كل الماء الذي تستهلكه، أو الذي تطالب الحصول عليه أولا، ثم تحتسب هذه القيمة من حصة الدولة في الصندوق المشترك، فإما أن يكون الحساب مدينا فتدفع الدولة الفرق، أو دائنا فتحصل على الفرق بعد احتساب الحصص بالتساوي، بغض النظر عن الحقوق التاريخية والاتفاقيات الموقعة. وبموجب هذه الفكرة، فإن مصر يمكن أن تجد نفسها مطالبة بدفع 27.5 مليون دولار أمريكي سنويا ثمن ما تحصل عليه من لاماء، إلا أن مصر والكثير من الدول رفضت هذه الفكرة تماما، باعتبارها تتناقض بالكامل مع مبدائ أخرى مستقرة، لاسيما مبدأ الحقوق الطبيعية والتاريخية المتكسبة.

وقد لقيت هذه الأفكار قبولا عارما من جانب دول أعالي النيل التي سوف تحقق لها مكاسب هائلة في حالة تطبيق هذه الأفكار، برغم تناقضها مع مبادئ أخرى مستقرة في القانون الدولي، وأبرزها مبدأ الحقوق الطبيعية والتاريخية المكتسبة، وأيضا برغم تعارض هذه الأفكار مع مصالح دول المصب، وفي مقدمتها مصر والسودان. كما تشير بعض المصادر السياسية والاعلامية في بعض دول أعالي النيل إلى أن إسرائيل والولايات المتحدة حرضتا هذه الدول على استعمال موارد المياه واقامة السدود بدون التنسيق مع مصر والسودان.

وتسعى إسرائيل من خلال ممارسة هذه الضغوط على مصر إلى تحقيق أهداف متنوعة، إذ يعتبر تهديد الأمن المائي المصري ورقة بالغة الأهمية يمكن استغلالها من جانب إسرائيل في حالة حدوث توترات شديدة مع مصر أو باعتبار أن هذه الضغوط يمكن أن تساعد على تليين الموقف المصري الرافض لامداد إسرائيل بفرع من مياه النيل، انطلاقا من قناعة إسرائيلية مفادها أن مصر يمكن أن تجد نفسها مضطرة للتجاوب مع هذا المطلب الإسرائيلي، لوقف الضغوط التي تمارسها الأخيرة عليها، وحتى تكون إسرائيل صاحبة مصلحة في عدم المساس بموارد مصر المائية، حتى لا يؤثر ذلك على الحصة التي يمكن أن تحصل عليها إسرائيل منها.

وتعتبر مناطق أعالي النيل سواء القرن الأفريقي أو شرق أفريقيا أو وسط أفريقيا، إحدى أبرز مناطق النشاط السياسي والعسكري والاقتصادي والاستخباراتي الإسرائيلي في أفريقيا، إن لم تكن أبرزها على الإطلاق، حيث تهتم بتهزيز نفوذها السياسي في تلك المناطق بالتعاون الوثيق مع الولايات المتحدة، لأنها منطقة تتفاعل فيها مصالح كبرى للطرفين، سواء على صعيد مكافحة الإرهاب أو التوترات الداخلية أو احتواء نفوذ قوى خارجية، مثل إيران والصين، بالاضافة إلى ما يتردد بشأن إمكاينة تصاعد الصراع على المياه في منطقة حوض نهر النيل.

وتندرج الخطوات الإسرائيلية سالفة الذكر في إطار روابط سياسية وإستراتيجية وثيقة بين إسرائيل والولايات المتحدة من ناحية، وأغلب دول أعالي النيل من ناحية أخرى. إذ تضم تلك المنطقة بشكل خاص أغلب من أطلق عليهم في أواخر التسعينيات وصف "القادة الجدد" الذين أسبغت عليهم الولايات المتحدة وإسرائيل أهمية كبرى في الترويج لمفاهيم الليبرالية واقتصاد السوق. فضلا عن الاعتماد عليهم كدول حليفة أو صديقة لحماية مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل. وهي المسألة التي تبلورت بدرجة أكبر في السنوات الأخيرة في الحرب الأمريكية على الإرهاب، والتي جرى الاعتماد خلالها بشكل أساسي على كل من إثيوبيا وأوغندا وكينيا كرؤوس حربة في الخطوات التي قامت بها الولايات المتحدة في إطار تلك الحرب.

هذه الروابط الاستراتيجية الوثيقة إنما تضفي خطورة أكبر على الجهود التي تقوم بها إسرائيل على صعيد ممارسة الضغوط على مصر من خلال التأثير على موارد مصر المائية باعتبار أن هذه الضغوط تعتبر جزءا من استراتيجية إسرائيلية أوسع لإدارة الصراع مع الدول العربية ، بما في ذلك السعي إلى استغلال تلك الدول كساحة لصراعها الاستراتيجي مع مصر والدول العربية، بل ومحاولة ضمان مساندة الدول الأفريقية لها في هذا لاصراع وتوظيفها كأدوات لضرب مصر والدول العربية من خلال مواصلة تنفيذ سياسات التطويق الاستراتيجي وشد الأطراف ضدها، بما في ذلك محاولة التاثير سلبا على موارد مصر المائية.

وقد نجحت مصر في التصدي للجهود التي تقوم بها إسرائيل للتأثير سلبا على موارد مصر المائية، واحتواء وتطويق هذه المجهود، من خلال عدد من الركائز الأساسية، وأبركها:

1- توثيق علاقات التعاون في مجال الموارد المائية مع دول حوض النيل، بما يؤدي لتغليب المناهج التعاونية بين مصر وتلك الدول للتعامل مع أي خلافات بشأن الانتفاع بمياه نهر النيل، من خلال صيغ مختلفة، وأبرزها مباردة حوض نهر النيل. 2- بذلك الجهد الدبلوماسي اللازم في المحافل الدولية للتصدي للجهود التي تقوم بها إسرائيل والولايات المتحدة أو أي أطراف دولية أخرى لفرض مفاهيم جديدة بشأن الانتفاع بالمياه، وتكون لها آثار سلبية على المصالح المائية المصرية، لاسيما تسعير المياه. 3- التأكد من أن مشروعات المياه والري التي تشارك فيها إسرائيل مع دول حوض النيل لا تشتمل على مخاطر انتقاص حصة مصر من مياه النيل، كما لا تتضمن انتهاكا للاتفاقيات القائمة والمعمول بها بشأن الانتفاع بمياه النهر.

وفي الوقت نفسه، فإن مصر استفادت من ارتباطها بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة وأغلب دول العالم من أجل الحصول على فهم أفضل من جانب تلك الأطراف لطبيعة الموقف المعقد بشأن الانتفاع بمياه نهر النيل، ولمصالح مصر المائية فيه، وتسعى مصر في هذا الصدد أيضا للاستفادة من وجود علاقات سلمية بينها وبين إسرائيل من أجل إفهام الجانب الإسرائيلي أن هناك خطوطا حمراء للأمن القومي المصري لا تقبل مصر تجاوزها من جانب أي طلب أيا كان، وفي مقدمتها الأمن المائي وتأمين موارد مصر المائية، بحيث أن أي محاولة لتجاوز هذه الخطوط سوف يستثير ردود فعل عنيفة من جانب مصر بصورة مبشارة وغير مباشرة، وباستخدام كافة الأدوات المتاحة لدى مصر، بما في ذلك الأداة العسكرية.

وهناك جانب آخر في التهديد الإسرائيلي للأمن المائي المصري، ويتمثل في إمكانية استهداف المنشآت المائي الكبرى في مصر، لاسيما السد العالي، في حالة نشوب مواجهة عسكرية شاملة بين الجانبين في المستقبل، وهو ما يعتبر أحد المبادئ المستقرة في الفكر العسكري الإسرائيلي، باعتبار أن ضرب مثل هذه المنشآت يمثل خطرا جسيما على الحياة في مصر ككل، فيما يمثل ورقة هامة تضعها إسرائيل في صدارة إستراتيجيتها إزاء مصر، سواء من أجل ردع مصر عن شن هجوم شامل ضد إسرائيل، إذا توافرت لها الرغبة والقدرة على القيام بذلك، أو من أجل تنفيذ هجوم فعلي ضد السد العالي في حالة انتقال أي مواجهة محتملة بين إسرائيل ومصر إلى ما يمكن وصفه "عملية التدمير الشامل المتبادل المؤكد" بين الجانبين.

وكان ما سبق هو العامل الرئيسي وراء تمسك إسرائيل الشديد بمنطقة شرم الشيخ في سيناء، باعتبارها أقرب نقطة كان يمكن للطائرات الإسرائيلية وقتذاد أن تصل منها إلى مناطق أقصى جنوب مصر، ومن بينها السد العالي الأمر الذي كان قد جعل من تلك المسألة نقطة شائكة في مفاوضات السلام بين مصر وإسرائيل، غلا أن الأخيرة اضطرت في نهاية المطاف لقبول الانسحاب من شرم الشيخ في ظل تمسك مصر الشديد باستعادة كل ترابها الوطني ، ناهيك عن أن تطور التكنولوجيا العسكرية في مجال الطائرات القتالية والصواريخ الباليستية جعل إسرائيل في غير حاجة للتمسك بتلك المنطقة من أجل تحقيق الهدف المذكور.

ويتمثل المتغير الجديد الذي ظهر خلال الفترة الماضية في التهديدات العلنية الصريحة التي أطلقها أحد أعضاء الكنيست من اليمين المتطرف في إسرائيل ، وهو أفيجدور ليبرمان في عام 2001، والتي هدد فيها بإمكانية قيام إسرائيل بضرب السد العالي في مصر، فيما أثار وقتذاك احتجاجات عارفة في مصر، على المستويين الرسمي والشعبي (20).

أما على الجانب المصري، فقد دأب الفكر العسكري المصري على إدراك القيمة الاستراتيجية الكبرى للسد العالي، ليس فقط باعتباره شريان الحياة لمصر، ولكن أيضا باعتباره هدفا استراتيجيا ذا أهمية فائقة يمكن استهدافه من جانب الأعداء في أي مواجهة عسكرية محتملة، وكان من نتيجة ذلك أن المؤسسة العسكرية المصرية تبنت على الدوام مبدأ توفير أقصى درجات الحماية للسد العلاي، بل والتحسب لكافة الاحتمالات الممكنة، بما في ذلك أسوأ هذه الاحتمالات ، ثم جاءت تضريحات النائب الإسرئايلي المتطرف لتزيد من كثافة الاهتمام المصري بحماية وتأمين السد العالي بكافة الطرق والوسائل.

خامسا: مصر والمنهجية التعاونية في الأمن المائي

دأبت مصر على تبني منهج تعاوني في إدارة قضايا المياه مع دول حوض النيل وركزت مصر في هذا الاطار على دعوة دول حوض نهر النيل دوما إلى الاتفاق على الأسلوب الأمثل لاستغلال مياه النهر، بما يعود بالنفع على كل دول الحوض، من خلال بناء آليات للتعاون الاقليمي فيما بين دول حوض نهر النيل، لتعظيم الاستفادة من موارد المياه، مع الحفاظ على حق مصر التاريخي في مياه نهر النيل.

ويقوم موقف مصر على أن مواردها المائي الحالية تعتبر محدودة للغاية، قياسا على احتياجاتها الفعلية، في ظل النمو السكاني ومتطلبات التنمية. فوفقا للسياسة المائية المصرية في سنة 1992، قدرت الموارد المائية المتاحة بنحو 72.4 مليار متر مكعب، منها 55.5 مليار متر مكعب من الحصة السنوية لمياه النيل، و4.8 مليار متر مكعب من المياه الجوفية، و7.9 مليار متر مكعب تنتج من اعادة استخدام مياه الصرف في الدلتا، و5.7 مليار متر مكعب تنتج من اعادة استخدام مياه الصرف في الوادي، علاوة على نحو مليار متر مكعب من مياه الأمطار المتساقطة على الساحل الشمالي ومن مياه السيول، أخذا في الاعتبار توقف مشروع قناة جونجلي الذي أدرجته السياسة المائية المصرية ضمن الموارد المائية المتاحة في ذلك الوقت. هذه الكمية تضع مصر تحت حد الفقر المائي، كما أنها لن تكون كافية لتلبية الاحتياجات المستقبلية للبلاد في ظل النمو السكاني ومتطلبات التنمية (21).

ولن تكفي هذه الكمية في المستقبل لتلبية احتياجات مصر من المياه في ظل النمو السكاني ومشروعات التنمية، فالدراسات التي أجريت من أجل استشراف احتياجات مصر المائية بحلول عام 2017 ، تقوم على أن مصر سوف تحتاج إلى ما لا يقل عن 12.5 مليار متر مكعب اضافية من المياه، منها نحو 5.8 مليار متر مكعب لتلبية احتياجات الأعداد المتزايدة من السكان في ذلك التاريخ، بالاضافة إلى احتياجات المياه للمشروعات الزراعية التي تقوم الدولة بتنفيذها في توشكى وغيرها، والتي تقوم على استصلاح واستزراع نحو 3.4 مليار متر فدان جديدة حتى العام المذكور، والتي سوف تحتاج إلى نحو 6.7 مليار متر مكعب اضافية من المياه.

ومن ناحية أخرى ، فإن موارد مصر المائية في الوقت الحالي تضعها ضمن دول الفقر المائي، إذ أن نصيب الفرد من المياه في مصر يقدر بنحو 2.5 متر مكعب يوميا، أي 912.5 متر مكعب سنوياـ في حين أن حد الفقر هو ألف متر مكعب سنويا من المياه للفرد، مما يجعل مصر تحت هذا الخط بل والمتوقع في ظل التقديرات الحالية أن يتناقص نصيب الفرد من المياه في المستقبل، بصورة تزيد من الضغوط الواقعة على مواردها المائية، ما لم يتم تنميتها من خلال حلول جماعية تساعد على زيادة نصيب جميع دول حوض نهر النيل من المياه.

ومن ثم، فإن سياسة مصر المائية تقوم على أن مواردها الحالية من المياه تكفي بالكاد لتلبية احتياجاتها الحالية من المياه، ولن تكفي لسد احتياجاتها المستقبلية، في ظل النمو السكاني والاقتصادي. وبالتالي، فإن مصر لن تقبل منازعة أحد لها في حصتها المائية الحالية، بل إنها تسعى لزيادة هذه الحصة بمختلف الطرق، سواء من خلال ترشيد الاستهلاك المحلي من المياه، أو من خلال بتني مناهج تعاونية مع دول حوض نهر النيل من أجل البحث عن الاستغلال الأمثر لموارد المياه المهدرة من نهر النيل، والتي تضيع دون الاستفادة منها، بما يجعل من الضرورة العمل على الاستفادة منها، وبما يزيد بالتالي من حصة جميع دول النهر بطرق تعاونية مفيدة وبناءة.

وفي هذا الاطارن تبنت مصر منهجية محددة تقوم على عنصرين متكاملين، يتمثل أولهما في التمسك بحقوق مصر التاريخية في مياه النيل، بما يعنيه ذلك من التصدي لكافة المزاعم الداعية إلى اعادة النظر في حصص المياه، كما يتمثل ثانيهما في السعي إلى تعظيم استفادة جميع الدول من مياه النيل، من خلال الاستغلال الأمثل ملوارد النهر، وهو ما يعني أنه بدلا من التنازع على القدر اليسير المتاح من المياه ، فإن سياسة مصر دأبت على الدعوة للاستفادة من الموارد المهدرة من مياه النيل ، بما يزيد من حصة الدول من مياه النهر.

واهتمت مصر في هذا السياق بالرد على المزاعم المختلفة التي تثيرها بعض دول النهر بين الحين والآخر، بما في ذلك التلويج بامكانية استخدام القوة العسكرية اذا دعت الضرورة إلى ذلك، ، وهو ما حدث في حالات نادرة كانت جميعها رد فعل على تصريحات عدائية صدرت من جانب بعض قادة دول حوض نهر النيل، واشتملت على تهديدات بإمكانية تنفيذ خطوات أحادية الجانب من شأنها التأثيرسلبا على موارد مصر المائية ، مما استثار ردود فعل حادة نسبيا من جانب كبار المسئولين المصريين على فترات متباعدة، وهي مسألة يستدل منها على أن الأداة العسكرية لا تعتبر أداة أساسية في إدارة سياسة مصر المائية، وإنما يتم التلويح بها فقط في حالات الضرورة القصوى، وفي إطار رد فعل جزئي على مواقف معادية من جانب بعض دول النهر.

ولكن الثابت هنا، أن مصر كانت حريصة دوما على تبني منهجية تعاونية في إدارة قضايا المياه مع دول حوض نهر النيل ، وسعت مصر في هذا السياق إلى إنشاء آليات للتعاون الاقليمي في مجال المياه، بدءات من إنشاء هيئة مياه النيل، باعتبارها هيئة فنية دائمة مشتركة لمياه النيل بين مصر والسودان بمجوب اتفاقية 1959، مرورا بمشاركة مصر في مشروع الهيدروميت مع خمس دول في حوض نهر النيل، لدراسة الأرضاد الجوية والمائية لحوض البحيرات الاستوائية، ثم قيام مصر بطرح فكرة انشاء تجمع الأندوجو في عام 1983، والذي ضم أغلب دول حوض النيل، لاسيما في منطقة شرق ووسط أفريقيا، باعتباره آلية للتشاور والتنسيق بين الدول الأعضاء تجاه القضايا الاقليمية في كافة المجالات، ثم مشاركة مصر في اشناء تجمع التيكونيل في ديسمبر 1992، ثم طرح مصر لمبادرة حوض النيل في عام 1998. ثم انتهاءا بانشاء المكتب الفني الاقليمي للنيل الشرقي (الانترو) في مارس 2001، بين كل من مصر والسودان وإثيوبيا، من أجل بحث المشروعات المائية المشتركة التي تم تجميعها في برنامج العمل لحوض النيل الشرقي، والتي تتركز في مجال مراقبة الفيضانات، وتوليد الكهرباء من مياه النهر.

وتمثل مباردة حوض النيل تطبيقا للرؤية المصرية التعاونية في مجال تعزيز موارد المياه الكلية لجميع دول الحوض، بما يكفي لتلبية احتياجات كافة الأطراف . وتقوم الرية المصرية على أن هناك آفاقا واسعة لتنمية هذه الموارد، من خلال التحكم في الكميات الهائلة غير المستغلة من مياه النيل، والتي تسقط سنويا وتقدر بنحو 1668 مليار متر مكعب، وكانت مصر قد طرحت هذه المباردة في ديسمبر 1998، كىلية تضم دول حوض النيل جميعا من أجل وضع استراتيجية للتعاون بين الدول النيلية. وتقوم المبادرة على مبدأي، (الاستفادة)، و(عدم الضرر)، مع احترام الحقوق المكتسبة، بمعنى أن دول حوض نهر النيل ترحب من خلال المباردة بأي مشروعات مائية تعود بالنفع على دولة أو أكثر من دول الحوض، مع عدم التسبب في الحاق الضرر بأي دولة أو دول أخرى، وتلتزم كل دولة عند القيام بعمل مشروعات مائية على النهر باخطار الدول الأخرى من أجل تبيان عدم الضرر.

ومن ناحية أخرى، قامت مبادرة حوض النيل على تقسيم الحوض إلى حوضين فرعيين رئيسييين: الأول، هو حوض النيل الشرقي، ويشمل مصر والسودان وإثيوبيا، ومعهم إريتريا، والثاني، هو حوض نيل البحيرات الاستوائية ويشمل الكونغو ورواندا وبوروندي وكيينا وتنزانيا وأوغندا، إضافة إلى مصر والسودان باعتبارهما دولتي المصب (22).

والأهم من ذلك أن مباردة حوض نهر النيل اشتملت على تشكيل لجنة لوضع الأطار القانوني والمؤسسي للاستغلال الأمثل والتوزيع العادل لمياه حوض النيل، فيما بين دول حوض النيل الشرقي، من أجل الخروج باتفاقية جديدة لمياه النيل لصالح دول الحوض، بما يحقق فوائد متعددة، لا تقتصر فقط على الحفاظ على حصة مصر الحالية، ولكنها تزيدها لدرجة كبيرة، بل إن مصر أدخلت الزيادة المتوقعة لمواردها المائية، من خلال المبادرة، ضمن الخطة القومية للموارد المائية ، التي بدأ في تنفيذها في مارس 2005.

وقد أجرت هذه اللجنة اجتماعات عديدة للتفاوض بشأن الاتفاقية الاطارية الجديدة، من أجل الوصول إلى صيغ مرضية لجميع الأطراف من الأخذ في الاعتبار المبادئ والاسس والأعراف المتفق عليها في القوانين الدولية للمياه العابرة للحدود، والتي تركز على عدم الإضرار بالغير، والتشاور من أجل تحقيق المنفعة المشتركة، واحترام المواثق والمعاهدات الشابقة، وساعدت ههذ المفاوضات بالفعل في بناء الثقة بين الدول المعنية، ونجحت في تضييق هوة الخلافات فيما بينها إلى حد كبير، بل إن مصر أعلنت في ديسمبر 2007 أنه تم الاتفاق على 99% من عناصر جزئية تتعلق بمفهوم الأمن الغذائي، الذي يعد من أهم المبادئ التي تؤكد عليها مبادرة حوض النيل، حيث طالبت إثيوبيا بتوضيح هذا المفهوم بدقة في الاتفاقية.

وتطبيقا لمفهوم الاستفادة المشتركة، فقد اشتملت مبادرة حوض نهر النيل على تنفيذ مجموعة من المشروعات في الأحواض الفرعية هي (24):

أ‌- مشروع نيل هضبة البحيرات الاستوائية، ويهدف إلى، ترشيد استخدام المياه في الزراعة، ومشروع الربط الكهربي، وتنمية الثروة السمكية في بحيرة ألبرت، ومقاومة نبات ورد النيل في نهر كاجيرا، وتنمية حوض نهر كاجيرا الذي تشترك فيه كل من رواندا وبوروندي وتنزانيا وأوغندا، وإدارة أحواض أنهار سيو – كالابا – مالاكيسي التي تقع بين أوغندا وكينيا، وإنشاء وحدة لتنسيق المشروعات. ب‌- مشروع النيل الشرقي ويهدف إلى تطوير نموذج رياضي تخطيطي للنيل الشرقي لتقييم تأثير المشروعات التنموية ذات الفائدة المتبادلة سلبا وايجابا، وإجراء دراسات المصادر المائية المتكاملة والمتعددة الأغراض لحوض نهر البارو – أكوبو، ومشروع ادارة الفيضان والإنذار المبكر، ومشروع تنمية الطاقة الكهرومائية والربط الكهربي، وتنمية مشروع الري والصرف وإدارة الأحواض العليا للهضبة الإثيوبية، وإقامة المكتب الإقليمي لمشروعات النيل الشرقي.

وهناك أيضا مشروعات الرؤية المشتركة والتي تشارك فيها جميع دول الحوض، حيث تم الاتفاق على المشروعات التالية، مع إقامة مكتب إقليمي للتنسيق في الدول الوارد اسمها بين الأقواس: الإدارة البيئية المحلية العابرة لحدود دول حوض النيل (السودان)، والتبادل الاقليمي للطاقة (تنزانيا)، والاستخدام الكفء لمياه الري (كينيا)، والمشاركة في عائد التنمية الاقتصادية والاجتماعية (أوغندا)، وإدارة وتخطيط المصادر المائية ، وبناء نظام لدعم اتخاذ القرار (إثيوبيا)، والتدريب التطبيقي (مصر)، والإعلام والتنسيق بين المشروعات (أوغندا).

وعلى الرغم من أن استفادة مصر تبدو محدودة من الكثير من هذه المشروعات ، فإن هناك مشروعات يمكن لمصر أن تستفيد منها بصورة مباشرة، علاوة على الاستفادة غير المباشرة لاسيما من حيث تعزيز روح التعاون والمشاركة وبناء الثقة بين شعوب الحوض، فضلا عن دفع جهود التنمية الاجتماعية والاقتصادية لدول الحوض، بما ينهي أسباب النزاع والخلاف على حصص المياه.

خاتمة

يعتبر مفهوم الأمن المائي مفهوما شاملا ومتعدد الأبعاد، بما يتيح بالتالي تناول مختلف أبعاد القضايا المعلقة بمياه النيل، باعتباره موضوعا داخليا يرتبط بتأمين الاحتياجات الفعلية والمستقبلية من المياه طبقا لمتطلبات النمو السكاني والاقتصادي، أو باعتباره موضوعا للعلاقات الدولية فيما بين دول حوض نهر النيل، بما يجعله يشتمل بالتالي – شأنه ككافة قضايا العلاقات الدولية – على امكانات للتعاون وللصراع في آن واحدا معا.

وتتوازن فرص التعاون والصراع في حالة حوض نهر النيل اذ يرتبط الصراع بوجود نزاعات حول حصص المياه فيما بين أغلب دول الحوض، بفعل الافتقاد إلى إطار قانوني شامل ينظم هذه المسألة فيما بين جميع الدول المعنية، علاوة على ذلك ازدياد الطلب على المياه من جانب أغلب هذه الدول بفعل متطلبات التنمية والنمو السكاني، مما يثير خلافات فيما بين الدول المعنية بشأن حصص المياه. وفي المقابل، فإن فرص التعاون ترتبط بأن هذه النوعية من النزاعات لا يمكن أن تحل إلا من خلال مناهج تعاونية تأخذ في الاعتبار تحقيق حاجات كافة الأطراف المعنية ، عبر تعظيم الاستفادة من موارد المياه المتاحة.

وعلى الرغم من رفض مصر لكافة المزاعم المطروحة بشأن اسقاط الاتفاقات القائمة واعادة النظر في حصص تقاسم المياه، وتصديها بكل قوة لأي تهديد من جانب دول أعالي النيل باتخاذ اجراءات أحادية الجانب من شأنها التأثير سلبا على حصص مصر من موارد النيل، فإن مصر تظل متمسكة بشدة بالمناهج التعاونية لحل النزاع على موارد المياه، من خلال رؤية تقوم على التوقف عن التنازع على كمية ضئيلة متاحة من مياه لانيل، والتركيز بدلا من ذلك على الانتفاع بالقدر الأكبر من مياه النيل التي تتعرض للهدر بأشكال مختلفة، وهو ما يمثل الفلسفة التي انطلقت منها مبادرة حوض نهر النيل، بما يعني أن استثمار هذه الكمية المهدرة من المياه سوف يزيد من حصة كل دولة من مياه نهر النيل، من دون المساس بحصص المياه الحالية.


الهوامش

الهوامش

الفصل الرابع: مبادرة دول حوض النيل .. مدخل لتعزيز التعاون الجماعي (أيمن السيد عبد الوهاب)

مقدمة

ينطلق هذا الفصل من تساؤل رئيسي يتعلق بموقع مبادرة دول حوض النيل من خبرة التعاون الجماعي لدول الحوض، ولذا تشكل الاجابة على هذا التساؤل نوعا من تشخيص الواع في نفس الوقت الذي تحمل فيه الاجابة في جوانبها آمال المستقبل، وتضع الميراث التاريخي أمام تحدي التنمية الذي تنشده كل دول الحوض.

فالحديث عن قرب التوصل إلى اتفاق قانوني ومؤسسي لمبادرة دول حوض النيل، يعني بالأساس تجاوز العديد من العقبات والقيود التي يأتي في مقدمتها الخلاف حول حصة مصر من مياه النيل، والاتفاق على مفهوم الأمن المائي، وتحديد الموقف من عملية الإخطار المسبق للمشروعات. ويعني أيضا توافر إرادة جماعية لإنجاز اتفاقية لتنظيم وتنمية مياه النيل بين دول الحوض لأول مرة. ويعني قبل ذلك كله تجاوز الميراث التاريخي والحساسيات السياسية وعدم تغليب النمط الأحادي للتنمية من جانب دول الحوض.

واتساقا مع هذه المتطلبات التي تبدو أنها تصطدم بغياب القرار السياسي والارتفاع بالإرادة الجماعية غلى الحد الذي يجعل من متطلبات التنمية المتوازنة بين دول الحوض وعدم الإضرار محددا أساسيا لمواجهة القيوم السياسية وحالة عدم الاستقرار السياسي التي تشهدها منطقة البحيرات والقرن الأفريقي.

تشير الخبرة التاريخية أن عملية التفاوض الدائرة بين دول الحوض تقودنا إلى نتيجة رئيسية مفادها أن حلم توقيع اتفاق قانوني ومؤسسي لتنظيم التعاون المائي بين دول الحوض ما يزال على المحك. ولكن في المقابل، تعكس جولات التفاوض وما أسفرت عنه من نتائج تطورا ايجابيا لا يمكن تجاوزه أو التقليل من آثاره. ومن ثم ربما يكون من الضروري قراءة المفاوضات والأجواء المحيطة بها من واقع التجارب السابقة، وما أسفرت عنه من دروس ودلالات نشير إليها فيما يلي:

الدلالة الأولى: تتعلق بخبرة التعاون الاقليمي وما تثيره من علامات استفهام حول عدم نجاح دول الحوض على مدار نحو أربعين عاما في ايجاد تجمع اقتصادي مثل التجمعات الفرعية الأخرى للأنهار في أفريقيا، بالاضافة إلى عدم وجود أي تجمع أو اطار للتعاون المؤسسي الجماعي.

لذا كان الحرص الجماعي المدفوع بمجموعة من العوامل الايجابية الاقليمية والدولية، مترجما بوضوح في "مبادرة حوض النيل" التي دشنها الاجتماع الأول لمجلس الوزراء بإريتريا في أغسطس عام 2000، كما شكلت المبادرة خطة أكثر تقاطس مما أسفرت عنه مشروعات التعاون الجماعي الثلاثة (مشروع الدراسات الهيدرومترولوجية ، وتجمع الأندوجو، والتيكونيل)، هذه الخطوة ربما لا تعكس العديد من الايجابيات والخطوات الملمسة والحقيقية التي شهدها مسار التعاون منذ الاعلان عن مبادرة حوض النيل.

الدلالة الثانية: تتعلق بالقدرة على تجاوز أزمة الثقة، وإعلاء مبدأ عدم الاضرار، والحد من تسييس ملف المياه، ولذا ظلت المبادرة رغم دراسات الجدوى والأفكار التي تطرح لتعزيز فرص التعاون الجماعي محاطة بالكثير من الظلال المقيدة لعجلة المفاوضات لاسيما باتجاه القضايا غير الفنية، والسياسية بالتحديد.

فالملاحظ أن التغير الايجابي الذي اكتنف عملية الربط بين قضايا العلاقات الاقتصادية والسياسية البينية من جانب، ومسألة المياه من جانب ثاني، قد اصطدم بمجموعة من القضايات الخلافية الممثلة في: التباين في ادراك مفهوم الأمن المائي، ورفض الأخطار المسبق عن المشروعات المقترحة، والخلاف على حصص المياه.

كما أن تنازل ملف المياه لم يعد مقصورا على محاولة التشويش أو الضغط على مصر فقط. وانما ارتبط أيضا بتطلعات ورؤى خاصة لدور متنامي من جانب بعض دول الحوض خاصة مع تزايد الشعور بامكانية الاعتماد على الخارج في الحصول على الدعم السياسي والمالي لتنفيذ مشروعاتها التنموية بغض النظر عن الحقوق التاريخية والمكتسبة لعبض دول الحوض. هذا التغير الذي تبرزه بعض ملامح الصورة الآن، وإن كان بشكل غير رسمي يبدو متغيرا خطيرا في معادلة التعاون الجماعي.

الدلالة الثالثة، ترتبط بقدرة التحول الايجابي الذي عكسته أجواء ومناخ جولات التفاوض ومشروعات التعاون على توفير قوة الدفع المستمرة من جانب، وتلافي سلبيات التجارب السابقة من جانب آخر ، خاصة أن الانطلاقة الحقيقية للمبادرة ومشروعاتها تظل مرهونة بنتائج الفترة الانتقالية أو بفترة عمل دراسات الجدوى (التي تم تمديها لتتجاوز عام 2007). الأمر الذي يضع المبادرة والارادة الجماعية لدول الحوض العشر، أمام مجموعة من المحاذير والحقائق التي فرضها وجود نهر النيل كرابط تنموي بين دوله عبر فترات تاريخية ممتدة وحتى الآن. فبالاضافة للقضايا التي لم تستطع المفاوضات حسمها حتى الآن، تظل هناك مجموعة من هذه الحقائق التي تمثل قيودا على فرص التعاون يتمثل أهمها فيما يلي:

- تباين درجات الأهمية الخاصة بعلاقة مياه النهر بالبعد التنموي في كل دولة من دول الحوض. - تزايد الاعتبارات المحددة لقيمة قطرة المياه بما يتجاوز الاعتبارات الاقتصادية إلى اعتبارات أخرى سياسية وأمنية واجتماعية. - بقاء مستوى التعاون الجماعي بين دول النهر عند مستوى الحد الأدنى المتمثل في التعاون الفني لفترات زمنية طويلة بسبب تسييس قضية المياه.

كما تنامى مطالب من نوعية نقل المياه من حوض إلى آخر أقل وفرة كما هو الحال في إثيوبيا، والمطالب المتزايدة بالانتقال إلى الزراعة المروية بدلا من الزراعة المطرية من قبل العديد من دول أعالي النهر، تثير بدورها الكثير من الضغوط والمطالب المستندة لحاجات تنموية داخلية لا تراعي بالضرورة احتياجات باقي الدول.

الدلالة الرابعة، تترجمها القدرة على تحييد عوامل عدم الاستقرار الداخلية في بعض دول الحوض، والصراعات والخلافات بين بعض أطراف دول الحوض أو بعض دوله مع دول مجارة ليست في الحوض، فالملاحظ أن هذه القيود ما تزال تفرض كلمتها على آلية التفاوض وسرعة دوران عجلتها.

كما يلاحظ أن الخطاب الايجابي عن قرب توقيع الاتفاقية من جانب العديد من دول الحوض، وتنامي الشعور بأهمية الاستفادة الكاملة والجمايعة من نهر النيل، فضلا عن الرغبة في الاستفادة من الدعم الدولي المقدم لمشروعات التنمية المشتركة، لم يترجم نفسه بدرجة كبيرة على مستوى العلاقات البينية، فلا زالت هذه العلاقات تفتقر للقدرة على تحييد التعاون المائي والتنموي بعيدا عن التفاعلات الصراعية والتنافسية التي حكمت مسار غالبية العلاقات البينية.

الدلالات السابقة، تعطي مؤشرا على أن الجهد الفني الذي بذل من قبل وزراء الري في دول الحوض ومن قبل الفنيين لم يعد كافيا، وأن المطلوب هو تحرك على مستوى رئاسي وفي إطار خبرة التعاون بين دول الحوض يظل هذا المطلب مسئولية مصرية خالصة.

واتساقا مع هذه الدلالات، سوف يركز هذا الفصل على شرح مبادرة حوض النيل، ودراستها من واقع خبرة التعاون الجماعي لدول الحوض، أخذا في الاعتبار حدود قدرة المبادرة على تحويل السلوك الجماعي الراهن لدول الحوض إلى استراتيجية دائمة تهدف إلى التكامل الاقليمي، في ظل استمرار عمليات تسييس ملف المياه، وبقاء مجموعة من القيود والحساسيات القديمة.


أولا: بيئة التفاعلات في منطقة حوض النيل

لم تكن مسألة التفكير في السعي نحو بلورة إطار مؤسسي وقانوني ينظم التعاون المائي بين دول الحوض إلا نتاجا لمجموعة من المستجدات والتطورات التي طرأت على مدركات قادة دول الحوض لآلية مياه النيل كمدخل للتعاون الجماعي، ونهر النيل كرابط تنموي.

وقد اتسق مع هذا التطور تفاعل العديد من العوامل الداخلية والاقليمية والدولية معا بالقدر الذي جعل من مياه النيل ومبادرة الحوض بمثابة اطار حاكم للعديد من الأفطار التعاونية، والتفاعلات البيئية.

وكان لهذا التطور أثره الواضح في مبادرة "دول حوض النيل" التي انطلق تحت شعار تحسين معدلات التنمية الاقتصادية ومحاربة الفقر وفي هذا الاطار، يمكن رصد جملة من التحولات والمستجدات التي احتضنت المبادرة وشكلت بيئة تفاعلاتها:

المستجد الأول، ارتبط بما شهده مجال العلاقات الدولية من اتساع فكرة التعاون وتجاوز منطقة النطاق الجغرافي التقليدي، الأمر الذي انعكس في تزايد الاعتبارات الجيواقتصادية (GEO-Economics) وبناء تجمعات اقليمية على أسسس المسطح المائي، ورغم عدم تشابه حالة تجمع دول حوض نهر النيل مع هذه التطورات في أبعاد كثيرة، إلا أن المياه كمورد حيوي للتنمية ومكافحة الفقر شكل الدافع الرئيسي لتفعيل أطر المبادرة.

المستجد الثاني: استند إلى ما طرحته الاتفاقية الاطارية الخاصة بقانون الاستخدامات غير الملاحية للمجاري المائية الدولية من جدل ونقاش وتباين في مواقف دول الحوض ، ورغم أن الاتفاقية غير ملزمة إلى أنها تمثل أو تقد نموذجا لما يجب أن تكون عليه العلاقات . وهنا تجدر الاشارة إلى أن الاتفاقية أقرت من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة في 21 مارس 1997، وأنها استهدفت وضع القواعد الأساسية التي يتم بمقتضاها تقاسم الوارد للأنهار بوجه عام، على أن يتلوها اتفاقية خاصة بكل نهر تتوافق والاتفاقية العامة.

ومن أبرز ما تضمنته الاتفاقية: النص على إلغاء الاتفاقيات القائمة مع اعطاء الفرص للدول الأطراف في اتفاقيات قائمة (وهو ما أدى للتحفظ المصري) أن تنظر – اذا ما رغبت وعلى أساس اختياري بحت – في امكانية تحقيق مواءمة هذه الاتفاقيات مع القواعد العامة الواردة في الاتفاقيات الجديدة. وبالرغم من أن الاتفاقية توفر ضمانات وتفضيلات مهمة لصالح دول المصب، والمجرى الأوسط في مواجهة دول المنابع لما وضعته من قواعد وأحكام خاصة بالأضرار الجسيم وإعمال مبدأ التقاسم العادل أو المنصف، إلا أنها شهدت تحفظات من جانب بعض الدول، فجاءت نتيجة التصويت بأغلبية 104 واعتراض ثلاث دول (الصين وتركيا وبوروندي) وامتناع 27 دولة من التصويت (من بينها مصر وفرنسا وإثيوبيا).

هذا التباين في المواقف، والمعبر أيضا عن تباين في المصالح والرؤى، امتد إلى مواقف دول حوض النيل بشأن الاتفاقية الجديدة، ففي حين وافقت السودان وكينيا، غابت كل من إريتريا وأوغندا والكونغو الديمقراطية عن التصويت، في الوقت الذي امتنعت عن التصويت كل من رواندا وتنزانيا ومصر وإثيوبيا (1).

المستجد الثالث: يرتبط بتنامي الاتجاهات الدولية الدافعة إلى تدويل قضايات المياه. وقد تعددت أشكال هذا الاتجاه من خلال دور المنظمات والمؤسسات الدولية، حيث حددت الأمم المتحدة يوم 22 مارس من كل عام يوما للمياه، كما كان للاعلان عن الأهداف الانمائية والدفع نحو عولمة المشكلات الانسانية الخاصة بمكافحة الفقر من جانب، والاهتمام بالتنمية البشرية من جانب آخر، متوازيا مع دعوة البنك الدولي إلى تسعير المياه خلال اجتماعات الهيئة الدولية للموارد المائية التي عقدت في لاهاي في مارس 2000، بعد اقرار الرؤية العالمية المستقبلية للميا، والتي تقوم على مجموعة من الركائز الأساسية أبرزها سياسة استعاضة التكاليف لمشروعات توفير المياه بدلا من بيعها، وإشراك القطاع الخاص بنظام الاستثمار العالمي المعروف باسم B.O.T (2).

التطورات السابقة تعكس توجها دولية للمحافظة على الموارد الطبيعية وتسعى لمواجهة التاثيرات السلبية لندرة المياه، ولكن المفارقة في حوض النيل أن المشكلة لا تتعلق بالندرة، ولكن تتعلق بسوء الاستخدام وإهدار المياه بحكم طبوغرافيته في الكثير من المستنقعات. إذن المشكلة تتعلق بما يمكن تسميته بأزمة "تخصيص الموارد" ومتطلبات تفعيل خطط استخدام وإدارة المياه، فحوض النيل لا يعاني من ندرة المياه بل هناك وفرة ولكنها مهدرة.

المستجد الرابع: يرتبط بواقع الاحتياجات المائية لدول الحوض والتي بدت عاملا حاكما لدفع عملية التعاون الجماعي عبر بلورة مشروعات مبادرة دول حوض نهر النيل، فمصر تعتبر من الدول ذات الموارد المائية المحدودة بالنسبة لبقية دول الحوض، وذلك من منظور عدد السكان (الذي يقدر بنحو 80 مليون نسمة) وحصتها التي لا تزيد عن 55.5 مليار متر مكعب من مياه النهر، إذ تشير جملة الاحتياجات المائية – وفقا لتقديرات عام 2000 – إلى 66.44 مليار متر مكعب (منها 52.13 مليار م3 للزراعة، و2.1 مليار م3 الفاقد بالبخر، و5.54 مليار م3 للشرب والاستخدامات الصحية، و7.42 مليار م3 للصناعة، و160 مليون م3 للملاحة النهرية) ، الأمر الذي أدى إلى تراجع نصيب الفرد المصري إلى حد الفقر المائي الذي يجب ألا يقل عن ألف م3 سنويات من المياه للفرد، إذ وصل بجميع استخداماته إلى نحو 2.5 م3 يوميا (اي 912.5 م3 سنويا ) (3).

أما السودان، فحالها أفضل من مصر مائيا، وإن كان يختلف جغرافيا، فالجنوب يتمتع بوفرة من الموارد المائية، في حين يعاني الشمال من محدودية الموارد المائية، وهو ما يمكن معه تفهم تزايد متطلبات مشروعات التنمية من المياه من حصتها الراهنة وهي 18.5 مليار متر مكعب. فالحديث عن زيادة المساحة المزروعة من 4.5 مليون فدان (في الوقت الراهن) غلى 9.5 مليون فدان تعني أن السودان في حاجة إلى 41.8 ملييار متر مكعب في السنة، أي بزيادة تقدر بأكثر من 23 مليار متر مكعب في السنة، وبالتالي تبدو القيادة السودانية في سباق مع الزمن للانتهاء من مشروعات مائية بعينها، يأتي في مقدمتها مشروع تعلية سد الرصيرص وزيادة قدرته التخزينية إلى 7.7 مليارات متر مكعب (بدلات من 3 مليارات) لزراعة نصف مليون فدان. بالاضافة إلى مشروع جديد عند مروي في النوبة بسعة 7 مليارات، وهذه المشروعات وفقا لتقديرات د. رشدي سعيد يمكن أن تضيف نحو 25 مليار متر مكعب ، وهي كمية تفوق حصة السودان البالغة 18.5 مليار متر مكعب، بنحو 6 مليار متر مكعب، ومن المعروف أن السودان تعتمد علىالزراعة المروية، وعلى وسائل الري السطحي (القليدية والمتطورة) بما يزيد عن 90% من الأراضي من جانب، وأن القطاع الزراعي يساهم بنحو 40% من جملة الناتج المحلي من جانب ثاني، وأن نحو 70% من السكان يعتمدون على هذا القطاع من جانب ثالث.

وبالنسبة لإثيوبيا، فتتركز مشكلتها في الحاجة لتخزين المياه ، حيث إن موسم الجفاف طويل وموسم الرخاء والزراعة لا يمتد أكثر من 4 أشهر، وبالتالي فالحاجة لتنمية الموارد المائية بالنسبة للقيادة الإثيوبية تبدو في كثير من الأحيان مصدرا لاستمرار النظام واستقراره. فقد كانت لموجة الجفاف التي تعرضت لها البلاد عام 1972 تداعياتها التي ساهمت في اسقاط نظام هيلا سيلاسي، كما ساهم كذلك جفاف عام 1984-1985 في الاسراع بنهاية نظام نجستو هايلي مريام عام 1991. وبالتالي بدت هناك الحاجة إلى مزيد من الاهتمام بمشروعات الري لتحقيق هدفين: أولهما، يتربط بالقدرة على توفير قسط كبير من الأمن الغذائي، وثانيهما، يتعلق بتوليد الكهرباء (من خلال مشروعات مائية على النيل الأزرق) (4).

وأخيرا تأتي دول الهضبة الاستوائية التي تعتمد معظمها على الزراعة المطرية التي تتراوح بين 7500-1700 مم في موسم المطر. كما أنها تعاني من حالة الجفاف التي سادت منطقة الساحل والقارة في معظمها خلال العقدين الأخيرين، ومن هذه الدول كينيا التي امتد الجفاف إلى بعض أجزائها المتاخمة لبحيرة فكتوريا، والتي تقع 6% من مساحتها بداخل حدودها. وقد سعت كينيا منذ عام 1979 إلى اقرار خطة تنمية تهدف إلى استصلاح 375 ألف فدان حول البحيرة، ونحو 480 ألف فدان في أحواض الأنهار الأخرى، وقد نجحت الحكومة الكينية بالفعل في استصلاح نحو 120 ألف فدان، ورغم عدم تحديد كمية المياه التي تحتاجها زراعة هذه الأراضي، إلا أن هناك حقيقة تتعلق بالنوايا الخاصة بتحويل نهر غزويا، الذي يصب في بحيرة فكتوريا، إلى وادي كوبا لتعمير المناطق شبه القاحلة، الأمر الذي سيؤثر على مدخل المياه إلى بحيرة فكتوريا. ويضاف إلى ما سبق، أن جملة المياه المستخدمة في كينيا تبلغ نحو 28 مليار متر مكعب من جملة المياه المتاحة لها، وهي 175 مليار متر مكعب، مما يطرح خطط طموح تتعلق بزيادة استخدامات المياه إلى 148 مليار متر مكعب (5).

كذلك الحال بالنسبة لتنزانيا، التي يقع نحو 50% من مساحة بحيرة فكتوريا في أراضيها والتي يصل منها نحو 43% منت جملة المياه التي تصل إلى البحيرة، فالحكومة التنزانية تطرح مشروع لزراعة هضبة فمبين Vempene بوسط تنزانيا، ويقوم هذا المشروع على تحويل جزء من مياه بحيرة فكتوريا إليها، وزراعة نحو 550 ألف فدان من القطن ، وهو مشروع قديم طرحه الألمان أثناء فترة إحتلالهم لهذه الأرض. كما تطرح الحكومة مشروعا آخر مع دول حوض الكاجيرا باستغلال حوض النهر الذي يكتسب نحو 25% من المياه لبحيرة فكتوريا. وقد شكلت هذه الدول تجمع لحوض كاجيرا وأقامت سد روسومو لتوليد الكهرباء، كذلك قامت بدراسة امكانيا الزراعة في الحوض. وقد انتهت إلى امكانية التركيز على ثلاث مناطق صغيرة تضم نحو 15.600 فدان للزراعة بالري في رواندا وبوروندي وتنزانيا، وقد توقفت هذه المشروعات نتيجة عدم توافر التمويل الكافي ، فضلا عن النزاعات التي تفجرت في هذه المنطقة (6).

الصورة السابقة تشير إلى أهمية التعاون بين دول الحوض، وأهمية توفير الاستقرار في منطقة الحوض حتى يمكن تجاوز العديد من العقبات التي حالت دون اقامة العديد من المشروعات وفي مقدتها قناة جونجلي، كما أنها تثير بدورها ضرورة تجاوز العديد من الحساسيات القديمة، ولاسيما تلك المرتبطة بمصر، فالحاجة المصرية لزيادة حصتها هي أكبر دليل أن مصلحتها تتوافق مع تعزيز فرص التعاون الجماعي وتحقيق الاستقرار ، كذلك تشير دراسات الجدوى ومشروعات التعاون إلى محورية مورد المياه كمطلب التنمية.

المستجد الخامس، خاص بوضع حصر كدولة مصب وما يلوح في الأفق من امكانية لاختلال المعادلة الحاكمة لتدفق مياه النهر إليها. فمتطلبات التنمية في دول أعالي النهر ومحاولة هذه الدول لتغيير أسلوب الري بالاعتماد على الري الدائم وليس الأمطار في الزراعة، بالاضافة إلى مشروعات الطاقة الكهربائية، تعني أن هناك تغييرا – الى حد ما – يكتنف عدم حاجة دول أعالي النيل إلى مياه النهر.

هذه النتيجة التي احتفظت لمصر بوضع متميز ضمن لها المحافظة على حصتها، وتدفق مياه النهر منذ آلاف السنين وحتى الآن (سواء لانخفاض كثافة سكان هذه الدول، أو لتمتعها بموارد مائية أخرى، أو لتدهور أوضاعها الاقتصادية، أو لوجود اتفاقيات دولية)، تبدو محل مراجعة كبيرة من جانب تلك الدول، وهو ما تظهره "مبادرة حوض النيل" – التي سوف نتناولها بالتفصيل لاحقا، وان كان من المتصور أن تزايد الاحساس بالحاجة للاعتماد المتبادل قد يمثل عام ضغط على الحكومات للحد من تداعيات وتاثير عملية تسييس قضية المياه في الأجل القصير، ويدفع في نفس الوقت آليات التعاون.

تقود هذه المستجدات إلى الإقرار بأهمية مبادرة حوض النيل، حيث ظلت كافة الأطر والتنظيمات والاتفاقيات التعاونية مدفعوة بتطورات لحظية أو بجهود فردية، خاصة من جانب مصر، بقدر أكبر من كونها وليدة توافر ارادة جماعية لانشاء هيئة عامة أو سلطة عامة لتنظيم وتنمية مياه النيل، حيث اتخذت محاولات اقامة علاقات تنظيمية ووظيفية بين دول حوض نهر النيل العديد من المنحنيات والمنعطفات، حيث لم تنجح أيا من التجمعات في الوصول بمستوى العلاقة إلى درجة التعاون الاقليمي الكامل.

واتسافا مع ما سبق؛ تجدر الاشارة إلى تطور نهج التعاون الجماعي عبر بيان خبرات التعاون السابقة كمدخل لفهم أهمية المبادرة الأخيرة، وقدرتها على تحويل السلوك الجماعي الراهن لدول الحوض إلى استراتيجية دائمة تهدف إلى التكامل الاقتصادية في ظل استمررا مجموعة القيود والحساسيات القديمة.

ثانيا: الخبرات التاريخية .. محددات التعاون الاقليمي

شهدت منطقة حوض النيل عددا من تجارب التعاون المشترك، والتي لم تنجح في الوصول بالعلاقات البينية إلى صيغة قانونية مؤسسية. وفي هذا السياق يمكن تناول تجارب التعاون الجماعي كمدخل للوقوف على التطور الذي شهده الادراك العام لآلية التعامل مع النهر كما توضحه مبادرة دول حوض النيل، وذلك فيما يلي (7):

1- مشروع الدراسات الهيدرومترولوجية في هضبة البحيرات:

وهو المشروع الذي تحول فيما بعد إلى مشروع التيكونيل اعتبارا من عام 1992 وحتى نهاية عقد التسعينيات. فكان عام 1967 هو البداية الحقيقية لما يمكن أن نطلق عليه العمل الجماعي، رغم أن الاجتماعات والمشاورات بدأت، وبالتحديد منذ اكتوبر 1961، من خلال اللجنة الدائمة الفنية المشتركة المصرية، السودانية مع ممثلي تنزانيا وأوغندا وكينيا، ولكنها ظلت محادثات غير رسمية. وقد ضم هذا المشروع كلا من مصر والسودان وتنزانيا وأوغندا وكينيا ورواندا وزائر وإثيوبيا (كمراقب).

وقد هدف مشروع الدراسات الهيدرومترولوجية لحوض البحيرات الاستوائية – وهي فكتوريا وكيوجا وألبرت – لاجارء مسح للارصاد الجوية النهرية لمناطق تجمع الأمطار في البحيرات ، وعمل موازنة لمياه أعالي النيل، كما أنه تضمن تنفيذ عدد من المهام الرئيسية، نذكر منها:اقامة محطات اضافية لجمع المعلومات،واقامة سبع منطاق قياسية لتجمع المياه، والتصوير الجوي والمسح الأرضي لشواطئ البحيرات، ووضع اقتراح أساليب تحليلية لعدد المحطات اللازمة لوضع موازنة مياه البحيرات ، وأخيرا تدريب موظفي الحكومات المشتركة في أعمال الأرصاد الجوية المائية المشتركة (8).

وتعد عملية مسح الأرصاد الجوية النهرية من الخطوات البارزة في ميدان التعاون الجماعي بين دول حوض النيل وهي خطوة شجعت كثيرا اطلاق العديد من الأفكار والمبادرات في هذا الاطار، ولكن هذا النمط من التعاون الجماعي ظل قاصرا على التحول لفلسفة وآليات عمل تحكم كافة تفاعلات التعاون الجماعي، فقد فشلت المحاولات المصرية والسودانية في تحفيز باقي دول الحوض على ايجاد لجنة فنية دائمة تضم جميع دول الحوض على شاكلة اللجنة المصرية السودانية المشتركة، التي أنشأتها اتفاقية عام 1959، وذلك على الرغم من الخطوات العملية في هذا الاطار والتي اسفرت عن تشكيل لجنة فرعية ضمت تنزانيا وكينيا وأوغندا والسودان. وقد ذهبت هذه اللجنة إلى إقرار مبدأ تكوين لجنة حوض النيل، ولكنها اصطدمت بعدم توافر الرغبة السياسية الجماعية، ومن ثم القرار السياسي لكل دوله، وهو ما ترجمه لقاء اللجنة الفرعية في عنتيبي بأوغندا في أغسطس 1978.

2- تجمع الاندوجو:

قام هذا التجمع الذي يعنى باللغة السواحيلية "الاخوة" نتيجة لتحول حقيقي في ملف المياه في الثمانينيات، ولتنامي فكرة البحث عن آلية أو اطار اقليمي يضم دول حوض النيل وقد جاءةت البداية في نوفمبر عام 1983 مع عقد المؤتمر الأول بالخرطوم بعضوية كل من مصر والسودان وزائير وأفريقيا الوسطى (رغم أن الأخيرة من غير دول الحوض). ورغم البداية المحدودة، إلا أنها أخذت في التطور والاتساع، فقد زاد عدد الدول الأعضاء إلى ستة أعضاء في المؤتمر الثاني الذي عقد في كينشاسا في سبتمبر 1984 بانضمام رواندا وبوروندي كأعضاء مراقبين، ثم تحولا بعد ذلك إلى عضوين دائمين ليتوالي بعد ذلك انضمام تنزانيا وكينيا وإثيوبيا إلى التجمع، وان ظلت الأخيرتين محتفظتين بصفة مراقب.

وكان قيام تجمع الاندوجو، وهو فكرة مصرية خالصة مستندة إلى مجموعة من الأهداف العامة التي تقوم على التشاور والتنسيق في القضايا الافريقية ودعم التعاون في مجالات التنمية وتبادل المعلومات والخبرات، ودون أن يتضمن ذلك نص صريح على تعاون مائي، وهو ما تجلى في المؤتمرات الخمسة (الأول والثاني اللذين تم ذكرهما، والمؤتمر الثالث بالقاهرة والرابع بكينشاسا عام 1987 والخامس في القاهرة في نوفمبر 1988)، وشملت هذه الأهداف ما يلي:

- دعم وزيادة وتنويع العلاقات الثنائية بين دول الاتفاقية في المجالات السياسية والاقتصادية. - دعم التكامل الاقتصادية بين الدول الأعضاء في الاتفاقية. - دعم التضامن بين الدول الأعضاء وتنسيق مواقفهم إزاء القضايات المشتركة.

وبعيدا عن الخوض في الكثير من التفاصيل التي أحاطت بتجربة الاندوجو – والتي تتجاوزها هذه الدراسة – فقد كان للصبغة السياسية التي فرضت نفسها على التجربة أثرها الواضح في جمود وفشل هذا التجمع في تحقيق أهدافه (9). فقد حاصرته العديد من المشاكل التي أدت إلى فشله في النهاية ، وهي:

- حرص عدد من دول الحوض مثل إثيوبيا والسودان على تجنب مناقشة القضايا ذات الحساسية من أجندة الاجتماعات، لاسيما تلك المتعلقة بالتعاون المائي واعتبار الاندودو محفلا غير رسمي. - التنافس الدائم بين إثيوبيا والسودان على استضافة لجنة المتابعة الدائمة للاحتفاظ بالمقر. - غموض الاطار القانوني لهذه الاتفاقية. - عدم القدرة على توفير التمويل الكافي لتنفيذ المشروعات التي تم طرحها (10).

ورغم عدم نجاح هذا التجمع في تحقيق أهدافه وايجاد تجمع اقليمي يستند إلى مبدأ المصالح المشتركة، إلا أنه أظهر مرة أخرى ضرورة وجود إطار منظم قانوني للتعاون يشمل كافة دول الحوض، وهو ما عزز فرص التحوار وتواصله بين دول الحوض رغم الخلافات، خاصة بين مصر وإثيوبيا.

فقد ظل الموقف الإثيوبي الداعي لإعادة التفاوض مع مصر والسودان بخصوص الخلاف حول حصص المياه حائلا دون تحقيق تقدم حقيقي في هذا الاتجاه. فإثيوبيا ظلت على موقفه الداعي لعدم الدخول في اتفاقيات مع باقي دول الحوض بشأن المياه طالما ظل المستفيد الاساسي هو مصر وتليها السودان وبالتالي كان فشل هذا التجمع تأكيدا آخر على استمرار تقديم الاعتبارات السياسية على الاعتبارات التنموية والاقتصادية.

3- مشروع التيكونيل:

انطلق هذا المشروع المعروف باسم "التجمع النفي لدول حوض النيل للتنمية والحفاظ على البيئة لنهر النيل" في ديسمبر 1992 كخطوة أكثر عمقا وأكثر استجابة لمشروع الدراسات الهيدرومترولوجية للنهر – السابق الاشارة إليه – فقد وقع على وثيقة التيكونيل ست دول هي: مصر والسودان وأوغندا وتنزانيا والكونغو الديمقراطية ورواندا، بينما ظلت أربع دول كأعضاء مراقبين هي: إثيوبيا، وإريتريا وكينيا وبوروندي.

وقد تضمنت الوثيقة النص على انشاء مجلس وزاري من وزراء الأشغال والموارد المائية لدول حوض النيل، يجتمع سنويا لاعتماد الميزانية وخطة العمل، كذلك تم الاتفاق على تجديد الاتفاقية كل ثلاث سنوات . ومن المعروف أن المجلس الوزاري لتيكونيل، قد اعتمد خطة لوضع اطار للأنشطة شملت 22 مشروعات بلغت تكلفتها 100 مليون دولار، ومن الملاحظ أن المشروع لم يستطع تحقيق أبرز أهدافه الخاصة باعداد اطار اقليمي وقانوني لنهر النيل يقوم بادارة شئون النهر على غرار ما يتم بالنسبة للأنهار الأخرى طبقا لأسس وقواعد القانون الدولي (11).

ولكن يحسب لمشروع التيكونيل قدرته على استمرار التواصل والتعاون الفني وتبادل الخبرات بالقدر الذي أسهم وشكل محطة رئيسية في التعاون الجماعي، ومعد الطريق أمام مبادرة حوض النيل للانطلاق، وبعبارة أخرى، إن المشروع ساهم في تحقيق جملة من الأهداف الرئيسية والفرعية التي قام على أساسها. وهنا تجدر الإشارة إلى مستويين من الأهداف التي تم الاعلان عنهما عند الاعلان عن المشروع.

فعلى الآجل القصيرة طرح المشروع الأهداف التالية:

1- مساعدة الدول المشاركة في وضع خطة لاستخدام المياه. 2- مساعدة هذه الدول على تنمية بنيتها الأساسية وتطوير قدرتها على ادارة مواردها الاقتصادية.

أما البعيد المدى فقد طرح المشروع الأهداف التالية:

1- مساعدة دول الاتفاقية على اتنمية والحفاظ على المياه . 2- مساعدة الدول في تحديد حصتها العادلة في الاستفادة من مياه النيل. 3- ضمان التعاون الفني لدفع التنمية وحماية البيئة في هذه الدول.

ومع انتهاء العمل ووجود تجمع التيكونيل في 21/12/1998، دخلت دول حوض النيل في جولات من المباحثات والنقاشات بهدف إنشاء آلية تعاون على المستوى الفني والمعلوماتي والتدريبي. مع اعطاء دور للدول المانحة والبنك الدولي في ترتيب وتنظيم مجالات ونتائج هذا التعاون المائي بين دول الحوض العشر أو على مستوى الأحواض الفرعية (12).

وإلى جانب هذه المحاولات الجماعية، كانت هناك بعض ملامح وأطر تعاون ثنائي بين دول الحوض. تمثل أبرزها في الاتفاقات الثنائية بين مصر كطرف أساسي، والسودان ودول بحيرة فكتوريا، هذا إلى جانب جملة من التفاعلات على المستوى الفني.

أ- الاتفاقات الثنائية:

باستثناء الاتفاقية المصرية السودانية الموقعة عام 1959 لا توجد أي اتفاقيات أخرى تجمع دول حوض نهر النيل العشر أو تنظم استخدام المياه فيما بين دول النهر وأيا كان الوقاع الذي أوجدته اتفاقية 1959 إلا أنه لم تستطع أن تتجاوز تلك الحساسيات والشكوك التي ثارت من جانب دول الحوض ككل بما فيها السودان. وفي هذا الاطار يمكن رصد عدد من المعطيات والمستجدات التي رسختها الاتفاقية، ومنها:

1- أن الاتفاقية، وإن كانت لم تنشئ وضها قانونيا جديدا لمصر فيما يتعلق بمياه النيل، إلا أنها وضعت اطارا قانونية أكثر شمولا تنظيم علاقات البلدين بالنسبة لمسألة المياه، بالاضافة لتأكيدها حقوق مصر التاريخية في مياه النيل (13). وتجدر الاشارة هنا إلى اتفاقية 1929 التي وقعت بين مصر وبريطانيا (ممثلة لكل من السودان وتنجانيقا وأوغندا) لتنظيم عملية اقتسام مياه النيل بين مصر والسودان وتحديد حصة كل منهما ، وذلك في اطار السعي نحو استغلال مياه الفيضان في ري مشروع الجزيرة لزراعة القطن.

وانطلاقا من هذا الهدف، فقد مثلت اتفاقية 1939 أول تعاقد دولي يحدد كمية المياه المسموح سحبها من مياه النيل (وإن شكلت هذه الاتفاقية امتدادا قانونيا لمجموعة الاتفاقيات والمعاهدات والبروتوكولات السابقة عليها)، ولعل أهم ما أسفرت عنه الاتفاقية يتمثل في ثلاث نقاط رئيسية هي:

- تثبيت مبدأ الحقوق المكتسبة لمصر في كل ايراد النهر وتحديد حصتها من هذه المياه ب48 مليار م3 وتحدي حصة السودان ب4 مليارات م3. - تحديد أوقات سحب مياه النيل من جانب السودان. - اشتراط موافقة الحكومة المصرية المسبقة على مشروعات تقام على النيل أو فروعه من قبل السودان أو أي بلد واقعة تحت الادارة البريطانية، يكون من شأنها انقاص مقادر المياه الذي يصل إلى مصر أو يلحق ضررا بمصالح مصر.

الاتفاقية بهذا المعنى تكون قد وضعت الأساس الخاص بحق الانتفاع بالمياه وتوزيعها بشكل ودي أساسه القانون الدولي، كما أنها تتوافق مع جملة الاتفاقات السابقة لها، والتي تناولت الوضع الاقليمي والجغرافي للدول المتعاقدة مثل بروتوكول عام 1891 الذي حدد مناطق نفوذ بريطانيا وايطاليا في شرق أفريقيا، وما تضمنه من التزام ايطاليا بعدم اقامة مشروعات على نهر عطبرة يكون من شأنها أن تؤثر على كمية المياه التي تصب في نهر النيل، والمعاهدات التي وقعت عام 1902 بين بريطانيا وإثيوبيا، وبين بريطانيا وإيطاليا وإثيوبيا بشأن تعيين الحدود بين السودان المصري والمستعمرات البريطانية وإثيوبيا وإريتيريا، والتي تتضمن تعهد الإمبراطور مينيليك ملك إثيوبيا بعدم إقامة أي مشروع من شأنه أن يعطل تدفق مياه النيل الأزرق أو بحيرة تانا أو نهر السوباط إلى نهر النيل، إلا بالاتفاق مع حكومة بريطانيا وحكومة السودان المصري – البريطاني.

وكذلك الاتفاق بين بريطانيا وحكومة الكونغو (الكونغو الديمقراطية حالية) الموقع في مايو 1906، والمعدل لاتفاق مايو 1894، والذي بمقتضاه تتعهد الكونغو بعدم اقامة منشآت قرب أو على نهر سمليكي أو نهر ايسانجو، ويكون من شأنها تخفيض كمية المياه التي تصب في بحيرة ألبرت، إلا بالاتفاق مع حكومة السودان المصري – البريطاني ، وكذل المذكرات المتبادلة ما بين بريطانيا وإيطاليا عام 1925 التي تقر بالحقوق المكتسبة لمصر والسودان في مياه النيل الأزرق والنيل الأبيض.

2- أيا كانت التحفظات السودانية على اتفاقية 1959، فإن ذلك لا يلغي أنها تعد نموذجا لحل مشاكل معقدة تركها الاستعمار البريطاني بعد اتفاقية 1929 التي عقدت بين البلدين بواسطة بريطانيا كممثل للبلدين (14). والجدير بالذكر هنا أن اتفاقية عام 1959، وإن كانت قد حدت من حالة الغبن والشغور بالظلم التي شعر بها السودانيون إثر توقيع اتفاقية 1929 إلا أنها لم تنهها على الرغم من التأكيد على الإطار التعاوني الرافض للاستغلال ، وذلك بتعديد الفوائد التي حصلت عليها السودان من اتفاقية عام 1959، على اعتبار أن السودان هو المستفيد الأكبر من مياه السد العالي. فقد حصلت على 14.5 مليار لم تكن تحصل عليها قبل ذلك، بالاضافة إلى التعويض المالي الذي بلغ 15 مليون جنيه في الخمسينيات (الجنيه المصري كان يساوي 3 دولارات في ذلك الوقت، أي أن جملة ما حصل عليه السودان 45 مليون دولار)(15).

3- اعترفت الاتفاقية بحقوق البلاد الواقعة على النيل في الحصول على نصيب من مياهه، وان اشترطت موافقة البلدين (مصر والسوادن) وأن يخصم مناصفة بينهما، وهو ما تضمنته المادة (2) من باب الأحكام العامة (16). وان كان من الملاحظ أن السياسة المصرية التي تضع اتفاقية 1959 في مقدمة أولوياتها، قد انتهجت عددا من الاجراءات والخطوات المدعمة لموقفها التفاوضي لمواجهة الشكاوى والمشاكل المثارة من قبل دول الحوض في هذا الشأن ومنها السودان . ويتجلى ذلك بوضوح في جولة المفاوضات التي درات عام 1961 بين مصر والسودان من جانب وبعض دول الحوض (تنزانيا، كينيا، أوغندا) من جانب آخر، حيث أكدت على عدد من الركائز أهمها: الاعتراف بحق دول الحوض في حصص من مياه النيل شريطة ألا يؤثر ذلك على حصتها من المياه، وأن تتعلق بما يزيد على احتياجات مصر والسودان، وبالتالي انتهت جولة المفاوضات برفض مصر مطالب هذه الدول بخمسة ملايين متر مكعب سنويا، استنادا لعدم توافر معلومات كافية عن احتياجاتها الفعلية.

ولذا، فقد حرصت مصر دائما على امتلاك زمام المبادرة للتعاون مع دول الحوض كلما توافرت الفرصة (رغم محدوديتها) وهو ما يتجلى في التالي:

- هناك اتفاقية بين مصر وأوغندا منذ عام 1953 لتنظيم التصريفات التي تأتي من بحيرة فكتوريا. وقد تم بمقتضاها مشاركة مصر في بناء خزان أوين لانتاج الكهرباء، وهناك أيضا اتفاقية حديثة تمت سنة 1991 لتنظيم التصريفات المارة من بحيرة فكتوريا بما يفيد أوغندا في الكهرباء، كما وافقت مصر على طلب أوغندا المقدم إلى البنك الدولي بشأن تمويل تعلية سد أوين. - توقيع اتفاقية إطارية عام 1993 بين مصر وإثيوبيا تتضمن بعض المبادئ العامة المتعلقة بالتعاون المائي بين البلدي، الأمر الذي ساعد على تخفيف حدة التوتر للتشاور المصري الإثيوبي، وأدى إلى تكوين لجنة مشتركة بين البلدين تهدف لتوفير آلية ثنائية للتشاور حول المياه والخطط المشتركة لزيادة حجم التدفق، وتقليل الفاقد من المياه، وتنمية موارد النهر، ويتم التعاون الثنائي في ضوء الالتزام بميثاق الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الأفريقية، وإعلان لاجوس عام 1980، ومبادئ القانون الدولي، ورغم أن هذه اللجنة لم تصل بعد إلى نتائج ملموسة، إلا أنها ساهمت إلى حد ما في تخفيف حدة التوتر ، وإرساء قواعد للحوار، وعدم الإضرار بمصالح البلد الآخر. - توقيع بروتوكول تعاون فني بين مصر ورواندا، يقضي بالتعاون بين البلدين في المجالات التي أقرتها مبادرات دول حوض النيل من أجل تنفيذ المشروعات المشتركة لمصلحة هذه الدول ورفع مستوى حياة شعوبها. ولقد نصت أحكام هذا البرتوكول على احترام الدولتين لهذا المبادرات النيلية، وأن تسهم مصر في مساعدة رواندا لادارة المياه النيلية الجوفية (17). - هناك تعاون بين مصر وزائير في مجال توليد الطاقة الكهربائية. - اتفاق بين السودان وإثيوبيا عام 1993 لتنظيم التعاون في استعمال مياه النيل ، وهو الاتفاق الذي اعتبره البعض موجها إلى مصر، ولاتفاقية عام 1959 الموقعة مع السودان.

ب- التفاعلات الفنية البينية:

شهدت منطقة حوض النيل بعض ملامح التعاون الفني الثاني، تركزت معظمها في تقديم الدعم الفني من جانب مصر إلى بعض دول الحوض، وذلك لما تملكه من مقومات تؤهلها لمثل هذا الدور. فعلى سبيل المثال قامت بتلبية طلبة أوغندا بالحصول على دعم فني من أجل مكافحة الحشائش في بحيرتي (كيوجا-فكتوريا)، وبالفعل قدمت مصر منحة لا ترد لأوغندا بلغت نحو 14 مليون دولار من أجل إزالة الحشائش ونباتات ورد النيل، والمنحة عبارة عن 4 قوارب لنشات عملاقة متعددة الأغراض.

وتجدر الإشارة، أن الاهتمام بمنطقة البحيرات الاستوائية، لاسيما من جانب مصر، يرجعغ لكونها مصدرا دائما للنهر، حيث تقوم بإمداد مصر ب15% من حصة المياه المصرية، ووجود هذه الحشائش يؤثر على امدادات المياه القادمة إلى مصر (18).

كما قامت كل من كينيا ومصر بالتعاون في حفر مائة بئر للمياه في كينيا باستثمارت بلغت 4.5 مليون دولار . هذا ولم يقتصر شكل التعاون بين دول الحوض على ملف المياه فقط ، بل امتد إلى العلاقات التجارية والاقتصادية، وهو ما بدا جليا في توقيع بروتوكولات التعاون التجارية بين مصر وكينيا والخاصة بتيسير حركة التجارة وتلافي العوائق والمشكلات التي تواجه تدفق التجارة بين البلدين، هذا إلى جانب قيام مصر بعرض امكانية تزويد كينيا بتكنولوجيا مصرية في مجال الطاقة المتجددة باستخدام الرياح في انتاج الكهرباء.

اعتمدت الحكومة المصرية مبلغ مليون دولار لأجل انشاء ما بين 30 إلى 40 بئرا لمكافحة العطش بمنطقة دارفور بولاياته الثلاث: الفاشر وجنينة ونيالا (19).

على الجانب الآخر، بدا هناك تحرك جماعي غير حكومي بين دول الحوض، الأمر الذي يمثل نقلة حقيقية في التعاون بين شعوب ومجتمعات دول الحوض. وترجع أهمية هذا التحول إلى ثلاثة اسباب: أولها ، يتعلق بتطور النظرة الخاصة لعملية الادارة المائية ومتطلبات إشراك القطاع الخاص والقطاع الأهلي إلى جانب الحكومة فيها. أما ثاني هذه الاسباب ، فيرتبط بطبيعة وتأثير الرأي العام الداخلي في دول الحوض تجاه قضايا التعاون الجماعية، لاسيما قضايا التعاون المائي. وأما ثالث الأسباب فيستند إلى الحاجة لتفعيل أطر غير حكومية تعبر عن المصالح المشتركة والشراكة بين مجتمعات حوض النيل، وقد برز من هذ التنظيمات الأهلية ما يلي:

- انشاء اتحاد اقليمي لنقابات عمال دول حوض النيل يهدف إلى تفعيل العلاقات العمالية المشتركة، ويحمل الاتحاد في أجندته العديد من القضايا العامة المرتبطة بطبيعته المهنية وأطر التعاون ، لاسيما تلك المرتبطة بحماية وتحسين أوضاع العاملين، والمحافظة على الأمن المائي في المنطقة، وتوجيه الاستفادة من الموارد البشرية والطبيعية في مشروعات التنمية (20). - انشاء المنتدى الدولي لحوض النيل، والذي يعد شبكة قوية من منظمات المجتمع المدني تمثل عشر دول أفريقية (دول حوض نهر النيل)، وتسعى إلى إحداث تأثير ايجابي من خلال تنفيذ العديد من المشروعات والبرامج، وكذلك تهتم بمتابعة أنشطة وبرامج مبادرة حوض النيل (NBI) ، ويتبنى المنتدى مجموعة من الأهداف تتمثل في:

• السعي نحو تحقيق تنمية مستدامة حقيقية لدول الحوض. • العمل على تعزيز آليات التعاون المشترك بين هذه الدول، مع التركيز على قضايا الحد من الفقر والتنمية الاقتصادية بين دول النهر. • المساهمة في الأنشطة الخاصة بالمبادرة. • دراسة التأثير الايجابي أو السلبي على المواطنين العاديين في دول حوض النيل، وذلك كنتيجة للمشروعات التي تنفذ من خلال المبادرة. • دعم مشاركة المجتمع المدني في حوض النيل من خلال انشاء منتديات وطنية داخل كل دولة من الدول العشر تضم في عضويتها النشطاء والمهتمين من المجتمع المدني على مستوى كل دولة.

هذا إلى جانب إنشاء مجالس الأعمال المصرية مع بعض دول حوض نهر النيل، والتي تعبر عن تفعيل الأنشطة الاقتصادية بين مصر ودول الحوض ، مثل مجلس الأعمال المصري- الكيني ومجلس الأعمال المصري-التنزاني.

الاهتمام الأكديمي بالدراسات الأفريقية ، للبحث في كيفية تدعيم التعاون بين مصر ودول القارة الأفريقية، بما فيها دول الحوض، وهو ما يتجلى في معهد البحوث والدراسات الأفريقية، وجمعية الملتقى الأفريقي، والبرنامج المصري للدراسات الأفريقية، والجمعية الأفريقية للتكنولوجيا والبحث العلمي (21).

الخبرة السابقة لتجربة التعاون الجماعي تشير إلى محورية الواقع الجديد الذي تجسده مبادرة دول حوض النيل، في مقابل تأثير الحساسيات والدروس القديمة ، وتراكم التجارب وعدم نجاحها. هذه النتيجة يترجمها بوضوح استمرار اقتصار التعاون الجماعي على بعض المشروعات الفنية الوقتية، دون تأسيس هيكل تكاملي اقليمي، وتعكسها الكثير من تفاعلات دول الحوض سواء الجماعية أو المتعددة والثنائية.

وتبقى "مبادرة حوض النيل" بما تطرحه من آمال مرتهنة بالقدرة على تجاوز التفاعلات السلبية المترجمة لفترات سابقة، والاستناد للخبرة التاريخية كسبيل نحو بلورة قاعدة مشتركة للتعاون في المستقبل، هذا إلى جانب الأخذ في الاعتبار تزايد الاحتياجات التنموية الداخلية، ومحفزات المانحين الدوليين لدعم مشروعات التكامل التنموية، وهو ما يقودنا للوقوف على حدود الإدراك العام بأهمية تأسيس إطار قانوني تنموي تكاملي فيما بين دول الحوض لتعظيم الاستفادة من نهر الني لكما تهدف المبادرة.


ثالثا: مبادرة حوض النيل (NBI)

تنم المبادرة التي انضط إليها كافة دول الحوض، باستثناء إريتريا التي اكتفت بالانضمام كعضو مراقب، عن تطور حقيقي في رؤية دول الحوض لسبل الانتفاع المشترك بموارد حوض النيل،خاصة فيما يتعلق بالتعاون المشترك بين مصر وإثيوبيا. وفي هذا السياق، تم الاتفاق على هيكل مؤسسي يتكون من مجلس وزراء الموارد المائية في دول الحوض، واللجنة الاستشارية الفنية ، والسكرتارية العامة، كما تم الاتفاق على اختيار مدينة عنتيبي الأوغندية مقرا للسكرتارية الدائمة، واختيار السيد معراجي موسويا سكرتيرا تنفيذيا، وهو تنزاني الاصل، كذلك تم الاتفاق على أ، تكون الرئاسة بشكل دوري، واللافت للنظر أن هيكل المبادرة تضمن قناة "للحوار الدولي" على أن يقوم بها الاتحاد الدولي للتعاون في حوض النيل بالاشتراك مع البنك الدولي وصندوق التنمية التابع للأمم المتحدة.

وتعد هذه المحصلة امتدادا لاجتماعات جنيف التي عقدت تحت مسمى "التجمع العالمي للتعاون على ضفاف النيل"وهي الاجتماعات التي بدأت عام 1997 وبدعم من البنك الدولي وبرنامج التنمية التابع للأمم المتحدة (UNDP) ووكالة التنمية الكندية بهدف اقامة هيكل مؤسسي وقانوني للتعاون الجماعي بين دول حوض النيل.

وتسعى مبادرة دول حوض النيل إلى تحقيق الأهداف التالية:

- العمل على بلورة إطار تعاون جماعي مقبول من جانب دول الحوض. - رفع مستوى ودرجة التعاون على مستوى الحوض في الادارة المتكاملة للمصادر المائية. - السعي نحو انشاء قالب قانوني، عبر تحديد أنصبة كل دولة من دول الحوض لاستخدام مياه النيل، بما يتوافق والقواعد القانونية الدولية. - تحسين أساليب استخدام مياه النيل لتحقيق الفائدة الاقتصادية والاجتماعية لكافة شعوب الحوض.

كذلك تم الاتفاق على عدد من المبادئ العامة الحاكمة للعلاقات المائية بين دول الحوض ، تتمثل أهمها في: أن المياه حق لكل دول الحوض ، ولا يجوز اقامة أي مشروع على الإضرار بمصالح الدول الأخرى، إلى جانب عدم اقتصار حق الاستفادة من أي مشروع على دولة واحدة فقط.

وقد أسفرت تلك الجهود الجماعية المدعومة من قبل المؤسسات الدولية المانحة عن آلية جديدة للتعاون ، وذلك باقرار برنامجين متكملين، هما:

1- برنامج الرؤية المشتركة (SVP) (22):

يهدف البرنامج إلى خلف بيئة ملائمة للادارة التعاونية والتنمية في حوض النيل من خلال مشروعات محددة وفاعلة. وقد تمت الموافقة على المشروعات المكونة لهذا البرنامج في اجتماع المجلس الوزاري لحوض النيل في الخرطوم، بالسودان في مارس 2001، بعد أن نجحت كافة دول الحوض في التوافق على رؤية مشتركة تعبر عن احتياجاتها ومصالحها من خلال لجنة الاستشارة الفنية والهيئة التنفيذية المتمثلة في سكرتارية حوض النيل ومجلس الوزراء للشئون المائية. وقد قدرت التكلفة الكلية لدراسات جدوى هذه المشروعات بنحو 122 مليون دولار.

ويتضمن البرنامج سبعة مشروعات تتعلق بالمستوى الجماعي للتعاون تغطي القطاعات الرئسية المرتبطة بقضية المياه، وهذه المشروعات هي:

أ- تجارة الطاقة في حوض النيل.

ب- الاستخدام الأمثل للمياه للانتاج الزراعي.

ج- ادارة وتخطيط موارد المياه.

د- بناء الثقة وثقل المواهب والمهارات.

هـ- التدريب التطبيقي.

و- التنمية الاقتصادية والاجتماعية والانتفاع المشترك.

ز- العمل البيئي العابر للحدود.

وقد استندت هذه المشروعات على تقييم شامل للأوضاع الاقتصادية التنموية لدول الحوض بالمجالات السابقة، وقد اعتبرت المبادرة أن البدء في تنمية التعاون في مجال الطاقة واصلاح سوق الكهرباء يعد مدخلال بناء الثقة والتعاون بين دول حوض النيل لذا، جاءت مفردات المشروع على النحو التالي:

- التعاون في مجال الطاقة وإصلاح سوق الكهرباء:

تشكل الفوائد المتوقعة من مشروع التكامل الكهربائي لدول الحوض أحد الدعائم الكبرى لفعيل الحوار بين الحكومات. فالحاجة الجماعية إلى تنمية قطاع الكهرباء، وتحسين وتطوير العمليات التجارية والمالية له في معظم دول الحوض لا تعكسها الحاجة لدعم تجارة الطاقة فقط، ولكن تحسين مستوى الانتاج أيضا.

وقد وضعت دول الحوض هذه الاحتياجات والمتطلبات تحت مسمى برنامج الاصلاح، واعتبارها مقومات ضرورية لتحقيق هدف دفع ودعم تجارة الطاقة الاقليمية، وان أكدت على أن تغيير آليات صنع القرار في قطاع الطاقة، وهيكلة هذا القطاع لكل دولة يحتاج إلى تطوير هياكل العمل وفلسفتها (انظر الجدول التالي).

جدول رقم (1)

أنماط إصلاح قطاع الطاقة في دول الحوض

الدولة عملية الاصلاح التنظيم المقترح منتجو الطاقة المستقلين الاجراءات خصائص السوق بوروندي عرضت مسودة قانون قطاع الطاقة ومياه الشرب على البرلمان في إبريل 200 وأعلنت الحكومة عن نيتها فتح قطاع الطاقة أمام القطاع الخاص. لم يتم وضعه بعد. سيتم السماح لهم بالعمل بعد تمرير المشروع في البرملان لم توضع بعد مازالت الطاقة تباع بواسطة شركات محلية. الكونغو الديمقراطية ليس هناك حتى الآن إصلاح مؤسسي فإنتاج وبيع الطاقة ما زال في يد شركة سنيل الحكومية مصر هناك تقدم منذ عام 1984 حيث وضعت عدة قوانين منظمة لهذا القطاع تحت الاهتمام. يعملون منذ عام 1996. يعمل قطاع النفط كشركة حكومية متكاملة. لكن الطقاع الخاص مازال في تقدم. إرتيريا توجد بعض تفاصيل السياسة التي ستتبع فقط تتم مناقشة خصخصة الطاقة بها. إثيوبيا هناك تقدم منذ عام 1997، كما وضعت تفاصيل الترتيبات تحت الإعداد. نعم تعمل مذن أكتوبر عام 1998 نعم. نعم بواسطة الإشهار. سمح للقطاع الخاص والمستثمرين بالعمل في قطاع الطاقة بدون حد معين. كينيا لم تكتمل عملية الاصلاح، وتتمثل في نقل أملاك القطاع العام وكل حقوق الانتاج والتوزيع إلى شركة الكهرباء الكينية. تم وضع ترتيبات تنظيمية منذ أكتوبر 1997 وبدأت تنفيذها في عام 1998 تم التوقيع على قرار خاص بعمل المنتجين المستقلين في عام 1996 والذي بدء تنفيذه في عام 1997. ليس هناك اجراءات بعد بالرغم من أن الحكومة أعلنت أن العقود المتعلقة بمقدمات الطاقة يوافق علهيا المنظم. تم اعادة هيكلة معظم شركات الطاقة في كينيا وبدأ تنفيذ قرار السماح بعمل المنتجين المستقلين في عام 1997 رواندا يتطلب اعداد المعلومات، دعم عملية اختيار مشروعات القطاع الخاص، وتتوافر لدى البرلمان كافة التفاصيل بشأن هذه العملية. السودان بدأ الاصلاح منذ عام 1998، وتم اعداد قانون الكهرباء للموافقة عليه من جانب الحكومة. لا، حتى تتم الموافقة على قانون الكهرباء. نعم منذ عام 1996. لا. مازال قطاع الطاقة يعمل كهيئة حكومية، ومع ذلك بدأت يزداد عدد المنتجين المستقلين في قطاع النفط حتى قبل الموافقة على القانون. تنزانيا قررت الحكومة إعادة هيكلة قطاع الطاقة للسماح بمشاركة القطاع الخاص. مازالت عملية التنظيم والتشريع موضع الاعداد. نعم. يتوقع البدء في تنفيذي هذه الاجراءات ما زال التحرك من أجل زيادة المنافسة بين الأسواق في قطاع الطاقة في بدايته. أوغندا تم وضع قانون كهرباء جديد في نوفمبر عام 1999. نعم. نعم. نعم. تعتبر شركات القطاع العام مسئولة عن انتاج الكهرباء وعلى المدى القصير ستوجد منافسة محدودة لهذه الشركات.

SOURCE: COUNIL OF MINISTERS OF WATER AFFAIRS OF THE BASIE STATES, SHARED VISION PRPGRAM, MARCH 2001.

بجانب ذلك، تم انشاء ثلاث مؤسسات اقليمية لتجارة الطاقة، أهمها "الجمعية الدولية للكهرباء" في البحيرات العظمى التي ستسهم في دعم تجارة الطاقة في منطقة البحيرات، بالاضافة إلى المنظمات الاقتصادية الاقليمية في شرق أفريقيا، التي ستدخل في تعاون في مجال الطاقة والكهرباء.

وهكذا، بدت هناك ضرورة لاعادة هيكلة قطاع الطاقة في دول حوض نهر النيل، واعتباره محورا أساسيا في عملية التنمية المستدامة، وجذب الاستثمارات . ولكن تبقى مسألة تمويل عملية الهيكلة ورفع الكفاءة الادارية له في مقدمة الصعوبات التي تثيرها عملية الهيكلة وفقا لجداول زمنية محددة فعلى سبيل المثال: اكتمل تمويل حقل سيدي كرير في مصر، أما حقوق سونجو بتنزانيا وبوجيجا لي في أوغندا فهي تواجه صعوبات تمويل المراحل الأخيرة لذلك بدت هناك ضوررة لتنسيق الاجراءات التنظيمية بين دول الحوض لتنظيم عملية التحويل والتنفيذ، بما يساعد على دعم التجارة الاقليمية للطاقة.

- مشروع تنمية الطاقة:

يعد هذا المشروع من المشروعات الداعمة لبناء الثقة بين دول الحوض من ناحية، والدافعة لاستكمال دراسات مشروعات تنمية النهر من ناحية أخرى. ويقوم المشروع على دراسة وتحليل موارد الطاقة في منطقة الحوض مع انشاء منتدى للطاقة يكون هدفه تعميق ثقافة التعاون وبلورة بيئة ملائمة لزيادة تجارة الطاقة في حوض النيل . وفي هذا السياق يمكن رصد مجموعة من الأهداف الفرعية، نذكرها في التالي:

- بناء قدرات بشرية ومؤسسية وقاعدة معلومات خاصة بهذا القطاع. - تسهيل عمل بنية تحتية معلوماتية لتجارة الطاقة. - المساعدة في تطوير أسواق الطاقة. - توضيح وعرض المشروعات التي سيتم تنفيذها في هذا القطاع.

ويستند المنتدى على مجموعة من الآليات التنفيذية يأتي في مقدمتها دعم مهارات التنسيق والتخطيط لهذا القطاع، وتنسيق الأنشطة التحليلية مع عنصر ادارة موارد المياه لفهم سلوك نظام النهر، هذا إلى جانب دراسة آثار ونتائج مشروعات الطاقة. ودعم صنع القرار القائم على معلومات صحيحة. وفي هذا السياق، يمكن رصد مجموعة من الخطوات العملية، منها:

- اعداد هيكل عمل لمعلومات وتقارير عن الطاقة في دول الحوض. - زيادة الوعي من خلال اعداد نشرة أخبار دورية. - الدعوة إلى عقد الاجتماعات الفنية والدارية بشكل دوري لعرض وتحليل الموضوعات ذات المصلحة المشتركة. - تطوير الهياكل المؤسسية لدعم التجارة.

{{{{شكل رقم 1{}}}}}

ولتنفيذ مشروعات برنامج الرؤية المشتركة، تم انشاء مجموعات عمل بواسطة اللجنة الاستشارية للمباردة، تقوم على اعداد ومناقشة المشروعات المقترحة، واعداد ميثاق مجموعات العمل، وذلك كبداية للتنفيذ، فيما يمكن اعتباره بناء هيكل مؤسسي فرعي يقوم على اعداد دراسات جدوى للمشروعات الفرعية ووفقا لمتطلبات وأهداف برنامج الرؤية المشتركة (انظر الشكر رقم -2).

{{{{شكل رقم 2}}}}}}

وعلى ضوء ما سبق، يمكن رصد عدد من الملاحظات الرئسية، فإلى جانب تعدد وتكامل مشروعات الرؤية المشتركة ، فإنها تعد نتاجا لجهد جماعي ورؤية قائمة على مراعات التوازن المصلحي لكافة الدول. ومن ناحية ثانية، تبدو المشروعات في حال تنفيذها قاعدة انطلاق كبرى نحو تعزيز سبل التعاون الاقليمي، وتدعيمها للحوار بين دول حوض النيل، والتوافق على استراتيجيات التنمية المشتركة، ومن ناحية ثالثة، تعبر المشروعات عن مرحلة أكثر جدية من أي مرحلة سابقة تم فيها مناقشة الامكانات والفرص المتحملة للتعاون بين دول الحوض.

2- برنامج العمل العابر للحدود (SAP) (22):

يختص هذا البرنامج بالمشروعات المتعلقة بالأحواض الفرعية في الهضبة الحبشية (النيل الشرقي) وتشترك فيها مصر والسودان وإثيوبيا، ومنطقة البحيرات (النيل الجنوبي)، تضم كلا من بوروندي والكونغو الديمقراطية وكينيا ورواندا وتنزانيا وأوغندا.

ويقوم البرنامج على دعوة أطلقتها مجموعة من دول الحوض بهدف اعداد برامج تسير بالتوازي مع برنامج الرؤية المشتركة وتكون هادفة لتنفيذ مشروعات استثارية تدر منفعة مشتركة وتكون مدعمة في نفس الوقت لبرنامج الرؤية المشتركة.

واستنادا لهذه الرؤية والأهداف ، تم اعداد برنامجين للعمل العابر للحدود يتعلق كل منهما بحوض. واعتمادا على التشاور على أعلى المستويات الفنية والسياسية ، سعت دول الحوض إلى وضع نموذج استراتيجي للادارة التعاونية يتوافق واحتياجات كل حوض، وقد اقترحت عدة مشروعات للبدء في تنفيذها، وهي:

أ- برنامج العمل الاستراتيجي لحوض النيل الشرقي (Ensap): يشمل هذا البرنامج مصر، وإثيوبيا، والسودان. والهدف الرئيسي له هو ضمان الاستخدام الأمثل لموارد المياه ودعم العمل التعاوني بما يوفر معه القدرة على مواجهة قضايا الفقر، ويزيد من فرص التكامل الاقتصادي.

ولتحقيق هذا الهدف ، كان الاعلان عن البدء في مشروع التنمية الاقليمية المتكاملة المتعددة الأغراض من خلال أول دفعة للاستثمار، بحيث يتمضن مشروع التنمية المتكاملة لحوض النيل الشرقي (IDEN) العمليات والآليات التي تسهل عملية التكامل الاقليمي واختيار البدائل والتفضيل بين المشروعات الفرعية. ويتكون هذا المشروع من سبعة مشروعات فرعية، هي:

(1) مشروع نموذج تخطيط النيل الشرقي. (2) مشروع تنمية مصادر المياه المتعددة الأغراض (بارو-اكوبو). (3) مشروع الانذار المبكر من الفيضانات. (4) مشروع تطوير وسائل الاتصالات بين السودان-إثيوبيا. (5) برنامج استثمار وتجارة الطاقة للحوض الشرقي. (6) مشروع الري والصرف. (7) مشروع ادارة مصادر المياه.

اللافت للنظر أن قائمة المشروعات السابقة تشير إلى مستويين من المشروعات، الأول، يتعلق ببعض المشروعات الفرعية المقترحة التي سوف تسهم في البرنامج الاقليمي المتكامل بما يعني دخلها مرحلة متقدمة من الاعداد. الأمر الذي يضمن لها دفاعات قوية ونتائج تزيد من فاعلية البرنامج. أما المستوى الثاني، فيرتبط بالمشروعات الأخرى التي سوف تتطلب اعداد مكثف لضمان توفير مكاسب كبيرة ومن اللافت للنظر أن هذه القائمة من المشروعات لا تمثل حجرا على المستقبل، بل تم التأكيد على امكانية اضافة أنشطة أخرى أثناء فترة اعداد المشروعات. وفي هذا الاطار، تم انشاء المكتب الاقليمي الفني للحوض الشرقي ليكون مقره إثيوبيا لتسهيل عملية التنمية التعاونية، ولمساعدة المجلس الوزاري والفريق الفني في الاعداد والتنسيق بالنسبة لمشروع التنمية المتكاملة لحوض النيل الشرقي.

ب – برنامج العمل العابر للحدود في منطقة البحيرات الاستوائية (NELSAP):

ضم هذا الاقليم دولا ست في الجزء الجنوبي من حوض النيل (بوروندي، الكونغو، كينيا، رواندا، تنزانيا، وأوغندا). وتعتمد اقتصايدات هذه الدول على الزراعة والصيد، وتتصف بتخلف الصناعة بنية تحتية فقيرة. ولذا، فقد سعى البرنامج لطرح قضايا جوهرية مثل الاسهام في محاربة الفقر، وتحسين النمو الاقتصادي . من هنا فقد تم الاستقرار على تنفيذ واعداد المشروع من خلال لجان تتكون من الدول الست، إلى جانب اقتراحا بتكوين وحدة تنسيق لتسهيل اعداد المشروع، على أن يتم اعداده في فترة لا تقل عن عام ولا تزيد عن ثلاث سنوات، وأن تتوقف الفترة الزمنية على مدى حجم وسعة المشروع . ويتوقع أن يكون هذا البرنامج طويل المدى، وسيكون له تأثيرات متعددة على التكامل الاقتصادي للمنطقة في حال تنفيذه.

وانطلق هذا البرنامج من كون الزراعة نشاطا اقتصاديا رئيسيا في دول البحيرات العظمى، حيث تسهم ب40% من مجمل الناتج المحلي وما بين 70-80% من العمالة وتعتمد أغلبية المراعي في هذه المنطقة على المطر لري الأراضي من خلال استخدام أدوات زراعة بسيطة، ويعتبر انتاج هذا القطاع بسيط جدا.

وبسبب ظروف تزايد الضغط السكاني، والجفاف ، والمجاعات ، وعدم الأمن الغذائي، والفقر، بدا هناك وعي متزايد للشعوب في الحاجة إلى تقينات لتخزين المياه وادارة المياه والري من أجل تقليل فاقد الزراعة ومحاربة الجفاف. وأكدت منظمة الفاو على أنه بدون الاستثمار في تقنيات استخدام المياه ستتقلص المقدرة على تحسين الانتاج الغذائي.

اعتمادا على ذلك، تم اقتراح خمسة مشروعات فرعية في كينيا، ورواندا وتنزانيا، وأوغندا التي طورت مشروع مقترح شامل لتطوير نظام العمل استخدام المياه ونظم الري في الدول التس، وقد وضع على مائدة اجتماع مجموعة العمل للجنة الاستشارية الفنية في اجتماع عنتيبي في 21-25 أغسطس 2000. وتتطلب التنمية أن يصبح المزارعون مسئولين عن تحسين الانتاجية الزراعية بجانب مشاركة الحكومة في التخطيط والاستثمار. وفي الظروف الحالية فإن فرص تحقيق ذلك معدومة. لذا ، تأكديت الحاجة إلى خلق بيئة مشجعة للمزراعين من أجل رفع وتحسين الانتاجية الزراعية.

والجدير بالذكر ، أن مشروعات هذا البرنامج تستند إلى اتجاهات التغير السكاني لدول البحيرات، والتي يبلغ عددهم حاليا 135 مليونا بزيادة سنوية متوقعة تصل إلى 3% سنويات، وبالتالي فإن زيادة الانتجاية الزراعية وحدها سوف تقابلها زيادة سكانية وزيادة الحاجة إلى تطوير وتنمية موارد المياه المخصصة للزراعة.

ويهدف المشروع بالاساس إلى تحسين الانتاجية الزراعية والحيوانية من خلال تطوير وتحسين استخدام المياه عبر مشروع تنسيق مشترك. ويرتكز المشروع على ركنين أساسيين:

الركن الأول، يقوم على خلق بيئة سياسية، واقتصادية، وفنية، وقانونية في كل دولة لتحسين انتاجية الزراعة عبر تمكين المزارعين وتدعيمهم، إذ ثمة صعوبة في مواجهة الفجوة الغذائية من دون تضمين القطاع الخاص ومشاركته مع المزارعين والمستثمرين في عملية تطوير وتحسين استخدام المياه، والأمر الذي يمكن أن يتحقق عبر الأنشطة التالية:

- توضيح العوائق الفنية والسياسية والاقتصادية الحائلة دون زيادة مشاركة القطاع الخاص في تنمية الناتج الزراعي. - تقديم المساعدة الفنية للمستخدمين بهدف تحسين ودعم اسهام القطاع الخاص. - تقديم برامج تدريب لجمعيات مستخدمي المياه مع الاحتفاظ بتوفير نظم الري صغيرة التكلفة. - عرض مشروعات الري الحالية التي لم تنفذ والبحث عن بدائل لها.

أما الركن الثاني، فيعتمد على تحقيق التنمية في الاستثمارات في مشروعات صيانة موارد المياه، ونظم الري الصغيرة بالتوازي مع التوسع الزراعي ، وهو ما يتطلب القيام بالأنشطة التالية:

- انشاء صندوق للتنمية الزراعية للمشاركة في الاستثمارت المتعلقة بتحسين الناتج الزراعي بين القطاع الخاص والحكومة وتتضمن مشاركة الصندوق في تكاليف التصميم، والتدريب، والانشاء. - تحسين الخدمات المقدمة للتوسع الزراعي. - بناء القدرات للمنفذين. - توفير أداة إنشاء مخازن صغيرة. - اجراءات تحسين ورعاية الحيوانات.

كما يهدف هذا المشروع إلى تحسين إنتاج المحاصيل ، وستكون ادارة موارد المياه أكثر فعالية في وقاية المياه واستخدامها الأمثل في الزراعة، وتوفير تكنولوجيا لادارة موارد المياه، والتي تساعد في عدم اعتماد الزراعة كليا على مياه المطر، بجانب ذلك، تظهر الفوائد الاقتصادية للمشروع في تقليل التصحر، وتحسين وقاية التربة. بالاضافة إلى ذلك ، هناك فوائد غير مباشرة في التجارة والعمالة ووفرة عظيمة في المواد الخام الصناعية.

فالطموحات والأهداف كثيرة، بحيث تتضمن توحيد الاستمثار فيما يتعلق بالتنمية الزراعية، وتطوير أساليب الصيد، وإدارة مصادر المياه، والسيطرة على فيضان المياه، وتنمية طاقة المنطقة، وتطوير وسائل الاتصالات. وقد تم الاستقرار على البدء بمشروعين، الأول، خاص بتطوير المصادر الطبيعية، والثاني يتعلق بالربط الكهربائي بين دوله.

بالنسبة للمشروع الأول، فنجد أنه يشتمل على التالي:

- تطوير الانتاج الزراعي من خلال نظام ري جديد وادارة رعي متطورة. - تطوير الصيد لبحيرات ألبرت وإدوارد. - تطوير هيكل للادارة التعاونية لموارد مياه النهر. - ادارة موارد المياه في حوض نهر كاجيرا. - تطوير هيكل للادارة التعاونية لموارد المياه في أحواض ملاكيس مالابا سيو.

أما المشروع الثاني الخاص بتنمية الطاقة المائية، فقد اشتمل على التالي:

- تنمية الطاقة الكهربائية. - اجراء دراسات جدوى لمشروعات الطاقة في النهر. - دعم الاتصال بين كينيا وأوغندا. - دعم الاتصال بين بوروندي والكونغو الديمقراطية ورواندا. - دعم الاتصال بين رواندا وأوغندا.

وتتمثل مراحل برامج العمل العابر للحدود في تشكيل مجموعات للعمل، وذلك للقيام بعمليات التحليل الأولي، والتي تساعد على تقديم المعلومات الخاصة بتمويل المشروعات للجنة الاستشارية للبرنامج، وذلك حتى يتسنى القيام بدراسات الجدوى. (انظر الشكل رقم-3).

{{{شكل – 3)}}}}

والجدير بالذكر، أن برنامج العمل الاستراتيكي يعد محور مشروعات المبادرة . اذ يوضح التكامل والتنسيق بين المشروعات الكبرى المختلفة، وهو ما يوضحه الشكل رقم – 4.

قالب:شكل – 4}}

المشروعات السابقة سواء تلك الخاصة بالمستوى الجماعي للتعاون، أو تلك الخاصة بالمشروعات المتعلقة بالأحواض الفرعية، نلحظ أنها فرضت واقعا جديدا على مستوى التفاعل بين دول الحوض العشر مفاده تعزيز التعاون والتنسيق على المستويات الفنية والسياسية ، وأنها أوجدت إطارا مؤسسيا يحكم التفاعلات البينية تجاه قضية المياه.

3- الحوار بين دول الحوض (24):

يعد تعزيز آليات الحوار وترشيد لغة الخطاب الرسمي المتبادلة بين دول الحوض – إلى حد كبير – من أبرز سمات مبادرة دول حوض نهر النيل. فقد اعتمدت المبادرة على بناء آلية حوار اقليمي كمدخل لتجاوز وتجنب تصعيد الخلافات قد تنشأ مستقبلا. وهنا تجدر الاشارة إلى اللجنة الاستشارية الفنية كآلية مؤسسية انتقالية لتنسيق الأنشطة المشتركة، وما فرضته نتائج مؤتمرات النيل 2002 كآلية لتبادل الآراء ودعم الثقة المتبادلة.

{{{شكل رقم – 5}}}}

وهنا تفرض آلية الحوار ضرورة مشاركة كل من المجلس الوزاري والبنك الدولي والمشاركين في رعاية مجموعة الاستشارات والاتحاد الدولي للتعاون في حوض النيل ، والذي يهدف إلى التنسيق وجلب الدعم من أجل ادارة وتنمية موارد المياه وداخل هذا الاتحاد ستحاول دول النيل تمويل المشروعات من خلال وكالات الدعم الخاصة الدولية.

يتضح من العرض السابق أن تقسيم مستوى التعاون الاقليمي وامتداده إلى نواحي عديدة يتجاوز التعاون الفني المائي إلى مجالات اقتصادية واستثمارية. فالمشروعات العامة التي تطرحها المبادرة تحت مسمى برنامج الرؤية المشتركة هي مشروعات ذات سمة تهدف إلى توفير الأطر الداعمة لبناء الثقة والتعاون وتهيئة المجال للاستثمار. أما برنامج العمل العابر للحدود الذي يترجمه المستوى الثاني من المشروعات فيمثل قوة الدفع لدول حوض النيل من أجل الدخول في أنشطة حقيقية لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية على المدى الطويل.

4- التمويل:

نظرا لأهمية مسألة التمويل لتنفيذ مشروعات الجدوى وعدم قدرة دول الحوض على تحمل تكاليفها، فقد حرص المجلس الوزاري لدول حوض النيل على إدخال العديد من الجهات الدولية المانحة من خلال ما يعرف بالاتحاد الدولي للتعاون في حوض النيل، والذي بدأ اجتماعاته في 26-27 يونيو 2001 في جنيف.

وقد أنيط بالاتحاد مهمة الربط بين دول حوض النيل والتجمعات الدولية فيما يتعلق بتوفير وتنسيق التمويل الذي تقدمه هيئات التمويل لدعم مشروعات ادارة وتنمية موارد المياه في النيل والمشروعات الأخرى المرتبطة بها. كذلك سيعمل الاتحاد كمنتدى للحوار الذي سيضم دول حوض النيل والمانحين والمجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية والقطاع الخاص.

وقد قدرت الاحتياجات المالية الفورية بنحو 211 مليون دولار سيتم توزيعها في ثلاث اتجاهات، هي:

- تنفيذ مشروع برنامج الرؤية المشتركة، ويتكلف 122 مليونا. - اعداد مشروع العمل العابر للحدود، ويتكلف 79 مليونا. - ادارة برنامج مبادرة حوض النيل، ويتكلف 10 ملايين.

وفي سبيل توفير هذه الاحتياجات المالية تم الاستقرار على آليات التمويل التي تهدف إلى تعظيم قدرة الدول على تنفيذ المشروعات من ناحية، ومقابلة طلبات المانحين بالمحاسبة والشفافية من ناحية ثانية، وايجاد ادارة فعالة للتمويل من ناحية ثالثة.

وديعة حوض النيل (NBTH)

تم انشاء هذه الادارة الفعالة من خلال مبادرة دول حوض النيل، بحيث يتم تجميع وتوجيه التمويل إلى نحو 12 قناة، سبعة منها تتجه إلى مشوعات برنامج الرؤية المشتركة ، واثنين لبرنامج العمل العابر للحدود، وواحدة لاعداد برنامج العمل لحوض النيل الشرقي، والأخرى لبرنامج عمل منطقة البحيرات الاستوائية، وقناة لأنشطة مبادرة حوض النيل مثل اقتراح المبادرة الجديدة.

هذه القنوات ستسمح للمانحين بمعرفة حدود مساهمة المنح في دعم الأنشطة، والجدير بالذكر هنا، أن لجنة الوديعة تضم المجلس الوزاري والمساهمين في الوديعة، وتكون ادارتها بالتعاون بين المجلس وممثلي البنك الدولي، وستكون مسئولة عن ادارة استخدام المال، ومتابعة المشروعات التي تستخدم هذا التمويل.

وإلى جانب لجنة الوديعة، فقد ترك الباب مفتوحا أمام أشكال أخرى للتمويل، يمكن الاتفاق عليها في التسقبل، لكن في هذه الحالة لن يكون المانحون أعضاء في لجنة الوديعة حيث يمكن أن يكونوا أعضاء في المجموعة الاستشارية للاتحاد الدولي للتعاون.

أما عن نصيب دول الحوض في تحمل التكاليف، فسوف تتحدد عبر الميزانية السنوية المشتركة، ويتوقع أن تسهم هذه الدول بأنصبة في المشروعات، إلى جانب الاسهام بأموال اضافية لسكرتارية حوض النيل، وتهدف هذه الآلية إلى تحقيق ما يلي:

- تعظيم قدرة الدول على تنفيذ المشروعات. - تفعيل أطر المحاسبة والشفافية. - ايجاد ادارة فاعلة للتمويل.

وبسبب الطبيعة الانتقالية لمؤسسات التعاون في النيل، فقد اقترح المجلس الوزاري توسيع آية التشاور مع المانحين كآلية لتوفير التمويل بشكل دائم، ولتوفير المرونة التي تسمح للأموال بالانتقال تبعا لأوجه احتياجاتها وأولويات الصرف. كما سمحت هذه الىلية بتوفير بعض القنوات الاضافية للمانحين الذين لم يشاركوا في وديعة حوض النيل، والذين لن يكونوا أعضاء في لجنة الوديعة، لكن يمكن أن يكونوا أعضاء في المجموعة الاستشارية للاتحاد الدولي للتعاون.

الاحتياجات المالية لمبادرة حوض النيل (بالمليون دولار)

البرنامج العناصر التكاليف برنامج الرؤية المشتركة 1- العمل البيئي العابر للحدود 39 2- تجارة الطاقة الاقليمية 12 3- الاستخدام الأقل للمياه للأغراض الزراعية 5 4- ادارة وتخطيط مصادر المياه 28 5- بناء الثقة 7 6- التدريب التطبيقي 20 7- التنمية الاقتصادية والاجتماعية والانتفاع المشترك 11 المجموع 122 برامج العمل العابرة للحدود بالنسبة لمنطقة البحيرات الاستوائية 30 بالنسة لحوض النيل الشرقي 49 المجموع 79 ادارة برنامج مبادرة حوض النيل الدعم والتسهيلات لتنمية وتطوير مبادرة حوض النيل 10 مشروع الادارة والتنسيق والجودة التابع لبرنامج الرؤية المشتركة التمويل الإجمالي 211

ملاحظة: تقدير الاحتياجات المالية السابقة ارتبط بالتقديرات التي حددتها المبادرة، وقد تم اضافة بعض المنح على التقديرات السابقة لاحقا.

الخاتمة

يشير خبر التعاون الجماعي ومحاولة بلورة موقف تجاه قضايا المياه والتنمية في منطقة حوض نهر النيل إلى مجموعة من النتائج الرئيسية أبرزها أن إثارة أزمات المياه بين الحين والآخر ترجع إلى تعثر وعدم اكتمال محاولات التعاون الجماعي الاقليمي لدول حوض نهر النيل.

ومن ثم، فإن تغير أولويات الأجندة الوطنية والاقليمية قد لا يكون كافيا بالرهان فقط على مبادرة دول حوض النيل والنظر إليها كاستراتيجية جماعية للتعاون الاقليمي تمتلك من القدرة ما يمكنها من تجاوز الإرث التاريخي والقضايا الخلافية الممتدة.

فالميراث التاريخي والحساسيات السياسية وتحديات الواقع التنموي لكافة دول الحوض تظل مرهونة بتوافر القرار السياسي ووجود الارادة الجماعية لدول حوض النيل للحد الذي يمكنها من تجاوز الماضي بكل سلبياته والتطلع لرؤية مفادها امكانية تعظيم الفائدة من وحدة المياه وامكانية توفير نحو 47 مليار م3 من المياه المستقطبة من فواقد مياه المنابع الاستوائية والحبشية التي تزيد على 93% من المصادر المائية في هذه المنابع. فضلا عن امكانية اقتسام بعض هذه الكميات المستقطبة، والاستفادة منها من جانب غالبية دول الحوض وفي مقدمتها مصر والسودان، وأن العمل على وضع عدد من السياسات المائية المدعمة بالرامج الفنية والاقتصادية، وزيادة كفاءة استخدامات الموارد المائية، والحفاظ على نوعية المياه من التلوث، تزيد من امكانيات تجاوز الخلافات حول حصة المياه، وتقود النقاش للتفاوض حول معايير توزيع المياه المستقطبة (سواء ارتبطت بمساحة الأراضي المنزرعة ، أو بعدد السكان أو بكفاءة استخدام المياه، أو بحدود توافر مصادر أخرى للمياه).

هذه النتيجة أو المحصلة تلقى بالكثير من المسئوليات الجماعية على أهمية استثمار الجهود التفاوضية وما تحقق حتى الآن من نتائج في تطوير آلية التعاون الجماعي وتوفير شبكة كثيفة من المصالح والنشاطات والاهتمامات المشتركة التي تحد من تأثيرات القضايا الخلافية ومجالات النزاع. وتضع كافة دول الحوض أمام محك كبير يتعلق بامكانية الوصول إلى اتفاقية نهائية ومؤسسة اقليمية تستنتد إلى التوازن المصلحي كسبيل للتعاون والتنسيق بين دول الحوض.

ومع الاقرار بأن مبادرة حوض النيل تمثل فرصة جديدة للتعرف على امكانية ايجاد تنظيم جديد متعدد الوظائف ويحقق التنمية الشاملة لكافة دول الحوض، فإنها تمثل فرصة ايضا لاختبار تجربة التعاون الاقليمي أو الثنائي فيما بين دول الحوض، وما أسفرت عنه التجارب السابقة ما نتائج تتمثل في خطأ وارتفاع تكلفة تغليب مظاهر الاستقلال الوطني على حساب التعاون في مشروعات تكاملية، وكذلك فرصة للوقوف على الأوزان النسبية للعديد من العوامل التي مثلت قيودا على التعاون الجماعي، وفي مقدمتها نقص الخبرات ونقص الموارد المالية ومحدودية خطط التنمية لدى غالبية دول الحوض.

واذا ما أضفنا نجاح المبادرة في ترشيد الخطاب الرسمي بين دول الحوض والتأكيد على مقومات التعاون بقدر أكبر من التركيز على السلبيات، فإن المبادرة تكون قد ساهمت في الحد من اللغة التنافسية على المياه، ولكن يظل شبح موجات الجفاف اللأفريقية التي راح ضحيتها الآلاف من البشر بسبب نقص المياه والغذاء، وتغير الظروف المناخية وانعكاساتها البيئية من أبرز التحديثات القادمة.

من هنا: يبقى التحدي الأساسي الراهن المرتبط بقدرة بعض دول الحوض على مسايرة الاتجاه الداعي لبلورة أنماط التفاعلات المختلفة نحو جملة من الأهداف العملية، ويأتي في مقدمة هذه الأهداف تغليب النمط التعاوني في العلاقات بين دول حوض النيل واعتباره مدخلا ضروريا لتفعيل آلية مبادرة حوض النيل وتحقيق أهدافها. فضلا عن أنه يوفر نمط عليا نحو التنمية الشاملة على المستوى الجماعي بالقدر الذي يتجاوز معه العديد من المثالب التي أحاطت بمشروعات التعاون الجماعي السابقة.

وفي مقدمة هذه المثالب تغليب الاعتبارات السياسية والنظرة الأحادية كما تطرحه تجربة الاندوجو، والاكتفاء بالتعاون عند حده الأدنى كما تترجمه تجربتا مشروع الدراسات الهيدرومترولوجية وتجمع التيكونيل باكتفائهما بالتعاون الفني لفترات زمنية طويلة بسبب تسييس قضية المياه، ويعطي المزيد من دفعات التعاون المتحققة على مستوى الخبراء والفنيين وذلك باعطائهم سلطة كافية فيما يتعلق بمسالة صناعة القرار وتنفيذ السياسات. ومن ثم تميل الكفة لصالح قضايا ومجالات التعاون.

وهكذا تبدو المبادرة مدخل وفرصة لتجاوز فترات زمنية طويلة من التوتر وعدم الاستقرار ومحاولة التوصل لاطار مؤسسي وقانوني ينظم علاقة التعاون الجماعي ويراعي التوازن المصلحي كسبيل للتعاون والتنسيق.

الفصل الخامس: دور المؤسسات والقوى الدولية في توسية قضايا المياه: حالة حوض النيل (د. محمد سلمان طايع)

مقدمة

إن الحديث عن أهمية المياه بالنسبة للأمم والعشوب أمر لا يحتاج إلى تدليل أو توكيد، إذ ترتبط حياة الشعوب والدول بالمياه وجودا وعدما، وتطورا وحضارة، وثروة وعلاقات (صراع/تعاون) فيما بينهما. وتعد المياه أحد أهم الموارد الطبيعية المتجددة على كوكب الأرض، وأهم ما يميزه كمركب كيميائي هو ثباته، فالكميات الموجودة منه على ظهر الأرض هي نفسها منذ مئات السنين . ويقدر الحجم الكلي للمياه بنحو 1360 مليون كم3(1)، حيث يوجد 97% من هذا الحجم في البحار والمحيطات، ولا تشكل المياه العذبة إلا 3% من مياه الأرض، والتي تقدر بنحو 37 مليون كم3، منها 75% محبوسة في الأنهار الجليدية وجبال الجليد وليست متاحة للاستعمال البشري (2)، كما أن هناك 8 ملايين كم3 من المياه العذبة مخزنة في جوف الأرض، بالاضافة إلى وجود 200 ألف كم3 مياه عذبة في شكل بحيرات وأنهار (3). وتمتاز هذه الكمية من المياه العذبة بالثبات، وذلك بفعل دورة المياه العذبة في الطبيعة، حيث تأتي معظم المياه العذبة المتجددة من الأمطار السنوية على الأرض، والمقدرة بنحو 111 ألف كم3، يتبخر منها 70 ألف كم3، ويسير 40 ألف كم3 في شكل أنهار وبحيرات ومياه جوفية. بيد أن قسما كبيرا من هذه المياه الجارية يفقد في المصبات، ويتعرض ما بين تسعة آلاف وأربعة عشر ألف كم3 للهدر سنويات (4). وعلى الرغم من ذلك ، فإن الكمية المتبقية من المياه العذبة، تعتبر كافية لسكان المجمتع الدولي الحاليين فيما لووزعت بعدالة على مختلف الأقاليم، كما أنه يمكنها الوفاء بالطلب العالمي المتزايد على المياه مستقبلا. بيد أن توزيع المياه العذبة غير متوازن بين هذه الاقاليم من جهة، وبين دول الاقليم الواحد من جهة أخرى (5).

وقد تزايد الاهتمام العالمي بمتغير المياه منذ سبعينيات القرن العشرين، حيث أصبح متغير المياه واحدا من المتغيرات المهمة والمؤثرة في مجمل التفاعلات، سواء السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية ، وعلى مختلف المستويات، سواء المحلية أو الاقليمية، أو الدولية.

وتشير التحليلات المعاصرة لأزمة المياه العذبة في العالم إلى أن استهلاك المياه خلال القرن العشرين قد زاد عشر مرات عما كان عليه قبل ذلك. وتوضح الاحصائيات الكمية انخفاض نصيب الفرد من المياه من نحو 12900 م3 سنويا عام 1970 إلى 7600 م3 سنويا عام 1996؛ أي أن نصيب الفرد قد تناقس بمعدلات خطيرة وصلت إلى أكثر من 40% خلال ربع قرن ومن ناحية أخرى، زادت الاستخدامات المائية على مستوى العالم خلال القرن العشرين بمقدار أربعة أمثال ما كانت عليه من قبل، ومن المتوقع أن تضطرد معدلات تناقص نصيب الفرد من المياه العذبة في القرن الحادي والعشرين لسببين رئيسييي: الأول، الزيادة الكبيرة في عدد السكان، والثاني السعي الحثيث لارتفاع متسوى المعيشة للسكان (6).

وبعد منتصف الثمانينيات هناك جدل مستمر ومتكرر في مختلف مراكز البحوث وأجهزة الاتصال الدولية حول "أزمة المياه" ، بسبب التغيرات الكونية التي لحقت بالبيئة نتيجة الإسراف في الاستخدام والتلوث. وقد اكتسب هذا الجدل مزيدا من الأهمية في ضوء تزايد الطلب العالمي على المياه مع تزايد الطموحات التنموية لبلدان العالم. وقد عبر أحد الباحثين عن ذلك بقوله: "إن العالم يجتاز عصر الثورة الصناعية الثالثة مع نهاية القرن العشرين نحو الثورة الرابعة: ثورة البيئة والتنمية المرتبطة بها"(7).

في هذا السياق، صار ينظر إلى متغير المياه باعتباره أحد العوامل الرئيسية التي باتت تهدد الأمن القومي للدول والمجتمعات، وذلك على صعيدي الأمن الداخلي والأمن الخارجي استنادا إلى الدور المتزايد لمتغير المياه في منظومة الأمن القومي لأي دولة، وذلك في ضوء مجموعة من الاعتبارات. فمن ناحية أولى، هناك الاعتبار المتمثل في ظاهرة الجفاف التي اجتاحت العديد من دول العالم خلال الربع قرن الماضي، وخاصة في القارة الأفريقية، التي شهدت بعض بلدانها انخفاضا ملحوظا في مواردها المائية إلى الحد الذي دفع بعض المراقبين والمحللين إلى القول بأن بعض مناطق العالم توشك أن تشهك مجاعة مائية حقيقية. وهناك من ناحية ثانية، الاعتبار المتمثل في تفاقم مشكلة الغذاء في العديد من الدول الواقعة في نصف الكرة الجنوبي، ومن ناحية ثالثة، هناك أيضا التزايد المضطرد في استخدام المياه للأغراض النموية (الزراعة، والصناعة، وتوليد الكهرباء)، فضلا عن الاستخدامات المنزلية. ثم هناك، من ناحية أخيرة، الاعتبار المتمثل في ظاهرة الانفجار السكاني، خاصة في العالم النامي.

ولاواقع أن موضوع ندرة المياه واحتمالات الصراع حولها، أخذ يشغل حيزا واسعا من الفكر الاستراتيجي العالمي والعربي في الفترة الماضية، فقد كان محلا للعديد من البحوث والدراسات العلمية، وأهم من ذلك، أنه كان موضع تصريحات رسمية من أطراف مختلفة، عكست مواقف فعلية فيما يتعلق باستراتيجيات كل طرف إزاء موضوع المياه.

فقد صرح الرئيس المصري الراحل أنور السادات قبل أيام من قيامه بتوقيع معاهدة السلام مع إسرائيل قائلا: "إن المسألة الوحيدة التي قد تزج مصر إلى الحرب مرة أخرى هي المياه (8)". وفي عام 1985 تنبأ د. بطرس غالي، وزير الدولة المصري للشئون الخارجية – حينئذ – قائلا: "إن الحرب القادمة في الشرق الأوسط ستندلع بسبب المياه لا السياسة (9)". وفي الاتجاه ذاته، يقول الملك حسين ، ملك الأردن السابق، "إن المياه هي القضية التي تدفع بدول المنطقة إلى الحرب (10). ويكتب وارن كريستوفر، وزير الخارجية الأمريكي في بداية التسعينيات قائلا: "في الوديان والمناطق الجافة كمنطقة الشرق الأوسط يصبح للصراع على المياه أثر مباشر على الأمن والاستقرار" (11).

ولذلك، فمن المرجح أن تزداد خلال السنوات القادمة حدة التنافس الدولي من أجل الاستحواذ على مصادر المياه – باعتباره موردا استراتيجيا – وربما على نحو ما قد يفوق إلى حد بعيد ذلك الصراع والتنافس الذي شهده العالم حول النفط منذ أوائل القرن المنصرم (12).

ويدور الحديث مع مطلع القرن الحادي والعشرين حول المياه، وسط محيط دولي يتصاعد فيه الوعي بمشكلات الموارد الطبيعية، وهو محيط يتسم أيضا بادراك القوى الخارجية الفاعلة لدور المياه، وارتباطها بقضايا الأمن الاقليمي والعالمي، حيث يبرز موضوع محدودية الموارد المائية على الساحة الدولية باعتباره من أهم تحديات القرن الجديد.

وتأسيسا على كل ذلك، فإن هذه الدراسة سوف تنقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسية، يتناول القسم الأول أثر العامل الخارجي على تفاعلات النظم الاقليمية، ويتناول القسم الثاني دور المؤسسات الدولية (البنك الدوي، والأمم المتحدة) في تسوية قضية المياه في حوض النيل ، وأخيرا يتناول القسم الثالث دور القوى الكبرى في تسوية قضايا المياه في حوض النيل، مع التركيز على إيطاليا، وهولندا، وكندا، واليابان.

أولا: أثر التدخلات الخارجية على تفاعلات النظم الاقليمية

يمكن النظر إلى حوض نهر النيل باعتباره نظاما اقليميا، والنظام الاقليمي Regional Regime في أبسط معانيه، هو نمط منظم من التفاعلات بين عدد من الوحدات السياسية المستقلة داخل اقليمي جغرافي معين (132). أي أنه اطار تفاعلي مميز بين مجموعة من الدول، يفترض أنه يتسم بنمطية وكثافة التفاعلات، بما يجعل التغير في جزء منه يؤثر على بقية الأجزاء (14).

واستنادا إلى الترعيف السابق لمفهوم النظام الاقليمي، يمكن تحليل تفاعلات النظم الاقليمية، ويقصد بتلك التفاعلات تحليل العلاقات والتفاعلات التي تحدث بين الدول الأعضاء في النظام الاقليمي وما تتضمنه هذه التفاعلات من أنماط تفاعلية مختلفة، ومعرفة المحددات التي تحكم حركة تلك التفاعلات وتؤثر في تطورها ضمن اطار هذا النظام. وتعرف تلك التفاعلات عادة باسم "العمليات السياسية الاقليمية" أو "العلاقات الدولية الاقليمية" (15).

في هذا الاطار ، فإن هذه الدراسة سوف تتعامل مع حوض نهر النيل على أنه "نظام اقليمي وظيفي مائي " A Hydrological Regime، إنطلاق من كونه تجمعا لعدة دول تشترك معا في تفاعلات مختلفة تتعلق بادارة وتنظيم موارد ومرافق نهر النيل (16).

دور القوى الخارجية

تلعب القوى الخارجية – أو ما يصطلح علي تسميتها في أدبيات العلاقة الدولية بالطرف الثالث، وتسمى أحيانا بنظام التغلغل – دورا فاعلا ومؤثرا في أنشطة وتفاعلات النظم الاقليمي، وذلك من خلال تأثيرها في أنماط تفاعلات النظم الاقليمية، أي العلاقات التي تحدث داخل النظم الاقليمية (سواء الصراعية أو التعاونية)، وديناميكية التحول من شكل تفاعلي إلى آخر، وأثر ذلك على النظام الاقليمي (17). وبذلك، ينصرف مفهوم دور القوى الخارجية إلى الاثر الخارجي الحقيقي – المقصود أو غير المقصود – لأفعال طرف ما من خارج النظام الاقليمي على طرف آخر (أو أكثر) داخل ذلك النظام.

ويتجلى الدور الذي تمارسه القوى الخارجية في نمط تفاعلات النظم الاقليمية في أحد أمرين أو كليهما معا، فقد تلعب تلك القوى "دورا منشئا " لتلك التفاعلات (الصراعية أو التعاونية) ، كأن تقوم – مثلا – إحدى الأطراف الخارجية بافتعال أزمة أو إثارة خلافات بين وحدات النظام الاقليمي، أو العكس. وقد تلعب تلك القوى الخارجية "دورا محفزا" لتلك التفاعلات (الصراعية أو التعاونية)، كأن تقوم – مثلا – إحدى القوى الخارجية بتحفيز الصراع الدائر في أحد النظم الاقليمية، أو العكس.

وتعتبر التهديدات التي تواجه النظم الاقليمية من العوامل الأساسية المؤثرة في تفاعلاتها. وهذا يتوقف بالطبع على مصادر هذه التهديدات وأنواعها ودرجاتها، كما يتوقف في الوقت نفسه على الخصائص الهيكلية للنظام الاقليمي وطبيعته.

وتأتي التهديدات من مصادر داخلية أو خارجية، فالتهديدات الداخلية هي تلك التي تنبع من داخل النظام الاقليمي ذاته، وهي إما أن تكون داخل إحدى دول النظام في شلك مظاهر عدم الاستقرار السياسي بدرجة قد تؤثر على أمن واستقرار النظام كله، أو قد يكون التهديد الداخلي مباشرا من دولة إلى دولة (أو دول) أخرى في النظام. ويمكن أن تأخذ التهديدات الداخلية عدة أشكال، فقد تكون سياسية أو دعائية أو تجارية ، وربما تصل إلى الحرب المسلحة (18).

أما التهديدات الخارجية للنظم الاقليمية، فتأتي في صورتين، إحداهما، أن يكون التهديد نابعا من جانب إحدى القوى الخارجية، وربما يكون هذا التهديد موجها إلى واحدة أو أكثر من دول الاقليم، كأن تشكك إحدى الأطراف الخارجية في شرعية "المهيمن على النظام الاقليمي" (19)، ومن ثم، تساعد من يقوم داخل النظام بدور التحدي للهيمنة، وقد يسعى الطرف الأجنبي (الخارجي) إلى الإحلال محل الطرف المهيمن. فوجود مثل هذه الدولة (الطرف الخارجي) يخلق كما هائلا من التفاعلات داخل النظام، حيث تسعى تلك الدولة (أو الدول الخارجية) إلى اختراف النظام من الداخل، والسعي لخلف استقطابات وولاءات مؤيدة لدورها ومعادين للمهيمن الاقليمي، وقد تستخدم وسائل الاغراء والقهر حسب حالة الموقف، ومدى استجابة الأطراف الداخلية، وقدرة المهيمن على الصمود والردع. أما الصورة الثانية من التهديدات الخارجية، فتتمثل في التهديد الموجه للنظام كله، وذلك عندما يصل الخطر إلى تهديد تهم كل دول النظام.

وقد يكون التهديد الخارجي مجرد حملة دعائية ، وقد يمتد إلى الخطر أو المقاطعة الاقتصادية، وقد يأخذ شكل التغلغل الاقتصادي والسياسية والعسكري، وهذا الأخير هو أخطر أنواع التهديدات الخارجية. وقد يتطور التهديد الخارجي ليأخذ شكل التخريب الداخلي أو استخدام القوى العسكرية.

وقد تؤيد التهديدات الخارجية إلى انقسام النظام وتهديد استقراره إذا لقيت من يساندها من داخل النظام الاقليمي، عندئذ يمكن أن يتحول التهديد الخارجي إلى مصدر للحرب والصراع الاقليمي (20).

كما لا يجب اغفال أن الطرف الخارجي قد يكون حافزا لخلق توجهات تعاونية أو تكاملية في بعض الاحيان.

ويحدد ريجنز Wriggins ثلاثة مداخل أو أساليب لتدخل الطرف الخارجي (القوة الأجنبية) في شؤون النظم الاقليمية، وهي: (21):

أ‌- أن يكون للدولة أو القوة الخارجية مصالح اقتصادية أو استراتيجية مباشة في الاقليم، أو تربطها علاقات خاصة مع أحد أعضائه. ب‌- التنافس حول مناطق النفوذ، وهنا تكون الدول أو القوى الكبرى في النظام العالمي هي المعنية. ج- التدخل من جانب القوى (أو القوى) الخارجية لتلبية دعوة إحدى دول النظام الاقليمي بالتدخل لموازنة نفوذ أو قوة دولة أخرى في الاقليم تسعى لتوسيع سيطراتها على حساب مصالح تلك الدولة.

وتنتج من هذه المداخل الثلاثة تأثيرات وتفاعلات مختلفة داخل النظم الاقليمية، كما أن هذه التأثيرات تختلف من نظام إقليمي لآخر باختلاف الخصائص والظروف بين النظم الاقليمية.

في ضوء ما سبق، يتضح أن شؤون النظم الاقليمية وتفاعلاتها ليست حكرا على الدول ذات العضوية المباشرة فيها، فهناك دول من خارج الاقليم لها نفوذ وتأثير قد يفوق نفوذ وتأثير أي دولة من أعضاء النظام الاقليمي، وربما يفوق نفوذ الدولة الاقليمية المهيمنة أو الساعية للهيمنة داخل الاقليم، ومن ثم، يصعب تصور وجود نظام اقليمي خال من تأثير القوى الخارجية.

وسوف تعتمد هذه الدراسة على استخدام مفهوم "دور القوى الخارجية" كمفهوم تحليلي في تحليل دور القوى الخارجية (إسرئايل، الولايات المتحدة، المؤسسات الدولية، القوى الكبرى الأوروبية وغير الأوروبية) ، في الصراع المائي الدولي في النظام الاقليمي لحوض نهر النيل.

ثانيا: دور المؤسسات الدولية تجاه قضايا المياه في حوض النيل

تلعب بعض المؤسسات الدولية دورا محفزا للتعاون المائي في كثير من الأحواض الدولية، ومن ثم، فإنها تلعب دور "مثبطا" للصراع المائي في هذه النظم الاقليمية، وفي هذا الخصوص يبرز دور البنك الدولي، والأمم المتحدة واليونسكو باعتبارها أكثر المؤسسات الدولية تأثيرا على التفاعلات المائية الدولية بشكل عام، وفي حوض النيل بشكل خاص.

وتقوم هذه المؤسسات الدولية بذلك الدور المثبط للصراع المائي في حوض نهر النيل اقتناعات منها بأن الصراع المائي في ذلك الحوض ليس من نوع الصراعات ذات المحصلة الصفرية Zero Sum Game Conflict ، حيث ترى هذه المؤسسات الدولية أن جهود التعاون في تطوير المياه في حوض النيل، يمكن أن تؤدي إلى زيادة الموارد المائية التي تستخدمها كل دولة، بالاضافة إلى الفوائد الأخرى مثل توليد الكهرباء، والتعاون في المشروعات التي تؤدي إلى خلف فرص عمل ورخاء اقتصادية مشترك.

على أنه يجدر التنويه إلى أن هذه المؤسسات لا تلعب بالضرورة، وفي جميع الأحيان، دورا مباشرا في تثبيط الصراع المائي الدولي في حوض النيل، بقدر ما تلعب – في معظم الأحيان – أدورا غير مباشرة في التحفيز على التعاون المائي في أرجاء متعددة من العالم، وفي مختلف أحواض الأنهار الدولية، ومن ثم، فإن ما تطرحه تلك المؤسسات الدولية من سياسات عامة وتوجهات ثابتة تجاه التعاون المائي يمثل – بحث – دورا مثبطا للصراع المائي، وحافزا على التعاون المائي في مختلف الأحواض النهرية الدولية، ومن بينهما حوض نهر النيل.

1- البنك الدولي وقضايا المياه في حوض النيل

تجدر الاشارة أولا إلى أن تصنيف الباحث للدور المائي للبنك الدولي على أنه دور "مثبط للصراع" ومحفز على التعاون، قد لا يلقى قبولا من جانب الكثيرين، فقد ساد رأي يتبناه غالب الباحثين العرب يذهب إلى التشكك في كل ما يقوم به البنك من أنشطة وممارسات، ويستند ذلك الرأي إلى أن سياسات البنك تهدف بالاساس إلى خدمة مصالح الدول الكبرى – وعلى رأسها الولايات المتحدة – التي تدير البنك من الناحية الفعلية، ومن ثم، فهي تسعى إلى تكريس مصالحها دون النظر إلى أية اعتبارات أخرى. وبطبيعة الحال، فقد ساد ذات الاعتقاد لدى مدرسة الري المصرية ونظيراتها العربية حيال النفوذ المائي للبنك الدولي باعتباره دورا سلبيا، وذلك حتى وقت قريب.

فقد ركزت تلك الكتابات على ما يسمى "الفكر المائي الجديد للبنك الدولي" ، والذي ينهض على الترويج لمجموعة من المفاهيم الجديدة، والتي يحاول أن يخضع لها كافة مناطق العالم، ومن بينها منطقة الشرق الأوسط ، ومن تلك المفاهيم، تسعير المياه، وأسواق المياه، وإنشاء بنك للمياه، وبورصة للمياه، وعولمة المياه...الخ (22).

كما دأبت تلك الكتابات على التركيز على الدول المتناقض للبنك الدولي ، فقد ذهبت إلى أنه على الرغم من أن البنك الدولي هو مؤسسة دولية مالية تهدف إلى مساعدة الدول المختلفة في مشروعات التنمية وتقديم المعونات المادية التي تسهم في تطوير المشروعات الاقتصادية الكبرى داخل الدول، إلا أنه – ومنذ انشائه – يخضع للسيطرة والهيمنة الدولية من قبل الدول الكبرى، وخصوصا الولايات المتحدة، كما يضع البنك الدولي عدة شروط لمنح القروض والتعامل مع الدول النامية في مجال المياه.

وتنتهي تلك الكتابات إلى أن البنك الدولي – بهذه الأطروحات والبدائل التي يعرضها لا يمكن أن يعد طرفا محايدا في أزمة المياه (23).

بيد أن هذه الرؤية ، قد أخذت تشهد تغيرا جوهريا في الأونة الأخيرة، وتحديدا منذ نهاية العقد العاشر من القرن المنصرم ومع بداية العقد الأول من القرن الحالي، وذلك في ضوء الدور الفعال الذي أخذ يلعبه البنك الدولي في التنسيق لأعمال واجتماعات مباردة حوض النيل ، باعتبارها الاطار التعاوني الاشمل والأرحب بين دول الحوض.

وفي ضوء هذه المتغيرات ، وتلك المستجدات، يرى الباحث أن التحليل العلمي الموضوعي يقتضي إبراز الدور المائي الجديد للبنك الدولي الذي يؤدي في نهاية المطاف إلى تثبيط الصراع المائي في الأحواض النهرية عموما، وفي حوض نهر النيل على وجه الخصوص (23).

فقد قام البنك الدولي بدور فعال ومؤثر في تمويل مشروعات استغلال وتطوير مياه الأنهار الدولية. وقد استندت سياسة البنك في تمويل وتنفيذ تلك المشروعات إلى الإلتزام المتضمن في القانون الدولي، والذي ينص على عدم التسبب في ضرر كبير للدول المتشاطئة الأخرى والقيام بأخطار تلك الدول مسبقا بأية مشروعات على الحوض المائي المشترك.

وفي هذا الصدد يتحدث راج كريشنا Raj Krishna(25) حول سياق وتطور سياسات البنك الدولي بشأن المشروعات المقامة على المجاري المائية الدولية، فيقول:

"لقد اقتضت الاعتبارات العملية الصرف، والاعتبارات النابعة عن شخصية البنك بوصفه مؤسسة تعاونية دولية اعتماد هذا المنهج الذي يقوم على المرونة والالتزام بقواعد القانون الدولين وذلك اكثر مما اقتضاه الاقرار بأية أسبقية مزعومة للالتزام المذكور على حق الدول المشاطئة في الانتفاق المنصف. ولا شك أن سياسة البنك المتسقة مع قواعد القانون الدولي الخاصة بالمجاري المائية الدولية، وأنها أثرت فيها وتأثرت بها (26).

وحول اتساق قواعد التزام البنك الدولي مع قواعد القانون الدولي بشأن ضرورة الإخطار المسبق، يقول سلمان محمد أحمد سلمان (27):

"إن البنك الدولي بصفته مؤسسة مالية تعاونية، مضى ببطء وحذر في قضايا تمويل المشروعات المقامة على المجاري المائية الدولية. فالسياسات التي توضعها البنك في هذا الصدد لم تنشأ بمعزل ، بل تم تطويرها بالتوازي مع تطور القواعد القانونية ذات الصلة. وقد تاثرت هذه السياسات بتطور القواعد القانونية الدولية في مجال المجاري المائية الدولية، كما كان لها تأثيرها على هذه القواعد. وأجدرها بالملاحظة الاخطار عن التدابير المخططة، أو المشروعات المزمعة المتعلقة بهذه المجاري المائية. وحتى في الوقت الذي لم تكن فيه المياه الجوفية العابرة للحدود الوطنية جزءا من المجال النامي ببطء في قانون المجاري المائية الدولية، فقد تصدى البنك الدولي لقضايات المياه الجوفية (28).

وبصفة عامة، يلعب البنك الدولي دورا فاعلا في تمويل مشروعات تنمية الموارد المائية في مختلف أنحاء العالم. وتؤكد التقارير الصادرة عن "إدارة تقييم العمليات"(29) التابعة للبنك الدولي، أن تمويل البنك الدولي لمشروعات تنمية الموارد المائية قد أسهم – بالفعل – اسهاما كبيرا في عملية التنمية. فعلى سبيل المثال، ساعد البنك في ايجاد حلول باقل التكاليف لتلبية الاحتياجات من البنية الأساسية في معظم مشروعات امداد المياه والصرف الصحي التي ساندها. ونتيجة لذلك، تم توفير مياه الشرب لتجمعات سكانية كبيرة في بعض أكبر وأفقر مدن العالم. وكذلك أسهمت استثمارات البنك في مشروعات الري بدور كبير في تخفيف حدة الفقر وتعزيز الأمن الغذائي في أنحاء العالم المختلفة، كما أدى الاستثمار في أنظمة امداد المياه والصرف الصحي إلى تحسين الأوضاع الصحية ومستويات المعيشة. كما أن تمويل البنك لمشروعات توليد الطاقة الكهرومائية أسفر عن اتاحة امدادات الكهرباء باقل تكلفة، وشكلت مشروعات توليد الطاقة الكهرومائية مصدرات مهما للطاقة اللازمة لتنمية القطاعات الصناعية والزراعية. وبذلك، ساعد في تحسين نوعية الحياة باضافة عنصر الكهرباء إليها.

وقد بلغ حجم المبالغ التي أقرؤضها البنك الدولي حتى نهاية عام 1999 ما يزيد على 19 مليار دولار لقطاعات الري والصرف الزراعي، و12 مليا ر دولار لقطاعات امداد المياه والمجاري المائية، ونحو 9 مليارات دولار لمشروعات الطاقة الكهرومائية. وبلغ مجموع المبالغ المقرضة لهذه القطاعات ما يزيد على 15 % من الحجم الكلي للقروض التي قدمها البنك (30).

وتشير إحدى وثائق سياسات البنك الدولي إلى أن البنك يولي اهتماما كبيرا بعدد من القضايا والمجالات، التي يحرص على تضمينها في برامج مساعداته الموجهة لادارة الموارد المائية الدولية. وتشمل تلك القضايا التعاون في ادارة شؤون الموارد المائية الدولية، والقضايا الاجتماعية (تخفيف حدة الفقر)، وتحقيق اللامركزية، وحماية البيئة والصحة، وحفظ توازن الأنظمة الأيكولوجية، ومنع تلوث المياه والاعتناء بالمياه الجوفية (31).

ففي مجال ادارة شؤون الموارد المائية الدولية، يساعد البنك الدولي حكومات الدول المعنية – من خلال تقديم المساعدة الفنية والمالية والقانونية، اذا طلب منه ذلك – على انشاء المؤسسات اللازمة ، أو تعزيز قدرات المؤسسات القائمة، كمنظمات أحواض الأنهار للقيام بأنشطة ادارة الموارد المائية التي تتجاوز الحدود القومية، وعلاوة على ذلك، يساند البنك اجراء دراسات واستشارات لاستعراض الترتيبات التنظيمية المتاحة والمساعدة على وضع حلول بديلة، ويتم اتباع نهج مرن في الاتصالات الأولية مع الدول النهرية، وذلك بهدف استطلاع أنسب أشكال المساعدة التي يمكن أن يقدمها. ويظهر البنك دائما حساسية لمصالح كافة الأطراف النهرية (32).

وفي اطار اعطاء الأولوية للدول التي تعاني من مشاكل كبيرة في ادارة مواردها المائية، يقوم البنك الدولي بتشجيع ومساعدة تلك الدول على وضع اطار منتظم يدمج اعتبارات الاعتماد المتبادل بين القطاعات والأنظمة الايكولوجية المختلفة في عملية وضع السياسات واللوائح التنظيمية وخطط الاستثمار العام، بما يلائم أوضاع الدول المعنية. ومن شأن هذا الاطار تعزيز وضوح القرارات، والتأكيد على ادارة الطلب على المياه. ويراعي في تصميم ذلك الاطار، أن يتيح تقييم الخيارات المتاحة فيما يتعلق بادارة المياه في حوض نهر أو مستجمع مائي معين، ومقارنتها في اطار استراتيجية قومية للمياه، ومختلف الأهداف الاقتصادية والاجتماعية والبيئية التي تتوخاها الدولة المعنية (32).

ويشجع البنك الدولي – من خلال العمليات التي يساندها – انشاء وتدعيم قواعد بيانات هيدرولوجية ومائية وبيئية حول موارد المياه السطحية والجوفية. كما يشجع الدول على انشاء واستخدام قواعد بيانات ملائمة عن العناصر المختلفة لأنظمة المياه. وبطبيعة الحال، فإن هذه البيانات تشكل مدخلات هامة في الاستراتيجية القومية للمياه وخطة العمل البيئي اللتين تضعهما الدولة المعنية، وتسهيلا لجمع البيانات، يساعد البنك استخدام التكنولوجيات الحديثة للرقابة الهيدرولوجية والبيئية، واجراء الاستقصاءات ومعالجة البيانات، أخذا في الاعتبار العلاقة بين التكاليف التي تتطلبها اتاحة معلومات أكثر تفصيلا والمنافع التي تنجم عن توفير تلك المعلومات، كذلك يساعد البنك على تطوير أنظمة معلومات تستخدم البيانات بصورة فعالة لمراقبة التغيرات الراهنة في امدادات المياه والطلب عليها، مما يحسن عمليات اتخاذ القرارات اللازمة، وذلك بما يضمن استمرار الادارة الرشيدة للموارد المائية (34).

وفي اطار تنفيذ سياسته المتعلقة بادارة الموارد لمائية، يقوم البنك الدولي بمجموعة من الأنشطة وتشمل اعداد إرشادات ودراسات عن أفضل اساليب العمل، وتنفيذ برامج تدريب لموظفي البنك والدول المقترضة، وتنمية القدرات وانشاء آليات تنسيق لتحسين ادارة الموارد المائية، كما يساعد البنك على توفير التدريب اللازم لمحللي السياسات والمخططين والمديرين والفنيين في الدولة المعنية، لتمكينهم من القيام باجراء التحليلات التي تتناول مختلف القطاعات، ومعالجة القضايا القانونية والتنظيمية، وتلك المتعلقة بنقل ملكية أو ادارة مؤسسات المياه العامة إلى القطاع الخاص، وادارة شؤون أحواض الأنهار، وحماية البيئة، واعداد المشروعات وتقييمها . ويضطلع معهد التنمية الاقتصادية التابع للبنك الدولي بدور مهم في توفير هذا التدريب (25).

ويولي البنك اهتماما كبيرا – في اطار مساعداته المالية والفنية التي يقدمها للدول المعنية – بتمويل مشروعات الري والصرف ويشجع البنك عمليات الاصلاح والتطوير في الهياكل والمؤسسات والوزارات المعنية باداة عمليات الري والصرف، وذلك بما يرف من كفاءة تلك المؤسسات في القيام بعمليات المعالجة، واعادة استخدام مياه الصرف، وتحسين طرق الري، على نحو يؤدي إلى حسن ادارة الطلب على المياه (36).

وتدل التقارير والدراسات الصادرة عن البنك الدولي، أن البنك يشجع الدول المقترضة منه- من خلال برامج الاقتراض – على تنفيذ مناهج جديدة لمواجهة التحديات المستمرة الماثلة في تنمية واستغلال الموارد المائية. ومن أمثلة الدول والاقاليم والمنتاطق التي ساندها البنك في مجال ادارة الموارد المائية: "مشروع إمداد المياه والصرف الصحي في المناطق الريفية" في باكستان، وإندونيسيا، ونيبال، والمكسيك، وبنجلاديش، والمنطقة الساحلية الجنوبية الشرقية في قبرص، و"مشروع تحديث قطاع المياه" في البرازيل، وولاية "مهاراشترا" الهندية، ومانيلا (37).

وفي مجال الاهتمام بالقضايا البيئية، تركز المعليات التي يساندها البنك الدولي على حماية نوعية المياه وتحسينها واصلاحها وتخفيض درجة تلوثها، نظرا للأهمية الخاصة لتوفير المياه الصالحة للشرب ودورها الحاسم في تحسين الصحة البشرية. ولذلك ، يولي البنك أهمية خاصة للمشروعات الرامية لتشجيع توفير مرافق الصرف الصحي، وجمع المياه المستعملة ومعالجتها واعادة استخدامها في مختلف الأنشطة الاقتصادية ، حيثما كان ذلك ممكنا، ويساند البنك الجهود المبذولة لتعديل وتطبيق تكنولوجيات فعالة لتحسين امدادات المياه، والتحكم في الفيضانات، ومراقبة التلوث ومكافحته (38).

وقد أظهر استعراض أجري لسبعة عشرة مشروعا لتوليد الطاقة الكهربائية – راجع البنك تقارير أدائها منذ عام 1980 – وجود اهتمام متزايد حديث العهد ببعض القضايات البيئية، لاسيما المشكلات الصحية الناجمة عن الجراثيم التي تحملها المياه وادارة مستجمعات المياه. وقد أكمل هذا الاستعراض دراسة أجريت عام 1990 لتسعة وخمسين مشروعات لتولليد الطاقة الكهرومائية، أظهرت اهتماما متزايدا بآثار المشروعات على البيئة أثناء التقييم المسبق لتلك المشروعات . فقد ازدادت نسبة تقارير التقييم المسبق التي أعدها موظفو البنك من 34% 1978-1982 إلى 86% خلال الفترة 1988-1989(39).

وفي مجال الحفاظ على توازن الأنظمة الإيكولوجية، يؤكد خبراء البنك الدولي، أن البنك يحرص على أن تكون المساعدات التي يقدمها للحكومات تستهدف تنفيذ مشروعات مائية غير ضارة بالأنظمة الإيكولوجية، كما يقدم البنك مساعدات للحكومات المختلفة لتمكينها من وضع استراتيجيات وآليات فعالة لادارة وحماية واصلاح مناطق اعادة تغذية خزانات المياه الجوفية والأنظمة الإيكولوجية المعتمدة على المياه كالأراضي الرطبة، ومناطق سهول فيضانات الأنهار ومصاب الأنهار والمناطق الساحلية (40).

وفي مجال مشكلة تلوث المياه، يساند البنك الدولي الاجراءات الحكومية لاصلاح الأضرار التي لحقت بالمياه السطحية والجوفية وحمايتها من التدهور نتيجة الملوثات الزراعية، فضلا عن تقليل معدلات تعرية التربة إلى أدنى حد ممكن. وتشمل هذه الاجراءات استخدام أفضل أساليب الادارة وسياسات التسعير التي تأخذ في الاعتبار آثار لتوث المياه على البيئة استنادا إلى مبدأ "الملوث يدفع". إضافة إلى قيام البنك بتنفيذ استثمارات تكميلية في عمليات مكافحة تعرية التربة، وحماية مستجمعات المياه، واصلاح الاضرار التي تلحق بها. كما يولي البنك اهتماما خاصة بمشاكل تشبع التربة بالمياه وازديداد ملوحتها نتيجة مشروعات الري (41).

وفي مجال الاهتمام بالقضايا الاجتماعية، يرى البنك الدولي أن عدم كفاية خدمات المياه يؤدي إلى آثار سيئة بصورة خاصة على الفقراء، حيث سهل انتشار الأمراض ، لاسيما في المناطق المزدحة التي يقطنها محدودو الدخل لذلك، فقد زاد تركيز البنك في السنوات الأخيرة على قضايا مثل تخفيف حدة الفقر، واعادة التوطين، وتشجيع دور المرأة في السنوات الأخيرة على قضايا مثل تخفيف حدة الفقر، واعادة التوطين ،وتشجيع دور المرأة في التنمية . فعلى سبيل المثال، أظهر استعراض ادارة تقييم العمليات لقطاع امداد المياه والصرف الصحي أن المشروعات قبل عام 1976 لم تتناول مشكلة الفقر بصورة مباشرة، بينما أظهرت المشروعات التي أجرى لها تقييم مسبق منذ عام 1981 اهتماما واقعيا بتخفيف حدة الفقر. وكما ذكرنا آنفا، فقد أسهمت مشروعات البنك بالفعل في رفع مستويات المعيشة فعلى سبيل المثال، اتضح أن 20 مشروعا من إجمالي 21 مشروعات للري تم تحليلها في دراسات تقييم آثار المشروعات أدت إلى زيادة الدخل وتحسين مستويات المعيشة، وبالتأكيد، لابد أن تؤدي هذه الزيادة في الثروة إلى مساعدة الفقراء.

وتأكيدا على أهمية تضمين البعد الاجتماعي في سياسات وبرامج البنك الدولي، فقد أوصت "إدارة العمليات " بادماج أنشطة تخفيف حد الفقر في التصاميم الأولية للمشروعات (42).

وذكر وثائق البنك الدولي بأن البنك كان أول مؤسسة متعددة الأطراف تقدم المساعدات الانمائية تتبع – منذ عام 1980 – سياسة ثابتة بشأن اعادة التوطين القسرية، حيث يعمل البنك مع الدول المقترضة منه للمساعدة في وضع سياسات قومية وأطر قانونية لتنفيذ عمليات اعادة التوطين بصورة ملائمة.

وفي هذا الخصوص، اقترح البنك عددا من المقترحات لتمكين الفئات الضعيفة والمهمشة، مثل استخدام "الرسوم الاجتماعية" التي تدفعها الفئات الآيسر حالا لدعم الخدمات المقدمة للفقراء، وكذلك التحويلا من الموازنات لدعم مد توصيلا المياه لمنازل الفقراء (43).

وفي مجال الاعتناء بالمياه الجوفية، كان البنك سباقا إلى الاهتمام بهذا المجال، في الوقت الذي لم تكون قواعد القانون الدولي بشأن المياه الدولية قد استقرت بعد. وذلك نظرا للأهمية المتزايدة للمياه الجوفية، لاسيما في المناطق القاحلة، وشبه القاحلة. وفي هذا الحصوص، تشير دراسات البنك الدولي إلى أنه يمنح اهتماما للربط بين المياه الجوفية والسطحية في ادارة أحواض الأنهار. كما يساند البنك في وضع برامج وسياسات حكومية لاصلاح وحماية نوعية المياه الجوفية، والمحافظة على مناطق تغذية خزاناتها. وبالتوازي مع ذلك، فإن البنك الدولي يسعى – كلما كان ذلك ممكنا – إلى وقف استنفاد المياه الجوفية، وتشجيع اتباع أساليب رشيدة لادارة الطلب على المياه عموما، والمياه الجوفية على وجه الخصوص، بحيث تظل معدلات السحب من خزانات المياه الجوفية قابلة للاستمرار (44).

وفي هذا الصدد، أكد كل من راج كريشنا، وسلمان محمد أحمد سلمان في دراستهما الصادرة عن البنك الدولي في عام 1999، أنه بالرغم من عدم إدراج المياه الجوفية في سياسات البنك الدولي، فإن البنك قدتناول قضية المياه الجوفية المشتركة عندما ظهرت. وقد كان مشروع التنمية الاقليمية للصحراء الكبرى في الجزائر أول المشروعات التي امتدت فيها سياسات البنك الخاصة بالمجاري المائية السطحية لتشمل المياه الجوفية العابرة للحدود، ثم لم يلبث أن قام البنك، بتمويل عدد من مشروعات المياه الجوفية في عدد من الدول، مثل: اليمن، وتونس والأردن والمكسيك ونيبال وبجدلايش (45).

وفي مجال تحقيق اللامركزية في ادارة الموارد المائية، فإن البنك يساند جهود الحكومات المركزية لنقل المسؤوليات إلى سلطات الادارة المحلية، ونقل مهام ايصال خدمات المياه في القطاع الخاص، وإلى شركات عامة مستقلة ماليا، وإلى المنظمات الأهلية مثل "اتحاد مستخدمي المياه" ، وذلك بغرض تحقيق نوع من الشراكة المائية في ادارة موارد المياه. كما يشجع البنك نقل ملكية أو ادارة الهيئات العامة التي تقدم خدمات المياه إلى القطاع العخاص، أو تحويلها إلى هيئات مستقلة ماليا، واستخدام عقود الادارة لتوفير خدمات المياه، ومن شأن هذه الاجراءات تحسين الحوافز المقدمة لاسترداد التكاليف Cost recovery، وتحسين نوعية الخدمات، وإعطاء مستخدمي المياه احساسا بالملكية والمشاركة (46).

أما في الدول التي تكون فيها المهارات في الاقاليم والبلديات غير كافية لادارة أنظمة الموارد المائية المعقدة، فإن البنك يقوم بمساندة جهود تحسين مهارات سلطات الادارة المحلية من خلال برامج التدريب، وتنمية القدرات المؤسسية اللازمة لكي يصبح بالامكان تحقيق اللامركزية في نهاية المطاف (47).

وفي مجال المشاركة في ادارة الموارد المائية، تنهض سياسة البنك على تمكين أصحاب المصالح المباشرة من التأثير في وضع السياسات المتعلقة بادارة الموارد المائية، واختيار مشروعات المياه وتصاميمها، والقرارات التي تؤثر في مجتمعاتهم المحلية. ولذلك، يشجع البنك على مشراكة المنتفعين بالخدمات والأطراف المتاثرة بالمشروعات في تصميم وتنفيذ المشروعات التي يساندها. ويحرص البنك – بصفة خاصة - على تحفيز مشاركة الفئات المتأثرة بالمشروعات، مع التركيز على الفقراء والفئات المحرومة. فضلا عن إيلاء اهتمام خاص بمشاركة النساء باعتبار أنهن – عادة – المسؤولات بصورة رئيسية عن إدارة الاستحدام المنزلي للمياه (48).

وفي مجال التحفيز على التعاون وتسوية الخلافات المتعلقة بالأحواض المائية الدولية، فقد لعب البنك الدولي دورا فعالا في حل وتسوية العديد من المشكلات والصراعات المثارة بسبب الأحواض المائية ، حيث يشجع البنك تسوية قضايا الأحواض النهرية الدولية من خلال المفاوضات والحوار بين البلدان المشاطئة.

فعلى سبيل المثال، لعب لابنك دور الوسيط النزيه في تسوية الصراع على حوض نهر السند، حيث شهدت الفترة (1951-1960) تدخلا ايجابيا من جانب البنك لتسوية ذلك النزاع، وقد أسفرت جهود البنك عن توقيع معاهدة مياه نهر السند عام 1960، والتي أنهت الصراع الهندي-الباكستاني حول مياه ذلك النهر. ويذهب جي بي كيث بيتمان (49) G.T. Keth Pithman إلى أنه "لولا إبرام هذه المعاهدة، لظلت قضية مياه حوض السند موضوع صراع رئيسي آخر بين البلدين". ويضيف بيتمان: "ولقد تطوع البنك الدولي ليلعب دور الوسيط في هذا الصراع ، واستند منهج التسوية الذي اتبعه البنك إلى الاستفادة من الامكانات الاقتصادية للحوض لتحقيق المنفعة المثلى لكلا البلدين (50)".

وقد أسهم البنك الدولي بدراساته وتقاريره واستشاراته بدور مؤثر في تعزيز التعاون المائي بين الدول المتشاطئة في الاحواض المائية الدولية، فقد ركزت استراتيجية البنك على التشجيع على ادارة المياه المشتركة . ففي احدى الدراسات الصادرة عن البنك الدولي عام 1998، يعلق كل من رفيق حرجي وديفد حرجي (51) على سياسات البنك الدولي في تحفيز التعاون المائي اقليميا ودوليا، بالقول أن أسهم البنك الدولي بدور في مؤتمر دبلن في عام 1992، وفي مؤتمر قمة الأرض المنبثق عن مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالبيئة والتنمية، في التوصل إلى اتفاق في الرأي بشأن مبادئ الادارة السلمية للموارد المائية. وتشمل هذه المبادئ زيادة التركيز على الادارة المتكاملة المشتركة بين القطاعات للموارد المائية، والاقرار بأن ادارة استخدامات الأراضي جزء لا يتجزأ من ادارة المياه القابلة للاستمرار، ومساندة الجهود التشاركية لادارة الموارد المائية، التركيز على اجراءات تحسين حياة الناس ونوعية البيئة المحيطة بهم، واعتماد سياسات ايجابية لتلبية احتياجات المرأة ومنحها أسباب القوة، ووضع آليات لتفادي الخلافات وتسويتها (52).

وتنهض سياسة البنك الدولي في مجال التعاون المائي بين الدول المتشطائبة في الأحواض المائية الدولية، على ضرورة التركيز على توزيع المنافع والفوائد الاقتصادية للنهر، وليس على مجرد توزيع حصص المياه فقط بين الدول المتشاطئة.

وقد استعرضت احدى الدراسات الصادرة على البنك الدولي فوائد التعاون المائي بين الدول المتشاطئة في الأحواض المائية الدولية ، انتهت إلى ضرورة اعتماد منهج الكسب المتبادل Win-win Approach بين الدول المتشاطئة في حوض النهر الدولي، طالما أن مسألة التوزيع المتكافئ للحصص المائية أمر يحول دونه صعوبات كثيرة (53).

وتأكيدا على النهج التعاوني في ادارة الموارد المائية الدولية المشتركة، فقد نظم البنك الدولي مؤتمرا دوليا في أثينا باليونان عام 2002، لمناقشة آليات وسبل التعاون في المياه المشتركة، انطلاقا من أن التعاون المائي بين الدول المتشاطئة، يقود إلى تعاون في مجالات أخرى، وهو ما يساعد على احتواء الصراعات المائية، وإقرار السلام، بما يدفع نحو استدامة التنمية (54).

بيد أن تلك الصورة الايجابية لسياسات البنك الدولي في مختلف المجالات ذات الصلة بإدارة الموارد المائية في بلدان العالم المختلفة، لا تعني أن تلك السياسات ليست لها مثالب أو مآخذ، بل إن خبراء البنك الدولي ذاتهم يؤكدون أن ثمة مشكلات وصعوبات تواجه عمل البنك الدولي، فضلا عن الآثار السلبية التي قد تترتب أحيانا على سياسات البنك، ومن أهم المشاكل التي واجهها البنك، وجود المنازعات الدولية، وعدم وجود قواعد واضحة فيما يتعلق بالاستخدامات غير الملاحية، فضلا عن عدم معالجة قضايا الموارد المائية بأسلوب شامل من جانب الدول والمؤسسات المعنية، وانعدام المساءلة والاستقلالية والمرونة في ادارة الموارد المائية، وعدم كفاية الاستثمارات في أنظمة معالجة مياه المجاري والصرف الزراعي ، وعدم كفاية الاهتمام بأنشطة تخفف من حدة الفقر، واهمال أعمال تشغيل المشروعات وصيانتها، وتأخر أشغال التشييد ورداءة نوعيتها، وعدم مراعات الاعتبارات البيئية واجراءات مكافحة التلوث. أما عن أبرز المشكلات الناتجة عن سياسات البنك الدولي، فتتمثل في "المشروطية السياسية" Political conditionally، ففي أحيان كثيرة يكون التحويل المقدم من البنك الدولي، مقيدا بالتزام الدولة المتلقية بعدد من الشروط، كإجراء تعديلات سياسية ودستورية في نظامها السياسي، وتعزيز ممارسات الديمقراطية وحقوق الانسان والحكم الجيد (55).

وبالنظر إلى الدور المائي للبنك الدولي في حوض النيل، يتضح أن البنك لعب دورا محفزا على التعاون المائي في ذلك الحوض، فقد ساند البنك التوجهات التعاونية في حوض النيل، وخصوصا منذ عام 1998. ففي شهر سبتمبر 1998، اجتمع وزراء الموارد المائية بحضور ممثلي الدول المانحة والبنك الدولي للاتفاق على قائمة المشروعات والدراسات المشتركة، وقد رصد البنك 100 مليون دولار أمريكي لهذه الدراسات ، بغية تدعيم التعاون المائي بين الدول النيلية (56).

ويحسب للبنك أيضا جهوده في مجال التنسيق بين الدول النيلية لتطوير الاطار التعاوني الذي يجمعها، والانتقال به إلى اطار تعاوني أرحب وأشمل، والذي تمثل في مبادرة حوض النيل (NBI) (57).

وقد أكد د. محمود أبو زيد، الوزير المصري للموارد المائية والري على الدور الفعال للبنك الدولي في تحفيز التعاون المائي بين دول حوض النيل، من خلال مساهماته الفنية والعلمية وتقديم الاستشارات والدراسات لدول الحوض، لدفع وتسريع خطى المبادرة ، ويشير د. أبو زيد إلى أنه بالرغم من أن المساهمات المادية للبنك لم تكن كبيرة مقارنة بمساماته الفنية والعلمية، إلا أنه يحسب للبنك أنه صاحب المبادرة للدعوة إلى عقد مؤتمر جنيف عام 2001، والذي ضم – بالاضافة إلى البنك الدولي – المانحين من الدول والمؤسسات الدولية الأخرى (58).

كما يشجع البنك عقد السمينارات وورش العمل والمنتديات واللقاءات الفكرية التي تنظمها الدول النيلية بهدف تبادل الرأي والفكر حول المشروعات الأجدر بالتنفيذ في اطارة مبادرة حوض النيل. وغالبا ما تتم تلك اللقاءات تحت رعاية البنك الدولي أو في حدود خبراته من المهتمين بشؤون الأنهار الدولية عموما، وبنهر النيل على وجه الخصوص (59). وقد أسهمت تلك اللقاءات في تجسير الهوة بين الخبراء والفنيين من أبناء دول الحوض، ومن ثم، تعميق الصلات والروابط، وتوحيد الرؤى حول أنجح السبل للانتفاع المتبادل والعادل والمشترك بمياه نهر النيل (60).


2- الأمم المتحدة وقضايات المياه في حوض النيل

تلعب الأمم المتحدة بأجهزتها المختلفة دورا مؤثرا وفعالا في تعزيز التعاون المائي بين الدول النهرية في الأحواض المائية الدولية قاطبة. ويستدل على دور الأمم المتحدة في هذا المجال من خلال المؤشرات والمظاهر التالية:

أ- قامت الأمم المتحدة بتنظيم أول مؤتمر عالمي للمياه في "ماردل بلاتا" بالأرجنتين خلال الفترة من 14-25 مارس 1977. وقد شاركت في هذا المؤتمر وفود مثلت 116 دولة، و54 منظمة ووكالة وهيئة دولية، ومراقبين من 47 منظمة غير حكومية.

وقد قدمت الأمم المتحدة ورقة في هذا المؤتمر، تضمنت رؤية المنظمة لعدد من القضايا ذات الصلة بالمياه. مثل الزراعة والغذاء ، ومشاكل التوطين، والبيئة ودور المرأة، وإدارة الموارد المائية، وتدريب الأيدي العاملة في مشروعات المياه.

وقد انتهى المؤتمر إلى التوصية برصد اعتمادات مالية اضافية إلى المنظمات القائمة داخل منظمة الأمم المتحدة، خاصة برنامج الأمم المتحدة الانمائي، بغية زيادة الأموال المتاحة للبلدان النامية، لتلبية احتياجاتها من المساعدات الفنية والبرامج المتصلة بانماء الموارد المائية (61).

ب- تصدرت قضية المياه طليعة اهتمامات الأمم المتحدة، حيث جاءت قضايا "المياه والتعاون المائي" على رأس أجندة المنظمة، وخصوصا منذ بداية تسعينيات القرن المنصرم، فقد أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة اعتبار عام 1994 السنة الدولية ل"الاهتمام بالموارد المائية". وكانت موضوعات الأعوام التالية كالآتي: عام 1995: "المرأة والمياه"، عام 1996 "مورد خفي"، عام 1999 "الجميع يعيش مع التيار"، عام 2000: "المياه من أجل القرن الحادي والعشرين"، عام 2001: "المياه والصحة"، عام 2002: " المياه من أجل التنمية، عام 2003: "عهام المياه العذبة" (62).

ج – قامت الأمم المتحدة في يناير 1992 بتنظيم "المؤتمر الدولي للمياه والبيئة" (ICWE) في دبلن، وقد أسفر المؤتمر عن صدور "بيان دبلن" متضمنا عددا من المبادئ التي تعني في مجملها بحسن ادارة الموارد المائية المشتركة وتحفيز التعاون المائي بين الدول المتشاطئة في الأحواض المائية الدولية.

وقد كان هذا المؤتمر بمثابة أعمال تحضيرية ل"مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة والتنمية (UNCED)" الذي عقد في "ريو دي جانيرو" بالبرازيل في يونيو 1992. ويعتبر هذا المؤتمر بمثابة نقطة تحول على المستوى الدولي في مجال تواتر الاهتمام بقضايا المياه باعتبارها احدى أبرز القضايا البيئية (63).

د- أكدت الأهداف الانمائية في اعلان الأمم المتحدة بشأن الألفية ، على تخفيض نسبة الأشخاص الذين لا يستطيعون الحصول على مياه الشرب المأمونة، أو الذين لا تكون مياه الشرب المأمونة في متناولهم إلى النصف بحلول عام 2015، وكذا تخفيض نسبة الأشخاص الذين لا يتوافر لديهم الصرف الصحي الاساسي بمقدار النصف.

هـ- قامت الأمم المتحدة عام 2003 باصدار تقرير الأمم المتحدة عن تنمية المياه في العالم: الماء من أجل الناس، الماء من أجل الحياة"، وهو مشروع مشترك بين 23 هيئة ووكالة من الهيئات والوكالات المتخصصة التابعة للأمم المتحدة وغيرها من الآليات والمبادرات التعاونية المتصلة بالمياه (64).

و- قامت الأمم المتحدة بتنظيم أربعة منتديات عالمية للمياه، حيث عقد المنتدى العالمي الأول للمياه في عام 1997 في مراكشب المغرب، ثم عقد المنتدى العالمي الثاني للمياه في عام 2000 في لاهاي بهولندا، وعقد المنتدى العالمي الثالث للمياه في عام 2003 في كيوتو باليابان، وأخيرا، تم تنظيم المنتدى العالمي الرابع للمياه في مكسيكو سيتي بالمكسيك في مارس 2006.

ز- اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم (58/217) في 23 سبتمبر 2003 باعتبار الفترة من 2005 إلى 2015 العقد الدولي للعمل "الماء من أجل الحياة" ، وبدأ تنفيذ القرار اعتبارا من اليوم العالمي للمياه في 22 مارس 2005.

وقد تقرر أن تتمثل أهداف "العقد" في زيادة التركيز على المسائل المتصلة بالمياه على جميع المستويات، وعلى تنفيذ البرامج والمشاريع المتصلة بالمياه، مع السعي إلى كفالة مشاركة المرأة وإشراكها في الجهود الإنمائية المتصلة بالمياه، وتكثيف التعاون على جميع المستويات، من أجل المساعدة في تحقيق الأهداف المتعلقة بالمياه المتفق عليها دوليا والواردة في جدول أعمال القرن الحادي والعشرين، وإعلان الأمم المتحدة بشأن الألفية (65).

ح- قامت اللجنة السياسية التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة (لجنة القانون الدولي ILC)، بمجهود متميز منذ بداية السبعينيات من القرن المنصرم في مجال إصدار قانون (اتفاقية) ينظم استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية. وقد انتهت اللجنة إلى إقرار ذلك القانون تحت مسمى "اتفاقية الأمم المتحدة بشأن قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية"، والذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 21 مايو 1997.

وقد أكدت تلك الاتفاقية على أهمية تعزيز التعاون المائي فيما بين الدول النهرية المتشاطئة لحوض النهر الدولي، حيث نصت في المواد (28,27,12,11,9,8) على واجب التعاون الدولي بين دول المجرى المائي المشترك في: التبادل المنتظم للبيانات والمعلومات، والاعلان عن التدابير التي تؤثر على حالة المجرى المائين والاخطار في حالة المخاطر والحظر (66).

ويمكن القول أن هذه الاتفاقية الاطارية، وما تضمنته من نصوص وقواعد تنظيمية حول مبدأ التعاون المائي، قد شكلت اطارا نظريا وقانونيا، يمكن الاستناد إليه في خلق وتعزيز الأطر والصيغ التعاونية المختلفة في سائر الأحواض المائية الدولية.

وفي اطار الدور الفاعل والمتميز للأمم المتحدة، يبرز دور "منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة" – اليونسكو (UNESCO)، بوصفها واحدة من أبرز مؤسسات ووكالات الأمم المتحدة ، وأفعلها تأثيرا في مجال التعاون مع قضايا المياه.

وتتجسد رؤة اليوسنكو تجاه الأنهار الدولية المشتركة في:

أن المياه المشتركة يمكن أن تكون مجالات للعمل المشترك والتعاون الجماعي من أجل تحقيق التنمية الجماعية المشتركة بين الدول المتشاطئة للحوض المائي الدولي، ومن ثم، تقوم اليونسكو باعداد الدراسات والأبحاث بهدف ترجمة رؤيتها إلى واقع عملي، بما يسهم في الحد من تصعيد الصراعات المائية ، ويحول دون تفاقهما، وبما يقود إلى تحويل تلك الصراعات إلى صيغ للتعاون المائي، كلما كان ذلك ممكنا (67).

وقد أكد د. عبد الله عبد السلام أحمد ، أحد خبراء المياه في اليونسكو على أن: "المنظمة تحرص على تنظيم اللقاءات وورش العمل والندوات التي تسهم في اثراء الثقافة المائية لدى مختلف القطاعات من مستخدمي المياه ، وأيضا لتعميق الفهم لدى المتخصصين في شؤون المياه بمختلف المسائل والقضايا ذات الصلة بالمياه، وما يرتبط بها من قضايا، بما يؤدي في النهاية إلى سيادة الثقافة (السلام المائي) أو (التعاون المائي) بين المتشاطئين في المياه المشتركة" (68).

ولعل أحد أبرز وأهم الأدوار الفعالة والمؤثرة التي لعبها اليونسكو في مجال التحفيز على التعاون المائي الدولي في مختلف الأحواض المائية الدولية، هو مبادرة اليونسكو بالقيام بمشروع بحثي ضخم في اطار برنامج تقييم مياه العالم World Water Assessment Programme (WWAP) التابع للأمم المتحدة. ويحمل هذا المشروع البحثي اسم من الصراع المحتمل إلى تعاون محتمل From Potential conflict to cooperation Potential ويطلق عليه اخصارا (PC-CP).

وقد تم البدء في هذا المشروع عام 2001، واستمر حتى عام 2003، واستهدف المشروع دراسة التفاعلات المائي ذات الموارد المائية المشتركة، وذلك من خلال اختبار مدى امكانية أن تكون الموارد المائية في حد ذاتها مصدرا للصراع الدولية أو التعاون الدولي ولذلك، فقد طرح القائمون على المشروع البحثي سؤالا مفاده "لماذا تتطور بعض التفاعلات المائية الدولية نحو الصراع، في حين يتطور بعضها الآخر صوب التعاون؟ وهل يمكن أن تكون الموارد الدولية المشتركة – في حد ذاتها – محفزا للصراع الدولي أو محفظا للتعاون الدولي؟ وكيف يمكن تحويل الصراعات المائية المحتملة إلى تعاون مائي محتمل يقود بدوره إلى السلام والتنمية الاقليميين؟

وخلال فترة المشروع (2001-2003) صدر عن اليونسكو احدى وثلاثون دراسة ضمن فعاليات ذلك المشروع. تغطي تلك الدراسات مختلف الحالات الدراسية والأحواض المائية الدولية التي يمكن تطبيق فلسفة المشروع عليها؛ أي تحويل التفاعلات المائية بها من صراعات محتملة إلى تعاون محتمل.

وتعرض الدراسة في هذا الجزء كلمة موجزة عن نتائج كل من هذه الدراسات الاحدى والثلاثين:

• تناول الاصدار الأول من سلسلة (PC-CP) موضوع التهديدات الموجهة للمنشآت المائية، وظاهرة الارهاب المائي، والمشكلات الناجمة عن تزايد الهجمات الارهابية مؤخرا التي تستهدف تلك المنشآت، مع ضرب أمثلة لتلك الظاهرة، وكيفية التصدي لها في ظل مبادئ القانون الدوي (69). • تناول الاصدار الثاني دور مبادئ وقواعد القانون الدولي العام للمياه في حل وتسوية النزاعات المائية الدولية، وفي تعزيز التعاون المائي، فضلا عن تلحيل ما تضمنته اتفاقية الأمم المتحدة الاطارية لعام 1997 من نصوص قانونية تسهم في تحويل الصراعات المائية المحتملة إلى تعاون مائي محتمل (70). • تناول الاصدار الثالث دور المؤسسات الثنائية والمتعددة الاطراف في ادارة الموارد المائية الدولية، سواء في الأنهار الدولية أو البحيرات أو الخزانات، فضلا عن دراسة المعاهدات والاتفاقيات المبرمة بين تلك المؤسسات بعضها بعضا أو بين هذه المؤسسات والدول بهدف ادارة الموارد المائية الدولية المشتركة (71). • أما الاصدار الرابع، فقد تعرض لدراسة المناهج المستخدمة في حل وتسوية الصراعات النائية عن ادارة الموارد المائية المشتركة، وتوضيح أهم الآليات والوسائل المستخدم في ادارة المياه وحل الصراعات المائية. وقد قام هذا التقرير بتصنيف الصراعات المائية غلى أربعة أصناف حسب الموضوعات المثار بسببها الصراع المائي (72). • كان موضوع الاصدار الخامس تحليل دور عملية بناء القدرات – من الناحية العلمية والفنية – لدى المختصين في ادارة الموارد المائية في دول حوض نهر "الليمبوبو" وتاثير ذلك على نمية بلدان ذلك النهر، وتشمل جنوب أفريقيا، وزيمبابوي، وبوتسوانا وموزمبيق (73). • عنى الاصدار السادس بدراسة التطور التاريخي للموارد المائية المشتركة في الحضارات القديمة ، وتطور العلاقة بين المياه وقضايا التعاون والسلام والحرب. وانتهت الدراسة إلى تقديم تصورات مستقبلية حول الادارة المشتركة الرشيدة للموارد المائية الدولية (74). • جاء الاصدار السابع متسقا إلى حد كبير مع الاصدار الرابع، في تركيز الاهتمام على بحث الطرق والوسائل المختلفة التي يمكن استخدمها في حل وتسوية النزاعات المائية، وتتدرج تلك الوسائل من المفاوضات (الثنائية أو متعددة الأطراف) إلى الوساطة، انتهاء بالتحكيم والقضاء الدوليين. وقد قام التقرير باستعراض أمثلة لاستخدام هذه الوسائل في صراعات مائية محلية ودولية (75). • واتساقا مع الاصدار السابع تناول الاصدار الثامن تحليلا لآلية المفاوضات حول عملية التفاوض بوصفها احدى آليات التسوية السلمية للصراعات المائية، فضلا عن كونها احدى سبل التعاون المائي المشترك التي يتم من خلالها التوصل إلى اتفاقيات لتنظيم شؤون المجاري المائية الدولية بين دول أعلى النهر، والدول الواقعة في أسفله (76). • تناول الاصدار التاسع دور المجتمع المدني في تسوية الصراعات المائية، وركز على تصنيف هذه الصراعات ، والدور الذي تلعبه مؤسسات المجتمع المدني أثناء الصراعات المائية الدولية، سواء من خلال المساعدة في توفير المياه النظيفة والآمنة للفئات المهمشة أو في التوسط لحل تلك الصراعات (77). • تناولت الأعداد من العاشر حتى الثامن عشر ، دراسة حالات معينة لبعض الأحواض المائية الدولية ، حيث تناول الاصدار العاشر دراسة حوض نهر الميكونج الذي يعد نموذجا لتحويل الصراع المائي إلى تعاون مائي، وكان ذلك بفضل التعاون بين لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لآسيا والباسيفيك (UNESCAP) من ناحية واليونسكو (UNESCO) من ناحية أخرى (78). • استعرض الاصدار الحادي عشر الدروس المستفادة من تجربة التعاون في ادارة الصراعات المائية في حوض بحر الآرال وكيف استطاعت الدول الخمس المشتركة في ذلك الحوض، أن تتغلب على الصعاب السياسية والبيئية والاقتصادية التي خلفها انهيار الاتحاد السوفيتي طيلة السنوات العشر الماضية، من خلال العمل الجماعي في تنظيم شؤون النهر (79). • أما الاصدار الثاني عشر، فقد تناول دراسة حالة ادارة الموارد المائية في حوض نهر كولومبيا بين الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، حيث يعتبر هذا النهر نموذجا للتعاون المائي بين الدول المتشاطئة، خاصة أن هذا التعاون يمتد تاريخيا إلى بدايات القرن العشرين (80). • تناول الاصدار الثالث عشر، دراسة حالة نهر الدانوب في أوروبا كنموذج للتعاون المائي الدولي (81). • استعرض الاصدار الرابع عشر، دراسة حالة حوض نهر "انكوماتي" في أفريقيا، حيث تشترك ثلاث دول في مشاطأة هذا النهر وهي موزمبيق، وجنوب أفريقيا، وسوزيلاند، ويعتبر هذا النهر مثالا واقعيا لمقولة: "إن الماء يقود الشعوب والأمم نحو التعون وتحقيق التنمية المشتركة" (82). • أما الاصدار الخامس عشر، فقد تناول دراسة حالة "نهر الأردن". وقد قام باعداد ذلك التقرير باحثان، تناول كل منهما جانبا بعينه من الموضوع، حيث ركز الأول على الأبعاد الصراعية في ذلك الحوض، في حين ركز الثاني على اتفاقية السلام الأردنية الإسرائيلية وما تضمنته من بنود تتعلق بتنظيم المسائل المائية لذلك النهر (83)ز • وقد عني الاصدار السادس عشر ، بتحليل حوض نهر "النيل"، حيث قام التقرير بتتبع تطور العلاقة التعاونية بين الدول النيلية العشر وصولا إلى مبادرة حوض النيل بوصفها أشمل وأرحب الأطر التعاونية تاريخيا في حوض النيل. وقد ركزت الورقة على المشاريع المطروحة في اطار تلك المبادرة (84). • استعرض الاصدار السابع عشر، دراسة حالة نهر "الراين" في أوروبا، والذي يعد نموذجا لتسوية الصراع، وتحويلها إلى تعاون مائي، حيث اتفقت الدول المتشاطئة للنهر على توزيع منافع النهر (المياه، الملاحة، الصيد ، .. الخ) بين جميع دوله من خلال اتباع النهج التعاوني في ادارة موارد النهر (85). • أما الاصدار الثامن عشر، فقد اهتم بدراسة حالة نهر "ليمبا" في أمريكا اللاتينية ، والذي يضم كلا من جواتيمالا، السلفادور، هندوراس. وقد انتهى التقرير إلى التأكيد على عدد من الدروس المستفادة بشأن تجربة التعاون الاقليمي في حوض نهر "ليمبا"، أهما (68):

أ‌- ضرورة توافر الارادرة السياسية للعمل الجماعي المشترك. ب‌- وجوب انشاء اطار مؤسسي اقليمي لادارة المياه العذبة المشتركة. ج- توفير أداة للتنسيق وتجميع البيانات وتصنيفها. د- توفير آليات فعالة تضمن مشاركة مختلفة لافئات في كل دولة من دول الحوض في صنع وتقييم السياسات المائية.


• ناقش الاصدار التاسع عشر موضوع الصراع والتعاون الناشئ عن ادارة المياه العذبة الدولية. وقد أظهرت تلك الدراسة أن الاهتمام الدولي بادارة المياه العذبة الدولية قد زاد في الفترة الأخيرة لمواجهة الاحتياجات المائية المتصاعدة. وقد أظهرت الخبرة، أن الادارة الجماعية لموارد المياه العذبة تفوق في نتائجها الادارة الفردية. وتتطلب تلك الادارة انشاء وتطوير مؤسسات خاصة للاضطلاع بتلك المهمة، كما يتعيت تكتاف القطاع الخاص والقطاع غير الرسمي مع القطاع الحكومي في ادارة مورد المياه العذبة (87). • وتعرض الاصدار العشرون لمسألة تحديد المؤشرات الخاصة بتعريف الأحواض الدولية وكذ تحديد مؤشرات الصراع المائي الدولي، والتي تم اشتقاقها من مقياس إدوارد عازار للتصرفات الصراعية والتعاونية الدولية (COPDAB) (88). • تناول الاصدار الحادي والعشرون تحليلا للعلاقة بين محدودية الموارد المائية والصراع وقد وضع التقرير في اعتباره تحليل الصراعات المائية، سواء كانت محلية Intra-state Water tenstion أو صراعات مائية دولية Inter-state Water conclicts. • وتعرض الاصدار الثاني والعشرون لموضوع المشاركة وبناء توافق الرأي حول ادارة الصراعات المائية. ففي ظل سيادة أسلوب الادارة المتكاملة للموارد المائية (WRM)، أصبحت الأخيرة تدار بواسطة فريق من المخططين والمديرين والفنيين في مختلف التخصصات، ومن مختلف الأوساط الرسمية وغير الرسمية، الأمر الذي أصبح يتطلب مهارات تصميم العمليات. ومن شأن توافر هذه المهارات لدى صانعي السياسة المائية أن ترفع من قدرتهم على حل الصراعات المائية وتحويلها إلى تعاون مائي (90). • وسعيا لتنمية وعي غير المتخصصين في شؤون الموارد المائية، فقد قدم الاصداران الثالث والعشرون والرابع والعشرون توصيفا مقترحا لكتاب حول : "أساسيات الموارد المائية" وقد تم تضمين التوصيف المقترح عددا من المفاهيم الاساسية ، مثل الموارد المائية ومبادئ تويع المياه، والطلب على المياه، والمتطلبات البيئية للمياه، ودورة المياه العذبة في الطبيعة، ...وغيرها من القضايا الاساسية (91). • واتساقا مع الهدف من الاصدارين السابقين، قدمت الاصدارات الثلاثة التالية من الخامس والعشرين حتى السابع والعشرين توصيفا حول: "منع الصراعات وتحفيز التعاون في مجال الموارد الماية الدولية"، وذلك بهدف المساهمة في تدعيم "دبلوماسية المياه" لتحقيق الأمن والسلام الاقليمي، ويسعى المقرر المقترح إلى التأكيد على أن المياه يمكن أن تجمع بين الشعوب والدول في اطار تعاوني. وقد تضمن المقرر المقترح عددا من الموضعات ، مثل: نظريات الصراع، وآليات حل الصراع، والمفاوضات والوساطة، ودبلوماسية المياه، والقانون الدولي للمياه... الخ(92). • وتماشيا مع الاصدارات الخمسة السابقة، جاء الاصدار الثامن والعشرون ليطرح توصيفا لكتاب حول "المهارت المتقدمة للوساطة"، وذلك للمساهمة في تدعيم دبلوماسية المياه، بما يعزز التوجهات التعاونية في مجال ادارة الموارد المائية، ويتناول التوصيف المقترح عددا من الموضوعات، مثل: تعريف الوساطة، ومراحل الوساطة، ومهارات الاتصال الجيد، تحليل الصراع ... وغيرها من الموضوعات (93). • ويقدم الاصدار التاسع والعشرون تحليلا للعلاقة بين الأمن المائي ولاسلام، وذلك في إثني عشر فصلا تتناول قضايا متعددة ومتنوعة حول المياه، مثل: حروب المياه، والقانون الدولي للمياه، الصراع المائي ومؤشراته، التعاون المائي ومؤشراته، ودور المجتمع المدني في إدارة الموارد المائية، ومعوقات التعاون المائي، وأساليب وأدوات ادارة الموارد المائية، وغيرها من القضايا والموضوعات (94). • ثم يأتي الاصدار الثلاثون، ليقدم تلخيصا لكل الاصدارات التسعة والعشرين السابقة (95). • وأخيرا، يستعرض الاصدار الحادي والثلاثون تلخيصا لبعض الدراسات والأبحاث المختارة من الأبحاث المقدمة إلى المؤتمرات الدولية التي نظمها "اليونسكو" حول المشروع البحثي "من الصراعات المحتملة إلى التعاون المحتمل". وقد قدمت أوراق بحثية في تلك المؤتمرات حول بعض الأحواض المائية الدولية التي لم يتضمنها مشروع (PC-CP)، مثل أحواض: نهر الفولجا، ونهر فولتا، ونهر أوكافانجو (96).

وقد امتازت الدراسات الصادرة عن ذلك المشروع بثلاث خصائص؛ أولاهما: أنها دراسات بينية، أي تتناول تحليل الظاهرة المائية من منظور بيني متعدد الحلقات الدراسية ، فهي تتناول الأبعاد السياسية والقانونية والتاريخية والجغرافية والهندسية للموضوع محل الدراسة، وثانيها: أنها لم تقف عند مجرد رصد وتحليل أبعاد الظاهرة في واقعها المعاش، ووضعها في سياقها التاريخي، وإنما قامت بتقديم تصورات مستقبلية لها، وثالثها: أنها اشملت على دراسة حالة عدد كبير من أحواض الأنهار الدولية (بحر الأرال – كولومبيا – الدانوب – الأردن – ليمبوبو – انكوماني – الميكونج – النيل – الراين – ليمبا العليا)، وبطبيعة الحال، فإن هذا التعدد والتنوع في دراسة الحالات، يسمح – من ناحية المنهاجية – بالمقارنة، والتعميم. وصولا إلى التنبؤ المستقبلي بشأن الحالات المماثلة.

تتضح ملامح الدور الذي تلعبه اليونسكو، من خلال برامج الهيدرولوجي الدولي لليونسكو (IHP) لاصدار الدراسات والتقارير وعقد المؤتمرات ، الهادفة لتدعيم أساليب الادارة الفعالة للموارد المائية على الصعيدين المحلي والعالمي، بما يحول دون ظهور الصراع المائي الدولي، ويحولها إلى تعاون مائي مشترك يجمع الدول والشعوب.

ثالثا: دور القوى الكبرى في تسوية قضايا المياه في حوض النيل

تلعب بعض القوى الكبرى في النظام العالمي الراهن دورا في التأثير على التفاعلات المائية الدولية (التعاونية أو الصراعية) في حوض نهر النيل، وتندرج تلك القوى في فئتين رئيسيتين، القوى الأوروبية والقوى غير الأوروبية.

في سياق القوى الأوروبية ، يبرز كل من إيطاليا وهولندا باعتبارهما أهم القوى الأوروبية المؤثرة على ديناميات تلك التفاعلات المائية . أما خارج السياق الأوروبي ، فيبرز دور كل من كندا واليابان باعتبارهما دولتين غير أوروبيتين تمارسان دورا فاعلا – مثل باقي القوى الأخرى – في التأثير على التفاعلات المائية في حوض النيل.

1- القوى الأوروبية وقضايا المياه في حوض النيل

استهدفت السياسة الأفريقية للدول الأوروبية خلال فترة الثمانينيات تحقيق المصالح السياسية والاقتصادية الأوروبية، والتي تتمثل في البحث عن أسواق لتصريف السلع والمنتجات الأوروبية من جانب، وضمان الحصول على المواد الأولية التي تخدم الصناعة الأوروبية من جانب ثان، ومساعدة الولايات المتحدة خلال فترة الحرب الباردة في جهودها الرامية إلى احتواء المد الشيوعي في القارة الأفريقية من جانب أخير (97).

وباستثناء الهدف الأخير، لم تتغير الأهداف والمصالح الأوروبية تجاه القارة الأفريقية بعد انتهاء الحرب الباردة (98). وقد وجدت الدول الأوروبية، والتي طالما احتفظت بمكانتها المتميزة في القارة الأفريقية، أنها أصبحت في مواجهة تحديات ومخاطر جديدة في البيئة التي أفرزها النظام العالمي الجديد مع بداية التسعينيات، أهمها الهيمنة الأمريكية من ناحية، والمنافسة الشديدة من جانب بعض القوى الاقتصادية الجديدة مثل اليابان والصين من ناحية أخرى. ولذلك، عملت الدول الأوروبية على تدعيم علاقاتها بالقارة الأفريقية على جميع المستويات الثنائية والجماعية، وفي مختلف المجالات السياسية والاقتصادية (99).

بيد أن الاتحاد الأوروبي – ومن قبله الجماعة الأوروبية – لم يبلور سياسة أوروبية موحدة ازاء منطقة حوض النيل أو حتى تجاه الدول النامية، حيث يؤكد د. محمود أبو زيد الوزير المصري أنه:

"لايمكن الحديث عن سياسة نيلية للاتحاد الأوروبي بمعنى وجود سياسة أوروبية موحدة تجاه حوض النيل، وذلك على الرغم من التحركات والجهود الايجابية التي تبذلها بعض الدول الأوروبية في مجال تدعيم التعاون المائي في حوض النيل، بيد أن هذه الجهود تأتي من فرادى الدول الأوروبية، وبشكل فردي محض، ومن أبرز تلك القوى الأوروبية إيطاليا وهولندا (100)".

أ- دور إيطاليا

يمكن تحليل الدور المائي لإيطاليا من خلال استعراض المشروعين اللذين تقوم بهما الحكومة الإيطالية بالتعاون مع اليونسكو في أحدهما، ومع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة – الفاو – في المشروع الآخر.

(1) مشروع برنامج المياه لأفريقيا Water Programme for Africa (WPA)

انطلاقا من أن محدودية الموارد المائية تؤثر سلبا على استدامة التنمية في أفريقيا ، فقد قامت الحكومة الإيطالية، ممثلة في وزارة البيئة والأراضي الإيطالية، بالتعاون مع اليونسكو في عام 2004، بتبني مشروع "برنامج المياه لأفريقيا (WPA)، وهو مشروع موجه لخدمة الشؤون المائية في عموم أرجاء القارة الأفريقية . وقد استمر المشروع خلال الفترة من سبتمبر 2004 حتى يونيو 2006، حيث قامت وزارة البيئة والأراضي الإيطالية بتمويل المشروع كلية وشمل النطاق الاقليمي للمشروع دول النيباد "الشراكة الجديدة للتنمية الأفريقية " (NEPAD)، ودول شمال أفريقيا المطلة على البحر المتوسط والبحر الأحمر.

ولقد استهدف المشروع تحقيق هدف عام تمثل في تحقيق الأهداف التنموية للألفية (MDGs) المتعلقة بالموارد المائية (خفض نسبة الأشخاص الذين لا يتمتعون بوصول مستدام لمياه لاشرق المأمونة إلى النصف بحلول عام 2015)، أما الأهداف الفرعية للمشروع، فشملت مايلي:

• المساهمة في تحقيق الأمن المائي في ظل بيئة ضاغطة للمياه في مناطق كثيرة في القارة الأفريقية، وذلك من خلال توفير امدادات المياه العذبة النظيفة للشعوب الأفريقية في الحضر والريف. • إشباع الاحتياجات المائية اللازمة للطبيعة (التوازن الايكولوجي)، ولانتاج الغذاء. • رفع وتطوير مستوى الخبرة الفنية لدى المتخصصين في الموارد المائية بالدول الأفريقية لاستخدام التقنيات الحديثة في مجالات اعادة استخدام المياه، وحصاد المياه، وتطبيق تكنولوجيا الري المتطورة، ولتحقيق هذه الأهداف، قام المشروع بتنظيم دورات تدريبية وورش عمل فنية لرفع قدرات العالمية في مؤسسات ادارة الموارد المائية في القارة. كما ركز المشروع على أربعة مجالات رئيسية: الأول هو معالجة المياه المهدرة واعادة استخدام مياه الصرف في الري. المجال الثاين: تعميم أسلوب الادارة المتكاملة للموارد المائية (IWRM) ، المجال الثالث: ادارة المياه الجوفية ، المجال الرابع تحلية المياه.

وقد أولى المشروع اهتماما خاصة ببناء القدرات للعاملين في مجال الموارد المائية، وتعددت أنشطة ومجالات عمل المشروع، لتشمل ما يلي:

• تحقيق التكامل المائي الاقليمي. • تعزيز استدامة الادارة المتكاملة للموارد المائية. • اكتشاف مصادر بديلة للمياه غير المستخدمة في الأغراض الملاحية، وتشجيع استخدامها بأفضل الأساليب. • الارتقاء بالمستوى المعيشي – الصحي للمواطنين، من خلال فحص وتلحيل امدادات ونوعية مصادر المياه العذبة في اطار الاهتمام بالصحة العامة. • المساعدة في تدعيم جهود المؤسسات الوطنية العاملة في مجال المياه، والحفاظ على البيئة، ورفع كفاءة ادارة المياه السطحية والجوفية. • تدعيم استمرار برامج دعم القدرات محليا واقليميا، من خلال تشجيع تنظيم الدورات والبرامج التدريبية حول ادارة الموارد المائية. • وضع التوصيات والخطوط الارشادية حول سياسات ادارة الموارد المائية، من خلال عقد السمينارات وورش العمل ، كتبادل الخبرات والمعلومات والمعرفة بين الخبراء من مختلف الدول في الأقاليم الجافة وشبه الجافة (101).

(2) مشروع دفع الاستخدام المكافئ والمستدام لموارد مياه نهر النيل:

أعلنت الحكومة الإيطالية في 2 مارس 2005 عن عزمها القيام بمشروع "رفع الاستخدام المتكافئ والمستدام لموارد مياه النيل " Programme Equitable and Sustainable use of Nile Water Resources. ، وذلك بالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة بالأمم المتحدة (FAQ). واستهدف المشروع تحسين ادارة الموارد المائية بين بلدان حوض النيل، وذلك من خلال تعظيم فرص ومجالات الحصول على المعلومات والبيانات بشأن موارد النهر.

ويتم تنفيذ المشروع، الذي بلغت تكلفته 5 ملايين دولار بتمويل من الحكومة الإيطالية، بواسطة حكومات البلدان المشتركة وبمساعدة من منظمة الأغذية والزراعة، تحت مظلة مبادرة حوض النيل.

ومن شأن هذا المشروع أن يدعم المبادرات واسعة النطاق في حوض النيل لكي يتكامل هذا المورد المائي التقني مع بيانات استخدامات تلك الموارد، وكذلك المعلومات البيئية الاقتصادية والاجتماعية لدراسة أهمية السياسات المحددة والأنماط المبرمجة حول استخدامات المياه وتأثيرها على الموارد المائية في البلدان المتشاطئة مع نهر النيل.

كما سيسهم المشروع في تطوير مسوحات ودراسات تلقى الضوء على الأواصر القائمة بين الممارسات ذات العلاقة بادارة الموارد المائية وأسباب كسب الرزق في الريف وانعدام الأمن الغذائي.

وفي هذا الاطار ستجرى عملية مسح واسعة النطاق لحوض النيل، وذلك بهدف تقييم مكانيات الموارد المائية المتوقعة حاليا وانتجاية مثل تلك الموارد في الزراعة المروية. وتخلل المشروع أيضا دراسة اضافية تتناول تحليل انتاجية الموارد المائية وتحسينها من خلال ادارة المحاصيل.

ولتنفيذ هذه الأنشطة، سيستغل المشروع الخبرات الاقليمية، فضلا عن تأمين التدريب وحيثما يكون ضروريا بما يسهم في توفير الخبرات البشرية المحلية المتمرسة للعمل في المستقبل في المنطقة، كما سيستفيد من خبرات منظمة الأغذية والزراعة في مجال استغلال الموارد المائية وانتاجياتها ، وسبل كسب الرزق في الريف.

ومن شأن هذه المبادرة أن تعزز بناء مشروعين سابقين تم تمويلهما من جانب برنامج التعاون الإيطالي الذي خصص منذ عام 1996 مبلغا مقداره 16 مليون دولار بهدف تحسين ادارة الموارد المائية في حوض النيل، فوق مساحة رقعتها تصل إلى 3.1 مليون كيلو متر مربع، أي بحدود 10% من مساحة القارة الأفريقية.

وقد تحقق بفضل العمل السابق انجازات ملموسة، بما في ذلك اقامة شبكة مراقبة مائية للأحوال الجوية عابرة الحدود، وقواعد بيانات جيولوجية تضم معلومات حول الاستخدامات المائية للأنواء الجوية.

بالاضافة إلى المعلومات بشأن الأراضي والغطاء الأرضي وأنواع التربة، فقد تم وضع أداة مشتركة لتقييم الموارد المائية لاستخدامها من جنب جميع لابلدن المعنية، بحوض النيل لتقييم المبادلات وعواقب مختلف القرارات ذات الصلة بالسياسات، فضلا عن تأمين التدريب في مجال الجوانب القانونية والمؤسساتية ذات العلاقة بادارة الموارد المائية (102).

وهكذا ، يتضح من استقراء أهداف المشروعين السابقين ، أن إيطاليا تلعب دورا فاعلا في التحفيز على التعاون المائي في حوض نهر النيل، بما يؤدي إلى تثبيط الصراع المائي في ذلك الحوض.

ب- دور هولندا

تعتبر هولندا إحدى الدول المنسقة لجهود التعاون المائي في حوض النيل، فضلا عن دورها الفعال في المساهمة المالية – جنبا إلى جنب مع المانحين الآخرين – في عدد من المشروعات المائية في مصر وغيرها من الدول النيلية ، سواء في اطار "مبادرة حوض النيل" أو خارجها.

وتقوم هولندا – بالتعاون مع مصر – بتقديم منح دراسية لدول حوض النيل للنهوض بقدراتها الفنية ، فقد صرح د. محمود أبو زيد وزير الموارد المائية والري المصري أن:

"كلا من الحكومتين المصرية والهولندية تقومان بتقديم المنح الدراسية والفنية للمتدربين من دول حوض النيل، وأن هذه المنح بلغ عددها في عام 2000 احدى عشر منحة، وبلغ عدد المتدربين حتى الآن (عام 2000) نحو 240 متدربا في كل من معهد بحوث الهيدروليكا التابع للمركز القومي لبحوث المياه في مصر ومعهدي (I.H.E)، و(I.T.C) بهولندا (103).

ومن بين المشروعات المائية التي قامت بها الحكومة الهولندية، مشروع "تعزيز مشاركة المستخدمين في الادارة المتكاملة للموارد المائية ، بميزانية اجمالية قدرها ستة ملايين دولار أمريكي، حيث استمر المشروع خلال عامي 2005-2006، واستهدف في مرحلته مصر والأردن وفلسطين (104).

وقامت فكرة المشروع على نشر مفاهيم الادارة المتكاملة للموارد المائية في الدول العربية، وذلك عن طريق بعض المواد التعليمية، ومواد التوعية الخاصة بهذا الموضوع، بما يتناسب مع محددات المنطقة العربية باستخدام الأمثلة الناجحة والممارسات الجيدة، والدروس المستفادة من العالم، وذلك بالتنسيق مع شبكة بناء القدرات التابعة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي وهيئة كير الدولية .

واستهدف المشروع بالأساس "بناء القدرات في الادارة المتكاملة للموارد المائية، وتشجيع مشاركة مختلف شرائح المجتمع في وضع الخطط والسياسات المائية، والتعوية العامة بقضايا المياه".

كما قامت الحكومة الهولندية بالمشاركة – مع سيداري – (105) في تمويل مشروع آخر، وهو مشروع الشراكة المائية المصرية (Egyptian Water Partenship) بميزانية اجمالية قدرها 100 ألف دولار، وامتدت مدة تنفيذه من عام 2003 حتى عام 2005، واستفادت من أنشطته مصر والدول الأخرى التي يطبق فيها نموذج الشراكة (101).

وقامت فكرة المشروع على مواجهة قضايا المياه الحالية وتحدياتها المستقبلية، وذلك عن طريق تعزيز الشراكة بين قطاعات الحكومة والجهات الأكاديمية والبحثية والمستخدمين والمجتمع المدني وذلك تمشيا مع استراتيجية "سيداري" في تفعيل دور الادارة المتكاملة للموارد المائية على المستوى الوطني.

وسعى المشروع إلى تحقيق الأهداف التالية:

• تشجيع الادارة المتكاملة للموارد المائية. • تحقيق شراكة فعالة بين قطاعات المجتمع المعنية بالمياه في صنع وتنفيذ السياسات الخاصة بترشيد الاستهلاك والحفاظ على المياه من التلوث. • تنمية الوعي العام بقضايا الموارد المائية من خلال حملات التوعية العامة وحلقات النقاش والأنشطة الميدانية. • تعظيم الفوائد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للمياه.

وفي اطار دعم القدرات الفنية في مجال الادارة المتكاملة للموارد المائية، ساهمت الشراكة المائية المصرية في المؤتمر الاقليمي حول ادارة الطلب على المياه بالاشتراك مع الإسكوا، ومكتب اليونسكو بالقاهرة، ومنظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، ومنظمة الصحة العالمية (107).

وفي ضوء ما سبق، يتضح أن هولندا تلعب دورا محفزا على التعاون المائي بين دول حوض النيل، بما يثبط التوجهات الصراعية حول مياه نهر النيل بين بلدان الحوض.


2- القوى الدولية وقضايا المياه في حوض النيل

أ- دور اليابان

تعتبر اليابان بين الدول التي تساهم ماديا وفنيا في دعم وتمويل بعض المشروعات المطروحة في مبادرة حوض النيل (108).

وتنطلق الرؤية اليابانية لنهر النيل، باعتباره يضم في حوضه عشر دول فقيرة – بل أن خمس دول منها تصنف – طبقا لمؤشرات التنمية العالمية – ضمن أفقر عشر دول في العالم. فضلا عن انتشار الصراعات الأهلية والدولية في الحوض بشكل مطرد، حيث يعيش في محدودية الموارد المائية في الحوض نحو 150 مليون نسمة، في حين يبلغ عدد سكان الحوض نحو 300 مليون نسمة.

ولذلك، كانت اليابان من الدول التي أبدت ترحيبا كبيرا بتجميع الدول النيلية في اطار مبادرة حوض النيل لمواجهة تلك التحديات، ومنذ انطلاق فعاليات المبادرة لم تترد اليابان في تقديم الدعم المادي والفني للمساعدة في تنفيذ مشروعات الرؤية المشتركة التي انبثقت عن برنامج العمل الاستراتيجي.

وقد تجسدت احدى صور الدعم الفني والمالي التي قدمتها اليابان لدول حوض النيل في تنظيم أو لقاء مائدة مستديرة وزاري مشترك بين خبراء يابانيين في مجالات المياه مع نظرائهم من دول حوض النيل.

وبالاضافة إلى الوزراء، فقد حضر هذه المائدة المستديرة خبراء متخصصون في شؤون المياه من المؤسسات الحكومية في كل من دول حوض النيل وفي اليابان وكذ أساتذة الجامعات، وممثلو القطاع الخاص. وقد استضافت اليابن ذلك اللقاء في الفترة من 17-24 أبريل 2002.

وقد كانت لتلك المائدة المستديرة فرصة طيبة لتبادل الآراء والأفكار، والدروس المستفادة بين مسؤولي وخبراء واستشاريي حوض النيل ونظرائهم اليابانيين. ولعل إحدى الفوائد الناتجة عن تلك المائدة هي أن الحوار الذي شهدته فعالياتها قد ساهم في تكوين خبرة مشتركة لدى ممثلي الدول النيلية، تساعدهم على دفع العمل التعاوني الجماعي فيما بين بعضهم بعضا.

وقد استهدفت المائدة المستديرة الوزارية بين دول مبادرة حوض النيل واليابان تحقيق الأهداف التالية:

• المشاركة في الخبرات والمعلومات بين مسؤولي وخبراء دول مبادرة حوض النيل، وأقرانهم من اليابان، مع التركيز على تبادل الخبرات في مجال ادارة مياه البحيرات والمستجمعات المائية. • بناء علاقات قوية بين مجلس وزراء حوض النيل للمبادرة من ناحية والقطاعين العام والخاص في اليابان من ناحية أخرى. • الإعداد المشترك لفعاليات الملتقى العالمي الثالث للمياه (WWF3)(109).

وقد قدم الخبراء اليابانيون أوراقا بحثية، وأوراق عمل، ركزت على استعراض الخبرة اليابانية في ادارة الموارد المائية في حوض نهر "تون- ارا" Tone-Ara Basi حيث تتم ادارة الحوض بأسلوب متكامل يتضمن الحماية من الفيضانات ، وتوليد الطاقة الكهرومائية وتلبية احتياجات الانتاج الزراعي مع ضمان استمرار تدفق المياه لتلك الاستخدامات الحيوية.

كما قدم الخبراء اليابانيون ضمن فعاليات تلك المائدة المستديرة بحوثا عن كيفية صياغة السياسات المائية، واعداد الخطط المائية الهادفة وادارة الأحواض النهرية وادارة الفيضانات والحفاظ على البيئة، وتحسين نوعية المياه المستخدمة في الزراعة، وتوفير المتطلبات المائية المتزادية في المدن الكبيرة مثل طوكيو، وقد قدم السيد كيفوجو من تنزانيا – ممثلا لدول الحوض – رؤية دول حوض النيل حول التعاون المائي وادارة الموارد المائية المشتركة في الحوض.

وهكذا ، فقد كان نجاح تلك المائدة المستديرة في تحقيق أهدافها، علامة جيدة على تعزيز الترابط الوثيق في العلاقات التعاونية بين اليابان من ناحية، ودول حوض النيل من ناحية أخرى (110).

وهكذا، تكشف مواقف الحكومة اليابانية الداعمة للمشروعات المائية النيلية – ماليا وفنيا – الدور المحفز على التعاون المائي في حوض النيل ، ومن ثم تثبيط الصراع المائي فيه.

ب- دور كندا

يمكن اعتبار كل من كندا والبنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الانمائي "شركاء التعاون" ، وذلك من خلال الدور المهم الذي لعبته هذه القوى الثلاث في تسريع خطى التعاون المائي في حوض نهر النيل، وذلك منذ منتصف التسعينيات. وقد أسهمت جهود كندا – جنبا إلى جنب مع غيرها من المانحين من الدول أو المؤسسات الدولية – في تشجيع الحوار والتعاون بين الدول النيلية ، مما دفع تلك الدول نحو تبني مبادرة حوض النيل في عام 1999(111).

وتأسيسا على ذلك، استطاعت كندا أن تسهم بطرف فعالة ومؤثرة في تحفيز المانحين على دعم مشروعات حوض النيل، كما استطاعت كندا أن تمكن الدول النيلية من العمل الجماعي مع بعضها البعض من ناحية، ومع المانحين من ناحية أخرى للوصول إلى القرارات والسياسات التي تحقق النفع المشترك لجميع دول الحوض، فعضلا عن أن كندا دعمت عددا من مشروعات الرؤية المشتركة لمبادرة حوض النيل في مختلف المجالات مثل البيئة وبناء الثقة وقطاع الطاقة.

وبالاضافة إلى ما سبق ، فقد كانت من أبرز المانحين الذين شكلوا اتحاد التمويل الدولي للتعاون في النيل (ICCON) والذي عقد اجتماعه الأول في جنيف (26-28 يونيو 2001) بدعوة من البنك الدولي لمناقشة فرص وامكانات تمويل مشروعات مبادرة حوض النيل. وقد كان لكندا حضور مؤثر في هذا الاجتماع. ليس فقط من خلال مساهماتها المالية في تمويل بعض المشروعات المطروحة على المانحين، وإنما أيضا من خلال اقناع بعض المانحين بالاقدام على المويل تلك المشروعات أو على الأقل المشاركة في تمويلها.

وفي أكتوبر 2001، تقدمت كندا خطوة أكثر تقدما في اطار جهودها الرامية للارتقاء بحوض النيل، وذلك حينما أ‘لنت ماريا مينا Maria Minna وزيرة التعاون الدولي الكندية، في يوم 10 أكتوبر أن الوكالة الكندية للتنمية CIDA سوف تقدم تمويلا قدره 16 مليون دولار أمريكي كمنحة إلى مبادرة حوض النيل لمقاومة التصحر في حوض النيل. ولقد أعلنت ماريا عن تلك المنحة الكندية أثناء حضورها لمؤتمر الأمم المتحدة الخامس لمقاومة التصحر، والذي عقد في جنيف بسويسرا في الفترة 1-12 أكتوبر 2001. وقد صرحت ماريا مينا بأن "مبادرة حوض النيل تعتبر تطورا مفاجئا في العلاقات المائية في الحوض، وساعد عليها جهود الدول النيلية ذاتها، واكتسبت قوة الدفع بواسطة دعم وتنسيق المانحين الدوليين، جنبا إلى جنب مع المجتمع المدني المحلي".

وقد تم توزيع المبلغ المخصص (16 مليون دولار) (112) بواقع 12.2 مليون دولار للمساعدة في مقاومة التهديدات البيئية الناتجة عن التصحر، وتعرية التربة، والفيضانات، والاطماء، والجفاف، و3.87 مليون دولار لتنمية مشروع تحديد الاحتياجات ذات الأولوية بالنسبة للسكان المحليين ، وتشمل تقليل تعرية التربة، وتقليل الاطماء وزيادة الانتاج الزراعي، وتنمية مصادر الوقود المختلفة، وتحسين ادارة الموارد المائية.

كما قامت "الوكالة الكندية للتنمية الدولية" – بالتعاون مع غيرها من المانحين الدوليين – بمساعدة الدول النيلية العشر في مشروعات من شأنها العمل على حماية البيئة ، ومحاربة الفقر، وتدعيم الاستقرار الاقليمي في حوض النيل.

الهوامش

ملاحق ووثائق

ملاحق ووثائق

=جغرافيا حوض النيل

يعتبر نهر النيل من أطول أنهار العالم ، حيث يبلغ طوله حوالي 6850 كيلو متر من منابعه في الجنوب الشرقي من القارة وحتى البحر المتوسط، وتقدر مساحة حوض النيل بحوالي 2.9 مليون كيلو متر مربع، وهو النهر الوحيد في العالم الذي يجري من الجنوب إلى الشمال في استقامة غير عادية تعد ظاهرة لا نظير لها بين أنهار العالم. ويختلف إيراد النيل بين العام والآخر. وقد بلغ متوسط الإيراد السنوي للنيل خلال القرن العشرين مقدارا عند أسوان بنحو 84 مليار متر مكعب سنويا.

ويستخجمع نهر النيل مياهه من ثلاثة أحواض رئيسية هي الهضبة الإستوائية، والهضبة الإثيوبية، وحوض بحر الغزال.

  • الهضبة الإثيوبية: تمثل أهم منابع النيل، اذ تمد بنحو 85% من متوسط الإيراد السنوي (74 مليار متر مكعب سنويا) وتتجمع مياه الهضبة الإثيوبية في:

1- نهر السوباط: الذي يلتقي مع النيل الأبيض قرب مدينة ملكال جنوب السودان ويبلغ متوسط الإيراد السنوي له نحو 11 مليار متر مكعب مقدرة عند أسوان ويعتبر نهر البارو ونهر البيور أهم الفرع الرئيسية له

2- النيل الأزرق: الذي يلتقي بالنيل الأبيض عند مدينة الخرطوم، ويبلغ إيراده السنوي المتوسط مقدرا عند أسوان نحو 48 مليار متر مكعب، ويستجمع مياهه من عدد من الأنهار التي تنبع من جبال الهضبة الإثيوبية ومن بحيرة تانا.

3- نهر عطبرة: الذي يلتقي بالنيل الرئيسي قرب الحدود المصرية السودانية، ويبلغ متوسط الإيراد السنوي له نحو 11.5 مليار متر مكعب مقدرة عند أسوان.

  • الهضبة الإستوائية: تمثل أكثر المصادر انتظاما في إمداد نهر النيل بالمياه على مدار السنة، ويبلغ المتوسط السنوي للمياه الواردة من الهضبة الإستوائية حوالي 13 مليار مترك مكعب مقدرة عند أسوان وموزعة بين المصادر المختلفة وهي : بحيرة فيكتوريا، وبحيرة كيوجا، بحيرة ألبرت، بحر الجبل.

• حوض بحر الغزال، ويضم هذا الحوض مجموعة من الأنهار الصغيرة التي تنبع من المناطق الجبلية بالسودان وجمهورية أفريقيا الوسطى ، ويبلغ إجمالي الإيراد السنوي لهذه الأنهار حوالي 15.1 مليار متر مكعب في المتوسط. غير أن ما يصل منه النيل لا يزيد عن 0.5 مليار متر مكعب، ويفقد الباقي في مناطق المستنقعات.

معلومات حول دول حوض النيل

حصة مصر من مياه نهر النيل 55.5 مليار متر 3 نسبة الموارد المائية التي يوفرها النهر لمصر من المياه 79.3% نسبة الاحياجات المائية التي يعطيها النهر لمصر من المياه 95% يتراوح إيراد النهر من المياه بين 42-50 مليار متر 3 عدد سكان دول الحوض في 2007 387.4 مليون نسمة نسبة سكان الحوض إلى سكان العالم 5.9% تقدير عدد السكان في 2015 478.1 مليون نسمة تقدير عدد السكان في 2030 654.3 مليون نسمة أكبر دول الحوض في التعداد السكاني سنة 2007 إثيوبيا إجمالي قوة العمل في دول الحوض في 2006 151.6 مليون نسمة نسبة قوة العمل إلى عدد السكان 40.1% أعلى قيمة للناتج المحلي الاجمالي بين دول الحوض مصر الناتج المحي الإجمالي في مصر عام 2007 128.1 مليار دولار معدل النمو السنوي للناتج المحلي الإ<مالي في إثيوبيا 2007 7.1% معدل النمو المحلي للناتج السنوي في السودان 2007 10.2% معدل النمو السنوي لنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في إثيوبيا 8.4% معدل النمو السنوي لنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في السودان 7.8% معدل النمو السنوي لنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في مصر 5.2% قيمة صادرات دول الحوض في عام 2002 13.3 مليار دولار قيمة صادرات دول الحوض في عام 2006 27.3 مليار دولار قيمة واردات دول الحوض في عام 2002 26.7 مليار دولار قيمة واردات دول الحوض في عام 2006 48.2 مليار دولار حجم التبادل التجاري بين مصر ودول حوض النيل عام 1995 145.7 مليار دولار حجم التبادل التجاري بين مصر ودول حوض النيل عام 2008 914.6 مليار دولار نسبة صادرات مصر إلى دول الحوض من خلال عام 1995 0.9% نسبة صادرات مصر إلى دول الحوض خلال عام 2008 3%

المصدر: مصر ودول حوض النيل ..علاقات ممتدة، تقرير معلوماتي شهري صادر عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار – مجلس الوزراء المصري، العدد 25، السنة الثالثة، يناير 2009.


صادرات مصر ونسبتها إلى إجمالي صادراتها لدول حوض النيل عام 2008

م الدولة القيمة بالمليون دولار النسبة المئوية 1 السودان 466.9$ 68.1% 2 كينيا 99.4$ 14.5% 3 إثيوبيا 57.7$ 8.4% 4 تنزانيا 18.3$ 2.7% 5 أوغندا 16.9$ 2.5% 6 إريتريا 12.7$ 1.8% 7 رواندا 6.7$ 1.0% 8 الكونغو الديمقراطية 5.7$ 0.8% 9 بوروندي 1.3$ 0.2%

المصدر: مصر ودول حوض النيل ..علاقات ممتدة، تقرير معلوماتي شهري صادر عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار – مجلس الوزراء المصري، العدد 25، السنة الثالثة، يناير 2009.

واردات مصر ونسبتها من إجمالي وارداتها من دول حوض النيل عام 2008 م الدولة القيمة بالمليون دولار النسبة المئوية 1 كينيا 166.7$ 72.8% 2 السودان 44.00$ 19.2% 3 إثيوبيا 10.8$ 4.7% 4 أوغندا 4.3$ 1.87% 5 تنزانيا 1.1$ 0.5% 6 الكونغو الديمقراطية 0.9$ 0.4% 7 بوروندي 0.88$ 0.4% 8 رواندا 0.2$ 0.1% 9 إريتريا 0.1$ 0.03%


المصدر: مصر ودول حوض النيل ..علاقات ممتدة، تقرير معلوماتي شهري صادر عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار – مجلس الوزراء المصري، العدد 25، السنة الثالثة، يناير 2009.


ملحق 1: بروتوكول بين بريطانيا العظمى وإيطاليا بشأن تحديد مناطق نفوذ كل من الدولتين في أفريقية الشرقية

توقع في روما في الخامس عشر من شهر أبريل من عام واحد وتسعين وثمانمائة وألف.

رغبة منها في إتمام تحديد مناطق نفوذ كل من إنكلترا وإيطالية من جهة الشمال وحتى مشارف البحر الأحمر وهي المناطق التي سبق أن اتفق عليها الطرفان بموجب بروتوكول الرابع والعشرين من شهر مارس الماضي والتي تمتد من مصب نهر جوبا في المحيط الهندي إلى تقاطع خط طول 35 جرينيوتش شرقا مع النيل الأزرق، اتفق الموقعان أدنا:

المراكيز دوفرين وافا سفير صاحبة الجلالة ملكة المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وأيرلندا وإمبراطورة الهند والماركيز دي روديني رئيس مجلس الوزراء ووزير خارجية صاحب الجلال ملك إيطاليا، على ما يأتي:

أولا: حددت منطقة النفوذ المخصصة لإيطاليا شمالا وغربا بخط يمتد من رأس قصر على البحر الأحمر إلى نقطة تقاطع خط عرض 17 شمالا ودائر خط الطول 37 جرينويتش شرقا. وهذا الخط، وقد اتبع تلك الدائرة إلى خط عرض 16.30 ، يمتد من هذه النقطة في خط مستقيم إلى سيدرات تاركا القرية المذكورة شرقا. ومن هذه القرية يمتد الخط جنوبا إلى نقطة تقع على خور الجاش على مسافة 20 ميلا إنكليزيا أعلى كسلا، ثم يلتقي مرة أخرى بنهر عطبرة هند النقطة المشار إليها بالمعبر في خرطية فيرنير مونتسيجر "الخريطة الأصلية لشمال الحبشة وأراضي المأرب وبرقة وأنصبة لعام 1864" "غوثا، يوستوس، بيرتيس"، وهي التي تقع على خط العرض 14.52 شمالا، ثم يتجه الخط غربا حتى يتلقي بخور ليميسن ويهبط معه حتى موقع التقائه بنهر رهد، وأخيرا، بعد متابعة نهر رهد للمسافة القصيرة التي تمتد بين مصر خور ليميسين ونقطة تقاطع خط طول 35 جرينويتش شرقا، ينخرط هذا الخط جنوبا مع دائرته هذه حتى يلتقي بالنيل الأزرق، وذلك فيما خلال ما قد يستجد من تعديل في التفاصيل وفقا للأحوال الهيدروغرافية والأوراغرافية (التضاريسية) للبلاد.

ثانيا: للحكومة الإيطالية مطلق الحرية – إذا ما اضطرتها لذلك مقتضيات الموقف العسكري، في احتلال كسلا والأراضي المجاورة لها حتى نهر عطبرة ولا يجوز بحال من الأحوال من أن يتجاوز هذا الاحتلال شمالا وشمال شرق الخط التالي:

من الضفة اليمنى لنهر عطبرة، أما جوز رجب، بامتداد خط يتجه شرقا حتى نقطة تقاطع دائرة خط الطول 36 جرينويتش شرقا. ومن هذه النقطة بانحراف هذا الخط إلى الجنوب الشرقي ومروره على بعد ثلاثة أميال جنوبي النقطتين اللتين تحملان علاقتي فيلك وميتكيناب في خريطة فيرنير مونتسيجر سالفة لاذكر والتقائه بالخط الوارد في البند الأول والذي يقع على بعد 25 ميلا إنكليزيا شمال سيدرات، قياسيا على الخط المذكور.

على أنه من المتفق عليه بين الحكومتين أن أي احتلال عسكري مؤقت للأراضي الإضافية المنصوص عليها في هذا البند لا يلغي حقوق الحكومة المصرية على الأراضي المذكورة وأن هذه الحقوق تظل معلقة إلى حين أن تصبح الحكومة المصرية في وضع يسمح باسترداد المنطقة المذكورة حتى الخط الموضح في البند الأول من هذا البروتوكول وحفظ النظام والهدوء فيها.

ثالثا: تتعهد الحكومة الإيطالية بعدم إقامة أي أشغال على نهر عطبرة لأغراض الري يكون من شأنها تعديل تدفق مياهه إلى نهر النيل على نحو محسوس.

رابعا: يكفل لرعايا إيطاليا والأشخاص الذين تحت حمايتها، وكذلك لمتعاهم، حرية المرور دون دفع آية رسوم على الطريق الممتد بين متمة وكسلا المار بكل من العقارة ودقة وسوق آبوش (التضارف) والعطبرة.

تحرر في روما من نسختين في الخامس معشر من شهر أبريل من عام واحد وتسعين وثمانمائة وألف.

توقيع توقيع دوفرين وافا روديني










ملحق 2: إعلان متبادل بين بريطانيا العظمة وإيطاليا بشأن الحدود السودانية الأريترية

توقع في روما، في يوم 22 نوفمبر عام 1901

من المتفق عليه ، من أجل اتمام تعيين الحدود بين السودان الإنجليزي – المصري وأريتريا، أن يرسم خط من أبي جمال (انظر خريطة تالبوت وكوللي)، يتولي تحديه فيما بعد مندوبون خاصون طبقا للخصائص الجغرافية، في اتجاه جنوبي حتى نقطة التقاء خور أم حجر بنهر ستيت (انظر خريطة تالبون وكوللي، خط طول 36.37 شرقا).

ستحول الأراضي الواقعة شرق هذا الخط، وهي الأراضي التي اعترف الإمبراطور منليك بأنها أراضي سودانية، إلى أريتريا شريطة موافقته.

وتتنازل إيطالي للسودان عن متوازي الأضلاع الواقع غرب هذا الخط، وشمال خط تومات – تودلك.

ونتيجة لهذا الترتيب سينحرف خط الحدود بين السودان والحبشة من نهر ستيت إلى تمة نحو الغرب بحيث تترك على الجانب الحبشي نوجارو وطريق التجارة من جوندار شمالا في اتجاه أريتريا.

وسيحاول المعتمدان البريطاني والإيطالي في الحبشة أن يحصلا من الإمبراطور منليك، في مقابل مد الحدود الحبشية على هذا النحر، على تنازل عن حزام من الأراضي يقع شرق خط تودلك – مايناب وهذا من شأنه أن يضم إلى أريتريا قبيلة الكناما بأكملها حتى المأرب واذا لم تنجح هذه المفاوضات بعد مضي فترة معقولة من الزمن، تستأنف المفاوضات في روما بين المندوبين الإيطالي والبريطاني بهدف تحديد الحدود بين السودان الإنكليزي – المصري والحبشة على أساس خط تودلك – أم بريحة أو خط مايثاب – جبل أوبر بينما يبقى على الوضع الماضي الواقعي السابق – فيما يتعلق بالحدود بين السودان وأريتريا – للأراضي الكائنة شمال خط تومات – تودلك.

تحرر في روما، في الثاني والعشرين من شهر نوفمبر من عام واحد وتسعمائة وألف ميلادية.

رينيل رود مارتيني جلايشن ج. انييزا ج. ل. هارنتجون أ. بدرو ديرو


ملحق 3: المعاهدات بين بريطانيا العظمى وأثيوبيا ، بريطانيا العظمى وإيطاليا وأثيوبيا بشأن حدود السودان المصري البريطاني وأثيوبيا وأرتريا الموقعة في أديس أبابا في 15 مايو 1902

ملحق 3/أ: معاهدة سنة 1902 بين بريطانيا وأثيوبيا بشأن الحدود بين أثيوبيا والسودان ومياه النيل

المعاهدة المبرمة بين بريطانيا والحبشة عن الحدود بينها وبين السودان الموقعة بأديس أبابا في 15 مايو 1902 والمحررة باللغة الأمهرية والتي تبودلت وثائق التصديق عليها بأديس أبابا بتاريخ 28 أكتوبر 1902.

لما لرغبة كل من صاحبي الجلالة الملك إدوارد السابع ملك بريطانيا وأيرلندا والمستعمرات فيما وراء البحار وإمبراطور الهند وصاحب الجلالة منليك الثاني ملك ملوك اثيوبيا في أن توثق بينهما أواصر المودة فقد وافقة حكومتيهما على استقرار الحدود الفاصلة بين السودان والحبشة وقد أناب جلال الملكة إدوار السابع عنه في ذلك وزيره المفوض الكونويل جون لون هرنجتون حامل نيشان فيكتوريا الذي ينوب عنه لدى بلاط ملك أثيوبيا الإمبراطور منليك الثاني وذلك للتفاوض بموجب الشروط التالية التي سوف يلتزم بها الطرفان هم وورثتهم والذينهه يخلفونهم على العرض.

المادة الأولى

يكون الحد الفاصل بين كل من السودان والحبشة كالمتفق عليه بين الحكومتين هو الخط المرسوم بالمداد الأحمر بالخريطة المرفقة بهذه المعاهدة من صورتين والبادئ من خور أم حجر إلى القلايات إلى النيل الأزرق وبارو وبيور من النهر أكوبو إلى مليل ثم إلى اختراق الدرجة السادسة من خط العرض الشمالي مع الدرجة الخامسة والثلاثون من خط الطول شرقي جرينوتش.

المادة الثانثة

وهذه الحدود المفصلة بموجب البند الأول سوف تخطط على الطبيعة بواسطة لجنة الحدود المشتركة والتي سوف يعين أعضؤها عن طريق الطرفين الساميين المتعاقدين وعلى هذه اللجنة أن تخطر حكومتها بعد أن يتم التخطيط.

المادة الثالثة

يتعهد ملك الحبشة لدى حكومة بريطانيا بأن لا يصدر تعليمات أو أن يسمح بإصدارها فيما يتعلق بعمل أي شئ في النيل الأزرق أو بحيرة تانا أو نهر السوباط يمكن أن يسبب اعتراض سريان مياهها إلى النيل مالم توافق على ذلك حكومة بريطانيا مقدما هي وحكومة السودان.

المادة الرابعة

يتعهد ملك الحبشة بأن يسمح لحكومة بريطانيا وحكومة السودان أن تختار في منطقة ايطانج على نهر يارو قطعة أرض لا تقل مساحة وقوعها على النهر على ألفي متر مشاعة في مساحة لا تزيد عن 400 هكتار تؤجر لحكومة السودان لادارتها بمعرفتها طوال مدة بقاء السودان تحت نظام الحكم الثنائي من مصر وبريطانيا ومن المتفق عليه بين المتعاقدين الساميين أن المنطقة المؤجرة بهذه الصفة سوف لا تستعمل لأية أغراض سياسية ولا عسكرية.

المادة الخامسة

يمنح الإمبراطور منليك ملك الحبشة حكومتي بريطانيا والسودان الحق في انشاء طريق سكة حديد يخترق الأراضي الحبشية حتى يصل السودان بأوغندا.

وسوف يختار هذا الطريق الحديدي باتفاق ودي بين الطرفين الساميين المتعاقدين ويبدأ نفاذ المعاهدة المذكورة على أثر توثيقها من حكومة بريطانيا وتغلق ذلك لحكومة الحبشة.

وقد وقع على هذه المعاهدة من إمبارطور الحبشة ومن النائب عن المملكة المتحدة من صورتين باللغتين الإنجليزية والأمهرية.

أديس أبابا في اليوم الخامس عشر من مايو سنة 1902

التوقيعات عن بريطانيا

البكباشي جون لون هارينجتون

التوقيعات عن الحبشة

خاتم الإمبراطور منليك الثاني


ملحق 3/ب: معاهدة بين إثيوبيا وبريطانيا العظمى وإيطاليا بشأن الحدود بين إثيوبيا وإرتيريا والسودان الموقعة في أديس أبابا في 15 مايو 1902

اتفق جلالة الملك منليك الثاني إمبراطور أثيوبيا والميجور سيسود يكولا الوزير الإيطالي في اثيوبيا، وبكباشي هرينجتون ممثل جلالة ملك بريطانيا في أثيوبيا اتفاقا متبادلا على ما يلي:

مادة 1:

تعدل معاهدة الحدود بين أثيوبيا وإريتريا التي كان يحددها سابقة خط تومات-تودلوك على النحو التالي:

ابتداء من نقطة التقاء خور أم حجر مع ستيت، تتبع الحدود الجديدة هذا النهر إلى نقطة اتصاله بنهر ماتيات – وتتبع بحراه بحيث تترك جبل علا تاكورا لأريتريا وتتحدد بالمأرب عند نقطة اتصاله بالماي أمبيسا. ويتولى المندوبات الإيطالي والأثيوبي رسم الخط من ملتقى ستيت وماتيب إلى ملتقى المأرب وماي امبيا بحيث تنتمي قبيلة الكوناما إلى أريتريا.

مادة 2:

إن الحدود بين السودان وأريتريا بدلا من الحدود التي حددها المندوبان الإنجليزي والإيطالي بمقتضي معاهدة 16 أبريل 1901، تصبح الخط الذي يمر من سديرات عن طريق أبو جمل إلى نقطة التقاء خور أم حجر مع ستيت، ويصبح التفاق المالي ساريا بمجرد أن يبلغ إمبراطور أثيوبيا بتصديق الحكومتين الإنجليزية والإيطالية عليه.

واستنادا إلى ما سبق فقد وقع جلالة الملك منليك الثاني إمبراطور أثيوبيا باسمه وبالنيابة عن خلفائه، والميجور سيسوديكولا باسم جلالة الملك فيكتور أيمانويل الثالث ملك أيطاليا وخلفائه والمقدم هارينجتون باسم جلالة الملك إدوار السابع ملك المملكة المتحدة لبريطانيا والمستعمرات البريطانية فيما وراء البحار وإمبراطور الهند وخلفائه على المذكرة الحالية في ثلاث نسخ وقد تحررت باللغات الإيطالية والإنجليزية والأمهرية وكل النسخ رسمية ولها نفس الحجية وختمت بأختامهم.

تحررت في أديس أبابا في 15 مايو 1902

بكباشي ماجيوري فيديركو سيسوديكولا

جون لين هارينجتون (خاتم جلالة الملك الإمبراطور منيليك الثاني)


ملحق 3/ج: معاهدات بين بريطانيا العظمى وإيطاليا وأثيوبيا بشأن الحدود بين السودان الإنكليزي المصري وأثيوبيا وإريتريا

(الخط الحديدي الذي يصل السودان بأوغندا)

توقع في أديس أبابا ، يوم 15 مايو من عام 1902

جرت المصادقات المتبادلة في يوم 28 اكتوبر من عام 1902

إن صحاب الجلالة إدوار السابع، بعون الله ملك المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وأوغندا والممتلكات البريطانية فيما وراء البحار وإمبراطور الهند، وصاحب الجلالة منليك الثاني، بعون الله ملك ملوك إثيوبيا، وقد وحدتهما الرغبة في توكيد العلاقات الودية بين الدولتين، وتسوية الحدود بين السودان وأثيوبيا، ولما كان صاحب الجلالة الملك إدوارد قد عين بصفته مفوضا له البكباشي جون لين هارنجتون، حامل وسام فيكتوريا الملكي ومعتمد صاحب الجلالة لدى بلاط صاحب الجلالة منيليك الثاني ملك ملوك الحبشة، وقد قتم التحقق من صحة أوراق اعتماده أن صاحب الجلالة الإمبراطور منليك يتفاوض بالأصالة عن نفسه بوصفه ملك ملوك إثيوبيا فقد تم بينهما الاتفاق وأبرما بموجب هذا المواد التالية وهي ملزمة لهما ولورثتهما ولمن يخلفهما:

المادة الأولى

تكون الحدود بين السودان وأثيوبيا المتفق عليها بين الحكومتين: الخط باللون الأحمر على الخريطة الملحقة بهذه المعاهدة من نسختين الذي يمتد من خورام حجر إلى الجلايات إلى النيل الأزرق إلى أنهار يارو وبيور وأكوبو لغاية ميليلي ومنها إلى نقطة تقاطع الدرجة السادسة من شمال خط العرض مع الدرجة الخامسة والثلاثين من خط الطول شرق جرينتش.

المادة الثانية

يتم تعيين ووضع الحد الفاصل على الطبيعة – على النحو المحدد في المادة الأولى – بمعرفة لجنة مشتركة للحدود يعينها الطرفان المتعاقدان الساميان اللذين يخطران رعاياهما بما ذكر فور تعيين الحد.

المادة الثالثة

يلتزم صاحب الجلالة الإمبراطور منليك الثاني ملك ملوك إثيوبيا قبل حكومة صاحب الجلالة البريطاني بعدم اقامة ، أو السماح بإقامة، أية أشغال عبر النيل الأزرق وبحيرة تانا ونهر السوباط من شأنها أن توقف تدفق مياهها في النيل ما لم يتم ذلك بالاتفاق مع حكومة صاحب الجلالة البريطاين وحكومة السودان.

المادة الرابعة

يتلزم صاحب الجلالة الإمبراطور منليك الثاني ملك إثيوبيا بالسماح لحكومة صاحب الجلالة البريطانية وحكومة السودان باختيار مساحة من الأراضي مجاورة لايتانج على نهر بارو ذات وجهة على النهر لا تتجاوز ألفين متر وبحيث لا تتجاوز مساحتها أربعمائة هكتار تؤجر لحكومة السودان ويجرى ادارتها واحتلالها باعتبارها محطة تجارية طلما كان السودان خاضعها للحكومة الإنجليزية المصرية. ومن المتفق عليه بين الطرفين المتعاقدين الساميين أنه لا يجوز استخدام الأرض المؤجرة على هذا النحو في أية أغراض سياسية أو عسكرية.

المادة الخامسة

يخول صاحب الجلالة الامبراطور منيليك الثاني ملك ملوك إثيوبيا حكومة صاحب الجلالة البريطانية وحكومة السودان الحق في انشاء خط حديدي على الأراضي الحبشية لربط السودان بأوغندا ويتم اختيار الطريقة الذي يقام عليه الخط الحديدي بالاتفاق المتبادل بين الطرفين المتعاقدين الساميين.

تسري هذه المعاهدة اعتبارا من تاريخ اخطار امبراطور إثيوبيا بمصادقة صاحب الجلالة البريطانية عليها.

وبناء عليه وقع كل من:

صاحب الجلالة منيليك الثاني ملك ملوك إثيوبيا بالاصالة عن نفسه، والبكباشي جون لين هارنجتون بالانابة عن صاحب الجلالة الملك إدوار السابع، ملك المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وأيرلندا والممتلكات البريطانية فيما وراء البحار وإمبراطور الهند، على هذه المعاهدة المحررة من نسختين طبق الاصل باللغتين الإنجليزية والأمهرية متطابقين وكلتاهما رسميتان.

وقد وضعها على كل منها خاتمهما.

تحرر في أديس أبابا في الخامس عشر من شهر مايو من عام 1902 ميلادية.

توقيع جون لين هارنجتون

بكباشي

(خاتم صاحب الجلالة الإمبراطور منيليك الثاني)



مذكرة ملحق لمعاهدة العاشرة من يوليه عام 1900 بشأن الحدود بين أثيوبيا وأريتريا ومعاهدة الخامس عشر من مايو عام 1902 بشأن الحدود بين السودان الانكليزي – المصري وأثيوبيا


تم بالرضاء المتبادل: الاتفاق بين كل من صاحب الجلال الإمبراطور منليك الثاني، الأميرلاي شيكوديكولا ، الوزير الإيطالي في أثيوبيا، والمقدم هارنجتون، معتمد صاحب الجلال البريطانية في أثيوبيا، على ما يلي:

المادة الأولى

تعديل المعاهدة بشأن الحدود بين أثيوبيا وأريتريا، المحددة سابقة بخط تومات تودلوك، بالتراضي على النحو التالي: ابتداء من ملتقى خور أم حجر بنهر ستيت يتبع الحد الجديد للنهر حتى التقائه بنهر مايثاب متابعا مجراه وتاركا جبل علا تاكورا لأريتريا وملتقيا بالمأرب في نقطة التقائه بنهر ماي أمبيسا.

ويتولى مندوبون إيطاليون وأثيوبيون تعيين الخط ابتداء من ملتقى نهري ستيث ومايثاب حتى ملتقى نهر المأرب وماي أمبيسا بحيث تتبع قبيلة الكوناما أريتريا.

المادة الثانية

تصبح الحدود بين السودان وأريتريا – بدلا من الحدود التي عينها المندوبون الإنكليز والإيطاليون بموجب اتفاقية 16 أبريل 1901 هي الخط المرسوم ابتداء من سيدرات ومارا بأبي جمال حتى ملتقى نهري خورام حجر وستيت.

يسري هذا الاتفاق بمجرد اخطار إمبراطور أثيوبيا بمصادقة الحكومتين البريطانية والإيطالية عليه. وبناء عليه.

وقع كل من

صاحب الجلالة إمبراطور أثيوبيا منيليك الثاني بالأصالة عن نفسه وباسم من يخلفونه، والصاغ شيكوديكولا باسم صاحب الجلالة فيكتور إيمانويل الثالث ملك إيطالية ومن يخلفونه، والمقدم هارنجتون باسم صاحب الجلالة إدوار السابع ملك المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى والممتلكات البريطانية فيما وراء البحار وإمبراطور الهند ومن يخلفونه. على هذه المذكورة المحررة من ثلاثة نسخ متطابقة باللغات الإيطالية والإنكليزية والأمهرية وكل النسخ رسمية ووضعوا أختامهم عليها.

تحرر في أديس ابابا في الخامس عشر من شهر مايو من عام 1902م.

توقيع

جون هارنجتون

توقيع الصاغ فيديريكو شيكوديكولا

خاتم صاحب الجلالة الإمبراطور منيليك الثاني



ملحق 4 : اتفاق بين صاحب الجلالة الملك ليوبولد الثاني عاهجل دولة الكونغو المستقلة وصاحب الجلالة ملك المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وأيرلندا والممتلكات البريطانية فيما وراء البحار وإمبراطور الهند تعديلات للاتفاق الموقع عليه في بروكسل في الثاني عشر من شهر مايو من عام 1894

اتفق كل من الموقعين أدناه

البارون فان ايتفيلدي ، صاحب وسام ليوبولد ووزير الدولة بدولة الكونغو المستقلة بالانابة عن صاحب الجلالة الملك ليوبولد الثاني عاهل دولة الكونغو المستقلة.

وجناب السيد المبجل السير إدوار غراي، حامل لقب بارونيت المملكة المتحدة، وعضو البرلمان والوكيل الأول لوزير خارجية صاحب الجلالة البريطانية بالإنابة عن صاحب الجلالة البريطاينة وكل منهما قد فوضه عاهله تفويضا صحيحا على ما يأتي:

البند الأول

يلغى بموجب هذا اجار الأراضي الذي منحته بريطانيا العظمى إلى صاحب الجلالة الملك ليوبولد الثاني عاهل دولة الكونغو المستقلة. بموجب البند الثاني من الاتفاق الذي توقع في بروكسل في الثاني عشر من شهر مايو من عام 1894 ولا يجوز لأي من الطرفين المطالبة بأي شئ يتعلق بالإيجار المذكور أو بأي حق يترتب عليه على أن يظل احتلال صاحب الجلالة الملك ليوبولد خلال عهده للأراضي التي في حوزته الآن والمعروفة باسم إقليم لادو المحاط بذات الشروط التي هي عليها الآن. ويسلم الإقليم المحاط إلى الحكومة السودانية خلال ستة شهور من تارخي انتهاء جلالته له وتتولى حكومتا السودان ودولة الكونغو تعيين موظفين التقدير قيمة ما عساه أن يوجد من منازل مستودعات وغيرها من التحسينات المادية، مما يسلم برضاه الطرفين مع الإقليم المحاط على أن تسدد حكومة السودان إلى دولة الكونغو قيمة المبلغ المتفق عليه. ويشمل الإقليم المحاط الأراضي التي يحدها خط يبدأ من نقطة تقع على الشاطئ الغربي لبحيرة ألبرت، جنوبي الكونغو مباشرة، وتمتد حتى أقرب نقطة إلى مستجمع الأمطار الكائن بين حوضي النيل والكونغو. ثم يتجه المنحدر من هذه النقطة بامتداد المستجمع حتى نقطة تقاطعه من جهة الشمال مع دائرة خط الطول الثلاثين شرق جرينوتيتش وبامتداد هذه الدائرة حتى نقطع تقاطعها مع خط عرض 45.30 شمالات حيث يسير مع خط العرض هذا إلى أن يصل نهر النيل. ثم يسير بامتداد النيل جنوبا حتى بحيرة ألبرت والشاطئ الغربي لهذه البحيرة هابطا إلى النقطة المذكورة أعلاه جنوبي مهاجي.

البند الثاني

يتبع الحد الفاصل بين الكونغو المستقلة، من جهة والسودان الإنكليزي المصري من جهة أخرى، ابتداء من نقطة التقاطع من جنوب دائرة خط الطول الثلاثين شرق جرينويتش مع مستجمع الأمطار الكائن بين نهري النيل والكونغو، خط هذا المستجمع في اتجاه شمالي غربي عموما إلى أن يصل الحدود بين دولة الكونغو المستقلة والكونغو الفرنسية.

على أن تظل شقة لاأرضي التي بلغ عرضها 25 كيلو مترا والممتدة بين المستجمع الكائن بين نهري النيل والكونغو وبين الشاطئ الغربي لبحيرة ألبرت، بما في ذلك مياه مهاجي، وهي الأراضي التي سمح لدولة الكونغو المستقلة باستئجارها بمقتضى البند الثاني من الاتفاق المبرم بتاريخ 12 مايو 1894، في حوزة هذه الدولة بالشروط المنصوص عليها في البند سالف الذكر.

البند الثالث

تتعهد حكومة الكونغو المستقلة، بأن لا تقيم أو تسمح باقامة – أية أشغال على نهر سمليكي أو نهر أسانجو أو بجوار أي منهما يكون من شأنها خفض حجم المياه التي تتدفق في بحيرة البرت، ما لم يتم ذلك بالاتفاق مع الحكومة السودانية

البند الرابع

يمنح تنازل (امتياز) بالشروط التي يتم الاتفاق عليها بين حكومتي السودان ودولة الكونغو إلى شركة إنكليزية – بلجيكية بانشاء وتشغيل خط حديدي من خطوط دولة الكونغو المستقلة إلى مجرى نهر النيل الصالح للملاحة بجوار لارو علما بأن هذا الخط الحديدي سيخضع بصفة مطلقة – لدى انتهاء احتلال جلالته للإقليم المحاط – لولاية الحكومة السودانية . وتتولى حكومة السودان ودولة الكونغو معا تحديد الاتجاه الفعلي للخط المذكور وتتعهد الحكومة لامصرية من أجل توفير النفقات الرأسمالية اللازمة لانشاء هذا الخط الحديدي ، بضمان سعر فائدة قدره 3 بالمائة عن مبلغ لا يتجاوز 800.000 جنيه.

البند الخامس

يتم انشاء ميناء عند نهاية الخط الحديدي يكون مفتوح للتجارة العامة وتتوافر فيه استعدادات ملائمة لتخزين البضائع واعادة شحنها ويسمح لشركة كنغولية أو بلجيكية – لدى انتهاء احتلال جلالته للاقليم المحاط – بامتلاك مستودع تجاري وأرصفة على النيل في الميناء المذكور على أنه لا يترتب بأي حال من الأ؛وال على وجود مثل هذا المستودع أو هذه الارصفة الحصول على أية حقوق بامتلاك أراضي زائدة خارجة عن التشريع الوطني وعلى أن يخطع جميع الأفراد فيها أو من لهم اتصال بها – خضوعا كاملا للقوانين والنظم السودانية.

البند السادس

للسفن التجارية التي يرفرف عليها العلم الكونغولي أو البلجيكي الحق في الملاح والتجارة في مياه النيل الأعلى دون أي تمييز فيما يتعلق بالتسهيلات التجارية بينها ومن السفن التجارية البريطاينة أو المصرية على أن يكون لهذه السفن بأي حال من الأحوال حقوق امتلاك اراضي زائدة وعلى أن تخضع خضوعا كاملا للقوانين والنظم السودانية.

البند السابع

يعامل الأشخاص والبضائع – بالنسبة للمرور عبر الأراضي السودانية أو المصرية من دولة الكونغو أو إليها لأغراض المرور أو النقل على النيل أو على شبكات الخطوط الحديدية السودانية أو المصرية – معاملة مماثلة لمعاملة الاشخاص والبضائع المصرية أو البريطانية الوافدة من الممتلكات البريطانية أو المتجهة إليها.

البند الثامن

تحال جميع المنازعات التي قد تنشأ مستقبلا بالنسبة لتخوم حدود دولة الكونغو المستقلة – بما في ذلك الحد المنصوص عليه في الفقرة الأولى من البند الثاني من هذا الاتفاق فيما لو عجز الطرفان عن التوصل إلى تفاهم ودي بشأنها ، إلى محكمة لاهاي للتحكيم ويكون قرارها ملزما لكلا الطرفين مع العلم بأنه لا يجوز مع ذلك بأي حال من الأحوال تطبيق هذا البند على أي مسائل تتعلق بالإيجار الوارد في البند الثاني من الاتفاق الذي توقع في بروكسل في الثاني عشر من شهر مايو من عام 1894 ، وفي البند الأول من هذا الاتفاق.

تحرر من نسختين في لندن في التاسع من شهر مايو من عام ستة وتسعمائة وألف ميلادية

خاتم البارون فان ايتفيلدي

خاتم إدوارد غراي



ملحق 5: اتفاق بين بريطانيا العظمى وفرنسا وإيطاليا بشأن الحبشة

توقع في لندن في الثالث عشر من شره ديسمبر من عام 1906 لما كان الصالح المشترك لكل من فرنسا وبريطانيا العظمى وإيطاليا يقتضي الحفاظ على سلامة أثيوبيا ووحدة أراضيها، والحيلولة دون حدوث أية قلاقل بالنسبة للظروف السياسية للإمبراطورية الأثيوبية، والتوصل إلى تفاهم مشترك فميا يتعلق بتصرفها اذا ما طرأ أي تغيير على الوضع في إثيوبيا. والعمل على ألا يكون من شأن أي إجراء تتخذه الدول الثلاثة حماية لمصالحها، سواء في الممتلكات البريطانية أو الفرنسية أو الإيطالية على التوالي، أو في إثيوبيا ذاتها، الإضرار بمصالح أية منها فقد وافقت كل من فرنسا وبريطانيا العظمى وإيطاليا على التسوية التالية:

البند الأول

اتفقت فرنسا وبريطانيا العظمى وإيطاليا على الإبقاء على الوضع الراهن السياسي والإقليمي في إثيوبيا على النحو الذي تقرره الحالة السائدة للأمور في الوقت الراهن وتحدده التسويات التالية:

(أ‌) الاتفاقية الإنكليزية – الإثيوبية بتاريخ 14 مايو 1897 وملحقاتها. (ب‌) الاتفاقية الإنكليزية – الإثيوبية بتاريخ 10 يولية 1900. (ت‌) المعاهدة الإنكليزية الإثيوبية بتاريخ 15 مايو 1902. (ث‌) المذكرة الملحقة بالمعاهدة سالفة الذكر المبرمة بتاريخ 15 مايو 1902. (ج‌) اتفاقية 11 مارس 1862 بين فرنسا والدناكيل. (ح‌) الترتيب الفرنسي الإنكليزي بتاريخ 2-9 فبراير 1888. (خ‌) البروتوكول الفرنسي – الإيطالي بتاريخ 24 يناير 1900 والبروتوكول الفرنسي – الإيطالي بتاريخ 10 يولية 1901 بشأن تعيين حدود الممتلكات الإيطالية والفرنسية على ساحل البحر الأحمر وخليج عدن. (د‌) الاتفاقية الفرنسية الإثيوبية بشأن الحدود بتاريخ 20 مارس 1897.

ومن المفهوم أن الاتفاقيات المختلفة المذكورة في هذا البند لا تمس حقوق السيادة لإمبراطور الحبشة ولا تعدل بأي حال العلاقات السائدة بين الدول الثلاث وبين الإمبراطوريات الإثيوبية عما هو منصوص عليه في هذه التسوية.

البند الثاني

فيما يتعلق بطلبات الحصول على امتيازات زراعية وتجارية وصناعية في إثيوبيا تقوم الدول الثلاث بإصدار تعليمات إلى ممثليها بما يكف أن الامتيازات التي تمنح لصالح إحدى الدول الثلاث لا تضر بمصالح الدولتين الأخريتين.

البند الثالث

فيما لوحدث أي تنافس أو أي تغيير داخل إثيوبيا يلتزم ممثلو فرنسا وبريطانيا العظمى وإيطاليا بالحيدة ويمتنعون عن التدخل على أي نحو في شئون تلك البلاد ويقتصر عملهم على اتخاذ إجراء يعتبر باتفاق الجميع ضروريا لحماية المفوضيات وأرواح الأجانب وممتلكاتهم والمصالح المشتركة للدول الثلاث. ولا يجوز باي حال من الأحوال أن تتدخل أية من الحكومات الثلاث بأي أسلوب وإلى أي مدى كان إلا بعد التفاهم مع الحكومتن الأخريين.

البند الرابع

فيما لو طرأ من الأحداث ما يعكر صفو الوضع الراهن المنصوص عليه في البند الأول تبذل كل من فرنسا وبريطانيا العظمى وإيطاليا قصارى جهدها في الحفاظ على سلامة أثيوبيا، ووحدة أراضيها وفي جميع الأحوال. وعلى أساس ما ورد من اتفاقات في البند المذكور، يتم التشاور فيما بينهما من أجل الحفاظ على:

أ‌- مصالح بريطانيا العظمى ومصر في حوض النيل بوجه خاص ما يتعلق منها بتنظيم مياه هذا النهر وروافده مع مراعات المصالح المحلية على النحو الواجب ومع حفظ المصالح الإيطالية المذكورة في الفقرة ب. ب‌- مصالح إيطاليا في إثيوبيا بالنسبة لاريتريا والصومال (بما في ذلك بنادير) وبوجه خاص فيما يتعلق بالمنطقة الواقعة خلف الساحل من ممتلكاتها وكذلك بالوحدة الإقليمية لهذه الممتلكات غربي أديس أبابا. ت‌- المصالح الفرنسية في أثيوبيا بالنسبة لساحل الصومال الخاضع للحماية الفرنسية والمنطقة الواقعة خلف الساحل لهذه المحمية والمنطقة اللازمة لإنشاء السكة الحديدية من جيبوتي إلى أديس أبابا وحركة مرورها.

البند الخامس

تحيط الحكومة الفرنسية الحكومتين البريطانية والإيطالية علما:

1- بصك امتياز السكة الحديدية الفرنسية الإثيوبية بتاريخ 9 مارس 1894. 2- بكتاب الإمبراطور منيليك بتاريخ 8 أغسطس 1904، وترجمته ملحقة بهذا الاتفاق، الذي يدعو فيه الشركة صاحبة الإمتياز إلى بناء الوصلة الثانية من دير داوا إلى أديس أبابا.

البند السادس

اتفقت الحكومات الثلاث على مد خط جيبوتي الحديدي من دير داوا إلى أديس أبابا مع جواز التفرغ مستقبلا نحو هرر، عن طريق شركة السكك الحديدية الأثيوبية بمقتضى الصكوك المعدوة بالبند السابق، أو عن طريق أي شركة فرنسية خاصة أخرى تحل محلها بموافقة الحكومة الفرنسية وذلك بشرط أن يمتمع مواطنو البلاد الثلاثة فيما يختص بالمسائل المتعلقة بالتجارة والمرور، بمعاملة متساوية تماما بالنسبة للسكة الحديدية وفي ميناء جيبوتي على حد سواء، على ألا تستحق أية رسوم أميرية على البضائع المارة، سواء لصالح المستعمرة أو لصالح الخزانة الفرنسية.

البند لاسابع

تقدم الحكومة الفرنسية مساعدتها بالنسبة لانضمام أحد الإنكليز وأحد الإيطالييين وممثل الإمبراطورية الحبشة إلى مجلس إدارة الشركة أو الشركات الفرنسية التي يسند إليها تنفيذ واستغلال مشروع السكة الحديدية من جيبوتي إلى أديس أبابا. وينص بناء على مبدأ المعاملة بالمثل على أن تقدم الحكومتان الإنجليزية والإيطالية مساعدتها كي يكفل لأحد لافرنسيين بالشروط ذاتها منصبا في الإدارة في أي شكة إنكليزية أو إيطالية تكون قد تكونت مستقبلا لإنشاء وإستغلال خط حديدي من أية بقعة في الحبشة إلى أية من الأراضي الإنكليزية أو الإيطالية المجاورة، وبالمثل فمن المفهوم أن مواطني البلاد الثلاثة يتمتعون – فيما يتعلق بالمسائل الخاصة بالتجارة والمرور – بمعاملة متساوية تماما بالنسبة للسكك الحديدية التي تنشئها شركات إنكليزية أو إيطالية وبالنسبة للمراكز أن تقلع منها هذه السكك الحديدية على حد سواء ولا يجوز تحصيل آية رسوم مرور أميرية لصالح المستعمرات أو لصالح الخزانة الإنكليزية أو الإيطالية على البضائع المارة.

واتفقت الدول الثلاث الموقعة على أن تشمل مزايا أحكام البندين السادس والسابع الخاصة بالمساوة في المعاملة فيما يتعلق بالتجارة والمرور لمواطني جميع البلاد الأخرى.

البند الثامن

تمتنع الحكومة الفرنسية عن التدخل في كل ما يتعلق بالامتياز الذي سبق منحه فيما تجاوز أديس أبابا.

البند التاسع

اتفقت الحكومات الثلاث على أن ينفذ أي مشروع لانشاء خط حديدي في الحبشة غربي أديس أبابا بالقدر الذي يلزم معه وجود عون أجنبي، تحت رعاية إنكلترا. وبالمثل تفقت الحكومات الثلاث على أن يكون تنفيذ أي مشروع لإنشاء خط حديدي في إثيوبيا يربط بنادير بأريتريا غربي أديس أبابا، بالقدر الذي يلزم معه وجود عون أجنبي، تحت رعاية إيطالية.

وتحفظ الحكومة البريطانية لنفسها الحق لدى الاقتضاء في استخدام التراخيص الممنوحة لها من الإمبراطور منيليك بتاريخ 28 أغسطس 1904 بإنشاء خط حيدي من الصومال إيطالية عبر أثيوبيا حتى الحدود السودانية بشرط أن تتفاهم مع ذلك في هذا الأمر مع الحكومتين الفرنسية والإيطالية وتحرم الحكومات الثلاث على نفسها إنشاء أي خط يخترق الأراضي الحبشية أو يتصل بالخطوط الحبشية يكون من شأنه منافسة الخطوط التي تكون قد أنشأت تحت رعاية أي منها ما لم يكن هناك تفاهم مسبق في هذا الأمر فيما بينها.

البند العاشر

يحيط ممثلو الدول الثلاث بعضهم بعضا علما تاما بكل ما من شأنه حماية مصالح كل منها ويتعاونون من أجل ذلك . وفيما لو عجز الممثلون الإنجليز والفرنسيون والإيطاليون عن الاتفاق فيما بينهم فعليهم أن يحيلو الأمر إلى حكوماتهم ويمتنعوا مؤقتا عن اتخاذ أي إجراء.

البند الحادي عشر

فيما خلال أي من الترتيبات الواردة في البند الأول والبند الخامس من هذه الاتفاقية لا يجوز أن يحتج بأي اتفاق تكون أي من الدول المتعاقدة قد أربمته بشأن المنطقة الإثيوبية في مواجهة الدولتين الأخيريين الموقعتين على هذه التسوية.

تحرر في لندن في الثالث عشر من شهر ديسمب رمن عام ستة وتسعمائة وألف ميلادية.

توقيع أ. غراي

توقيع بول كامبون

توقيع أ. دي سان جيوليانو


ملحق 5: المذكرات المتبادلة بين المملكة المتحدة وإيطاليا بشأن الامتيازات المتعلقة بإقامة خزان على بحيرة تانا وخط حديدي عبر الحبشة من أريتريا إلى الصومال الإيطالي

روما ، 14-20 ديسمبر 1925


  • (رقم 1)

السفير البريطاني في روما إلى رئيس مجلس الوزراء الإيطالي ووزير الخارجية، روما 14 ديسمبر 1925


السيد/ رئيس مجلس الوزراء

تدركون جيدا الأهمية الحيوية، بالنسبة لمصر والسودان، للحفاظ على حجم المياه المخصصة لأغراض الري – بل زيادته إذا ما أمكن – وهي التي يتيحها لهذين البلدين كل من النيل الأزرق والنيل الأبيض وروافدهما. وقد تم تنفيذ، كما أنه جاري تخطيط، مشروعات مختلفة لهذا الغرض ونحطيكم علما بالمفاوضات التي نجريها في أديس أبابا حكومة صاحب الجلالة وتعمل – بصفتها وكيلة عن حكومة السودان ومراعية في هذا بشأن المصالح المصرية – على الحصول على اميتاز من حكومة الحبشة لبناء خزان على بحيرة تانا من أجل تخزين مياهها كي تستخدم في النيل الأزرق. ولم تسفر هذه المفاوضات إلى الآن عن أي نتائج عملية.

وفي نوفمبر 1919 تكرم مندوبو الحكومة البريطانية – وقد كانو آنذاك في لندن - بعرض تعاون إيطاليا بالنسبة لهذه المسألة باللفظ التالي:

بالنظر إلى مصالح بريطانيا العظمى الغالبة فيما يتعلق بالتحكم في مياه بحيرة تانا تقدم إيطاليا لبريطانيا العظمى مساندتها في هذا الشأن كي يتاح لها الحصول على إميتاز من إثيوبيا بإجراء الأشغال الخاصة بالخزان في البحيرة ذاتها. ضمن منطقة النفوذ الإيطالي، إلى أن يتحدد نطاق المنطقة الإقليمية التي يعترف بتبعيتها لبريطانيا العظمى فيما يختص بمصالحها الهيدرولية الغالبة وإلى أن ينظر بعين عادلة في أمر التحفظ الوارد بالاتفاق الثلاثي لصالح إيطاليا أيضا لمصالحها الهيدرولية . كما تقدم إيطاليا أيضا لبريطانيا العظمى مساندتها من أجل الحصول من إثيوبيا على حق إنشاء وإبقاء طريق للسيارات يمتد بين بحيرة تانا والسودان.

وتطلب إيطاليا تأييد من بريطانيا العظمى في الحصول على إمتياز من الحكومة الأثيوبية ببناء وتشغيل خط حديدي من حدود أريتريا إلى حدود الصومال الإيطالي على أن يمر هذا الخط الحديدي إلى غرب أديس أبابا طبقا للاتفاق الثلاثي. على أنه من المفهوم أنه ينبغي أن تكفل تماما لهذا الخط الحديدي وكافة الأشغال اللازمة التي يتطلبها إنشاؤه وتشغيله حرية المرور عبر طريق السيارات سالفة الذكر.

"وتطلب إيطاليا من بريطانيا العظمى – كما أنها تحتفظ لنفسها بحق مطالبة فرنسا – بأن يكون لها نفوذا اقتصاديا خالصا في غرب إثيوبيا وفي كامل الأراضي التي يعبرها الخط الحديدي سالف الذكر، وتعهدا بتاييد جميع طلباتها الخاصة بالحصول على امتيازات اقتصادية فيما يتعلق بالمنطقة الإيطالية لدى الحكومة الإيثيوبية".

ولم يكن هذا لاعرض واردا في ذاك الحين وذلك اساسا لوجود معارضة قوية لفكرة السماح لدولة أجنبية بالتحكم بأي صورة على المياه الرئيسية لنهرين حيويين لرخاء مصر والسودان – بل لوجودهما ذاته. على أنه نظرا للثقة المتبادلة التي تتسم بها – من حسن الطالع – العلاقات بين حكومتينا فإن حكومة صاحبة الجلالة تود أن تضيف إلى هذه المسألة مبدأ التعاون الذي طالما ثبتت قيمته في مجالات أخرى، وعليه فقد أولت حكومة صاحبة الجلالة البريطانية المسألة مزيدا من الدراسة وهي تعترف بأن الاقتراح الإيطالي لا يتعارض ونص اتفاقية لندن بتارخي 13 ديسمبر 1906، ذلك أن الهدف من هذه الاتفاقية هو الابقاء على الوضع الراهن في إثيوبيا على أساس الصكوك الدولية المشار إليها في المادة الأولى من الاتفاقية المذكورة، وكذلك تنسيق العمل بين الدول الموقعة عليها كي لا تضار أي منها.

وعلى ذلك فهي سترحب بالتأييد الذي تعرضه إيطاليا بشرط أن يتسنى قبوله دون الإضرار بالمصالح الهيدرولية الغالبة لكل من مصر والسودان التي لم يفت الحكومة الإيطالية أن تعترف بها.

وعليه فإن من دواعي الشرف أن أطلب – بناء على تعليمات وزير الدولة الأول للشئون الخارجية بحكومة صاحب الجلالة – مساندة وعون سعادتكم لدى الحكومة الحبشية في أديس ابابا في الحصول على امتياز منها لحكومة صاحب الجلالة ببناء خزان على بحيرة تانا وحق إنشاء وإبقاء طريق للسيارات لمرور المؤن والعاملين إلخ من حدود السودان إلى الخزان.

إن حكومة صاحب الجلالة على إستعداد في مقابل ذلك أن تساند الحكومة الإيطالية في الصحول على اميتاز من الحكومة الحبشية بإنشاء وتشغيل خط حديدي من أريتريا إلى حدود الصومال الإيطالي، على أنه من المفهوم أنه سيكفل لهذا الخط الحديدي مع ما يصاحب ذلك من كافة الأشغال اللازمة التي يتطلبها إنشاؤه وتشغيله حرية مرور كاملة عبر طريق السيارات المذكور أعلاه.

وينبغي، ابتغاء هذا الغرض، ارسال تعليمات متطابقة إلى ممثلي كل من بريطانيا العظمى وإيطاليا في أثيوبيا لتنسيق المسعى المشترك لدى الحكومة الحبشية بما يتيح منح الامتيازات التي تريدها حكومتا بريطانيا العظمى وإيطاليا فيما يتعلق ببحيرة تانا وإنشاء خط حديدي يصل أريتريا بالصومال الإيطالي في آن واحدة، على أن يظل مفهوما أنه في حالة حصول إحدى الحكوتين على الإمتياز الذي تسعى إليه وفضل الحكومة الأخرى في مسعاها ، ألا تتواني الحكومة التي بغيتها في بذل قصارى جهدها بما يحقق للحكومة المعنية الأخرى ترضية مماثلة.

وفي حالة حصول حكومة صاحبة الجلالة – بمساعدة الحكومة الإيطالية القيمة – على الإمتياز المطلوب من الحكومة الحبشية بشأن بحيرة تانا، فإنها على إستعداد ايضا للإعتراف بالنفوذ الاقتصادية الخالص لإيطاليا في غرب الحبشة وكامل الأراضي التي يعبرها الخط الحديدي سالف الذكر، كما أنها ستتعهد أيضا بتأييد جميع طلبات إيطاليا لدى الحكومة الحبشية بشأن الحصول على امتيازات اقتصادية في المنطقة المذكورة. إلا أن مثل هذا الاعتراف والتعهد يتوقف على شرط اعتراف الحكومة الإيطالية ، من جانبها ، بالحقوق الهيدرولية الأولى لمصر والسودان والتزامها بعدم إجراء أية أشغال على المياه الرئيسية للنيل الأزرق أو النيل الأبيض أو أي من فروعها وروافدها من شأنها أن تعدل بصورة ملموسة – تدفق المياه نحو النهر الرئيسي. ومن المفهوم أن الشرط أعلاه لا يحول دون استخدام أهالي المنطقة للمياه المذكورة استخداما معقولا، إلى حد بناء سدود لتوليد الطاقة الكهرومائية أو خزانات صغيرة على الأفرع الثانوية لتخزين المياه للأغراض المحلية وزراعة المحاصيل الغذائية اللازمة لإعاشتهم.

وتغتنم حكومة صاحب الجلالة هذه الفرصة لكي تؤكد للحكومة الإيطالية بأن بناء الخزان وتشغيله سيجرى قدر الإمكان بالأيدي العاملة الحلية وأن رفع منسوب المياه في البحيرة لن يتجاوز الحد الأقصى الذي وصل إليه حتى الآن خلال مواسم الأمطار. لذلك كانت حكومة صاحب الجلالة على ثقة بأن وجود الخزان لن يقتصر على مصر والسودان فحسب، وإنما سيكون من شأنه أيضا زيادة رخاء السكان المحليين ودفع تقدمهم الاقتصادي قدما.

وإني أغتنم هذه المناسبة ... إلخ.

د. جراهام






(رقم 2)

رئيس مجلس الوزراء الإيطالي ووزير الخارجية إلى السفير البريطاني في روما، روما ، 20 ديسمبر 1925

السيد/السفير

يشرفني أن أحيطم علما بإستلامي مذكرتكم المؤرخة في 14 ديسمبر وقد تكرمتم سيادتكم فيها – بناء على تعلميات حكومة بلادكم – باسترعاء انتباهي إلى مشكلة الري في مصر والسودان وإلى المفاوضات التي أجرتها حتى الآن الحكومة البريطانية دون جدوى من أجل الحصول على امتياز من الحكومة الحبشية بإنشاء خزان على بحيرة تانا بغية تخزين مياه البحيرة لتغذية النيل الأزرق.

تذكرون سيادتكم في هذا الصدد المقترحات التي عرضها في لندن مندوبو الحكومة الإيطالية في شهر نوفمبر 1919 حول إيجاد تعاون إنجليزي – إيطالي ودي في هذا الشأن. وقد ذكرتم أنها لم تقبل آنذاك حيث كان الشعور سائدا بمعارضة فكرة تحكم أية دولة أجنبية بأية صورة في منابع نهرين حيويين بالنسبة لرخاء مصر والسودان، بل لوجودهما ذاته. إلا أنه، بالنظر إلى الثقة المتبادلة التي – من حسن الطالع – تحكم الآن العلاقات بين حكومتي بلدينا، فإن حكومة صاحب الجلالة البريطانية تود أن تضيف إلى هذه المسألة مبدأ التعاون الودي الذي طالما ثبتت قيمته في مجالات أخرى.

وقد أضفتم جنابكم أن حكومة صاحب الجلالة البريطانية قد شرعت بالتالي في إجراء بحث أكثر دقة للموضوع وأنها تعترف بأن المقترحات الإيطالية لا تتعارض مع أحكام اتفاقية لندن المبرمة بتاريخ 13 ديسمبر 1906 بحيث إن الغرض من الاتفاقية المذكورة هو الابقاء على الوضع الراهن في إثيوبيا على أساس الصكوك الدولية المشار إليها في المادة الأولى من الاتفاقية ذاتها وتنسيق العمل بين الدول الموقعة عليها من أجل حماية مصالح كل منها بحيث لا تضار هذه المصالح.

كما أن الحكومة البريطانية ، وقد ضمت صوتها بالتالي إلى المقترحات الإيطالية، سترحب بمساندة إيطاليا لها، بشرط أن يتسنى قبولها دون الإضرار بالمصالح الهيدرولية الغالبة لكل من مصر والسودان التي اعترفت بها الحكومة الإيطالية ذاتها.

وعلى ذلك فإن جنابكم، بناء على تعليمات حكومة بلادكم – تطلبون تأييد ومساعدة الحكومة الإيطالية لدى الحكومة الإثيوبية في الحصول على إمتياز من الحكومة الإثيوبية ببناء خزان على بحيرة تانا وحق إنشاء وإبقاء طريق للسيارات لمرور المؤن والعاملين ، إلخ من حدود السودان إلى الخزان.

وجنابكم أعلنتم لي أن حكومة صاحب الجلالة البريطانية ستساند، مقابل ذلك، الحكومة الإيطالية في الحصول على إمتياز من الحكومة الحبشية بإنشاء وتشغيل خط حديدي من حدود أريتريا إلى حدود الصومال الإيطالي ، علما بأن هذا الخط الحديدي ، مع ما يتبعه من كافة الأشغال اللازمة لإنشائه وتشغيله، سيكفل له حرية المرور عبر طريق السيارات سالف الذكر.

وأضتم جنابكم أنه ابتغاء هذا الغرض ينبغي إصدار ما يلزم من تعليمات متطابقة إلى كل من ممثلي بريطانيا العظمى وإيطاليا في أثيوبيا بالتشاور حول القيام بتدبير مشترك لدى الحكومة الحبشية يكفل به منح الإمتيازات التي ترغب كل من الحكوتين البريطانية والإيطالية الحصول عليها فيما يتعلق ببحيرة تانا وإنشاء خط حديدي يصل أريتريا بالصومال الإيطالي في آن واحد. على أن يظل مفهوما أنه في حالة حصول إحدى الحكومتين عل الإمتياز الذي تسعى إليه وفشل الحكومة الأخرى في مسعاها، ألا تألو الحكومة التي نالت بغيتها جهدا في تحقيق ترضية مماثلة لصالح الحكومة المعنية الأخرى. ثم إن جنابكم قررتم بعد ذلك أنه في حالة حصول حكومة صاحب الجلالة – بمساندة الحكومة الإيطالية الفعلية – على الإمتياز المطلوب من الحكومة الحبشية في بحيرة تانا، فإن الحكومة البريطانية ستعترف ايضا بالطابع المطلق للنفوذ الاقتصادي الإيطالي في غرب الحبشة وكامل الأراضي التي يمتد الخط الحديدي عبرها. كما أن الحكومة البريطانية ستساند ايضا جميع الطلبات الإيطالية، لدى الحكومة الإثيوبية، التي تتعلق بالحصول على امتيازات اقتصادية في المنطقة المذكورة أعلاه. على أنه مثل هذا الاعتراف وهذا التعهد يتوقفان على شرط إعتراف الحكومة الإيطالية ، من جانبها ، بالحقوق الهيدرولية الأولى لكل من مصر والسودان والتزامها بعدم إجراء أية أشغال على المياه الرئيسية للنيل الأزرق والنيل الابيض وراوفدهما وفروعها يكون من شأنها أن تعدل بصورة ملموسة تدفقها إلى النهر الرئيسي.

ثم جنابكم قررتم أخيرا أنه يظل مفهوما أن الشرط أعلاه لا يحول دون استخدام أهالي المنطقة المياه المذكورة استخداما معقولا، بل إلى حد بناء سدود لتوليد الطاقة الكهرومائية أو بناء خزانات صغيرة على أفرع ثانوية لتخزين المياه للأغراض المحلية ولزراعة المحاصيل الغذائية اللازمة لإعاشتهم.

كما أن جنابكم أكدتم للحكومة الإيطالية – بناء على تعليمات حكومة بلادكم – أن بناء وتشغيل السد سيتمان قدر الإماكان بالاستعانة بالأيدي العاملة المحلية وأن رفع منسوب مياه البحيرة لن يتجاوز الحد الأقصى الذي بلغه حتى الآن خلال مواسم الأمطار. ومن ثم كانت الحكومة البريطانية على ثقة بأن وجود الخزان لن يقتصر نفعه على مصر والسودان فحسب، إنما سيكون من شأنه أن يزيد من رخاء السكان المحليين ويدفع تقدمهم الاقتصادي قدما أيضا.

وردا على تصريحات وطلبات جنابكم سالفة الذكر أتشرف أن أقرر من جانبي أن الحكومة الملكية قد أحاطت علما بأن الحكومة البريطانية تعترف بأنه من المرغوب فيه أن يضاف إلى المسالة المشار إليها مبدأ التعاون الودي الذي ثبتت قيمته في مجالات أخرى. وقد سجل هذا الأمر بمزيد من الارتياح، إذ أنن أؤمن بأن من شأن مثل هذا التعاون أن تزداد فائدته كلما اتسع مداه.

كما أحاطت الحكومة الملكية علما بأن حكومة صاحب الجلالة البريطانية مقتنعة الآن بأن المقترحات الايطالية التي قدمت في نوفمبر 1919 لا تتعارض مع أحكام اتفاقية لندن المبرمة بتاريخ 13 ديسمبر 1906 حيث أن هدف هذه الاتفاقية (كما كانت تؤكد إيطاليا دوما) هو الإبقاء على الوضع الراهن في إثيوبيا على أساس الاتفاقات الدولية المشار إليها في المادة الأولى من الاتفاقية ذاتها وتنسيق عمل الدول الموقعة عليها في حماية مصالح كل منها كي لا تضار هذه المصالح.

ومع التسليم بذلك، فإنه على الرغم من أن المقترحات المذكورة أعلاه التي قدمت في لندن في شهر نوفمبر 1919 كانت تشكل جزءا من مفاوضات أوسع مدى ذات طابع استعماري منبثقة من اتفاقية لندن عام 1915، وهي المفاوضات التي أسفرت عن نتائج جزئية فقط، فإن الحكومة الملكية توافق مع ذلك على أن تتناول من جديد المقترحات المذكورة إذ أنها تشارك بوجه خاص رغبة الحكومة البريطاينة في تحقيق مبدأ التعاون الودي وتأمل فضلا عن ذلك أن يتسع تطبيق هذا المبدأ باستمرار من أجل حماية وتنمية المصالح الإيطالية والبريطانية على التوالي في إثيوبيا بحيث يتحقق هذا الأمر بطبيعة الحال على أسس وفي حدود أحكام اتفاقية لندن لعام 1906.

لذلك أتشرف بأن أقرر لجنابكم أن الحكومة الملكية ستؤيد الحكومة البريطانية لدى الحكومة الإثيوبية في الحصول على امتياز منها بانشاء خزان على بحيرة تانا مع حق الإنشاء وإبقاء طريق للسيارات لمرور المؤن والعاملين ، إلخ من حدود السودان إلى الخزان.

ومن جهة أخرى تسجل الحكومة الملكية أن الحكومة البريطانية ستساند مقابل ذلك الحكومة الإيطالية في الحصول على إمتياز من الحكومة الحبشية بإنشاء وتشغيل خط حديدي من حدود أرتريا إلى حدود الصومال الإيطالي ، على أن يظل مفهوما أن هذا الخط الحديدي، مع ما يتبعه من الأشغال اللازمة التي يتطلبها إنشاؤه وتشغيله، ستكفل له حرية المرور عبر طريق السيارات سالف الذكر.

وسوف ترسل الحكومة الإيطالية – إبتغاء لهذا الغرض – التعليمات اللازمة لممثل إيطاليا في أديس أبابا بما يتطابق والتعليمات التي سترسلها الحكومة البريطانية إلى ممثلها كي يتم بينهما التنسيق للقيام بعمل مشترك لدى الحكومة الحبشية يكفل منح الامتيازات المطلوبة لكل من الحكومة البريطانية والحكومة الإيطالية فيما يتعلق ببحيرة تانا والخط الحديدي الذي يفصل أرتريا بالصومال في آن واحد. على أن يظل مفهوما أنه في حالة حصول إحدى الحكومتين على الإمتياز الذي تسعى إليه وفشل الحكومة الأخرى مسعاها، ألا تألوا الحكومة التي نالت بغيتها جهدا في تحقيق ترضية مماثلة لصالح الحكومة المعنية الأخرى، كي يكفل بذلك أن يتم التنفيذ الفعلي لموضوعي الإمتيازين – إذا ما أمكن – في آن واحد.

وتسجل الحكومة الملكية أنه في حالة حصول حكومة صاحب الجلالة – بمساندة الحكومة الإيطالية الفعلية – على الإمتياز المطلوب من الحكومة الحبشية في بحيرة تانا ، فإن الحكومة البريطانية ستعترف بالطابع المطلق للنفوذ الاقتصادي الإيطالي في غرب الحبشة وكامل الأراضي التي يمتد الخط الحديدي سالف الذكر عبرها، كما أنها ستساند أيضا جميع الطلبات الإيطالية، لدى الحكومة الإثيوبية ، التي تتعلق بالحصول على إمتيازات اقتصادية في المنطقة المذكورة.

وتتعهد الحكومة الإيطالية من جانبها، اعترافا منها بالحقوق الهيدرولية الأول لكل من مصر والوسدان، بعدم اجراء أية أشغال على المياه الرئيسية للنيل الأزرق والنيل الأبيض وروافدهما وفروعها يكون من شأنها أن تعدل بصورة ملموسة تدفقها إلى النهر الرئيسي.

وإنني ألاحظ أن حكومة صاحب الجلالة البريطانية تنوي بصدق إحترام الحقوق التابعة لسكان الأراضي المجاورة في المياه.. وهي الأراضي التي تقع ضمن منطقة النفوذ الاقتصادي الإيطالي المطلق. ومن المفهوم أنه ينبغي رسم إطار وإنجاز المشروع الذي يعتزم تنفيذه – قدر الإمكان وبما يتوافق والمصالح الغالية لكل من مصر والسودان – بحيث يرضي بصورة ملائمة احتياجاتها الاقتصادية.

تفضلوا بقبول ... الخ

موسوليني



ملحق 7: اتفاقية مياه النيل لسنة 1929

المذكرات المتبادلة من المملكة المتحدة والحكومة المصرية بشأن استعمال مياه النيل لأغراض الري

القاهرة، 7 مايو 1929


كتاب موجه من حضرة صاحب الدولة رئيس مجلس الوزراء إلى حضرة صاحب الفخامة المندوب السامي لحكومة جلالة ملك بريطانيا بخصوص مسائل الري في 7 مايو سنة 1929

رئاسة مجلس الوزراء

يا صاحب الفخامة

1- تأييدا لمحادثتنا الأخيرة أتشرف بأن أبلغ فخامتكم آراء الحكومة المصرية فيما يختص بمسائل الري التي كانت موضع محادثتنا. إن الحكومة المصرية توافق على أن البت في هذه المسائلة لا يمكن تأجيله حتى يتيسر للحكومتين عقد اتفاق بشأن مركز السودان. غير أ،ها مع إقرار التسويات الحاضرة تحتفظ بحريتها التامة فيما يتعلق بالمفاوضات التي تسبق عقد مثل ذلك الاتفاق. 2- من البين أن تعمير السودان يحتاج إلى مقدار من مياه النيل أعظم من المقدار الذي يستعمله السودان الآن. ولقد كانت الحكومة المصرية دائما – كما تعلم فخامتكم – شديدة الإهتمام بعمران السودان. وستواصل هذه اللحظة، وهي لذلك مستعدة للاتفاق مع الحكومة البريطانية على زيادة المقدار بحيث لا تضر تلك الزيادة بحقوق مصر الطبيعية والتاريخية في مياه النيل. ولا بما تحتاج إليه مصر في توسعها الزراعي وبشرط الاستيثاق بكفية مرضية من المحافظة على المصالح المصرية على الوجه المفصل بعد في هذه المذكرة. 3- وبناء على ما تقدم: تقبل الحكومة المصرية النتائج التي انتهت إليها لجنة مياه النيل في سنة 1925 المرفق تقريرها بهذه المذكرة، والذي يعتبر جزءا لا ينفصل من هذا الاتفاق، على أنه نظرا للتأخير في بناء خزان جبل الأولياء الذي يعتبر، بناء على الفقرة الأربعين من قرير لجنة مياه النيل مقابلا لمشروعات ري الجزيرة، ترى الحكومة المصرية أن تعدل تواريخ ومقادير المياه التي تؤخذ تدريجيا من النيل للسودان في أشهر الفيضان كما هو مبين بالبند 57 من قرير اللجنة بحيث لا يتعدى ما يأخذه السودان 126 مترا مكعبا في الثانية قبل سنة 1926، وأن يكون من المفهوم أن الجدول المذكور في المادة السابق ذكرها يبقى بغير تغيير حتى يبلغ المأخوذ 126 مترا مكعبا في الثانية، وهذه المقادير مبنية على تقرير لجنة مياه النيل فهي إذن قابلة للتعديل كما نص على ذلك في التقرير. 4- ومن المفهوم أيضا أن الترتيبات الآتية ستراعي فيما يختص بأعمال الري على النيل:

(أ) أن المفتش العام لمصلحة الري المصرية في السودان أو معاونيه أو أي موظف آخر يعينه وزير الأشغال تكون لهم الحرية الكاملة في التعاون مع المهندس المقيم لخزان سنار لقياس التصرفات والأرصاد كي تتحقق الحكومة المصرية من أن توزيع المياه وموازنات الخزان جارية طبقا لما تم الاتفاق عليه.

وتسري الإجراء التفصيلية الخاصة بالتنفيذ والمتفق عليها بين وزير الأشغال ومستشاري حكومة السودان من تاريخ الموافقة على هذه المذكرة.

(ب) ألا تقام بغير اتفاق سابق مع الحكومة المصرية أعمال ري أو توليد قوى، ولا تتخذ إجراءات على النيل وفروعه أو على البحيرات التي ينبع منها سواء في السودان أو في البلاد الواقعة تحت الإدارة البريطانية يكون من شأ،ها إنقاص مقدار المياه الذي يصل إلى مصر أو تعديل تاريخ وصوله أو تخفيض منسوبه على أي وجه يلحق ضررا بمصالح مصر.

(ج) تلقى الحكومة المصرية كل التسهيلات اللازمة للقيام بدراسة ورصد الأبحاث المائية (هيدرولوجيا) لنهر النيل في السودان دراسة ورصدا وافيين.

(د) إذا قررت الحكومة المصرية إقامة أعمال في السودان على النيل أو فروعه أو اتخاذ أي اجراء لزيادة مياه النيل لمصلحة مصر تتفق مقدما مع السلطات المحلية على ما يجب اتخاذه من الإجراءات للمحافظة على المصالح المحلية ويكون إنشاء هذه الأعمال وصيانتها وإدارتها من شأن الحكومة المصرية وتحت رقابتها رأسا.

(هـ) تستعمل حكومة جلالة ملك بريطانيا العظمى وشمال أيرلندا وساطتها لدى حكومات المناطق التي تحت نفوذها لكي تسهل للحكومة المصرية عمل المساحات والمقاييس والدراسات والأعمال من قبل ما هو مبين في الفقرتين السابقتين.

(و) لا يخلو الحال من أنه في سياق تنفيذ الأمور المبينة بهذا الاتفاق قد يقوم من وقت لآخر شك في تفسير مبدأ من المبادئ أو بصدد بعض التفصيلات الفنية أو الإدارية فستعالج كل مسألة من هذه المسائل بروح من حسن النية المتبادلة فإذا نشأ خلاف في الرأي فيما يختص بتفسير أي حكم من الأحكام السابقة أو تنفيذه أو مخالفته ولم يتيسر للحكومتين حله فيما بينهما رفع الأمر لهيئة تحكيم مستقلة.

(ز) لا يعتبر هذا الاتفاق بأي حال ماسا بمراقبة وضبط النهر فإن ذلك يحتفظ به لمناقشات حرة بين الحكومتين عند المفاوضة في مسألة السودان.

وإني أنتهر هذه الفرصة لأجد لفخامتكم فائق إحترامي

القاهرة في 7 مايو سنة 1929

رئيس مجلس الوزراء

محمد محمود


  • رد حضرة صاحبة الفخامة المندوب السامي لحكومة جلالة ملك بريطانيا على كتاب حضرة صاحب الدولة رئيس مجلس الوزراء المؤرخ في 7 مايو سنة 1929


دار المندوب السامي

يا صاحب الدولة:

1- أتشرف بأن أخبر دولتكم بأن تسلمت المذكرة التي تكرمتم دولتكم بإرسالها إلي اليوم. 2- ومع تأييدي للقواعد التي تم الاتفاق عليها كما هي واردة في مذكرة دولتكم فإني أعبر لدولتكم عن سرور حكومة جلالة الملك من أن المباحثات أدت إلى حل لابد أنه سيزيد في تقدم مصر والسودان ورخائها. 3- وأن حكومة جلالة الملك بالمملكة المتحدة لتشاطر دولتكم الرأي في أن مرمى هذا الاتفاق وجوهره هو تنظيم الري على أساس تقرير لجنة مياه النيل وأنه لا تأثير له على الحالة الراهنة في السودان. 4- وفي الختام أذكر لدولتكم أن حكومة جلالة الملك سبق لها الاعتراف بحق مصر الطبيعي والتاريخي في مياه النيل. وأقرر أن حكومة جلالة الملك تعتبر المحافظة على هذه الحقوق مبدأ أساسيا من مبادئ السياسة البريطانية. كما أؤكد لدولتكم بطريقة قاطعة أن هذا المبدأ وتفصيلات الاتفاق ستنفذ في كل وقت أيا كانت الظروف التي قد تطرأ فيما بعد.

وإني أنتهز هذه الفرصة لأجدد لدولتكم فائق إحترامي..

القاهرة في 7 مياو سنة 1929


لويد

المندوب السامي


ملحق 8: المذكرات المتبادلة بين حكومة المملكة المتحدة والحكومة المصرية بإنشاء محطة توليد كهرباء من مياه مساقط أوين بأوغندا

19 يناير 1949

فبراير 1949

30 مايو 1949

5 يناير 1953

القاهرة في 19 يناير 1949

معالي الوزير:

1- بالإشارة إلى مذكرة وزارة الخارجية المصرية رقم 237 (124/1/1) بتاريخ 7 مايو سنة 1947، بشأن الخزان المقترح على بحيرة ألبرت. أتشرف الآن بإحاطة معاليكم علما – بناء على تعليمات سكرتير الدولة الأول لوزارة خارجية صاحب الجلالة 0 أن حكومة أوغندا، نظرا لحاجتها الملحة إلى الطاقة الكهربائية، قد قرر طرح طلبيات بشأن الأشغال الخاصة بإنشاء محطة توليد طاقة كهرومائية من شلالات أوين على أساس الخطوط التي ناقشها الخبراء الفنيون لكل من الحكومتين في القاهرة في أبريل الماضي على أن يتم تشغيلها مبدئيا في الإتجاه الطبيعي لتدفق مياه النهر فحسب.

2- يجرى تصمي الخزان بحيث تصل سعته التركيبية إلى 150.000 كيو وات. وتنوي حكومة أوغندا تركيب توربينات ما يزيد من التدفق الطبيعي لمياه النهر دون أن يجرى مسبقا تشاور بين حكومتينا طبقا لتعهد حكومة صاحب الجلالة في المملكة المتحدة بمقتضى المذكرات المتبادلة بشأن استخدام مياه نهر النيل بتاريخ 7 مايو 1929.

وإنني ، إذ أقدم هذه الرسالة، أحمل إلى معاليكم أيضا تأكيد حكومة صاحب الجلالة بأن إنشاء وتشغيل محطة توليد الطاقة هذه لن يكون من شأنها خفض كمية المياه التي تصل مصر، أو تعديل تارخي وصولها إليها، أو تخفيض منسوبها، بما يسبب أية أضرار لمصالحها ومن ثم سيكون الأمر متمشيا مع التعهد المشار إليه في الفقرة (2) أعلاه، وأن حكومة أوغندا يسعدها – إذا ما رغبت الحكومة المصرية – أن تستقبل لدى إنتهاء الأشغال خبيرا مصريا في أشغال الري كي يطمئن بالملاحظة الشخصية في الموقع على أن تنفيذ المشروع يجري وفقا للتعهد سالف الذكر.

ولي الشرف، أن أكون، سيادة الوزير، مع أسمى آيات التقدير، خادمكم المطيع

معالي إبراهيم دسوقي أباظة باشا

وزارة الخارجية

القاهرة


حكومة المملكة المصرية

القاهرة، فبراير 1949

صاحب المعالي:

بالإشارة غلى كتاب معاليكم بتاريخ 19 يناير 1949 الذي حملتم فيه إلي، بناء على تعليمات سكرتير الدولة الأول لوزارة خارجية صاحب الجلالة، أن:

"حكومة أوغندا، نظرا لحاجتها الملحة إلى الطاقة الكهربائية ، قد قررت طرح طلبيات بشأن الأشغال الخاصة بإنشاء محطة توليد طاقة كهربائية من شلالات أوين على اساس الخطوط التي ناقشها الخبراء الفنيون لكل من الحكومات المعنية في القاهرة في أبريل الماضي على أن يتم تشغليها مبدئيا في الإتجاه الطبيعي لتدفق مياه النهر فحسب"

يجرى تصميم الخزان بحيث تصل سعته التركيبية غلى 150.000 كيلو وات. وتنوي حكومة أوغندا تركيب توربينات تكفل سعة قدرها 90.000 كيلو وات فقط في الوقت الراهن. ولن تزاد سعته بحيث يتطلب تشغيلها ما يزيد على التدفق الطبيعي لمياه النهر دون أن يجري مسبقا تشاور بين حكومتين طبقا لتعهد حكومة صاحب الجلالة في المملكة المتحدة بمقتضى المذكرات المتبادلة بشأن استخدام مياه نهر النيل بتاريخ 7 مايو 1929.

وتؤكد حكومة صاحب الكلالة أن إنشا ءوتشغيل محطة توليد الطاقة هذه لن يكون من شأنها خفض كمية المياه التي تصل مصر، أو تعديل تاريخ وصولها إليها، أو تخفيض منسوبها، بما يسبب أية أضرار لمصالحها ومن ثم سيكون الأمر متمشيات مع التعهد المشار إليه في الفقرة (2) أعلاه . وأن حكومة أوغندا يسعدها – إذا ما رغبة الحكومة المصرية – أن تستقبل لدى انتهاء الأشغال خبيرا مصريا في أشغال الري كي يطمئن بالملاحظة الشخصية في الموقع على أن تنفيذ المشروع يجرى وفقا للتعهد سالف الذكر.

ولي الشرف في أن أحيط معاليكم علما بأن الحكومة المصرية، إذ تعرب عن تقديرها لإبلاغها نية حكومة أوغندا تنفيذ هذا المشروع. تود أن تحمل إلى معاليكم أن مصر عليها أن تجري مشروعات ري حيوية لزيادة محصولها الصيفي من مياه النهر لتلبية الاحتياجات اللازمة للتنمية الزراعية في البلاد للوفاء قدر الإمكان، بمطالب الأعداد المتزايدة من السكان.

ولما كانت سياسة الري المصرية تقوم على أساس عدة مشروعات للتحكم في مياه نهر النيل تشمل من بينها التخزين السنوي وتكوين احتياطي في بحيرة فيكتوريا فإنه يبدو بالتالي أنه من المصلحة المتبادلة لكل من مصر وأوغندا أن تتعاونا في بناء الخزان عند مخارج البخيرة لأغراض الري في مصر وتوليد الطاقة الكهربائية لصالح أوغندا. ويستتبع ذلك تعديل التصميم المعد لمشروع الطاقة الكهربائية من أجل استيفاء الغرضين.

لذلك تود الحكومة المصرية أن يصمم الخزان بحيث يتيح التخزين في بحيرة فيكتوريا في حدود ثلاثة أمتار وأن تبني البوابات بحيث تسمح لأقصى الحدود المطلوبة للتدفق بالمرور عندما ينخفض منسوب مياه البحيرة إلى أدناه.

ومن رأي الحكومة لامصرية أنه ينبغي عليها أن تشترك منذ البداية في تصميم وبناء الخزان وفي تشغيل المستودع بعد إتمامه وأن تشارك في تكاليف البناء والمصروفات السنوية على أساس نسبة الفائدة التي يجنيها كل من البلدين.

ولي الشرف أن أكون، مع أسمي أيات التقدير، خادم معاليكم المطيع...



السفارة البريطانية بالقاهرة

30 مايو 1949

سيادة رئيس مجلس الوزراء:

لي الشرف أن أستعيد بإيجاز، فيما يلي، النقاط التي اتفقت عليها كل من حكومة صاحب الجلالة بالمملكة المتحدة والحكومة الملكية المصرية بشأن بناء وإدارة الخزان المزمع إنشاؤه عند شلالات أوين في أوغندا:

1- "إن الحكومة الملكية المصرية وحكومة صاحب الجلالة البريطاينة، وفقا لروح اتفاق مياه النيل لعام 1929، اتفقا فيما بينهما على بناء خزان عند شلالال أوين في أوغندا لتوليد الطاقة الكهرومائية ولضغط مياه نهر النيل.

2- وقد أعدت التصميمات والمواصفات الخاصة بهذه الأشغال بالتشاور الكامل فيما بين وزارة الأشغال المصرية والسلطات الأوغندية وموافقتهما عليها. وعليه فقد اتفقت الحكومة المصرية وحكومة صاحب الجلالة البريطانية على تكليف مجلس الكهرباء بأوغندا بطرح المناقسة وابرام العقود بما يتفق والتصميمات والمواصفات المذكورة.

3- تعرض العقود على كل من الحكومتين وتتولى كلاهما دراستها بصفة عاجلة والافصاح عن قبولها المشترك لها عن طريق مذكرات رسمية متبادلة فيما بينهما وتخطر بذلك الحكومة الأوغندية فورا. 4- كما اتفقت الحكومتان على أن مصالح مصر – مع وقوع مسئولية بناء الخزان على عاتق مجلس كهرباء أوغندا – يمثلها في الموقع خلال فترة التشييد مهندس مصري مقيم من رتبة مناسبة مع من يتبعه من موظفين من الحكومة المصرية التي تمنح كافة التسهيلات لإنجاز هذه المهام. وفضلا عن ذلك فقد اتفقت الحكومتان على أن تتولى الحكومة المصرية – على الرغم من أن إدارة وصيانة الخزان سيضطلع بها اتمام مجلس كهرباء أوغندا – تنظيم تدفق المياه من خلال الخزان بناء على تعليمات المهندس المصري المقيم الذي تعينه الحكومة المصرية مع من يتبعه من موظفين في موقع الخزان لهذا الغرض وفقا لترتيبات يجرى الاتفاق عليها بين وزارة الأشغال المصرية والسلطات الأوغندية طبقا لأحكام الاتفاقيات التي ستبرم بين الحكومتين. 5- تقر الحكومتان أيضا بأنه يجوز لمجلس كهرباء أوغندا – خلال فترة بناء الخزان وبعد اتمامه – أن يتخذ ما يراه مناسبا في شلالات أوين بشرط ألا يترتب على الاجراء المذكور أي ضرر لمصالح مصر طبقا لاتفاق مياه النيل لعام 1929 وألا يؤذر تاثيرا ضارا على تدفق المياه المارة خلال الخزان وفقا للترتيبات التي سيجرى الاتفاق عليها بين الحكومتين. وعلى وزارة الأشغال المصرية ومجلس كهرباء أوغندا أن يتشاورا في الشئون التي تيعلق بمصلحتها المتبادلة. على أن أي خلاف في الراي ينشأ بينهما بشأن ضبط المياه أو توليد الطاقة الكهرومائية يجرى البت فيه عن طريق المناقشة والتسوية في روح من التعاون الودي فيما بينهما. وفيما لو عجزت السلطات المذكورة عن تسوية الأمر إلى التحكيم وفقا للترتيبات التي يجرى الاتفاق عليها بين الحكومتين."

ولي الشرف أن أقترح أنه اذا ما وافقت الحكومة الملكية المصرية على ما ذكر تعد هذه المذكرة، مشفوعة برد معاليكم عليها، اتفاقا رسميا بين حكومتينا بشأن شلالات أوين والأشغال المتعلقة بها.

لي الشرف أن أكو، سيادة رئيس مجلس الوزراء، مع أسمى آيات التقدير، خادم معاليكم المطيع

معالي رئيس الوزراء ووزير الخارجية بالنيابة

القاهرة

توقيع

رونالد كامبل


وزارة الخارجية

إدارة الشئون السياسية

القسم البريطاني الأمريكي

124/1/1

رقم: 170

صاحب المعالي:

أتشرف بإحاطة معاليكم علما بأنني استلمت كتابكم رقم 49/64/97 بتاريخ 20 مايو 1949 الذي يحتوي على موجز للنقاط المتفق عليها بين الحكومةالملكية المصرية وحكومة صاحب الجلالة بشأن ادارة الخزان المزمع بناؤه عند شلالات أوين بأوغندا.

وفيما يلي النقاط المذكورة في النص الإنجليزي:

"الرجوع إلىترجمة كتاب سفير صاحب الجلالة المرفق معه".

ويشرفني ردا على هذا الكتاب، أن أحيط معاليكم علما بأن الحكومة المصرية قبلت أن تكون تبادل الكتابين، على النحو المذكور أعلاه، بمثابة الاتفاق الرسمي بين حكومتينا بشأن شلالات أوين.

وتفضلوا معاليكم بقبول أسمى آيات التقدير

تحريرا في 31 مايو 1949

توقيع

إبراهيم عبد الهادي



السفارة البريطانية بالقاهرة

5 يناير 1953

سيادة الوزير:

بالإشارة إلى كتابكم رقم 114 بتاريخ 10 يوليو الموجه إلى السيد م.ج. كريسويل من الأستاذ حسين سري بشأن الترتيبات المالية التي ستترتب على إشتراك الحكومة الملكية المصرية في مشروع شلالات أوين بأوغندا، أتشرف بأن أؤكد لمعاليكم أن النص الذي أقترحته الحكومة الملكية المصرية مقبول لدى حكومة صاحب الجلالة في المملكة المتحدة وأن كتاب الأستاذ سري المشار إيه وهذا الرد يعدان بمثابة اتفاق رسمي بين حكومتينا.

كما أنني أؤكد أنه ينبغي أن يصاغ النص على النحو التالي:

"إن الحكومة الملكية المصرية:

1- تتحمل هذا الجزء من تكلفة الخزان عند شلالات أوين الذي يتطلبه رفع منسوب مياه بحيرة فكتوريا واستخدام بحيرة فكتوريا لتخزين المياه. 2- تتحمل تكاليف التعويضات الخاصة بالمصالح التي ستتأثر من تنفيذ المشروع أو، بديلا لذلك، تكاليف إيجاد الظروف التي تتيح تسهيلات ومرافق مساوية لتلك التي يتمتع بها حاليا المنظمات والأشخاص المتأثرين، وكذلك تكاليف ما يلزم من أشغال لاعادتهم إلى ما كانوا عليه بما يكفل استمرار الظروف التي كانت سائدة قبل بدء تشغيل المشروع، على أن تحتسب هذه التكاليف وفقا للترتيبات التي يتفق عليها بين حكومتينا. 3- تدفع لمجلس كهرباء أوغندا مبلغا قدره 980.000 جنيه كتعويض عن الخسارة المترتبة على فقدان قدر من الطاقة الكهربائية، على أن يتم السداد لدى بدء توليد الطاقة على مستوى التسويق التجاري عند شلالات أوين. 4- توافق – لأغراض احتساب التعويض المستحق بموجب أحكام الفقرة الفرعية (2) – على أن بعد الفيضان الذي يستجد حول بحيرة فكتوريا في حدود إرتفاع الثلاثة أمتار المتفق عليها – وكأنه ناجم عن تنفيذ المشروع.

ولي الشرف أن أكون، سيادة الوزير، مع أسمى آيات التقدير، خادم معاليكم المطيع.

معالي وزير الخارجية

وزارة الخارجية الملكية المصيرة

القاهرة


ملحق 9: اتفاق بين الجمهورية العربية المتحدة وبين جمهورية السودان للانتفاق الكامل بمياه نهر النيل

محضر التوقيع:

إنه في اليوم الثامن من شهر نوفمبر 1959 بمقر وزارة خارجية الجمهورية العربية المتحدة، اجتمع كل من:

السيد/زكريا محيي الدين وزير الداخلية المركزي ورئيس وفد الجمهورية العربية المتحدة ومعالي السيد/ اللواء محمد طلع فريد عضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة ووزير الاستعلامات والعمل وزير وفد جمهورية السودان.

لتوقيع الاتفاق الخاص بالانتفاع الكامل بمياه نهر النيل بين الجمهورية العربية المتحدة، وجمهورية السودان ، وبعد أن تبادلا وثائق التفويض الخاصة بهما، والتي وجدت صحيحة ومستوفاة بتخويل كل منهما في التوقيع نيابة عن حكومتيهما قام كل من المندوبين بالتوقيع على الاتفاق المذكور.

وإشهادا على ذلك حرر هذا المحضر من نسختين أصليتين باللغة العربية إقرارا لما تقدم.

عن حكومة الجمهورية العربية المتحدة عن حكومة جمهورية السودان

(إمضاء) (إمضاء)

زكريا محيي الدين اللواء طلعت فريد


نظرا لأن نهر النيل في حاجة إلى مشروعات لضبطة ضبطا كاملا ولزيادة إيراده للانتفاع التام بمياهه لصالح جمهورية السودان والجمهورية العربية المتحدة على غير النظم الفنية المعمول بها الآن.

ونظرا لأن هذه الأعمال تحتاج إلى إنشائها وإدارتها إلى اتفاق وتعاون كامل بين الجمهوريتين لتنظيم الافادة منها واستخدام مياه النهر بما يضمن مطالبهما الحاضرة والمستقبلة.

ونظرا إلى أن اتفاقية مياه النيل المعقودة في سنة 1929 قد نظمت بعض الاستفادة بمياه النيل ولم يشمل مداها ضبطا كاملا لمياه النهر فقد اتفقت الجمهوريتان على ما يأتي:

أولا – الحقوق المكتسبة الحاضرة:

1- يكون ما تستخدمه الجمهورية العربية المصرية من مياه نهر النيل حتى توقيع هذا الاتفاق هو الحق المكتسب لها قبل الحصول على الفوائد التي ستحققها مشروعات ضبط النهر وزيادة إيراده المنوه عنها في هذا الاتفاق ومقدار هذا الحق 48 مليارا من الأمتار المكعبة مقدرة عند أسوان سنويا. 2- يكون ما تستخدمه جمهورية السودان في الوقت الحاضر هو حقها المكتسب قبل الحصول على فائدة المشوعات المشار إليها، ومقدار هذا الحق أربعة مليارات من الأمتار المكعبة مقدرة عند أسوان سنويا.

ثانيا – مشروعات ضبط النهر وتوزيع فوائدها بين الجمهوريتين:

1- لضبط مياه النهر والتحكم في تدفق مياهه إلى البحر توافق الجمهوريتان على أن تنشئ الجمهورية العربية المتحدة خزان السد العالي عند أسوان كأول حلقة من سلسلة مشروعات التخزين المستمر على النيل. 2- ولتمكين السودان من استغلال نصيبه توافق الجمهوريتان على أن تنشئ جمهورية السودان خزان الروصيرص على النيل الأزرق وأي أعمال أخرى تراها جمهورية السودان لازمة لاستغلال نصيبها. 3- يحسب صافي الفائدة من السد العالي أساس متوسط إيراد النهر الطبيعي عند أوسان في سنوات القرن الحالي بنحو 84 مليار متر مكعب سنويات ويستبعد من هذه الكمية الحقوق المكتسبة للجمهوريتين وهي المشار إليها في البند (أولا) مقدرة عند أسوان كما يستبعد منها متوسط فاقد التخزين المستمر في السد العالي فينتج من ذلك صافي الفائدة التي توزع بين الجمهوريتين. 4- يوزع صافي فائد السد العالي المنوه عنه في البند السابق بين الجمهوريتين بنسبة 14.5 للسودان إلى 7.5 للجمهورية العربية المتحدة متى ظل متوسط الإيراد في المستقبل في حدود متوسط الإيراد المنوه عنه في البند السابق. وهذا يعني أن متوسط الإيراد ظل مساويا لمتوسط السنوات الماضية من القرن الحاضر مالقدر ب84 مليار متر مكعب واذا ظلت فوائد التخزين المستمر على تقديرها الحالي بعشرة مليارات فإن صافي فائدة السد العالي يصبح في هذه الحالة 27 مليارا ويكون نصيب جمهورية السودان منها 14.5 مليارات ونصيب الجمهورية العربية المتحدة 7.5 مليارات.

ويضم هذان النصيبان إلى حقهما المكتسب فإن نصيبهما من صافي إيراد النيل الكامل بعد تشغيل السد العالي يصبح 18.5 مليارا لجمهورية السودان و55.5 مليارا للجمهورية العربية المتحدة.

5- لما كان صافي فائدة السد العالي المنوه عنه في الفقرة (3) يستخرج من متوسط إيراد النهر الطبيعي عند أسوان في سنوات القرن الحالي مستبعدا من هذه الكمية الحقوق المكتسبة للبلدين وفواقد التخزين المستمر في السد العالي فإن من المسلم به أن هذه الكمية ستكون محل مراجعة الطرفين بعد فترات كافية يتفقان عليها من بدء تشغيل خزان السد العالي الكامل. 6- توافق حكومة الجمهورية العربية المتحدة على أن تدفع لحكومة جمهورية السودان مبلغ خمسة عشر مليونا من الجنيهات المصرية تعويضا شاملا عن الأضرار التي تلحق بالممتلكات السودانية الحاضرة نتيجة التخزين في السد العالي لمنسوب 182 (مساحة) ويجرى دفع هذا التعويض بالطريقة التي اتفق عليها الطرفان والملحقة بالاتفاقية. 7- تتعهد حكومة جمهورية السودان بأن تتخذ اجراءات ترحيل سكان حلفا وغيرهم من السكان السودانيين الذين ستغمر أراضيهم بمياه التخزين بحيث يتم نزوحهم عنها نهائيا قبل يوليو سنة 1963. 8- من المسلم به أن تشغيل السد العلاي الكامل للتخزين المستمر سوف ينتج عنه استغناء الجمهورية العربية المتحدة عن التخزين في جبل الأولياء، ويبحث الطرفان المتعاقعدان ما ستصل بهذا الاستغناء في الوقت المناسب.

ثالثا- مشروعات استغلال المياه الضائعة في حوض النيل:

نظرا لأنه تضيع الآن كميات من مياه حوض النيل في مستنقعات بحر الجبل وبحر الزراف وبحر الغزال ونهر السوباط من المحتم العمل على عدم ضياعها زيادة لايراد النهر لصالح التوسع الزراعي في البلدين فإن الجمهوريتين توافقان على ما يأتي:

1- تتولى جمهورية السودان – بالاتفاق مع الجمهورية العربية المتحدة – إنشاء مشروعات زيادة غيراد النيل بمنع الضائع من مياه حوض النيل في مستنقعات بحر الجبل وبحر الزراف وبحر الغزال وفروعه ونهر السوباط وفروعه وحوض النيل الأبيض ويكون صافي فائدة هذه المشروعات من نصيب الجمهوريتين بحيث توزع بينهما مناصفة ويساهم كل منهما في جملة التكاليف بهذه النسبة أيضا.

وتتولى جمهورية السودان الإنفاق على المشروعات المنوع عنها من مالها وتدفع الجمهورية العربية المتحدة نصيبها من التكاليف بنفس نسبة النصف المقررة لها في فائدة هذه المشروعات.

2- اذا كانت حاجة الجمهورية العربية المتحدة، بناء على تقدم برامج التوسع الزراعي الموضوعة ، إلى البدء في أحد مشروعات زيادة إيراد النيل المنوه عنها في الفقرة السابقة بعد إقراره من الحكومتين في وقت لا تكون حاجة جمهورية السودان قد دعت إلى ذلك فإن الجمهورية العربية المتحدة تخطر جمهورية السودان بالميعاد الذي يناسبها للبدء في المشروع وفي خلال سنتين من تاريخ هذا الإخطار يتقدم كل من الجمهوريتين ببرنامج للإنتفاع بنصيبه في المياه التي يدريرها المشروع في التواريخ التي يحددها لهذا الانتفاع ويكون هذا البرنامج ملزما للطرفين، وعند انتهاء السنتين فإن الجمهورية العربية المتحدة تبدأ في التنفيذ بتكاليف من عندها، وعندما تتهيأ جمهورية السودان لاستغلال نصيبها طبقا للبرنامج المتفق عليه تدفع للجمهورية العربية المتحدة نسبة من جملة التكاليف تتفق مع النسبة التي حصلت عليها من صافي فائدة المشروع على ألا تتجاوز حصة أي من الجمهوريتين نصف الفائدة الكاملة للمشروع.

رابعا – التعاون الفني بين الجمهوريتين:

1- لتحقيق التعاون الفني بين حكومتي الجمهوريتين وللسير في البحوث والدراسات اللازمة لمشروعات ضبط النهر وزيادة إيراده وكذلك لاستمرار الأرصاد المائية على النهر في أحباسه العليا توافق الجمهوريتان على أن تنشأ هيئة فنية دائمة من جمهورية السودان ومن الجمهورية العربية المتحدة، بعدد متساو من كل منهم يجري تكوينها عقب توقيع هذا الاتفاق ويكون اختصاصها:

أ رسم الخطوط الرئيسية للمشروعات التي تهدف إلى زيادة إيراد النيل والإشراف على البحوث اللازمة لها لوضع المشروعات في صورتها النهائية قبل التقدم بها إلى حكومتي الجمهوريتين لإقرارها.

ب- الإشراف على تنفيذ المشروعات التي تقرها الحكومتان.

ج - تضع الهيئة نظم تشغيل الأعمال التي تقام على النيل داخل حدود السودان كما تضع نظم التشغيل للأعمال التي تقام خارج حدود السودان بالاتفاق مع المختصين في البلاد التي تقام فيها هذه المشروعات.

د- تراقب الهيئة تنفيذ جميع نظم التشغيل المشار إليها في الفقرة (ج) بواسطة المهندسين الذين الذين يناط بهم هذا العمل من موظفي الجمهوريتين فيما يتعلق بالأعمال المقامة داخل حدود السودان وكذلك خزان السد العالي وسد أسوان وطبقا لما يبرم من اتفاقات مع البلاد الأخرى عن مشروعات أعالي النيل المقامة داخل حدودها.

هـ- لما كان من المحتمل أن تتوالي السنوات الشحيحة الإيراد ويتوالى انخفاض مناسيب التخزين بالسد العالي لدرجات قد لا تساعد على تمكين سحب احتياجات البلدين كاملة في أية سنة من السنين فإنه يكون من عمل الهيئة أن تضع نظاما لما ينبغي أن تتبعه الجمهوريتان لمواجهة مثل هذه الحالة في السنوات الشحيحة بما لا يوقف ضرا على أي منهما وتتقدم بتوصياتها في هذا الشأن لتقرها الحكومتان.

2- لتمكين اللجنة من ممارسة اختصاصها المبين في البند السابق ولاستمرار رصد مناسيب النيل وتصرفاته في كامل أحباسه العليا ينهض بهذا العمل تحت الإشراف الفني للهيئة مهندسو جمهورية السودان والجمهورية العربية المتحدة في السودان وفي الجمهورية العربية المتحدة وفي أوغندا. 3- تصدر الحكومتان قرارا مشتراكا بتكوين الهيئة الفنية المشتركة وتدبير الميزانية اللازمة لها من اعتمادات البلدين. وللهيئة أن تجتمع في القاهرة أو الخرطوم حسب ظروف العمل، وعليها أن تضع لائحة داخلية تقرها الحكومتان لتنظيم احتياجاتها وأعمالها الفنية الادارية والمالية.


خامسا – أحكام عامة:

1- عندما تعدو الحاجة إلى إجراء أي بحث في شئون مياه النيل مع أي بلاد من البلاد الواقعة على النيل خارج حدود الجمهوريتين فإن حكومتي جمهورية السودان والجمهورية العربية المتحدة يتفقان على رأي موحد بشأنه بعد دراسته بمعرفة الهيئة المشار إليها. ويكون هذا الرأي هو الذي تجرى الهيئة الاتصال بشأنه مع البلاد المشار إليها.

واذا أسفر البحث عن الاتفاق على تنفيذ أعمال على النهر خارج حدود الجمهوريتين فإنه يكون من عمل الهيئة الفنية المشتركة أن تضع – بالاتصال بالمختصين في حكومات البلاد ذات الشأن – كل التفاصيل الفنية الخاصة بالتنفيذ ونظام التشغيل وما يلزم لصيانة هذه الأعمال ، وبعد اقرار هذه التفاصيل واعتمادها من الحكومات المختصة يكون من عمل هذه الهيئة الإشراف على تنفيذ ما تنص عليه هذه الاتفاقيات الفنية.

3- نظرا إلى أن البلاد التي تقع على النيل غير الجمهوريتين المتعاقدتين تطالب بنصيب في مياه النيل، فقد اتفقت الجمهوريتين على أن يبحث سويا مطالب هذه البلاد، ويتفقا على رأي موحد بشأنها واذا أسفر البحث عن إمكان قبول أي كمية من إيراد النهر تخصص لبلد منها أو لآخر فإن هذا القدر محسوبا عند أسوان يخصم مناصفة بينهما. وتنظم الهيئة الفنية المشتركة المنوع عنها في هذا الاتفاق مع المختصين في البلاد الأخرى مراقبة عدم تجاوز هذه البلاد للكميات المتفق عليها.

سادسا – فترة الانتقال قبل الانتفاع من السد العالي الكامل:

نظرا لأن انتفاق الجمهوريتين بنصيبهما المحدد لهما في صافي فائدة السد العالي لن يبدأ قبل بناء السد العلاي الكامل والاستفادة فإن الطرفين يتفقان على نظام توسعها الزراعي في فترة الانتقال من الآن إلى قيام السد العالي الكامل، بما لا يؤثر على احتياجاتهما المائية الحاضرة.

سابعا - يسري هذا الاتفاق بعد التصديق عليه من قبل الطرفين المتعاقدين على أن يخطر كل من الطرفين الطرف الآخر بتاريخ التصديق بالطريق الدبلوماسي.

ثامنا – يعتبر الملحق رقم 1 والملحق رقم 2 (أ، ب) المرفقان بهذا الاتفاق جزءا لا يتجزأ منها.

حرر بالقاهرة من نسختين أصليتين باللغة العربية بتاريخ 7 جمادى الأولى سنة 1379 هـ الموافق 8 نوفمبر سنة 1959.

عن الجمهورية العربية المتحدة عن جمهورية السودان

(إمضاء) (إمضاء)

زكريا محيي الدين اللواء طلعت فريد



(تابع اتفاقية سنة 1959)

ملحق رقم 1

نص خاص

بالسلفة المائية التي تطلبها الجمهورية العربية المتحدة

توافق جمهورية السودان على مبدأ منح الجمهورية العربية المتحدة سلفة مائية من نصيب السودان في مياه السد العلاي يمكن أن تواجه بها ضرورة المضي في برامجها المقررة للتوسع الزراعي.

ويكون طلب الجمهورية العربية المتحدة لهذا السلفة بعد أن تراجع برامجها خلال خمس سنوات من تاريخ توقيع هذه الاتفاقية فاذا أسفرت مراجعة الجمهورية العربية المتحدة عن استمرار احتياجها إلى السلفة، فإن جمهورية السودان تمنحها سلفة لا تزيد عن مليار ونصف من نصيبها بحيث ينتهي استخدام هذه السلفة في نوفمبر سنة 1977.


(ابع اتفاقية سنة 1959)

ملحق رقم 2

(أ)

السيد رئيس وفد جمهورية السودان:

بالاشارة إلى المادة ثانيا فقرة (6) من الاتفاق الموقع بتاريخ اليوم بشأن الانتفاع الكامل بمياه نهر النيل سيتم دفع تعويضات قدرها 15 مليون جنيه مصري بالإسترليني أو بعملة ثالثة يتفق عليها الطرفان محتسبة على أساس سعر ثابت قدره – 2.87156 دولار أمريكي للجنيه المصري الواحد. وبناء على ما تم التفاهم عليه ستقوم حكومة الجمهورية العربية المتحدة بدفع هذا المبلغ مقسطا على الوجه التالي:

3 مليون جنيه مصري في أول يناير سنة 1960

4 ملايين جنيه مصري في أول يناير سنة 1961

4 ملايين جنيه مصري في أول يناير سنة 1962

4 ملايين جنيه مصري في أول يناير سنة 1963

وأكون شاكرا إذا تكرمتم بأن تؤيدوا لنا موافقة سيادتكم على ذلك.

وتفضلوا بقبول فائق الاحترام...

رئيس وفد الجمهورية العربية المتحدة

إمضاء

زكريا محيي الدين


(تابع اتفاقية سنة 1959)

ملحق رقم 2

(ب)

السيد رئيس وفد الجمهورية العربية المتحدة:

أتشرف بأن أحيط سيادتكم علما باستلام كتابكم بتاريخ اليوم والذي ينص على ما يأتي: " بالاشارة إلى المادة ثانيا فقرة (6) من الاتفاق الموقع بتاريخ اليوم بشأن الانتفاع الكامل بمياه نهر النيل سيتم دفع تعويضات قدرها 15 مليون جنيه مصري بالإسترليني أو بعملة ثالثة يتفق عليها الطرفان محتسبة على أساس سعر ثابت قدره – 2.87156 دولار أمريكي للجنيه المصري الواحد. وبناء على ما تم التفاهم عليه ستقوم حكومة الجمهورية العربية المتحدة بدفع هذا المبلغ مقسطا على الوجه التالي:

3 مليون جنيه مصري في أول يناير سنة 1960

4 ملايين جنيه مصري في أول يناير سنة 1961

4 ملايين جنيه مصري في أول يناير سنة 1962

4 ملايين جنيه مصري في أول يناير سنة 1963

وأكون شاكرا إذا تكرمتم بأن تؤيدوا لنا موافقة سيادتكم على ذلك.

وأتشرف بأن أؤيد لكم موافقة حكومة جمهورية السودان على ما جاء بهذا الكتاب.

وتفضلوا بقبول فائق الاحترام..

رئيس وفد جمهورية السودان

إمضاء

اللواء طلعت فريد


(تابع اتفاقية سنة 1959)

ملحق رقم 3

دراسة الجهاز المصري الفني لمياه النيل للاتفاقية الأفريقية للمحافظة على الطبيعة والموارد الطبيعية

يبين من استعراض نصوص هذه الاتفاقية بالنسبة لمجال عمل الجهاز المصري الفني لمياه لانيل أن هذه الاتفاقية مفيدة جدا للجمهورية العربية المتحدة باعتبارها دولة منتفقعة على نهر مشترك. اذ أوردت الاتفاقية بعض النصوص التي يمكن الاستناد عليها لحماية مصلحتنا على النيل خصوصا مع دول كإثيوبيا لم نصل معها بعد الى اتفاق دولي وهي بصفتها دولة أفريقية وافقت عليها بالفعل. تعتبر ملتزمة بتنفيذ ما تعاقدت عليه في هذه الاتفاقية الدولية. وتأتي أهمية هذا الموضع اذا علمنا أنه لا يوجد اتفاق مباشر الآن بيننا وبين أثيوبيا يحمي مصالحنا على النيل، وكل ما كنا نستند إليه في حماية مصلحنا معها قبل الآن، هو الاستناد إلى قواعد القانون والعرض الدولي أو إلى اتفاقية عقدت بين إثيوبيا وبريطانيا – نيابة عن السودان – في سنة 1902 وهي كلا لا تصل في قوة إلتزام أثيوبيا بها مبلغ هذه الاتفاقية الدولية.

وبمناقشة النصوص التي تهمنا نجد أن المادة الخامسة أشارت في البند الأول إلى قيام الدول المتعاقدة بوضع السياسات اللازمة للمحافظة على المياه ومنع تلوثها ، كما أشارت في البند الثاني من نفس المادة إلى أنه في حالة وجود مصادر مياه مشتركة للانتفاع بين دولتين أو أكثر من الدول المتعاقدة في هذه الاتفاقية فإن هذه الدول تعمل بالتشاور فيما بينهما، كما تتكون اذا لزم الحال – لجان مشتركة لدراسة المشاكل التي تنشأ من استخدام هذه المصادر استخداما مشتركا وحلها. وكذلك للاشتراك في تنميتها والمحافظة عليها.

Article V- Water

(2) Where surface or underground water resources are shared by two or more of the contracting states, the latter shall act in consultation, and if the need arises, set up inter-state commissions to study and resolve problems arising from the joint development and conservation there of.

وهذه المادة نحن في أشد الحاجة إلى تطبيقها مع أثيوبيا، بل أن الهيئة الفنية الدائمة المشتركة لمياه النيل – نيابة عن الدولتين – سعت ولازالت تسعى للوصول إلى هذا الهدف.

وفي المادة الرابعة عشر تحت عنوان مشروعات التنمية ورد في البند الثالث أنه في الحالات التي يحتمل فيها أن يكون لأي مشروع من مشروعات التنمية مساس بالمصادر الطبيعية لدول أخرى يؤخذ رأيها

Article XIV- Development Plans

(3) Where any development plan is likely to affect the natural resources of another state, the latter shall be consulted.

ويمكن الاستناد إلى هذه المادة في تنبيه أثيوبيا إلى أن مشورع فنشا الذي تزمع تنفيذه يؤثر على الموارد المائية الحالية للسودان والجمهورية العربية المتحدة، ولهذا يجب أن يتم التشاور بين الدول المعنية للاتفاق بشأنه قبل الشروع في تنفيذه.


ملحق 12: قواعد هلسنكي للقانون الدولي الذي يمكن تطبيقه على استعمال مياه أحواض صرف الأنهار الدولية عام 1966

الفصل الأول

عام

المادة الأولى

تطبق القواعد العامة للقانون الدولي – على النحو الذي وردت به في هذه الفصول – على استخدام مياه أي حوض صرف دولي مالم ينص على غير ذلك بمقتضى اتفاق أو عرف ملزم فيما بين دول هذا الحوض.

المادة الثانية

حوض الصرف الدولي هو مسطح جغرافي يمتد عبر دولتين أو يزيد وتحده حدود مستجمع نظام المياه، السطحية والجوفية على حد سواء التي تصب في تخم مشترك.

المادة الثالثة

"الدولة الحوضية" هي الدولة التي تشمل أراضيها على جزء من حوض صف دولي.

الفصل الثاني

الاستخدام العادل لمياه حوض الصرف الدولي


المادة الرابعة

يحق لأي دولة حوضية، داخل أراضيها ، أن تتمتع بحصة مناسبة وعادلة في الاستخدامات المفيدة للمياه أي حوض صرف دولي.

المادة الخامسة

- تحدد الحصة المناسبة والعادلة، وفقا لمدلول المادة الرابعة، على ضوء جميع العوامل المتصلة بالموضوع في كل حالة على حدة.

- تتضمن العناصر المتصلة بالموضوع التي يجب مراعاتها وإن لم يقتصر الأمر عليها:

أ- جغرافية الحوض، بما في ذلك وبوجه خاص نطاق مساحة الصرف في أراضي كل دولة حوضية.

ب- هيدرولوجية (مائيات) الحوض، بما في ذلك وبوجه خاص حجم المياه الذي تسهم به كل دولة حوضية.

ج - المناخ المؤثر على الحوض.

د- الاستخدام السابق لمياه الحوض، بما في ذلك وبوجه خاص الاستخدام الجاري لها.

هـ الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية لكل دولة حوضية.

و- عدد السكان الذي يعتمد على مياه الحوض لكل دولة حوضية.

ز- التكاليف النسبية للوسائل النبديلة التي يتاح لها تلبية الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية لكل دولة حوضية.

ح- ما يتوافر من موارد أخرى.

ط- كيفية تفادي التبذير الذي لا مبرر له لدى استخدام مياه الحوض.

ي- الجانب العملي لتعويض إحدى الدول أو يزيد من الدول المشتركة في الحوض كوسيلة لتسوية المنازعات حول استخدامات المياه.

ك- القدر الذي يمكن بفضله تلبية احتياجات إحدى الدول الحوضية بدون الإضرار إضرارا بالغا بدولة أخرى مشاركة في الحوض.

3- يتحدد شأن كل من العوامل المذكورة وفقا لأهميته بالنسبة لأهمية العوامل الأخرى، وينبغي تحديد ما هي الحصة المناسبة والعادلة مراعات كافة العوامل المتصلة بالموضوع مجتمعة والتوصل إلى نتيجة تقوم على أساس تلك العوامل برمتها.

المادة السادسة

لا يجوز تفضيل أي نوع أو مجموعة من الاستخدامات لذاتها عن أي نوع أو مجموعة من الاستخدامات لذاتها عن أي نوع أو مجموعة من الاستخدامات الأخرى.


المادة السابعة

لا يجوز منع أية من الدول الحوضية عن استخدام مياه حوض صرف دولي على النحو المناسب القائم بحجة الاحتفاظ لدولة أخرى مشاركة في الحوض بحق استخدام تلك المياه مستقبلا.

المادة الثامنة

الاستمرار في استخدام المناسب القائمة جائز ما لم ترجح على مبررات استمراره عوامل أخرى تقضي بوجوب تعديله أو إنهائه بما يسمح بتكييف استخدام آخر منافس له ومتعارض معه.

ويعتبر أي استخدام يثبت طابعه العملي فعلا وكأنه قائم اعتبارا من تاريخ الشروع في الانشاء والمتصل مباشرة بهاذ الاستخدام أو حيثما كان مثل هذا الانشاء غير مطلوب، من تاريخ إجراء أعمال مشابهة تم تنفيذها فعلا.

ويعد مثل هذا الاستخدام قائما إلى أن يتوقف بقصد التخلي عنه.

ولا يعد الاستخدام قائما اذا ما كان يتعارض ، حيثما يصبح عمليا، مع استخدام مناسب قائم أصلا.



قانون الأنهار الدولية الجديد والمصالح العربي

=ملحق الكتاب

اتفاقية قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية

إن الأطراف في هذه الاتفاقية

إذ تعي أهمية المجاري المائية الدولية واستخدامها في الأغراض غير الملاحية في مناطق كثيرة من العالم.

وإذ تضع في اعتباره الفقرة 1 (أ) من المادة 12 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تنص على أن تقوم الجمعية العامة باجراء دراسات ووضع توصيات بقصد تشجيع التطوير التدريجي للقانون الدولي وتدوينه.

وإذ ترى أن التدوين الناجح والتطوير التدريجي لقواعد القانون الدولي التي تنظم استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية من شأنهما أن يساعدا في تعزيز وتنفيذ الأغراض والمبادئ الواردة في المادتين الأولى والثانية من الميثاق.

وإذا تأخذ في اعتبارها المشاكل التي تؤثر في العديد من المجاري المائية الدولية والناجمة عن جملة أمور منها زيادة الاستهلاك والتلوث.

وإذ تعرب عن اقتناعها بأن وضع اتفقاية إطارية من شأنه أن يكفل استخدام المجاري المائية الدولية وتنميتها وحفظها وإدارتها وحمايتها، والعمل على تحقيق الانتفاع الأمثل والمستديم بها بالنسبة للأجيال الحالية والمقبلة.

وإذ تؤكد أهمية التعاون الدولي وحسن الجوار في هذا الميدان وإذ تدرك الأحوال والاحتياجات الخاصة للبلدان النامية.

وإذ تشير إلى المبادئ والتوصيات التي اعتمدها مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالبيئة والتنمية المعقود عام 1992، الواردة في إعلان ريو وجدول أعمال القرن 21، وإذ تشير أيضا إلى الاتفاقات الثنائية والمتعددة الأطراف القائمة فيما يتعلق باستخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية.

وإذ تضع في اعتبارها ما تقدمه المنظمات الدولية الحكومية منها وغير الحكومية، من اسهامات قيمة في تدوين القانون الدولي وتطويره التدريجي في هذا الميدان، وإذ تعرب عن تقديرها للأعمال التي اضطلعت بها لجنة القانون الدولي بشأن قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية.

وإذ تضع في اعتبارها قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة ة 49/52 المؤرخ في 9 كانون الأول/ديسمبر 1994.

اتفقت على ما يلي:

الباب الأول – مقدمة

المادة 1

نطاق سريان هذه الاتفاقية

1- تسري هذه الاتفاقية على استخدام المجاري المائية ومياهها في الأغراض غير الملاحية وعلى تدابير الحماية والصون والإدارة المتصلة باستخدام هذه المجاري المائية ومياهها. 2- لا تسري هذا الاتفاقية على استخدام المجاري المائية الدولية في الملاحة إلا في الحدود التي تؤثر فيها الاستخدامات الأخرى في الملاحة أو تتأثر بها.

المادة 2

استخدام المصطلحات

لأغراض هذه الاتفاقية:

أ - يقصد ب"المجرى المائي" شبكة المياه المسطحة والمياه الجوفية التي تشكل بحكم علاقتها الطبيعية ببعضها ببعض كلا واحدة وتدفق عادة صوب نقطة وصول مشتركة.

ب - يقصد ب"المجرى المائي" الدولي أي مجرى مائي تقع أجزاؤه في دول مختلفة.

ج يقصد ب"دولة المجرى المائي" دولة طرف في هذه الاتفاقية ، يقع في اقليمها جزء من مجرى مائي دولي، أو طرف يكون منظمة اقليمية للتكامل الاقتصادي يقع في اقليم دولة أو أكثر من الدول الأعضاء فيها جزء من مجرى مائي دولي. د – يقصد ب"المنظمة الاقليمية للتكامل الاقتصادي" أي منظمة تشكلها دول ذات سيادة في منطقة اقليمية معينة وتنقل إليها الدول الأعضاء فيها الاختصاص فيما يتعلق بالمسائل التي تنظمها الاتفاقية وتأذن لها حسب الأصول وفقا لاجراءاتها الداخلية بأن توقعها وتصدق عليها وتقبلها وتوافق عليها وتنظم إليها.

المادة 3

اتفاقات المجرى المائي

1- ليس في هذه الاتفاقية ما يؤثر في حقوق أو التزامات دولة المجرى المائي الناشئة عن اتفاقات يكون معمولا بها بالنسبة لهذه الدولة في اليوم التي تصبح فيها طرفا في هذه الاتفاقية ما لم يكن هناك اتفاق على نقيض ذلك. 2- رغم ما نصت عليه أحكام الفقرة 1، يجوز للأطراف في الاتفاقات المشار إليها في الفقرة 1 أن تنظر، عند اللزوم، في تحقيق اتساق هذه الاتفاقات مع المبادئ الأساسية لهذه الاتفاقية. 3- لدول المجرى المائي أن تعقد اتفاقا أو أكثر من اتفاق، يشار إليها فيما يلي بعبارة "اتفاقات المجرى المائي" ، تطبق بموجبها أحكام هذه المواد وتواءم مع خصائص واستخدامات مجرى دولي مائي معين أو جزء منه. 4- عندما يعقد اتفاق مجرى مائي بين دولتين أو أكثر من دولتين من دول المجرى المائي، يحدد الاتفاق المياه التي يسري عليها، ويجوز عقد مثل هذا الاتفاق فيما يتعلق بكامل المجرى المائي الدولي، أو بأي جزء منه، أو بمشروع أن برنامج أو استخدام معين ، إلا بقدر ما يضر هذا الاتفاق، إلى درجة ذات شأن، باستخدام مياه المجرى المائي من جانب دولة أو أكثر من دول المجرى المائي الأخرى، دون موافقة صريحة منها. 5- عندما ترى دولة من دول المجرى المائي أن مواءمة أحكام هذه الاتفاقية أو تطبيقها ضروريان بسبب خصائص مجرى مائي دولي معين واستخداماته، تتشاور دول المجرى المائي بغية التفاوض بحسن نية بقصد عقد اتفاق أو اتفاقات مجرى مائي. 6- اذا كان بعض دول مجرى مائي معين، لا كلها، أطرافا في اتفاق ما، لا يؤثر شي مما ينص عليها مثل ذلك الاتفاق في ما لدول المجرى المائي التي ليست أطرافا في مثل ذلك الاتفاق، من حقوق والتزامات بمقتضى هذه الاتفاقية.

المادة 4

الأطراف في اتفاقات المجرى المائي

1- يحق لكل دولة من دول المجرى المائي أن تشارك في التفاوض على أي اتفاق مجرى مائي يسري على كامل المجر المائي الدولي، وأن تصبح طرفا في هذا الاتفاق ، وأن تشارك أيضا في أي مشاورات ذات صلة. 2- يحق لأي دولة من دول المجرى المائي يمكن أن يتأثر استخدامها للمجرى المائي الدولي، إلى درجة ذات شأن، يتنفيذ اتفاق مجر مائي مقترح لا يسري إلا على جزء من المجرى المائي أو على مشروع أو برنامج معين، أن تشارك في المشاورات التي تجرى بشأن هذا التفاق ، وعند الاقتضاء في التفاوض على مثل هذا الاتفاق بحسن نية بغرض أن تصبح طرفا فيه، بقدر تأثر استخدامها بهذا الاتفاق.


الباب الثاني

مبادئ عامة

المادة 5

الانتفاع والمشاركة المنصفان والمعقولان

1- تنتفع دول المجرى المائي، كل في اقليمها، بالمجرى المائي الدولي بطريقة منفصفة ومعقولة وبصورة خاصة، تستخدم هذه الدول المجرى المائي الدولي وتنميه بغية الانتفاع به بصورة مثلى ومستديمة والحصول على فوائد منه، مع مراعاة مصالح دول المجرى المائي المعنية، على نحو يتفق مع توفير الحماية الكافية للمجرى المائي. 2- تشارك دول المجرى المائي في استخدام المجرى المائي الدولي وتنميته وحمايته بطريقة منصفة ومعقولة. وتشمل هذه المشاركة حق الانتفاع بالمجرى المائي وواجب التعاون في حمايته وتنميته على النحو المنصوص عليه في هذه الاتفاقية.


المادة 6

العوامل ذات الصلة بالانتفاع المنصف والمعقول

1- يتطلب الانتفاع بمجرى مائي دولي بطريقة منصفة ومعقولة، بالمعنى المقصود في المادة 5 ، أخذ جميع العوامل والظروف ذات الصلة في الاعتبار، بما في ذلك ما يلي:

أ - العوامل الجغرافية والهيدروغرافية والهيدرولوجية والمناخية والإيكولوجية، والعوامل الأخرى التي لها صفة طبيعية.

ب - الحاجات الاجتماعية والاقتصادية لدول المجرى المائي المعنية.

ج – السكان الذين يعتمدون على المجرى المائي في كل دولة من دول المجرى المائي.

د – آثار استخدام أو استخدامات المجرى المائي في إحدى دول المجرى المائي على غيرها من دول المجرى المائي.

هـ - الاستخدامات القائمة والمحتملة للمجرى المائي.

و- حفظ الموارد المائية للمجرى المائي وحمايتها وتنميتها والاقتصاد في استخدامها وتكاليف التدابير المتخذة في هذا الصدد.

ز- مدى توافر بدائي، ذات قيمة مقارنة، لاستخدام معين مزمع أو قائم.

2- لدى تطبيق المادة 5 أو الفقرة 1 من هذه المادة، تدخل دول المجرى المائي المعنية، إذا ما دعت الحاجة، في مشاورات بروح التعاون.

3- يحدد الوزن الممنوح لكل عامل من العوامل وفقا لأهميته بالمقارنة مع أهمية العوامل الأخرى ذات الصلة. وعند تحديد ماهية الانتفاع المنصف والمعقول، يجب النظر في جميع العوامل ذات الصلة معا والتوصل إلى استنتاج على أساسها ككل.

المادة 7

الالتزام بعدم التسبب في ضرر ذي شأن

1- تتخذ دول المجرى المائي، عند الانتفاع بمجرى مائي داخل أراضيها، كل التدابير المناسبة للحيلولة دون التسبب في ضرر ذي شأن لدول المجرى المائي الأخرى. 2- ومع ذلك، فإنه متى وقع ضرر ذي شأن لدولة أخرى من دول المجرى المائي، تتخذ الدول التي سبب استخدامها هذا الضرر، في حالة عدم وجود اتفاق على هذا الاستخدام ، كل التدابير المناسبة، مع المراعاة الواجبة لأحكام المادتين 5و6 والتشاور مع الدولة المتضررة من أجل إزالة أو تخفيف هذا الضرر والقيام، حسب الملائم، بمناقشة مسألة التعويض.

المادة 8

الالتزام العام بالتعاون

1- تتعاون دول المجرى المائي على أساس المساواة في السيادة، والسلامة الاقليمية والفائدة المتبادلة وحسن النية من أجل تحقيق الانتفاع الأمثل من المجرى المائي الدولي وتوفير الحماية الكافية له. 2- لدى تحديد طريقة هذا التعاون، لدول المجرى المائي أن تنظر في إنشاء آليات أو لجان مشتركة حسب ما تراه ضروريا لتيسير التعاون بشأن اتخاذ التدابير أو الاجراءات ذات الصلة في ضوء الخبرة المكتسبة من خلال التعاون في اطار الآليات واللجان المشتركة القائمة في مختلف المناطق.


المادة 9

التبادل المنتظم للبيانات والمعلومات

1- عملا بالمادة 8 تتبادل دول المجرى المائي، بصفة منتظمة، البيانات والمعلومات المتوافرة عن حالة المجرى المائي، وخاصة البيانات والمعلومات ذات الطابع الهيدرلوجي والمتعلقة بحالة الجو وبالجيولوجيا المائية وذات الطابع الإيكولوجي والمتصلة بنوعية المياه وكذلك بالتنبؤات المتعلقة بهذه العوامل. 2- اذا طلبت دولة من دول مجرى مائي من دولة أخرى من دول المجرى المائي تقديم بيانات أو معلومات غير متوافرة عادة، فعلى الدولة الثانية أن تبذل قصارى جهدها للامتثال للطب، ولكن يجوز لها أن تجعل امتثالها متوفقا على قيام الدولة الطالبة بسداد التكاليف المعقولة لجمع هذه البيانات أو المعلومات ولتجهيز هذه البيانات والمعلومات عندما يكون ذلك مناسبا. 3- تبذل دول المجرى المائي قصارى جهدها من أجل جمع البيانات والمعلومات، ومن أجل تجهيزها عندما يكون ذلك مناسبا، بطريقة تيسر لدول المجرى المائي الأخرى الانتفاع بها عند ابلاغها إليها.

المادة 10

العلاقة بين أنواع الاستخدامات المختلفة

1- ما لم يوجد اتفاق أو عرف مخالف، لا يتمتع أي استخدام للمجرى المائي الدولي لأولوية متاصلة على غيره من الاستخدامات. 2- في حالة وجود تعارض بين استخدامات المجرى المائي الدولي، يحسم هذا التعاون بالرجوع إلى المواد 5 -7 ، مع إيلاء اهتمام خاص لمقتضيات الحاجات الحيوية للإنسان.


الباب الثالث

التدابير المزمع اتخاذها

المادة 11

المعلومات المتعلقة بالتدابير المزمع اتخاذها

تتبادل دول المجرى المائي المعلومات وتتشاور مع بعضها البعض وتتفاوض، حسب الاقتضاء ، بشأن الآثار المحتملة للتدابير المزمع اتخاذها على حالة مجرى مائي دولي.

المادة 12

الاخطار المتعلق بالتدابير المزمع اتخاذها والتي يمكن أن يكون لها أثر ضار

قبل أن تقوم دولة من دول المجرى المائي أو أن تسمح بتنفيذ تدابير مزمع اتخاذها يمكن أن يكون لها أثر ضار ذو شأن على دول أخرى من دول المجرى المائي، عليها أن توجه إلى تلك الدول اخطارا بذلك في الوقت المناسب. ويكون هذا الاخطار مصحوبا بالبيانات والمعلومات الفنية المتاحة، بما في ذلك نتائج أي عملية لتقييم الاثر البيئي، من أجل تمكين الدول التي تم اخطارها من تقييم الآثار الممكنة للتدابي المزمع اتخاذها.

المادة 12

فترة الرد على الاخطار

ما لم يتم الاتفاق على خلاف ذلك:

أ‌- تمهل أي دولة من دول المجرى المائي وجهت اخطارا بموجب المادة 12 الدول التي تم اخطارها فترة ستة أشهر تقوم خلالها بدراسة وتقديم الآثار الممكنة للتدابير المزمع اتخاذها وإبلاغ ما توصلت غليها من نتائج إليها.

ب‌- تمد هذه الفترة لمدة لا تتجاوز ستة أشهر، بناء على طلب الدولة التي تم اخطارها والتي ينطوي تقييم التدابير المزمع اتخاذها على صعوبة خاصة بالنبسة إليها.

المادة 14

التزام الدولة التي وجهت الإخطار في أثناء فترة الرد

على الدولة التي وجهت الإخطار في اثناء الفترة المشار إليها في المادة 13:

أ‌- التعاون مع الدول التي تم إخطارها بتزويدها، عند الطلب، بما هو متاح ولازم من البيانات والمعلومات الإضافية لإجراء تقييم صحيح. ب‌- عدم تنفيذ التدابير المزمع إتخاذها أو السماح بتنفيذها دون موافقة الدول التي تم إخطارها.

المادة 15

الرد على الإخطار

تبلغ الدول التي تم إخطاهرا ما توصلت إليها من نتائج إلى الدول التي وجهت الإخطار في أقرب وقت ممكن في غضون الفترة الواجبة التطبيق وفقا للمادة 13. واذا وجدت دولة تم إخطارها أن تنفيذ التدابير المزمع إتخاذها لا يتفق مع أحكام المادة 5 أو المادة 7، فعليها أن ترفع بالنتائج التي توصلت إليها شرحا مدعما بالمستندات يبين الاسباب التي تقوم عليها هذه النتيجة.


المادة 16

عدم الرد على الإخطار

1- اذا لم تتلق الدولة التي وجهت الإخطار، خلال الفترة الواجبة التطبيق وفقا للمادة 13، أي إبلاغ بموجب المادة 15 ، جاز لها، مع مراعاة إلتزاماتها بوجوب المادتين 5و7، أن تشرع في تنفيذ التدابير المزمع اتخاذها، وفقا للإخطار ولاي بيانات ومعلومات أخرى قدمت إلى الدولة التي تم إخطارها. 2- كل طلب تعويض من الدولة التي تم إخطارها ولم تقم بالرد خلال الفترة الواجبة التطبيق وفقا للمادة 13، يجوز أن يكون محل مقاسة مع التكاليف التي تكبدتها الدولة التي وجهت الإخطار بسبب التدبير الذي اتخذته بعد انقضاء المهلة المحددة للرد، والذي ما كان ليتخذ لو كانت الدولة التي تم إخطارها قد اعترضت خلال تلك الفترة.


المادة 17

المشاورات والمفاوضات المتعلقة بالتدابير المزمع اتخاذها

1- اذا حدث إبلاغ بموجب المادة 15 بأن تنفيذ التدابير المزمع اتخاذها لن يكون متفقا مع أحكام المادتين 5و7 ، وتدخل الدولة التي وجهت الاخطار والدولة التي قامت بالإبلاغ في مشاورات، وعند اللزوم، في مفاوضات بقصد التوصل إلى تسوية منصفة للوضع. 2- تجرى المشاورات والمفاوضات على أساس وجوب قيام كل دولة، بحسن نية، بإيلاء قدر معقول من الاعتبار لحقوق الدولة الأخرى ومصالحها المشروعة. 3- تمتنع الدولة التي وجهت الاخطار، أثناء المشاورات والمفاوضات عن تنفيذ التدابير المزمع اتخاذها أو السماح بتنفيذها لفترة ستة أشهر، إذا طلبت إليها ذلك الدولة التي تم اخطارها وقت قيامها بالإبلاغ ما لم يتفق على خلاف ذلك.


المادة 18

الاجراءات الواجب اتباعها في حالة عدم الاخطار

1- اذا كان لدى دولة من المجرى المائي أسباب معقولة للاعتقاد بأن دولة أخرى من دول المجرى المائي تزمع اتخاذ تدابير يمكن أن يكون لها أثر ضار ذو شأن علهيا، جاز للدولة الأولى أن تطلب إلى الدولة الثانية تطبيق أحكام المادة 12. ويرفق بالطلب شرح مدعم بالمستندات يبين أسبابه. 2- اذا وجدت الدولة التي تزمع اتخاذ التدابير، مع ذلك، أنها غير ملزمة بتوجيه إخطار بموجب المادة 12 ، فعليها أن تعلم الدولة الأخرى بذلك، مقدمة شرحا مدعما بالمستندات يبين الاسباب التي تقوم عليها هذه النتيج’، واذا لم تقنع هذه النتيجة الدولة الأخرى، تدخل الدولتان فورا، بناء على طلب هذه الدولة الأخرى، في مشاورات ومفاوضات على الوجه المبين في الفقرتين 1و2 من المادة 17. 3- تمتنع الدولة التي تزمع اتخاذ التدابير أثناء المشاورات والمفاوضات، وعند تنفيذ هذه التدابير أو السماح بتنفيذها لفترة ستة أشهر، اذا طلبت ذلك الدولةالأخرى وقت طلبها بدء المشاورات والمفاوضات ما لم يتفق على خلاف ذلك.


المادة 19

التنفيذ العاجل للتدابير المزمع اتخاذها

1- اذا كان تتنفيذ التدابير المزمع اتخاذها أمرا بالغ الاستعجال من أجل حماية الصحة العامة أو السلامة العامة أو مصالح أخرى تساويها أهمية، جاز للدولة التي تزمع اتخاذ التدابير، مع مراعاة أحكام المادتين 5و7، أن تشرع فورا في التنفيذ، بصرف النظر عن أحكام المادة 14 والفقرة 3 من المادة 17. 2- في مثل هذ الحالة، يبلغ إلى دول المجرى المائي الأخرى المشار إليها في المادة 12 دون إبطاء إعلان رسمي بما للتدابير من صفة الاستعجال، مشفوعا بالبيانات والمعلومات ذات الصلة. 3- تدخل الدولة التي تزمع اتخاذ التدابير، بناء على طلب أي دولة من الدول المشار إليها في الفقرة 2، في مشاورات ومفاوضات معها فورا على الوجه المبين في الفقرتين 1و2 من المادة 17.


الباب الرابع

الحماية والصون والإدارة

المادة 20

حماية النظم الإيطولوجية وصونها


تقوم دول المجرى المائي منفردة، أو مشتركة مع غيرها عند الاقتضاء، بحماية النظم الإيكولوجية للمجاري المائية الدولية وبصونها.


المادة 21

منع التلوث وتخفيضه ومكافحته

1- في هذه المادة، يقصد ب"تلوث المجرى المائي الدولي" أي تغيير ضار في تركيب مياه المجرى المائي أو في نوعيتها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عن سلوك بشري. 2- تقوم دول المجرى المائي منفردة، أو مجتمعة عند الاقتضاء، بمنع أو تخفيض ومكافحة تلوث المجرى المائي الدولي الذي يمكن أن يسبب ضررا ذا شأن لدول أخرى من دول المجرى المائي أو لبيئتها، بما في ذلك الإضرار بصحة البشر أو بسلامتهم أو لاستخدام المياه لأي غرض مفيد، أو للموارد الحية للمجرى المائي، وتتخذ دول المجرى المائي خطوات للتوفيق بين سياساتها في هذا الشأن. 3- تتشاور دول المجرى المائي، بناء على طلب أي دولة منها، بغية التوصل إلى تدابير وطرق تتفق عليها فيما بينهما لمنع تلوث المجرى المائي الدولي والحد من التلوث ومكافحته، من قبيل:

أ- وضع أهداف ومعايير مشتركة لنوعية المياه.

ب - استحداث تقينات وممارسات لمعالجة التلوث من المصادر الثابتة والمنتشرة.

ج – وضع قوائم بالمواد التي يجب حظر ادخالها في مياه المجرى المائي الدولي أو الحد من ادخالها أو استقصاؤها أو رصدها.


المادة 22

إدخال أنواع غريبة أو جديدة

تتخذ دول المجرى المائي جميع التدابير اللازمة لمنع إدخال أنواع غريبة أو جديدة في المجرى المائي يمكن أن تكون لها آثار ضارة على النظام الإيكولوجي للمجرى المائي مما يلحق ضررا ذا شأن بدول أخرى من دول المجرى المائي.


المادة 23

حماية البيئة البحرية وصونها

تتخذ دول المجرى المائي منفردة أو بالتعاون مع دول أخرى عند الاقتضاء، جميع التدابير المتعلقة بالمجرى المائي الدولي واللازمة لحماية البيئة البحرية وصونها، بما فيها مصاب الأنهار آخذة في الاعتبار القواعد والمعايير الدولية المقبولة عموما.


المادة 24

الإدارة

1- تدخل دول المجرى المائي بناء على طلب أي دولة منها في مشاورات بشأن إدارة المجرى المائي الدولي، ويجوز أن تشمل هذه المشاورات إنشاء آلية مشتركة للإدارة. 2- في هذه المادة يقصد ب"الإدارة" بصفة خاصة ما يلي:

1- تخطيط التنمية المستديمة للمجرى المائي الدولي والعمل على تنفيذ آية خطط معتمدة. 2- القيام ، بطرائق أخرى، بتعزيز الانتفاع بالمجرى المائي وحمايته والتحكم فيه بطريقة رشيدة على الوجه الأمثل.


المادة 25

الضبط

1- تتعاون دول المجرى المائي، حيثما يكون ذلك مناسبا، للاستجابة للحاجات أو للفرص المتاحة لضبط تدفق مياه المجرى المائي الدولي. 2- تشترك دول المجرى المائي على أساس منصف في تشييد وصيانة الأشغال الهندسية للضبط التي قد تكون اتفقت على الاضطلاع بها، أو في تحمل تكاليفه هذه الأشغال الهنديسة، ما لم يتم الاتفاق على غير ذلك. 3- في هذه المادة يقصد ب"الضبط" استخدام الأشغال الهندسية المائية أو أي إجراء مستمر آخر لتعديل أو تنوع تدفق مياه المجرى المائي الدولي أو للتحكم فيه بطريقة أخرى.


المادة 26

الإنشاءات

1- تبذل دول المجرى المائي ، كل في إقليمها، قصارى جهدها لصيانة وحماية الإنشاءات، والمرافق، والأشغال الهندسية الأخرى المتصلة بالمجرى المائي الدولي. 2- تدخل دول المجرى المائي، بناء على طلب أي دولة منها لديها أسباب معقولة للاعتقاد بأنها قد تتعرض لآثار ضارة ذات شأن، في مشاورات بشأن ما يلي:

أ‌- تشغيل وصيانة الإنشاءات أو المرافق، أو الأشغال الهندسية الأخرى المتصلة بالمجرى المائي الدولي، بطريقة مأمونة. ب‌- حماية الإنشاءات أو المرافق، أو الأشغال الهندسية الأخرى من الأفعال المرتكبة عمداأو الناشئة عن إهمال أو بسبب قوى الطبيعة.



الباب الخامس

الأحوال الضارة وحالات الطورائ

المادة 27

منع حدوث الأحوال الضارة والتخفيف من آثارها

تتخذ دول المجرى المائي منفردة أو مجتمعة عند الاقتضاء، جميع التدابير المناسبة لمنع حدوث الأحوال المتصلة بالمجرى المائي الدولي التي قد تضر بدول أخرى من دول المجرى المائي، أو للتخفيف منها، سواء كانت ناتجة عن أسباب طبيعية أو عن سلوك بشري، مثل الفيضانات أو الجليد أو الأمراض المنقولة بالماء أو ترسب الطمي، أو التحات، أو تسرب المياه المالحة، أو الجفاف، أو التصحر.


المادة 28

حالات الطوارئ

1- في هذه المادة يقصد ب"الطوارئ" الحالة التي تسبب ضررا جسيما لدول المجرى المائي أو لدول أخرى، أو تنطوي على تهديد وشيك يتسبب هذا الضرر، وتنتج فجأة عن أسباب طبيعية، مثل الفيضانات أو انهيار الجليد أو انهيار التربة أو الزلازل، أو من سلوك بشري، مثل الحوادث الصناعية. 2- تقوم دول المجرى المائي، دون إبطاء وبأسرع الوسائل المتاحة، بإخطار الدول الأخرى التي يحتمل أن تتأثر المنظمات الدولية المختصة بكل حالة طوارئ تنشأ داخل إقليمها. 3- على دولة المجرى المائي التي تنشأ حالة طواري داخل اقليمها أن تتخذ فورا جميع التدابير العملية التي تقتضيها الظروف، بالتعاون مع الدول التي يحتمل أن تتأثر بهذه الحالة، ومع المنظمات الدولية المختصة عند الاقتضاء ، لمنع الآثار الضارة لحالة الطوارئ والقضاء عليها. 4- تضع دول المجرى المائي مجتمعة، عند الضرورة، خطط طوارئ لمواجهة حالات الطوارئ بالتعاون، حيثما يقتضي الأمر، مع الدول الأخرى التي يحتمل أن تتاثر بهذا الحالات ومع المنظمات الدولية المختصة.


الباب السادس

أحكام متنوعة

المادة 29

المجاري المائية الدولية والانشاءات وقت النزاع المسلح

تتمتع المجاري المائية الدولية، والانشاءات والمرافق والأشغال الهندسية الأخرى المتصلة بها، بالحماية التي تمنحها مبادئ القانون الدولي وقواعده الواجبة التطبيق في النزاع المسلح الدولي وغير الدولي ولا يجوز استخدامها بصورة تنطوي على انتهاك لهذه المبادئ والقواعد.


المادة 30

الاجراءات غير المباشرة

في الحالات التي توجد فيها عقبات جدية تعترض الاتصالات المباشرة بين دول المجرى المائي، تنفذ الدول المعنية التزاماتها بالتعاون المنصوص عليه في هذه الاتفاقية، بما في ذلك تبادل البيانات والمعلومات ، والإخطار، والإبلاغ، والمفاوضات، عن طريق أي إجراء غير مباشر ينال قبولها.


المادة 31

البيانات والمعلومات الحيوية للدفاع أو الأمن القومي

ليس في هذه المواد ما يلزم دولة من دول المجري المائي بتقديم بيانات أو معلومات هي حيوية لدفاعها أو أمنها القومي. ومع ذلك، تتعاون تلك الدولة بحسن نية مع دول المجرى المائي الأخرى بقصد تقديم أكبر قدر ممكن من المعلومات التي تسمح الظروف بتقديمها.


المادة 32

عدم التمييز

ما لم تكن دول المجرى المائي المعنية قد اتفقت على طريقة أخرى من أجل حماية مصالح الأشخاص ، الطبيعيين أو الاعتبارييي، المصابين بضرر ذي شأن عابر للحدود أو المهددين تهديدا شديدا بالاصابة بهذا الضرر نتيجة لأنشطة تتصل بالمجرى المائي الدولي، لا يجوز لدولة المجرى المائي أن تجري أي تمييز، على أساس الجنسية أو الإقامة أو المكان الذي وقع فيه الضرر عند منح هؤلاء الأشخاص، وفقا لنظامها القانوني، حق اللجوء إلى الإجراءات القضاية أو غيرها من الإجراءات، أو حق المطالبة بالتعويض أو غيره من الأشكال المنصفة فيما يتعلق بضرر ذي شأن ناجم عن هذه الأنشطة المنفذة في نطاق ولايتها.


المادة 33

تسوية المنازعات

1- في حالة نشوء نزاع بين طرفين أو أكثر بشأن تفسير أو تطبيق هذه الاتفاقية، وفي غياب اتفاق فيما بينها ينطبق على النزاع، تسعى الأطراف المعنية إلى التوصل إلى تسوية للنزاع بالوسائل السلمية وفقا للأحكام التالية. 2- اذا لم تتمكن الأطراف المعنية من التوصل إلى اتفاق عن طريق التفاوض بناء على طلب أحد الأطراف ، يجوز لها أن تشترك في طلب المساعي الحميدة أو الوساطة أو التوفيق من طرف ثالث، أو أن تستخدم، حسب الاقتضاء، أي مؤسسات للمجرى المائي المشترك تكون الأطراف قد أنشأتها أو أن تتفق على عرض النزاع على التحكيم أو على محكمة العدل الدولية. 3- رهنا بإعمال الفقرة 10 ، وإذا لم تتمكن الأطراف المعنية، بعد ستة أشهر من وقت طلب المفاوضات المشار إليها في الفقرة 2، من تسوية نزاعها عن طريق التفاوض أو اي وسيلة أخرى مشار إليها في تلك الفقرة، يعرض النزاع، وبناء على طلب أي طرف في النزاع، على لجنة محايدة لتقصي الحقائق وفقا للفقرات 4 إلى 9، ما لم تتفق الأطراف على خلاف ذلك. 4- تنشأ لجنة لتقصي الحقائق، تتكون من عضو واحد يسميه كل طرف معني وعضو آخر زيادة على ذلك، لا يحمل جنسية أي طرف من الأطراف المعنية يختاره الأعضاء المعينون ويتولى رئاسة اللجنة. 5- اذا لم يتمكن الأعضاء الذين تسميهم الأطراف من الاتفاق على اختيار رئيس خلال ثلاثة أشهر من طلب انشاء اللجنة، جاز لأي طرف معني أن يطلب إلى الأمين العام للأمم المتحدة أن يعين رئيسا لا يحمل جنسية أي طرف من أطراف النزاع أو جنسية أي دولة مشاطئة للمجرى المائي المعني. واذا أخفق أي طرف من الأطراف في تسمية عضو في غضون ثلاثة أشهر من الطلب الأولي عملا بالفقرة 3، جاز لأي طرف من الأطراف أن يطلب إلى الأمين العام للأمم المتحدة أن يعين شخصا لا يحمل جنسية أي طرف من أطراف النزاع أو جنسية دولة مشاطئة للمجرى المائي المعني، ويشكل الشخص المعين على هذا النحو لجنة مكونة من عضو واحد. 6- تحدد اللجنة اجراءاتها. 7- على الأطراف المعنية الالتزام بتزويد اللجنة بالمعلومات التي قد تطلبها والسماح لجنة، بناء على طلبها، بحرية الوصول إلى أراضي كل منها والتفتيش على أي مرافق أو منشآت أو معدات أو أي معالم مشيدة أو طبيعية ذات صلة، ذلك لأغراض تحرياتها. 8- تعتمد اللجنة تقريرها بأغلبية الأصوات، ما لم تكن لجنة مكونة من عضو واحد، وتقدم ذلك التقرير إلى الأطراف المعنية متضمنا النتائج التي توصلت إليها وأسبابها والتوصيات التي تراها مناسبة للتوصل إلى تسوية منصفة للنزاع، وتنظر فيها الأطراف المعنية بحسن نية. 9- تتحمل الأطراف المعنية بالتساوي نفقات اللجنة. 10- وعند التصديق على هذه الاتفاقية أو قبولها أو الموافقة عليها أو الانضمام إليها، أو في أي وقت لاحق، يجوز للطرف الذي ليس منظمة للتكامل الاقتصادي الاقليمي أن يعلن في صك خطي يقدم إلى الوديع، أنه يعترف ، فيما يتعلق بأي نزاع لم يسو وفقا للفقرة 3.

بما يلي كإجراءات اجبارية تلقاء نفسها، وبدون اتفاق خاص مع أي طرف يقبل الالتزام نفسه:

أ‌- عرض النزاع على محكمة العدل الدولية: و/أو ب‌- التحكيم أمام محكمة تحكيم قامئة وعاملة، ما لم تتفق أطراف النزاع على خلاف ذلك وفقا للاجراء المبين في مرفقه هذه الاتفاقية.

يجوز لطرف يكون منظمة للتكامل الاقتصادي الاقليمي أن يصدر إعلانا له الاثر نفسه فيما يتعلق بالتحكيم وفقا للفقرة الفرعية ب.


أحكام ختامية

المادة 34

التوقيع

يفتتح باب التوقيع على هذه الاتفاقية لجميع الدول والمنظمات الإقليمية للتكامل الاقتصادي في الفترة من 21 آيار/مايو 1997 حتى 20 آيار/مايو 2000 في مقر الأمم المتحدة بنيويورك.

من 21 آيار/مايو 1997 إلى 20 آيار/مايو 2000


المادة 25

التصديق أو القبول أو الموافقة أو الإنضمام

1- تخضع هذه الاتفاقية للتصديق أو القبول أو الموافقة أو الانضمام من جانب الدول ومن جانب منظمات التكامل الاقتصادية الاقليمية، وتودع صكوك التصديق أو القبول أو الموافقة أو الانضمام لدى الأمين العامل للأمم المتحدة. 2- كل منظمة اقليمية للتكامل الاقتصادي تصبح طرفا في هذه الاتفاقية دون أن يكون أي من الدول الأعضاء فيها طرفا فيها ملزمة بتنفيذ جميع الالتزامات الواردة في الاتفاقية. أما في حالة المنظمات التي تكون دولة أو أكثر من الدول الأعضاء فيها طرفا في هذه الاتفاقية ، فتقوم المنظمة والدول الأعضاء فيها بالبت بشأن مسئوليات كل منها في تنفيذ التزاماتها بموجب الاتفاقية، وفي هذه الحالات لا يحق للمنظمة والدول الأعضاء فيها التمتع بصورة متزامنة بالحقوق الواردة في الاتفاقية. 3- تقوم المنظمات الاقليمية للتكامل الاقتصادي في صكوكها المتعلقة بالتصديق أو القبول أو الموافقة أو الانضمام، بتحديد مدى اختصاصها فيما يتعلق بالمسائل التي تنظمها الاتفاقية، وتقوم هذه المنظمات أيضا بإبلاغ الأمين العام للأمم المتحدة بأي تعديل ذي شأن يطرأ على مدى اختصاصها.


المادة 36

بدء النفاذ

1- يبدأ نفاذ هذه الاتفاقية في اليون تسعين الذي يلي ايداع الصك الخامس والثلاثين والتصديق أو القبول أو الموافقة أو الانضمام لدى الأمين العام للأمم المتحدة. 2- بالنسبة للدول أو المنظمات الاقليمية للتكامل الاقتصادي التي تصادق على هذه الاتفاقية أو تقبلها أو توافق عليها أو تنضم إليها بعد أن يكون قد تم ايداع الصك الخامس والثلاثين، فيبدأ نفاذ هذه الاتفاقية في اليوم التسعين من قيام هذه الدولة أو المنظمة الاقليمية للتكامل الاقتصادي بايداع صك تصديقها أو قبولها أو موافقتها أو صك انضمامها. 3- لأغراض الفقرتين 1و2 ، لا يعد أي صك تقوم بايداعه منظمة اقليمية للتكامل الاقتصادي، صكا اضافيا إلى الصكوك المودعة من جانب الدول.


المادة 37

النصوص الرسمية

يودع النص الأصلي لهذه الاتفاقية ، التي تعتبر نصوصها الأسبانية والإنكليزية والروسية والصينية والعربية والفرنسية متساوية الحجية، لدى الأمين العام للأمم المتحدة.

وإثباتا لما تقدم، وقع على هذه الاتفاقية المبعوثون المفوضون الموقعون المأذون لهم بذلك حسب الأصول.

حررت في نيويورك، في اليوم الحادي والعشرين من آيار/مايو سنة ألف وتسعمائة وسبع وتسعين.


المرفق

التحكيم

المادة 1

يجرى التحكيم عملا بالمادة 33 من الاتفاقية وفقا للمواد 2 إلى 14 من هذا المرفق، ما لم يتفق أطراف النزاع على خلاف ذلك.


المادة 2

يخطر الطرف المدعى الطرف المدعى عليه بأنه يحيل نزاعا إلى التحكيم عملا بالمادة 33 من الاتفاقية ويحدد الاخطار موضوع التحكيم ويتضمن، بوجه خاص، مواد الاتفاقية التي يكون تفسيرها أو تطبيقها محل النزاع. وفي حالة عدم اتفاق الطرفين على موضوع النزاع، تتولى هيئة التحكيم أمر تقريره.


المادة 3

1- في حالة وقوع نزاعات بين طرفين، تتشكل محكمة التحكيم من ثلاثة أعضاء، ويعين كل طرف من أطراف النزاع محكما، ويختار المحكمان المعينان على هذا النحو، بالاتفاق المشترك محكما ثالثا يتولى رئاسة الهيئة. ولا يجوز أن يكون المحكم الأخير من حاملي جنسية أحد أطراف النزاع، أو أي دولة مشاطئة للمجرى المائي المعني، ولا أن يكون محل اقامته العادية في اقليم أحد هذين الطرفين، أو في هذه الدولة المشاطئة للمجرى المائي ، ولا أن يكون قد تناول القضية بأي صفة أخرى. 2- في حالة النزاعات بين أكثر من طرفين، تعين الأطراف التي لها مصلحة واحدة بالاتفاق المشترك محكما واحدا. 3- يجرى ملء أي منصب شاغر بالطريقة المحددة لبداية التعيين.


المادة 4

1- اذا لم يعين رئيس لهيئة التحكيم خلال شهرين من تعيين المحكم الثاني، يقوم رئيس محكمة العدل الدولية، بناء على طلب أحد الطرفين، بتعيينه خلال فترة شهرين آخرين. 2- اذا لم يعين أحد الأطراف في النزاع محكما خلال شهرين من تلقي الطلب يجوز للطرف الآخر إبلاغ رئيس محكمة العدل الدولية، الذي يقوم بتعيين المحكم الآخر خلال فترة شهرين آخرين.


المادة 5

تصدر هيئة التحكم قراراتها وفقا لأحكام هذه الاتفاقية ، والقانون الدولي.


المادة 6

تحدد هيئة التحكيم اجراءاتها ما لم تتفق أطراف النزاع على خلاف ذلك.


المادة 7

لهيئة التحكيم، بناء على طلب أحد الأطراف، أن توصي بالتدابير المؤقتة اللازمة للحماية.


المادة 8

1- على أطراف النزاع تيسيرعمل هيئة التحكيم، وبشكل خاص، عليها استخدام جميع الوسائل المتاحة لها من أجل:

أ‌- تزويدها بجميع الوثائق والمعلومات والتسهيلات ذات الصلة. ب‌- تمكينها، عند الاقتضاء، من استدعاء شهود وخبراء وتلقي شهادتهم.

2- يلتزم الأطراف والمحكمون بحماية سرية أية معلومات يتلقونها بوصفها سرا خلال سير التحكيم.


المادة 9

تتحمل أطراف النزاع تكاليف هيئة التحكيم بحصص متساوية، ما لم تحدد الهيئة خلاف ذلك بسبب الظروف الخاصة بالقضية. وعلى الهيئة أن تحتفظ بسجل لجميع تكاليفها وأن تقدم بيانات ختاميا بذلك إلى الأطرف.


المادة 10

لأي طرف ذي مصلحة ذات طابع قانوني في موضوع النزاع قد تأثر بالحكم في قضية، أن يتدخل في الاجراءات بناء على موافقة هيئة التحكيم.


المادة 11

لهيئة التحكيم أن تستمتع إلى ادعاءات مقابلة ناشئة عن موضوع النزاع مباشرة وأن تفصل فيها.


المادة 12

تتخذ هيئة التحكمي قراراتها بالنسبة للاجراءات والمضمون بأغلبية أصوات أعضائها.


المادة 13

في حالة عدم مثول أحد أطراف النزاع أمام هيئة التحكيم، أو اخفاقه في الدفاع عن قضيته، يجوز للطرف الآخر أني طلب من الهيئة الاستمرار في الاجراءات وإصدار حكمها ولا يشكل غياب أي طرف أو عجزه في الدفاع عن قضيته، عائقا أمام الاستمرار في الاجراءات. ويجب على هيئة التحكيم ، قبل اصدار القرار النهائي، أن تتأكد من أن الادعاء يستند إلى أساس قوي من حيث الواقع والقانون.


المادة 14

1- تصدر هيئة التحكيم قرارها الناهئي خلال خمسة أشهر من التارخي الذي استكمل فيه تشكيلها، مالم تجد من الضوروري تمديد الفترة المحددة لفترة أخرى لا تتجاوز خمسة أشهر. 2- يقتصر القرار النهائي الصادر عن هيئة التحكيم على موضوع النزاع وينص على الحيثيات التي استند إليها. ويجب أن يتضمن أسماء الأعضاء المشاركين وتاريخه. لأي عضو في الهيئة أن يلحق رايا منفصلا أو مخالفا للقرار النهائي. 3- يكون الحكم ملزما لأطراف النزاع، ويكون غير قابل للاسئناف ما لم تكن أطراف النزاع قد اتفقت مسبقا على إجراء الطعن. 4- لأي من طرفي النزاع أن يعرض أي خلاف قد ينشأ بينهما فيما يتعلق بتفسير القرار النهائي أو طريقة تنفيذه على هيئة التحكيم التي أصدرت القرار للبت في الخلاف.