الفصل الثامن: المياه الباطنية وأثرها في تشكيل قشرة الأرض

الفصل الثامن: المياه الباطنية وأثرها في تشكيل قشرة الأرض

سبق أن ذكرنا أن مياه الأمطار التي تسقط على سطح الأرض, منها ما يجري جرياناً سطحياً فوق قشرة الأرض, ويكون أنهاراً ومجاي سطحية, ومنها ما يتسرب إلى باطن الأرض في صورة مياه باطنية, وتعمل هذه المياه الباطنية أثناء حركتها خلال تكوينات قشرة الأرض على تشكيل سطحها وتغيير معالمه في جهات كثيرة من العالم, إذ إن نشاط هذه المايه الجوفية لا يقتصر على صخور قشرة الأرض وذلك أثناء حركتها خلالها - كما هي الحال في مناطق التكوينات الجيرية - بل كثيراً ما تؤر هذه المياه في سطح الأرض ذاته, فتكون بعض الحفر الضحلة, وبعض المنخفضات, والمغارات المنهارة. . . إلى غير ذلك من المظاهر الجيومورفية التي تظهر بوضوح وجلاء في المناطق التي تـتألف من تكوينات صخرية عظيمة التأثر بالمياه الباطنية.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

أنواع المياه الجوفية

وتوجد أربعة أنواع من المياه الباطنية:

(أ) مياه باطنية عذبة أو ملحة, إختزنت في صخور رسوبية أثناء عمليات ترسيبها ومازالت تحتويها هذه الصخور حتى وقتنا الحالي, وتعرف بالمياه الحفرية .

(ب) مياه باطنية عذبة ترتبط بعمليات النشاط الناري, أو تحرك كتل من الصهير فوق قشرة الأرض أو صوب سطحها, وما ينجم عن هذه الحركة من إنطلاق مياه ساخنة تحتوي على بعض العناصر المعدنية, ثم إختزانها في الفراغات البينية التي توجد بين جزيئات الصخر, وتعرف هذه المياه عادة بمياه الصهير أو المياه الحديثة.

(ج) مياه باطنية ملحة, توجد تحت سطح الأرض في المناطق الساحلية وترجع هذه المياه أصلاً إلى مياه المحيطات والبحارالتي تتسرب في صخور اليابس وتكويناته وتسمى بالمياه البحرية أو المحيطية .

(د) مياه باطنية عذبة مستمدة من مياه الثلوج أو الأمطار التي تتسرب في باطن الأرض وتسمى بالمياه الجوفية لأنها ترتبط بظواهر الطقس والجو ممثلة في ظاهرة التساقط. وبمثل هذا النوع أهم أنواع المياه الباطنية.

فمياه الأمطار إذن, تمثل المصدر الرئيسي لأهم أنواع المياه الباطنية, ويتوقف تسرب هذه المياه إلى باطن الأرض على نوع الصخور, وما إذا كانت هذه الصخور من النوع المتماسك أو النوع غير المتماسك, فمياه الأمطار عندما تسقط فوق منقطة تتألف من رمال سائبة, سرعان ما تتسرب عقب سقوطها في تكوينات الرمال التي تكاد تختفي منها المجاري السطحية للمياه, كما أنه إذا ما سقطت مياه الأمطار على منطقة تتألف من صخور رملية أو طباشيرية فلابد أن يتسرب جزء كبير منها خلال هذه الصخور المتماسكة على وجود الشقوق والمفاصل فيها إذ تتسرب مياه الأمطار في جوف الأرض إذا ما هطلت فوق منطقة تتألف من صخور جيرية كثيرة الشقوق والمفاصل. ويمكن القول بصورة عامة, بأن مياه الأمطار عندما تتساقط على منقطة متدرجة النحدار تقع في عروض معتدلة, وتنقسم إلى ثلاثة أقسام شبه متساوية: قسم يجري على سطح الأرض في صورة أنهار ومجار مائية, وقسم ثان يتسرب إلى باطن الأرض, وقسم ثالث يعود إلى الجو ثانية على شكل بخار قبل ملامسته لسطح الأرض.


الصخور والمياه الجوفية

وتنقسم الصخور على أساس علاقتها بحركة المياه الباطنية إلى نوعين رئيسيين:

1- صخور منفذة للمياه تسمح بأن تغور مياه الأمطار في باطن الأرض عن طريق الفراغات البينية التي توجد بين جزيئات الصخر, أو خلال الشقوق والمفاصل والفجوات التي توجد به.

2- صخور غير منفذة للمياه , ولا تسمح بتسرب مياه الأمطار ونفاذها إلى باطن الأرض, إما لأنها غير مسامية, أو لعدم وجود الشقوق والمفاصل بها, أو لتعرض المياه التي توجد في الفراغات الواقعة بين جزيئاتها للتجمد (كما هي الحال في الأقاليم القطبية) مما لا يسمح بنفاذ الماء وتسربه.

فكأن خاصية إنفاذ المياه تتوقف على شروط عديدة غير شرط مسامية الصخر (التي يقصد بها كبر الفراغات البينية التي توجد بين جزيئاته. أو غلظ وخشونة المواد التي يتألف منها الصخر وقلة إلتحامها ) ومن هذه الشروط, وجود الشقوق والمفاصل والفجوات بصورة ملحوظة, بالصخور المنفذة , كما يجب ألا تتجمد المياه التي تملأ الفراعات البينية التي توجد بين جزيئات الصخر, لأن هذا التجمد لابد أن يجعلها غير منفذة للمياه حتى ولو تميزت هذه الصخور بمساميتها وكثرة تشققها, فكأ، هنالك فرقاً كبيراً بين مسامية الصخر ودرجة إنفاذه للمياه, فصخر الجرانيت مثلأ, صخر غير مسامي ولكن مياه الأمطار تتسرب وتغور فيه بسهولة وذلك لكثرة شقوقه ومفاصله. كما أن بعض أنواع من الصخور الطينية التي تتألف من جزيئات دقيقة ناعمة تفصلها عن بعضها البعض فراغات بينية صغيرة ودقيقة, يمكن أن تدرج في قائمة الصخور المسامية, إلا أن كثرة المسام لا تسمح بنفاذ المياه وتسربها وخصوصاً إذا ما إمتلأت الفراغات البينية بالمياه, فكأن الصلصال يستطيع أن يحتفظ بالمياه ولكنه نادراً ما يسمح بنفاذها خلاله.

وتعرف الطبقة التي تنفذ خلالها المياه, والتي تستطيع إختزان هذه المياه إذا كانت ترتكز فوق طبقة أخرى غير منفذة لها, بخزان الماء الجوفي . فلابد إذن, لكي تتحول أي طبقة منفذة للمياه, إلى خزان للمياه الجوفية, فلابد من أن تمتد أسفلها طبقة أخرى صماء أو غير منفذة للمياه, إلى خزان للمياه الجوفية أو غير منفذة للماء تحول دون تسرب مياهها إلى باطن الأرض. ومع أننا كثيراً ما نلاحظ أن بعض الماء الذي تحتويه الطبقة الصخرية المنفذة للمياه, يعود إلى سطح الأرض مرة ثانية بواسطة القوة الشعرية (وخصوصاً في الأقاليم الجافة), أو بما تمتصه جذور النبات, إلا أن جزءاً عظيماً من مياه هذه الطبقة يبقى فيها ويتغلغل في باطنها, ويقوم بدور هام في تشكيل قشرة الأرض.

مستويات تواجد المياه الجوفية

وتوجد المياه الجوفية - في معظم الأحوال - تحت سطح الأرض على منسوب معين هو الذي يعرف بمستوى الماء الباطني . ويختلف هذا المنسوب عمقاً من مكان إلى آخر, فيكون قريباً من سطح الأرض في المناطق الرطبة الغزيرة الأمطار, والقريبة من البحار والأنهار. ويكون بعيداً عن سطح الأرض في المناطق الجافة. ويكاد يتمشى مستوى المياه الباطنية إلى حد كبير مع شكل التضاريس التي يتألف منها سطح الأرض, وكثيراً ما يتقاطع هذا المنسوب مع سطح الأرض في المناطق المنخفضة, كالأودية والمنخفضات, فيصبح جزء من هذا السطح تحت مستوى المياه الباطنية, ومن هنا تنشأ المستنقعات والبطائح المائية.

ويمكننا بصورة عامة أ، نميز ثلاث طبقات واضحة, لكل منها خصائص معينة فيما يتصل بعلاقتها بالمياه الجوفية:

(أ) طبقة غير حاوية للمياه الجوفية أو عديمة التشبع وهي التي توجد على سطح الأرض مباشرة, وهي لا تتشبع بالمياه إلا إذا كانت توجد بعض المياه الراكدة على سطح الأرض في صورة مستنقع أو بحيرة, تمر بهذه الطبقة وتتسرب خلال مسامها وشقوقها مياه الأمطار وهي في طريقها إلى خزانها الرئيسي في باطن الأرض. وتحتوي الترية السطحية على كمية محدودة من المياه هي التي تمتصها جذور النبات وعلى هذا يمكن القول بأن هذه الطبقة منفذة للمياه ولكنها لا تختزنها.

([) طبقة متقطعة التشبع وتنحصر هذه الطبقة بين أعلى منسوب يصل إليه مستوى المياه الباطنية بعد فترات الأمطار الغزيرة, وبين أدنى منسوب يهبط إليه في فصل الجفاف. وهذا يعني إنه إذ حفرت آبار في هذه الطبقة فلابد أن تكون فصلية وليست مستديمة.

(ج) طبقة مستديمة التشبع وهي التي تستقر فيها مياه الأمطار التي يمنع تسربها إلى باطن الأرض وجود طبقة صماء في أسفلها. ومعظم الآبار التي تحفر إلى أ، تصل إلى هذه الطبقة, آبار عميقة قد يزيد عمقها في بعض الأحيان على الثلاثة آلاف قدم.

من هذا نرى أن مستوى المياه الباطنية يعلو في بعض الجهات وينخفض في جهات أخرى مما يؤدي إلى تحرك المياه ابلاطنية من الجهة التي يعلو فيها هذا مستوى إلى الجهة التي يكون مستواه فيها منخفضاً. كما أن هذا المستوى لا يتميز بأنه عبارة عن منسوب ثابت, لأن غزارة الأمطار في فصل من فصول السنة لابد أن تؤدي إلى إرتفاع منسوب المياه الجوفية إرتفاعاً واضحاً. على أننا يجب أن نلاحظ دائماً أن حركة إرتفاع المياه الباطنية أو هبوطها خلال مسام الصخر وشقوقه حركة بطيئة تستغرق وقتاً طويلاً لكي تتم. فإذا كان فصل الشتاء هو فصل سقوط الأمطار فلابد أن تنقضي فترة من الوقت لكي يرتفع منسوب المياه الجوفية وغالباً ما يحدث هذا الإرتفاع في الربيع أو في أوائل فصل الصيف. وتتوقف المدة التي يستغرقها تسرب مياه الأمطار في صخور القشرة - مما يؤدي إلى رفع مستوى المياه الجوفية - على عوامل عديدة منها: درجة إنفذا الصخر للمياه, ودرجة ميل الطبقات الحاوية للمياه الجوفية, وكمية الأمطار التي تتساقط على الإقليم.

الينابيع

انظر: ينبوع

تختلف الينابيع إختلافاً كبيراً عن الآبار الإعتيادية, إذ تتميز مياهها بأنها تتدفق وتنبثق فوق سطح الأرض إنبثاقاً طبيعياً, بينما يشترط في الحصول على مياه الآبار, أن تحفر بئراً في صخور القشرة حتى تبلغ خزان المياه الجوفية, أو الطبقة المتشبعة بالمياه بمعنى آخر, ثم ترتفع منها المياه بعد ذلك إلى سطح الأرض. لابد بطبيعة الحال من توافر شروط جيولوجية معينة هي التي تساعد على تكون الينابيع, ويمكن إيجاز هذه الشروط فيما يلي:

(أ) من أكثر أنواع الينابيع شيوعاً, ذلك النوع الذي يرتبط وجوده بحافات صخرية ذات طبقات مائلة, وذلك في المناطق التي تتكون بصفة خاصة من صخور جيرية أو طباشيرية, إذ تتدفق المياه الباطنية - في مثل هذه المناطق - تدفقاً طبيعياً نحو سطح الأرض في صورة ينابيع تظهر, إما عند حضيض الحافة الصخرية , أو على طول السفح الذي تميل نحوه الطبقات الجيولوجية.

(ب) إذا أصيبت منطقة من المناطق بصدع, بحيث يؤدي هذا الصدع إلى هبوط أحد جانبيه (على طول محور الصدع ذاته) مما يؤدي إلى أن تهبط طبقة غير منفذة للمايه عن وضعها الأول, وتصبح واقعة جنباً إلى جنب مع طبقة أخرى منفذة للمياه, فلابد أن تعمل الطبقة الصخرية غير منفذة للمياه - في هذه الحالة - على حجز المياه الجوفية, ورفع منسوبها ثم تدفقها بعد ذلك على شكل ينبوع عند نقطة التصدع.

(ج) إذا سقطت الأمطار على سلسلة جبلية ثم إنسابت منها على هيئة سيول, فسرعان ما تتسرب مياه هذه السيول في رواسب الرمال والحصى التي تملأ أوديتها. وإذا ما إعترض مسير هذه المياه في بطن الوادي سد رأس قاطع للطبقات فلابد أن يعمل على حجزها ورفع منسوبها, ويصبح بمثابة سد باطني يؤدي إلى تجمعها ويعوق سيرها. ويتكون في هذه الحالة خزان طبيعي للمياه الجوفية تتدفق منه المياه إلى سطح الأرض تدفقاً طبيعياً.

وجدير بالذكر أن البدو من سكان الصحاري المصرية لا يفرقون أدنى تفرقة بين الينابيع والآبار, إذ يطلقون لفظة "[ئر" على كلا انوعين, وكل ما يهمهم معرفته, هو أن هنالك آباراً (أو ينابيع) قليلة التصريف المائي هي التي يعرفونها بالمجلات (جمع مجل), وغيرها غزير التصريف, ويجب أن نضيف هنا, أن مياه الينابيع تنبثق إلى سطح الأرض من أي نوع من أنواع الصخور, فمنها ما تتدفق مياهه من صخور رملية, ومنها ما تخرج مياهه إلى سطح الأرض خلال صخور من نوع السربنتين أو غيره من الصخور القاعدية التي يشتد تفتتها. أما الصخورالجرانيتية, فنظرأً لقلة تشققها وإنعدام مساميتها, فيندر أن تتدفق منها المياه على شكل ينابيع. ويمكن القول بصورة عامة, أن أكثر مياه الينابيع جودة, وأصلحها للإستهلاك الآدمي, تلك التي تتدفق من صخور ترتفع بها نسبة السيلكا (كالصخر الرملي). أما المياه التي تنبثق من صخور كالسربنتين أو الجابرو, لترتفع بها مركبات الجير أو الماغنسيوم فهي في أغلب الأحوال آسنة ترتفع بها نسبة الملوحة إلى درجة قد تعاف معها الجمال شربها.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الآبار الإرتوازية

انظر: بئر إرتوازية

تظهر الآبار الإرتوازية إذا مالت الطبقات الصماء التي تحتوي فيمابينها الطبقة المنفذة للمياه والمتشبعة بالمياه الجوفية (أو خزان المياه الجوفي ) ميلاً متقارباً بحيث تظهر هذه الطبقة وكأنها منثنية إنثناء مقعراً, فلابد أن يساعد هذا على تكوين حوض أرتوازي تختزن فيه المياه الباطنية حتى إذا حفرت لها بئر في وسط الإنثناء, ففي هذه الحالة تصعد المياه إلى سطح الأرض بقوة هيدروستاتكية (قوة إندفاع المياه إلى أعلى إندفاعاً طبيعياً) لكي تعادل منسوب الماء الأعلى في الطبقة المسامية المقعرة. فكأن الآبار الإرتوازية والحالة هذه - لا تظهر أو تتكون إلا إذا توافرت شروط جيوةلوجية معينة كوجود ثنية إلتوائية مقعرة, أو منطقة حوضية تحدها حوائط مرتفعة بحيث تندر من جميع الجهات صوب قاعها, وتكاد هذه الشروط تتوافر في بعض مناطق من العالم: كحوض لندن الإرتوازي - إذ إن مدينة لندن تستمد نسبة كبيرة من المياه التي تستهلكها من باطن الأرض, والأحواض الإرتوازية الستة التي توجد في قارة أستراليا والتي تستمد منها المياه التي تستمد المياه الباطنية من طبقة من الصخور الرملية, تنتمي إلى العصر الجوارسي, وتمتد في باطن الأرض على مساحة هائلة تزيد على نصف مليون ميل مربع, وتتجمع المياه من الأمطار الغزيرة التي تتساقط على المرتفعات الشرقية من القارة. وتتميز الآبار التي تحفر في هذه الأحواض الإرتوازية بأنا متناهية في العمق, إذ كثيراًِ ما يزيد عمقها على الميل, كما أن المياه التي تندفع منها تختلط بها كميات طفيفة من الأملاح, ولهذا تستخدم في إرواء الماشية وليس في أغراض زراعية. وتكاد تتركز أكبر الأحواض الإرتوازية في هذه القارة في قسمها الشرقي, على طول إمتداد المنحدرات الغربية لسلاسل جبالها الشرقية, حيث يوجد حوض مري في الجنوب, والحوض الإسترالي العظيم في الشمال.أما الأحواض الأربعة ألخرى فأقل مساحة وأهمية وتوجد جمعيعها بالقرب من السواحل الغربية والجنوبية للقارة وتتمثل هذه الأحواض في:

(أ) حوض يوكلا الذي يمتد على طول الجزء الأوسط من ساحل اقارة الجنوبي المطل على الخليج الإسترالي العظيم .

(ب) الحوض الصحراوي في شمال القارة ويطل على بحر تيمور.

(ج) الحوض الشمالي الغربي ويمتد على طول القسم الشمالي من الساحل الغربي للقارة.

(د) حوض السهل الساحلي ويمتد على طول القسم الجنوبي من الساحل الغربي, وهو الذي يمد مدينتي بيرث , وفريمانتل بنسبة كبيرة مما تستهلكه من مياه.

ولا يوجد في الإقليم المصري من الآبار ما ينطبق عليه الوصف العلمي الصحيح للآبار الإرتوازية, بل كل ما في وادي النيل والدلتا من الآبار, هي الآبار الإعتيادية التي تتستمد مياهها من طبقات رملية حصوية ترتكز فوقها الرواسب الطينية الفيضية. ويخترق مجرى النيل طبقات الرمل والحصى هذه مما يؤدي إلى تسرب مياهه إليها تسرباً جانبياً فتتشبع بالمياه, ولهذا يجد النهر في المياه التي تحتويها هذه التكوينات الرملية الحصوية مورداً آخر يغذيه في أوقات التحاريق التي ينخفض فيها منسوب مياهه. وبهذه الطريقة يعود إلى النهر قدر كبير من المياه التي تسربت جانبياً في الطبقات الرملية التي يتعمق مجراه خلالها.

أما منخفضات الصحراء الغربية, كالخارجة, والداخلة, والبحرية, والفرافرة, فيرجع خصبها في وسط هذه الصحراء الجدباء إلى وجود عيون متفجرة وآبار أقرب ماتكون إلى الآبار الإرتوازية الصحيحة. وتستمد هذه الآبار معظم مياهها من طبقة الخرسان النوبي المتشبعة بالمياه, وتبدأ هذه الطبقة فوق سطح الأرض على سفوح جبال عنيدي ودارفور في غرب السودان, وعندما تهطل الأمطار على هذه المرتفعات تمتصها الصخور الرملية التي تختفي تحت طبقات أحدث كلما إتجهنا شمالاً, وتنحدر المياه مع ميل هذه الصخور وإنحدارها, صوب الشمال لتظهر على شكل آبار وينابيع في منخفضات الصحراء الغربية. وتختلف وتتفاوت مناسيب المياه الجوفية في منخفضات الصحراء الغربية إذ بينما نجد مستوى الماء الباطني في الواحات الخارجة على عمق يتراوح بين 650, 700 متر تقريباً نجده في الواحات الداخلة على عمق يتراوح بين 300, 400 متر تقريباً.

العيون الحارة

انظر: ينبوع حار

قد تبلغ المياه المتسربة في باطن الأرض عمقاً كبيراً في بعض الأحيان فتكتسب حرارة عظيمة. وليس أدل على إرتفاع درجة حرارة المياه الجوفية كلما إزداد عمقها من أن درجة حرارة المياه المستمدة من آبار الواحات المصرية تتراوح في المعتاد بين بين 24 درجة مئوية, و40 درجة مئوية, هذا على الغرم من أن منسوب المياه الباطنية في هذه الواحات ليس بالغ العمق. ومعنى هذا أنه كلما إزداد عمق المياه الجوفية إرتفعت درجة حرارتها. وإذا ما وجدت في التكوينات الصخرية العليا التي تمتد فوق سطح الأرض مباشرة بعض الإنكسارات والشقوق, أو إعتراض الطبقة العميقة الحاوية للمياه الجوفية قاطع صخري, فلابد أن تخرج المياه إلى سطح الأرض في صورة عيون شديدة الحرارة هي التي ترعف بالعيون الحارة. ومثل هذه العيون معروف بالإقليم المصري وخصوصاً على شواطئ خليج السويس ومن أحسن أمثلتها, عيون حمام فرعون على الساحل الشرقي لخليج السويس (في شبه جزيرة سيناء) التي تبلغ درجة حرارة المياه المتدفقة منها حوالي 70 مئوية.ولابد بطبيعةالحال من أن تؤثر مثل هذه المياه في صخور قشرة الأرض, ويرجع هذا أولاً وقبل كل شئ إلى أن هذه المياه بحكم ما تكتسبه من الغازات,وخصوصاً ثاني أكسيد الكربون لها مقدرة كبيرة على إذابة بعض المواد المعدينة,فإذا تخللت صخوراً جيرية مثلاً, إستطاعت أن تذيب منها مقداراً كبيراً من كربونات الكالسيوم حتى إذا تدفقت بعد ذلك على سطح الأرض في شكل عيون, كانت هذه العيون جيرية وتترسب من مياهها بعض المواد الجيرية أو الترافرتين التي تتراكم حول فوهة العين أو بالقرب منها.

وإذا تخللت المياه الساخنة طبقات تحتوي على مركبات الحديد أو الكبريت, تكونت عيون حديدية أو كبريتية. ومن الطبيعي أن تكون مياه العيون الحارة معدنية (أي تحوي الكثير من العناصر المعدنية المذابة) أكثر من غيرها, ويرجع هذا إلى أن الماء الساخن أكثر قدرة من المياه على إذابة المواد المعدنية التي تتألف منها الصخور. ولهذا نجد أن أغلب العيون الحارة, إما عيون كبريتية (كعيون حلوان وحمام فرعون), أو سيلكية, أو جيرية, أو بها أملاح الكلور أو الماغنسيوم).

ومما لاشك فيه أن الصخور الجيرية تتأثر بالمياه الباطنية تأثراً بالغاً يفوق تأثر بقية الأنواع الصخرية الأخرى. ومن أحسن المناطق التي درست تكويناتها الجيرية دراسة دقيقة إقليم كارست بجمهورية سلوفينيا, وهو إقليم واسع يمتد على شكل نطاق كبير يسير موازياًَ للبحر الأدرياتي ويضم معظم جهات ساحل دالماشيا , كما يمتد هذا الإقليم نحو الشمال ليضم المناطق الشمالية الشرقية من إيطاليا. وتتميز هذا الإقليم بمجموعة من الظاهرات الجيومروفية الفريدة في نوعها تكاد ترتبط كلها بما ينجم عن عمليات الإذابة بفعل المياه الباطنية.ولكلمة "كارست" دلالة خاصة, إذ أصبحت تطلق على كل الظاهرات الجيومورفية المماثلة التي توجد في مناطق التكوينات الجيرية في أية جهةمن جهات العالم.

كارست

انظر: كارست


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

توزيع أقاليم الكارست في العالم

على الرغم أن الصخور الجيرية صخور واسعة الإنتشار على سطح الأرض, إلا أن ظاهرات الكارست الحقيقة لا تظهر إلا في مناطق محدودة بالإضافة إلى منطقتها الرئيسية في يوغوسلافيا (السابقة). إذ تظهر في أقليم كوس بجنوب فرنسا, وفي إقليم كوس بجنوب فرنسا, وفي إقليم الأندلس باسبانيا, وفي شبه جزيرة المورة باليونان, وفي القسم الشمالي من شبه جزيرة يوكوتان بأمريكا الوسطى, وفي جزيرة جمايكا . والقسم الشمالي من بويرتوريكو , وغربي جزيرة كيوبا . وكل هذه الجزائر من مجموعة جزر الهند الغربية. كما تتمثل ظاهرات الكارست أيضاً في السهل الساحلي المطل على الخليج الأسترالي العظيم, وفي الإقليم الأوسط من شبه جزيرة فلوريدا, وفي مناطق أخرى متفرقة من الولايات المتحدة, كما هي الحال في فرجينيا , وتنيسي , وجنوب ولاية إنديانا, والقسم الأوسط من غرب كنتاكي , ولا تظهر بطبيعة الحال كل الظاهرات الجيومورفية المرتبطة بالكارست في جميع هذه المناطق, إذ قد يظهر بعضها في بعض المناطق دون الأخرى, إنما يمكن القول بصورة عامة بأن المظهر العام للاندشافت الطبيعيفي مثل هذه المناطق يرتبط أوثق أرتباطاً بما ينجم عن عمليات الإذابة من ظاهرات جيومورفية تتمثل في البالوعات والكهوف , والأنفاق الباطنية . . . إلى غير ذلك من ظاهرات الكارست.

وتوجد نفس ظاهرات الكارست ولكن بصورة مخففة في بعض جهات جبال جورا والألب والأبناين, وفي المناطق الطباشيرية بإنجلترا أو فرنسا. وتتميز ظاهرات الكارست في كل هذه المناطق بأنها لم تكتمل بعد ولم تتضح معالمها بل مازالت في طور التكوين.

شروط تكون ظاهرات الكارست

لابد من توافر شروط معينة لكي تتكون ظاهرات الكارست المثالية, ويمكننا إيجاز هذه الشروط فيما يلي:

أولاً: لابد من وجود طبقات صخرية قابلة للأغذابة على سطح الأرض أو بالقرب منه. ومن المعروف أن الصخور الجيرية أكثر قابلية للإذابة من صخر الدورلومايت الأكثر صلابة, أو الطباشير .

ثانياً: لابد أن تكون هذه الصخور القابلة للذوبان كثيفة, وكثيرة الشقوق والمفاصل, ويستحسن أن تكون الطبقات التي تـألف منها طبقات رقيقة. وكثيراً ما كان يظن خطأ من قبل, أن أهم الشروط التي يجب أن تتوافر لحدوث ظاهرات الكارست, هو كون الطباقت الصخرية القابلة للإذابة مسامية منفذة للمياه. ولكننا نرى أنه كانت هذه الصخور مسامية فإن هذا يعني أن مياه الأمطار تتحرك خلال كتلة الصخر كلها, دون أن تتركز على طول خطوط محدودة هي مناطق الشقوق والمفاصل, وهذا هو السبب في أن ظاهرات الكارست لم تكتمل أو تنضج في المناطق الطباشيرية بإنجلترا وفرنسا, إذ أن, الصخور الطباشيرية صخور كثيرة المسام تحمل قدراً كبيراً من المياه ومن خوصها المميزة أن المياه إذا تسربت خلالها تحركت في كتلة الصخر كلها ولا تتركز على طول مفاصل أو شقوق بحيث تؤدي إلى توسيعها.

ثالثاً: لابد من سقوط كميات كبيرة من الأمطار, وكلما إزدادت غزارة الأمطار, كان هذا مدعاة لإكتمال ظاهرات الكارست. ولهذا نجد أن ظاهرات الكارست, يندر يندر تكونها في الأقاليم الجافة , بإستثناءمناطق من هذه الأقاليم هي التي شهدت في البلاستوسين عصراً مطيراً, تكونت إبانه معظم ظاهرات الكارست, كما هي الحال في منطقة التكوينات الجيرية بشبه جزيرة يوكوتان.

بعض الظاهرات الجيومورفية التي توجد بأقاليم الكراست

تتميز أقاليم الكارست في شتى جهات توزيعها بظاهرات جيومروفية عديدة لابد أنت نجد بها بعض الإختلاف والتباين نتيجة إختلاف الظروف التي تتكون فيها في شتى مناطق توزيعها. وسنحاول في الصفحات القليلة المقبلة أن نوجز بعض الظاهرات الأكثر شيوعاً وإنتشارً والتي نجدها مشتركة ومتشابهة في أقاليم الكارست العديدة.

أولأً: أرض الحمراء

ويتكون هذا النوع من التربة فوق التكوينات الجيرية في جنوب القارة الأوروبية بصفة خاصة. وهي عبارة عن المواد الصلصالية والطينية (التي ترتفع بها نسبة أكاسيد الكالسيوم والألومنيوم) التي تخلفت عن تعرض التكوينات الجيرية لعمليات الإذابة, وزوال مادة كربونات الكساليوم التي كانت تحتويها بفعل مياه الأمطار وما يندمج بها من غاز ثاني أكسيد الكربون. ويدل تراكم مثل هذه التكوينات الطينية الصلصالية على أن التكيونات الجيرية التي تخلفت عنها لم تكن نقية بل كانت تكثر بها الشوائب الطينية, وكلما إزدادت نقاوتها قلت مخلفاتها بعد تعرضها لعملية الإذابة. وتتفاوات هذه التربة الحمراء (التي تتكون جنوب فرنسا أو سهل الأندلس إلى عدة أقدام, كما أنها أكثر إكتمالاً في المناطق المسطحة أو المتدرجة الإنحدار, ولكنها تختفي إختفاءً تاماً من سفوح المنحدرات الشديدة.

ظاهرة البوجاز

وتكون هذه الظاهرة في المناطق المتضرسة من التكوينات الجيرية وهي تلك المناطق التي تختفي منها التربة الحمراء, ولاينمو فوقها غطاء نباتي. وقد تمكن اليوغوسلافي "يوفان شفييك " (1924) من راسة ظاهرة البوجاز في إقليم الكارست بساحل دلماشيا, وذكر أن هذه الظاهرة لا تتكون إلا في المناطق الجيرية النائتة الصخور والتي تتميز بخلوها من أي غطاء نباتي, وهي لهذا يندر تكونها في المناطق السهلة الأفقية الطبقات, إذ تتسرب مياه خلال الصخور النائتة, فتذيب قدراً كبيراً من المواد الجيرية مما يساعد على توسيع شقوق هذه الصخور ومفاصلها, وتستمر هذه العملية بسرعة وإطراد حتى لا يبقى من التكوينات الجيرية إلا كتل منفصلة مشرشرة, ذات سطوح كثيرةالتذبذب. وتتحكم في عملية الإذابة التي تؤدي إلى تكونظاهرة البوجاز هذه, عوامل عديدة هي التي تؤثر في سرعة قيامها بعملها وفي الإتجاه الذي تعمل فيه, ومن هذه العوامل: درجة إنفاذ الصخر لمياهالأمطار, وجود المفاصل وخطوط الإنفصال, وجود بعض عقد في التكوينات الجيرية, وكمية الأمطار.

ظاهرة البالوعات أو الحفر الغائرة

وهي من أكثر الظاهرات الجيومروفية - التي توجد باقاليم الكراست شيوعاً وإنتشاراً, إذ يكاد لا يخلو منها أي إقليم من أقاليم الكراست. وتوجد مثل هذه البالوعات بأعداد كبيرة في مناطق التكوينات الجيرية, فقد وجد الجيومورفلوجي الأمريكي "مالوت " (1945) من دراسته لظاهرات الكراست بولاية إندياينا, أن عدد هذه البالوعات في الميل الواحد المربع من الأرض يبلغ 1022 بالوعة, وعلى هذا قدر مجموعة ما يوجد منها بالقسم الجنوبي من هذه الولاية بأكثر من 300.000 بالوعة. وهذا يدل على أن ظاهرة البالوعات في مناطق الكراست تمثل في واقع الأمر أوضح ظاهرة جيومروفية باللاندشافت الطبيعي.

وتتفاوت البالوعات تفاوتاً كبيراً في مساحتها وعمقها, فقد لا تزيد مساحة بعضها على بضع ياردات مربعة, وقد تصل مساحة بعضها الآخر ما بين 10, 30 قدماً, وقد يغور بعضه في داخل التكوينات الجيرية مائة قدم أو أكثر. ومعظم هذه البالوعات ذات شكل قمعي بحيث تصل إلى أقصى إتساع لها فوق سطح الأرض. وتزداد ضيقاً كلما غارت - وتعمقت فيها, ولذا تبدو كأنها متصلة بالمجاريس السفلية التي تمتد تحت الأرض بما يشبه الأنابيب.

ويمكنناأن نميز بين نوعين رئيسيين من هذه البالوعات, نوع يتكون ببطء ملحوظ بفعل عملية الإذابة التي تواصل عملها في الصخور الأصلية بشرط ألا تكون هذه الصخور جراه عارية, وأن تتكون فوقها تربة واضحة المعالم كاملة التكوين بحيث تؤدي إلى وجود غطاء نباتي. وأما النوع الآخر فيتكون نتيجة إنهيار الصخور الجيرية السطحية, فوق شرخ أو مفصل إزداد إتساعه بفعل عملية الإذابة وتعرف البالوعات التي تنتمي إلى النوع الأول, بالدوليناس (كلمة صربية شائعة في إقليم الصرب بيوغوسلافيا) أو ال (يمكنأن تسمى ببالوعات الإذابة ), أما بالوعات النوع الثاني فتعرف عادة بالبالوعات الإنهيارية , وهي أقل شيوعاً من الدوليناس, وتختلف عنها في أن جوانبها صخرية شديدة الإنحدار نحو قاعها, كما أنها ليست مستديرة أو بيضاوية. ولابد بطبيعة الحال من أن تنصرف نسبة كبيرة من المياه التي تجري جرياناً سطحياً - في مناطق الكارست - إلى هذه البالوعات وسرعان مانجد بها بعض المسارب الباطنية التي توسعها وتتجمع فيها.

وكثيراً ما تندمج البالوعات المتجاوة (وذلك في المناطق التي قد يصل فيها عددها إلى بضع مئات ف يالميل المربع نم الأرض) بعد أن تزداد أطوال أقطار كل منها وتتسع مساحاتها, ويتكون إزاء هذا منخفض كبير قد تصل مساحته إلى عدة أفدنة مربعة. ويسمى مثل هذا المنخفض بالبالوعة المركبة .

وقد سبق ن ذكرنا أن المجاري المائية السطحية تكاد تختفي تمامأً ن سطح الأرض في مناطق التكوينات الجيرية, وتشق لنفسها مجاري باطنية ذات سقوف. وكثيراً ما تنهار بعض أجزاء من هذه السقوف بحيث يمكن عن طريقها رؤية مجرى النهر الباطني, وقد أطلق "مالوت" على مثل هذه الأجزاء المنهارة من سقوف الأنهار الباطنية إسم نوافذ الكارست , ويتراوح إتساعها من بضع بوصات إلى بضع كيلومترات. وتعرف الفتحات الكبيرة منها في إقليم بوزنيا بالأوفالا .

وهناك نوع آخر من البالوعات هو الذي يعرف ب"البوليي " وهي تسمية يوغوسلافية (شائعة في البوسنة) تطلق على الأحواض الطولية الشكل التي تتميز بأن أرضها مسطحة مستوية, وتحيط بها حوائط مرتفعة من كل جهاتها, وتكون في المناطق الجيرية التي تعرضت للهبوط سواء بحركات من الإلتواء أو الإنكسار. وكثيراً ما تصل مساحة بعض أحواض البوليي المثالية إلى عدة أميال مربعة. ويوجد عدد كبير منها في شبه جزيرة البلقان, وأكبرها حوض ليفنو بغرب يوغوسلافيا الذي يبلغ طوله 40 ميلاً ويتراوح إتساعه ما بين ثلاثة وسبعة أميال. فكأن هنالك إذن ظروفاً جيولوجية معينة هي التي تؤدي إلى تكون أحواض البوليي بعمليات الإذابة.

الأودية الباطنية والعمياء

تتميز المناطق التي تـتألف من طبقات جيرية أفقية أو قليلة الميل, بتعدد البالوعات والحفر الغائرة التي تعمل على تجميع كل المياه التي تجري جرياناً سطحياً فوق سطح الأرض مما يؤدي إلى إختفاء المجاري المائية السطحية تقريباً. وكثيراً ما تغور مياه جدول أو نهر صغير في بالوعة واحدة من هذه البالوعات فتحول إلى نهر باطني, وقد تغور في بعض هذه البالوعات أجزاء من مجرى نهر كبير قد يصل طولها إلى بعض أميال يجريها النهر في باطن الأرض قبل أن يعاود ظهوره فوق سطحها. ومن أمثلة هذه الأنهار: بولاية إنديانا, الذي تجري مياهه في باطن الأرض حوالي ثمانية أميال قبل أن يعاود ظهوره فوق سطح ألأرض, ونهر ريكا - القريب من مدينة تريست اليوغوسلافية - الذي يبلغ طول مجراه الغائص في باطن الأرض أكثر من 18 ميلاً.

وكثيراً ما تجف المجاري السطحية التي تغوص بعض أجزاء من مجاريها في جوف الأرض لفترة طويلة من السنة, ولا تمتلئ بالمياه إلا عقب سقوط أمطار عاصفة غزيرة لا تستطيع البالوعات إمتصاصه وإستيعابها, فتظل تجري على سطح الأرض, أو قد تتجمع المياه فيه بعد تلك الأمطار فتظهر على شكل بحيرة طولية مؤقتة تظل على سطح الأرض لفترة تتراوح بين بضعة أسابيع. وكثيراً ما تعرف المجاي السطحية التي تجف بعد أن تتحول مياهها إلى بحار أخرى باطنية, بالأودية العمياء . وينتج عن إمتلاء هذه الأودية العمياء عقب فترة أمطار غزيرة, حدوث فيضانات تهدد القرى والحقول في مناطق الكراست.

وقد يحدث أحياناً أن تعود مياه الأمطار الغائصة إلى سطح الأرض في صورة ينابيع تتفاوت تفاوتاً كبيراً في أحجامها وتصريفها, فتعود الأنهار إلى الجريان على سطح الأرض مبتدئة من عيون أو ينابيع في نقط أخرى في أسفل أوديتها. على أننا نرى أ، معظم الينابيع الصغيرة التي تظهر في أقاليم الكارست عبارة عن ينابيع تظهر فيها المياه بفعل الجاذبية , إذ تهبط المياه السطحية التي تجمعها البالوعات والحفر الغائرة في باطن الأرض حتى تصل إلى طبقة غير منفذة للمياه من الصلصال أو الطين المتماسك, فتتجمع فوقها, ثم تنحدر نحو أحد الأودية العمياء, وتخرج من جانب هذا الوادي على شكل عيون وينابيع, فتؤدي إلى تجمع المياه مرة أخرى في واديه الجاف أو الفارغ.

ومن الظاهرات الجيومورفية الهامة التي تحدث للمجاري المائية التي توجد في مناطق التكوينات الجيرية, سواء كانت هذه المجاري تجري في باطن الأرض أم على سطحها ظاهرة الأسر النهري الجوفي. وتحدث هذه الظاهرة إذا تمكن نهر سطحي من أن يعمق مجراه خلال تكوينات جيرية تقع قريبة من مجرى نهر باطني, إذ كثيراً ما تتحول مياه النهر السطحي إلى النهر الباطني الغائص عن طريق بعض المسارب الباطنية.

الدورة الجيومروفية في مناطق الكارست

يتضح لنا من دراستنا للمظاهر الجيومورفية المرتبطة ابلكارست, أن المياه الباطنية هي العامل الرئيسي في تشكيل سطح الأرض في مناطق التكوينات الجيرية, وقد كان "وليام مرويس ديفز" أول من وجه الأنظار إلى أن سطح الأرض في المناطق الجيرية يمر بدور جيومروفية شبيهة إلى حد كبير بالدورة العادية للتعرية التي يمر بها سطح ألأرض في المناطق التي تشق فيها الأنهار السطحية مجرايها فوقه, كما بين "ديفز" أن العملية الجيومورفية الرئيسية التي تعمل من أجل هذا الغرض هي عملية النحت الكيماوي.وتبدأ الدورة الجيومورفية للكارست بإحدى الطريقتين الآتيتين:

1- يحدث حركة رافعة في قشرة الأرض تؤدي إلى رفع منطقة تـتألف من طبقات جيرية فوق مستوى القاعدة, ويترعض سطح هذه المنطقة في نفس الوقت لعوامل النحت النهري.

2- بإرتفاع منطقة ما فوق مستوى القاعدة, بحيث تتألف من صخور حطامية توجد على سطح الأرض مباشرة, وترتكز هذه الصخور على طبقات جيرية.

وفي كلتا الحالتين, تبدأ الدورة الجيومورفية بجريان المياه جرياناً سطحياً فوق قشرة الأرض, ولكن تحول الجريان السطحي للمياه إلى رجيان باطني يتم طريقتين مختلفتني. فإذا كانت المنطقة التي تعرضت للإرتفاع تتكون من صخور تظهر على سطح الأرض أو بالقرب منه دون أن ترتكز عليها طبقات صخرية حطامية, فإن أول ما يحدث هو تعميق المجاري السطحية حتى تصل إلى مستويات قاعدتها, ثم يتم بعد ذلك توسيع الشقوق والمفاصل الرأسية - التي تنتشر في التكوينات الجيرية - وتعميقها, وتكيون البالوعات والحفر الغائرة, التي يتحول عن طريقها جزء كبير من المياه السطحية إلى باطن الأرض.

أما في المناطق التي تتميز بأن صخورها السطحية لا تقبل صخوراً حطامية غير قابلة للذوبان في الماء - كطبقات من شرائح الطين أو الحجر الرملي - ولكنها ترتكز على طبقات جيرية, فيتم تحول المياه من الرجيان السطحي إلى الجريان الباطني بطريقة معقدة تختلف تماماً عن الطريقة السابقة, وخصوصاً إذا كانت الطبقات السطحية الحطامية عظيمة السمك. وأول ما يحدث في هذه الحالة, هو تعميق الأنهار المتجددة الشباب (التي إنخفضت مستويات قاعدتها) لمجاريها خلال التكوينات الجيرية, وتتحول هذه المجاري إلى ما يعرف باودية الكارست التي هي عبارة عن أودية محفورة في تكوينات حطامية, وتتألف جوانبها من هذه الصخور, أما قيعانها فتتألف من صخور جيرية, وتمثل هذه الأودية المرحلة الإنتقالية بين الجريان السطحي والباطني. وكلما إزدادت هذه الأودية إتساعاً وعمقاً ظهرت البالوعات والحفر الغائرة التي تتضخم وتنتشر في بطون الأودية وجوانبها, ويتحول بعد ذلك جزء كبير من الأنهار التي تجري في تلك الأودية إلى مجار سفلية.

ويعد الجيومروفولوجي اليوغوسلافي "يوفان شفييك" من أحسن الذين درسوا الدورة الجيومروفية في أقاليم الكراست. وقسم المراحل التطورية التي يمر بها سطح الأرض في هذه الأقاليم إلى أربع مراحل رئيسية هي: مرحلة الشباب, ومرحلة النضج, ومرحلة النضج المتأخر , ومرحلة الشيخوخة.

وتبدأ مرحلة الشباب في نظر (شفييك) بجريان المياه جرياناً سطحياً فوق صخور جيرية يشترط أن يكون سطحها أعلى من مستوى المياه الباطنية. وتظهر مثل ههذ الصخور فوق سطح البحر, إذا ما ترعضت قشرة الأرض لحركة رافعة, أو إذا أزالت عوامل النحت طبقات أخرى كانت تعلوها.وتبدأ في هذه المرحلة عملية توسيع الشقوق والمفاصل التي توجد التكوينات الجيرية, ثم تعميقها, وتتكون في هذه المرحلة بالبالوعات وما يرتبط بها من ظاهرات جيومروفية أخرى, كما يتسرب جزء كبير من المياه السطحية في ابطن الأرض عن طريق هذه البالوعات,ولا تتكون الكهوف في هذه المرحلة, كما أن التصريف المائي الباطني لا يتم إكتماله فيها.

أما في مرحلة النضج, فتختفي المجري المائية السطحية, أو بعض أجزاء منها على الأقل, كما يصل التصريف المائي الباطني إلى أوج عنفوانه, وتنشط المجاري اتلمائية الباطنية في النحت, وتتكون في جوف الأرض, شبكة معقدة من الكهوف والمغارات التي تزداد أحجامها زيادة تدريجية.ويمكن القول بصفة عامة, أن ظارهات الكراست في مرحلة النضج تصل إلى نهايتها لاعظمى من الإكتمال والبلوغ, وتقتصر المياه التي تجري فوق سطح الأرض على بضعة أنهار صغيرة تنصرف مياهها إلى بالوعات عميقة, وعلى بعض الأودية العمياء , التي قد تمتلئ بالمياه عقب فترات الأمطار الغزيرة الفجائية.

وتمثل مرحلة النضج المتأخر بداية إنهيار وتلاشي معظم الظاهرات التي تكونت في المرحلتين السابقتين, إذ تنهار بعض أجزاء من سقوف الكهوف وتتكون نوافذ الكراست - التي سبق وصفها - وتزداد هذه النوافذ إتساعاً, وتتحول إلى ما يعرف بالأوفالات (النوافذ الكبيرة), كما تظهر فوق سطح الأرض بعض التلال المنعزلة التي تتخلف عنإذابة التكيونات السطحية وتخفيضها, وبإطراد عمليات النحتا اتلسطحي, ترق سقوف الكهوف شيئاً فشيئاًِ, حتى تتهدم وتنهار, وتنكشف المجاري السفلية تماماً.وتتميز مرحلة الشيخوخة بتحول المجاري المائية الباطنية مرة أخرى إلى مجار سطحية بعد أن تتلاشى الكهوف وتتم إزالتها, ولا تظهر فوق سطح الأرض إلا بعض التلال المنعزلة (الهامز أو البيبنو) التي تعتبر بمثابة البقايا التي تخلفت عن التكوينات الجيرية التي مرت عليها دورة الكراست الجيومورفية.

ومما يجدر ذكره هنا, أن المقصود من مراحل دورة الكارست هو توضيح الصورة العامة التي يظهر عليها سطح الأرض في مناطق التكوينات الجيرية, في كل مرحلة من مراحل الدورة, وكما سبق أن ذكرنا عند الكلام عن دورة التعرية النهرية من أن بعض الأنهار قد تظهر فيها خصائص الشباب والنضج والشيخوخة في آن واحد, يمكن القول با، بعض مناطق الكارست كذلك تتمثل في خصائص كل مرحلة من المراحل الأربع التي وضحها "شفييك". ومن الأمور الأخرى التي يجب أن نضعها في أذهاننا دائمأً, أن مراحل دورة الكارست الأربع مراحل متشابكة ومتداخلة بحيث لا يمكن في الواقع فصل إحداها عن الأخرى, مثلها في هذا كمثل مراحل دورة الترعية النهرية الثلاث.


البقايا السطحية لعملية النحت بفعل الإذابة

وتتمثل هذه البقايا السطحية في بعض التلال المنعزلة التي تظل مرتفعة عما يجاروها من مناطق واطئة, وذلك لأنها تتألف من صخور أكثر مقاومة لعملية الإذابة, وتتخلف هذه التلال بعد أن يتم "تخفيض" سطح الأرض في مناطق الصخور الجيرية في المرحلة الأخيرة من مراحل الدورة الجيورموفية التي تحدث في مثل هذه المناطق. وتعرف هذه التلال في يوغوسافيا بالهامز , وتطلق عليها أسماء عديدة أخرى في بقية أقاليم الكارست, إذ تعرف في بويرتوريكو بالبيبينو , وبالموجوتيز في جزيرة كيوبا. كما تعرف في فرنسا بال (في إقليم كوس في الجزء الجنوبي من هضبة فرنسا الوسطى). وتوجد أوضح الأمثلة لهذه التلال في إقليم الكارست بجزائر الهند الغربية, إذ يتراوح منسوب البيبينو بجزيرة بويرتوريكو فوق الأراضي الواطئة التي تحيط بها, ما بين 35, 300 قدم, وعادة ما توجد هذه التلال على شكل مجموعات متجاوةر, وتتميز جميعها بعدم إنتظام إنحدارها, إذ إن جوانبها الشرقية أشد إنحداراً من جوانبها الغربية, الشرقية التي تسود بإنتظام على الجوانب الشرقية مما يؤدي إلى إشتداد عملية الإذابة وإطرادها على طول الجوانب التي تواجه الرياح. وقد لاحظ "مايرهوف " (1938) أن ظاهرة عدم إنتظام منحدرات هذه التلال, تكاد تختفي تماماً من تلال الموجوتيز بجزيرة كيوبا التي تبدو مخروطية الشكل ذات إنحدار منتظم على طول كل جوانبها. وقد عزي هذا إلى أن أمطار جزيرة كيوبا من النوع التصاعدي .

الكهوف

انظر: كهف الكهف عبارة عن ممر طبيعي يوجد تحت سطح الأرض بحيث يخترق مفاصل الصخر وشقوقه. وقد تمتد هذه الكهوف في باطن الأرض إمتداداً أفقياً أو رأسياً, كما قد توجد على مناسيب عديدة وتظهر لها عدة طوابق. وقد تجري فيها مجار باطنية تتشعب في باطن الأرض, كما أنها كثيراً ماتكون خالية تماماً من المياه. ومما لاشك فيه أن إتجاهات المفاصل والشقوق التي توجد بالصخور الجيرية هي التي تحدد نمط هذه الكهوف والشكل العام الذي تظهر به.

وإذا تسربت مياه جيرية ترتفع بها نسبة أملاح الجير المذابة, إلى هذه الكهوف فقد تؤدي أحياناً إلى تكوين أعمدة رفيعة هي التي تعرف بالنوازل التي ترسب عند سقوف هذه الكهوف وتمتد صوب أرضها , وذلك لأن المياه المشبعة بالمادة الجيرية عندما تدخل إلى سقف الكهف تبقي عند فتفقد جزءاً مما تحويه من غاز ثاني أكسيد الركبون وترسب ما تحمله من كربونات الجير على هيئة بلورات يتزايد عددها وإمتدادها حتى يتكون عمود رقيق منها. وقد تسقط المياه الجيرية من سقف الكهف وتتراكم على أرضه حيث تترعض للتبخر وترسب مادة كربونات الكالسيوم المذابة بها, وتتكون أعمدة أخرى مقابلة للعود المتدلي من سقف الكهف, هي التي تعرف بالصواعد وهي تنمو إلى أعلى . وقد يتقابل العمودان ويشتبكان ويتكون عمود واحد سميك هو الذي يمكن أن نسميه بالعمود الجيري. وهنالك نوع آخر من أعمدة الترسيب الجيرية التي توجد في الكهوف ولا يشترط في نموها أن تمتد إمتداداً رأسياً, بل تنمو نمواً أفقياً, أو مائلاًِ على شكل خطوط منحنية وتعرف مثل هذه الأعمدة بالهاليستايت .

ويعتقد بعض الجيومورفولوجيين أمثال "لابازان" و "دي مارتون" و "مارتل " و "لوبك " و"مالوت" أن المجاري الباطنية التي تتشعب في التكوينات الجيرية ويتكون الكهوف والمغارات, لها كثير من خصائص الأنهار التي تجري فوق سطح الأرض. إذ إنها تقوم بعملها في النحت والهدم عن طريق عمليتي النحت الكيماوي والنحت الميكانيكي (أي النحت بقوة إندفاع المياه وما تحمله من مفتتات) معاً. ولكننا نرى في نفس الوقت أن "ديفز" وأعوانه قد أنكروا الدور التي تلعبه عملية النحت الميكانيكي أثرها محدود في هذا الصدد ولا يظهر إلا في ظروف محلية خاصة.ومما يؤيد الراي القائل بان عملية النحت الميكانيكي تسهم في تكوين الأنهار الباطنية والكهوف وجود كميات كبيرة من الصلصال والطين (والحصى في بعض الأحيان) في قيعان المجاري المائية والجوفية, كما ا،ه كثيراً ما تغطي مثل هذه الرواسب أراضي الكهوف. ولابد أن يؤدي تحرك مياه الأنهار الباطنية وما تحمله من رواسب, إلى توسيع جوانبها وتعميق مجاريها. ومن الأدلة الأخرى كذلك, وجود ظاهرة الحفر الوعائية في قيعان الكهوف والمغارات, كما قد توجد كذلك بعض الثنيات والمنحنيات.


انظر أيضا